دعت جوين أوبيرون للبقاء على العشاء. اشترت بمعونة ألبرت ما لم تره قط. سمكة جلدها داكن بحجم عجل صغير وبخطم شبيه بنصل سيف بطول ذراع ونصف. ثقلت السمكة لدرجة استدعت نقلها إلى السلحفاة على عربة ورفعها ثلاثة رجال.
قالت مترجية: "أرجو أن تبقَ. لدينا سمك كثير. لست أدري ما كنتُ أفكّر فيه".
وافق أوبيرون بعد إقراره بعدم خبرته في طهي وحش كهذا. وافق بغية التأكد من إعداد السمك حق الإعداد وحفظ ما تبقى منه كما يجب.
"تزهق روح حيوان ثم تلتزم بأن تجعل لموته شأناً. ولدي بعض الخبرة في السمك".
قطّع المسخ في باحة الدار. وضع قطعه الثخينة العديدة على لوح أرز بطول خمسة أقدام منقوع بماء ملح قد يكون في يوم ما قاعاً لصندوق بحري. هيّأ الجمر في موقد الباحة المكشوف. جمعوا ليموناً من الشجرة وشبتًا من نباتات قرب الباب. أضاف ذلك إلى السمك. وضع الكل فوق الجمر الخابي وغطاه بغطاء معدني. نضج السمك في غضون ساعة. تلاشى النهار حين جلسوا جميعاً إلى مائدة العشاء. شقّ عرض الضوء الساطع الذي يمثله الغيل نوافذ السلحفاة الضخمة محولاً المكان برمته إلى ذهب.
سحب ألبرت سدادة زجاجة نبيذ واحدة. وذاك أكثر من الحاجة إذ لم يكن أحد في مزاج يشجّع على الشرب. بدا رويس كأنه قد يقتل ألبرت حين سكب له الفيكونت كأساً.
قال أركاديوس وهو يمص شفتيه طرباً: "هذا مذهل يا جوين. أفضل من الببغاء الأزرق".
"لا تنظر إليَّ. أوبيرون هو الطاهي. دعوته إلى العشاء فمضى وأعدّ الوجبة بأسرها. وتبارك مأربور على فعله. أوقن أنني كنتُ لأدنّس هذه السمكة المسكينة".
نظرت إلى القزم.
"لست طاهية ماهرة كما ترين. أعرف فحسب أنني أفضل منهما".
أومأ ألبرت لأوبيرون وهو يبتلع لقمته.
"لم أكن أعلم أن قومكم بارعون في الطهي إلى هذا الحد".
ابتسم أوبيرون بأدب. أغمضت جوين عينيها وهزت رأسها. بدا الدهش على الفيكونت.
"ماذا؟ صحيح أليس كذلك؟ يُعرف الأقزام بصياغة المعادن وأعمال الحجارة لكن أحداً لا يأتي على ذكر موهبتهم في الطعام".
"وكل النساء بارعات في الطهي، والكاليانيون معروفون بقراءة المستقبل والمساومة أليس كذلك؟"
حدق فيها ألبرت مذهولاً.
"لكنك للتو قلتِ إنك بارعة في الطهي أكثر منا، وأنت سيدة أعمال قديرة، وعُرف عنك قراءة الطالع".
قلبت جوين عينيها بينما استمر ألبرت ضائعاً.
خاطبهم أوبيرون: "أعتقد أن ما تقصده السيدة هو أنه قد يكون من الحكمة كبح الأحكام المسبقة عن أمة بأكملها والاكتفاء بتقييم الشخص الماثل أمامكم استناداً إلى استحقاقاته لا إلى سجل الشائعات".
قالت جوين: "تماماً. والسبب الوحيد الذي يجعلني أطبخ أفضل من بقيتكم هو أنكم أكسل من أن تتعلموا".
أعلن هادريان: "حين نعسكر في مهمة أطبخ أنا. أظنني أبلي بلاء حسناً".
سعل رويس كأنه يوشك على الاختناق. احتسى القزم رشفة من نبيذه ومسح شاربه ولحيته.
"أمّأ أنا فلا أستطيع صياغة مقبض باب أو بناء حتى درجة حجرية واحدة. لم تكن عندي موهبة قط".
تلفت هادريان حائلاً.
"ظننت أنك..."
"ألم تبنِ هذا؟"
هز أوبيرون رأسه نافياً: "السلحفاة؟ لا. نحت البروندينليون هذا المكان من هذه المنحدرات قبل آلاف السنين".
أشار بإصبعه نحو رويس.
"تلك العشيرة التي ينحدر منها جرافيس بيرلينج خاصتك. بينما رضي بقية الدروميين بالعيش شمالاً في نيث، نائمين فوق قبر ثاين دوريث، لم يُعرف عن البروندينليون قناعتهم قط. لم يحبوا الانحناء للوريثيين أيضاً. نزلوا إلى هنا، وما إن أخضعوا جبل دروما حتى بنوا هذه الأماكن. كانت تلك بداية العصر الذهبي كما يسمونه. زمن أندفاري بيرلينج والملك ميديوني الذي قضى على الثينات القدامى وأسس المملكة الأولى".
أخذ القزم قضمَة أخرى وأرخى ظهره، ناظراً من النوافذ الأمامية نحو الغيبي فوق الميناء. تمايلت القوارب البيضاء في مياه مذهبة، وقام برجا دروموندور الأسودان ملقيين ظلالاً ضخمة على المدينة.
سأل هادريان: "أكنت صياداً طوال حياتك؟"
"أنا؟ أوه، لا. أوقن أنك طاهٍ أفضل مني صياداً. نادراً ما أطرد شيئاً وبالكاد أحتفظ بالسمك إن فعلت. يروق لي فحسب أن أكون في قاربي الصغير وحدي، أتمايل فوق المحيط، وأتقلب مع الأمواج، وأصغي إلى الريح والنورسي. السلام هناك".
"إذن، ماذا كنت تفعل في السابق؟"
امتص أوبيرون شفته السفلى وأعاد نظره إلى النافذة.
"تلك قصة طويلة".
قالت جوين: "أنا أحب القصص".
"لكن هذه تتضمن تاريخاً قزمياً محزناً طويلاً. لا أحد يحب ذلك، ولا حتى الأقزام. أظن يكفي القول إنني لست من هنا. وُلِدتُ في الشمال، قرب لانكستر في سلسلة ديثمار. هناك انتقلت أسر قزمية عديدة بعد أن ضمت الإمبراطورية القديمة بيلجريك عام 1912".
حدقوا جميعاً في ذهول ممّا دفع أوبيرون للضحكة خافتة. مسح لحيته البيضاء، رفع قبعته القشية، وحكّ رأسه الأقرع.
"أدرك أنني أبدو عتيقاً لكنني لست بمثل هذا القدم. برغم ما قد تكون سمعته، لا يمتلك الدروميون عمر جبل. أجدادي هم من نقلونا. وارتكبتُ أفعالاً كثيرة للغاية؛ لم أجد قط فائدة أو موهبة في المعول أو المطرقة".
وما كان لهادريان أن يدعي امتلاكه موهبة كبيرة للأرقام، لكن نظراً لأن عام 1912 مضى عليه أكثر من ألف عام، لم يظن أن الأجداد حلّوا اللغز.
"إذن، تلك الرموز الصغيرة على الجدران في كل غرفة. أكانت هنا مسبقاً؟"
خفض أوبيرون رأسه ونظر إلى المائدة.
"لا، رسمتُ تلك".
رفع كمّه كلياً ليُظهر العلامات ذاتها مرسومة على ذراعه.
"كما ترون، لست فناناً ماهراً أيضاً".
سأل ألبرت: "ماذا تعني؟"
تردد أوبيرون.
قالت جوين: "أخطر ببالك يوماً يا ألبرت أن الناس لا يضعون عادة علامات دائمة على أجسادهم عبثاً؟ ما تعنيه عادة يكون شخصياً. كأنما تسأل أوبيرون عما إذا كان يرتدي ملابسه من الجهة اليسرى أو اليمنى".
اتسعت عينا ألبرت فهماً.
"أوه. آسف".
بينما بدا أن هذا قد جلى الأمر بالنسبة للفيكونت وجوين، فإن هادريان وويس وأركاديوس وحتى أوبيرون بدوا حائرين.
سأل هادريان: "أتقصد أي ساق يضعها في بنطاله أولاً؟"
أغمضت جوين عينيها وخفضت رأسها.
"لا، دعه وشأنه. لدينا ضيف".
نظر الجميع إلى ألبرت الذي بادلهم الابتسامة.
"إنه أمر يسأله الخياط قبل أخذ قياس ما بين الساقين للبنطال مفضلاً أداء عمله على الجانب، آآه"— ألقى نظرة سريعة على جوين — "الشاغر".
أطلقت جوين أنّة.
قال أوبيرون: "لا بأس. الوشم، إنه رمز بسيط لأنني رسام فاشل. إنها عائلتي. الخط الطويل تعلوه دائرة هو زوجتي العزيزة، والخطّان الأقصر من الجانبين هما ابناي. توفيا منذ سنوات عديدة".
قالت جوين له: "أنا آسفة".
أومأ أوبيرون: "أجل، وأنا كذلك".
لم يشعر رويس يقط قط بأنه يعرف مكاناً إلا حين يراه من أعلى. السُّحوح، الجدران، الشرايين الرئيسية، نقاط الاختناق، ومواطن الضعف في أي مدينة؛ كلها تبدو أفضل من فوق أسطح المنازل وفي الظلام وحده. الرجل الواقف في مكان عالٍ نهاراً يثير الفضول. يُشير إليه الناس، يحدقون، ويصيحون، لكن في الليل لا يرى أحداً أحدٌ. حين يقف أمام السماء السوداء يغدو خفياً وحراً في دراسة ساحة اللعب تحت قدميه.
هكذا كان يرى الأمر، لأن أحدهم كان يلعب معه لعبةً بلا ريب. لم تكن هذه مهارة إدراكية عظيمة. خصمه لم يكن خفياً، مما يعني أن عدوه لا يخشى العواقب. هذا يعني أمرين: إما أن خصمه لا يبرح يجهل هوية رويس، وإما أنه يعرف ولا يبالي. الأولى خطأ المهاجم، والثانية خطأ رويس. ترك هذا لرويس لغزاً أزلياً: من، ماذا، ولماذا. هذه الألغاز تُصارع أفضل ما تُصارع فوق الأسطح، حيث يبقى وحيداً مع أفكاره.
في تلك اللمسة، بعد أن تمنيا ليل سعيداً لأوبيرون، وبينما كان الباقون نائمين، تسلل رويس وجثم على قبة مبنى يتشارك جداراً مع السلحفاة؛ فكل مباني تور ديل فور متصلة بطريقة ما. من هذه المئذنة، استطاع رويس أن يرى كيف نُحتت الرولكينز من الجرف نفسه. كل منزل مسكن مستقل لكنه جزء متصل من تمثال واحد. الجدران والسلم شكلا نسيجاً رابطاً، وبدت الشوارع الضيقة المتعددة في الأسفل كخطوط على لوحة واحدة نخرها السوس.
التجوال حول المدينة بعبائه طوال اليوم عرق ما تبقى من الخبيث وصفى رأس رويس. العشاء استعاد قوته. الآن، هواء الليل ينفخ الحياة في روحه من جديد. عرف أنه بحاجة للتفكير، لكن عقله واصل الانزلاق نحو الموضوع نفسه، وهذا لم يساعد قط. استيقظ رويس على الندم، عارفاً أنه بدا غبياً مع غوين. أظنني رقصت معها! ولحسن الحظ لم يكن ذلك الجزء واضحاً تماماً. كل ما تذكره كومات من الظلال، وموسيقى هامسة ناعمة، وإمساك غوين بقرب فاحش بينما كانا يتأرجحان معاً.
استعاد ضغط جسدها، ومنحنياته، ونعومته. لم يكن لدى رويس أي فكرة عن مدة رقصهما، أو من رآهما، أو ما فعله أيضاً. لكن شيئاً واحداً كان لا ينكر. قبلتها. كان متأكدأً من ذلك. القبلة برزت ساطعة كالشمس، حادة أكثر من أن يُنظر إليها مباشرة أو يفكر فيها بلا وسيط. عقله المخلل صنع تحفته الضبابية الخاصة للحظة أجمل من أن تُدمر بالتدقيق. الأفضل أن يتذكر الأسطورة؛ لحظة فريدة من النقاء والشغف فاقت كل تجربة أخرى في حياته.
وكما أشار هادريان، لم تبدو غوين منزعجة. ومهما صعب استيعاب الأمر، إن كان صادقاً مع نفسه، وجب عليه الاعتراف بأنها بدت وكأنها تحب ذلك حقاً. كان هذا كشفاً، ومثل كل ما يتعلق بغوين، غير متوقع تماماً. لكن تقبيلها تجاوز خطاً، خطاً خطيراً. على مر السنين ورغم كل الجهود لكبح نفسه، نمت مشاعره تجاه غوين. الاثنان تجمعهما ألفة جيدة. كانت مريحة، وهو يستمتع بصحبتها، وهو أمر نادر نظراً لكرضه لمعظم الناس.
يتشاركان قرابة ما. لم تتحدث غوين كثيراً عن ماضيها، فقط بالقدر الذي جعل رويس يدرك أن حياة المرأة لم تكن موكباً من الحلوى، والكعك، والإطراءات. هربت والدتها من كاليس عندما كانت غوين في الحادية عشرة وحدها، بلا تفسير. وحدهما، قطعت الاثنتان مئات الأميال على طرق خطرة نحو منطقة مجهولة حيث لا يُستقبل أمثالهما بأذرع مفتوحة. ثم، في مكان ما حول فيرنيز، ماتت والدتها. لم يعرف رويس كم كان عمر غوين حين انضمت إلى صفوف اليتامى رسمياً، سوى أنها كانت أصغر من أن تبقى وحدها.
وبينما ظل رويس وحيداً دائماً، لابد أن شبابه كان أسهل. فتاة فقيرة، جذابة، وأجنبية تُركت في برية رجال أقساة تجعل أيامه في التنافس مع جرزان المجاري على الطعام تبدو وردية. عرف رويس كثيراً من الرجال والنساء الذين أجبروا على مواجهة مشاق رهيبة، لكن قلة فعلوا ذلك بالنعمة، والذكاء، والفطنة التي أظهرتها غوين. ولم يخرج أحد منهم قط من المجاري برائحة عِطر، وما زالت كرامتهم وإنسانيتهم سليمتين.
غوين فعلت. لقد أجب فيها ذلك. كانت شخصاً أفضل منه، أفضل من أي شخص المقاهي قط. كيف يمكن لسيدة مثل غويندولين ديلانسي أن تراه إلا مقرفاً، كان لغزاً يضاهي زرقة السماء. ولم يكن الأمر لمجرد أنها تظن أنه أخف درجات القبح. بل كانت غوين تحترمه بصدق بالطريقة نفسها التي يقدرها هو بها. هذا الإعجاب الغامض واسع العينين منح رويس دعوة إلى أرض الكرامة واحترام الذات التي طالما أُغلقت خلف أبواب الحديقة.
حين يكون معها، يشعر بالأهمية، والذكاء، وبقدر ما يبدو الأمر سخيفاً، بالخير. في عينيها على الأقل، كان بطلاً من نوع ما، ومن خلال ذلك الزجاج الملون رأى مستقبلاً لم يكن مظلماً ومأساوياً؛ لمس انعكاساً لنفسه يبدو أكثر من مجرد خطأ. لكن مع هذه الهدية الثمينة جاء الخوف القاتل من تدمير كل شيء. رويس مرعوب من السقوط من فوق قاعدته ورؤية نظرة الاحترام تلك تتلاشى إلى الأبد من عينيها.
بالطبع، وُجد احتمال ضئيل بأنه حين كان مخموراً، كان فاتناً، بليغاً، جَسوراًَ، جذاباً، و... وربما تتعلم البقرات حياكة الكنزات إن توفر صوف كافٍ. تنهد حتى سقط كتافاه، ثم اخذ نفساً عميقاً. يجب أن أتوقف عن هذا. ينبغي أن أفكر. أحداث كثيرة تقع. رويس رجل في غابة، يجمع الحطب لنار بعزم وحده متجاهلاً الطقطقة والحفيف اللذين لا ينقطعان في كل مكان. لقد طعن رجلاً في حلقه، لكن هذا لم ينه حياة الرجل فحسب، بل إن الميت المفترض تَبِعه نصف الطريق حول العالم ليعرض عليه عملة.
العدد الهائل من المسائل غير المفهومة الناشئة عن تلك المجموعة الواحدة من الأحداث كان مذهلاً لدرجة تجعله يتساءل عما إذا كان هادريان محقاً في كون الأمر حلماً. والآن، وصلا للتو، واقتحم أحدهم المنزل الذي استأجروه وفتشه، وليس لديه أدنى فكرة عمن يكون أو لماذا فعل ذلك. لم يُسرق شيء، لذا لم تكن سرقة تافهة. لم يُصَب أحد ولم يُطلق تهديد، مما يعني أنه لم يكن ترهيباً. لم تُبذل أي محاولة لإخفاء الفعل، لذا لم يكن الكتمان موضع اهتمام.
من يكونون؟ ماذا يريدون؟ وهل حصلوا عليه؟ بما أن رويس والآخرين وصلوا للتو ولم يفعلوا شيئاً غير معتاد، بدا مستبعداً أن يكون أي منهم الهدف. ربما لا علاقة للتفتيش بنا. أوبيرون شخصية مريبة لها ماضٍ غامض، وبعد كل شيء، هذا منزله. قد نكون الضحايا غير اللائقين في حرب عشائرية محلية. أو ربما أنجليوس محق، وأحدهم يبحث فقط عن طرد الساعي المفقود. كانت هذه أفكاراً متفائلة بغرابة، فطردها رويس، عازياً تلك الأفكار إلى الآثار المتبقية لتسميم عقله بالخمر.
بدلاً من ذلك، خلص إلى أنه يعرف شيئين. أولاً، وُقِّت التوغل ليكون حين تكون السلحفاة فارغة، مما يعني أن أحدهم كان يراقب تحركاتهم. ثانياً، يفتقر رويس إلى معلومات كافية للوصول إلى استنتاج معقول حول أي شيء آخر. قاده هذا الجهل التام إلى الجثم على السطح تلك الليلة. كان يأمل أن يكون من كان يراقب لا يزال يفعل. هناك احتمال أن يحصل رويس على الإجابات المطلوبة باستفسار مهذب. لكن إن كان محظوظاً، فسيتطلب الأمر أكثر من مجرد السؤال.
في الأعلى، في السماء المليئة بالنجوم، بلغ نصف قمر ذروته، ملقياً ضياءً فضياً بارداً في خط عبر المحيط ومضيئاً الأسطح والجدران البيضاء للمدينة. تحت رويس، كانت بعض الفوانيس لا تزال تشتعل، باعثة وهجاً أصفر دافئاً. وجد جمالاً غير متوقع في التباين، عبارة تُصرخ في الليل، صدى متبقياً من قرون مضت حين أشعل الأقزام نار مخيم على تلك الشواطئ وأعلنوا أنهم باقون. لم يهتم رويس قط بالصانعين الماكرين وصغار الحجم.
مثل الكلاب النابحة والثلج المتساقط الذي يكشف الآثار، شكلا عقبات مزعجة لتجارته عبر خلق أبواب وصناديق يستحيل فتحها. ومع ذلك كان عليه أن يعجب بالعمل المنجز هنا: مساكن الجرف وبالطبع الأبراج الهائلة؛ زوج من الأرجل المظلمة العملاقة تمتطي الرؤوس، ظلال أكبر من أن تكون حقيقية. كم استغرق الأمر؟ كم من الجهد أُبذل في مثل هذا الإنجاز؟ كيف تمكنت هذه الخلية من الطرق والسلالم والمباني من التناسب معاً بهذا الكمال؟
والأهم من ذلك كله... كيف نحتوا برجاً من بركان واحد وروّضوا الوحش في تلك العملية؟ مع ذلك، لم تكن تور ديل فور مجرد نجوم ونسيم محيط. كان هناك قبح أيضاً. في الشوارع بالأسفل، شهد الجانب المظلم من الحياة في الفردوس. على بعد رولكينَين، كان زوجان يتشاجران في فنائهما. كانت تتذمر من أنه يشرب كثيراً. تماماً مثل البيت، فكر رويس. بعد فترة، تجول ثلاثة شبان حفاة في سراويل قصيرة، أحدهما بلا قميص وآخر في صدرية رخيصة، عبر المدينة، مطيحين ببراميل المطر وممزقين المظلات.
ثم كسروا نافذة بنبتة أصيص. كان الضوضاء عالية تقريباً كصرخة المرأة، وفر المرتكبون ضاحكين بجنون. بعد ذلك، توقف زوجان آخران كانا يقومان بنزهة متأخرة تحت الفولاذ المفرد عند التقاطع الرباعي الأضلاع. ركع الرجل ورفع جسماً صغيراً. همست المرأة بشيء وأومأت. ثم في تلك البركة من الضوء، تعانقا، تقبلا، ولم يتوقفا لأكثر من ساعة. في آخر تفقد، كان قميص الرجل مخلوعاً، وأشرطة فستان المرأة تسير في الاتجاه نفسه.
ترك هذا رويس يتساءل عن مدى حكمة قرار المرأة إن كان البائس لا يستطيع تحمل تكلفة غرفة. ثم، بالطبع، كان هناك المراقبَان الهادئان؛ كلاهما انعكاس له نفسه. جلس أحدهم على مقعد الشرفة العامة خارج بوابة السلحفاة. كان يرتدي زياً ليلياً؛ ملابساً داكنة لكنها ليست سوداء تماماً وفضفاضة بما يكفي لتوفير سهولة الحركة لكنها مشدودة عند الأطراف. نادراً ما تحرك. بقي المراقب الآخر أبعد.
كان أسفل السلالم المتعرجة، بعيداً جداً لدرجة أنه بدا بالكاد أكثر من ظل حتى لعين رويس. الأول راقب السلحفاة، والثاني راقب الأول. كلاهما كان هناك منذ فترة طويلة تقريباً مثل رويس، وظهرا بعد شروق القمر مباشرة. لم يبدو أن أياً منهما لاحظه. بالهبوط عن القبة من الجانب البعيد، استدار رويس متحركاً ومنخفضاً. انتقل إلى مؤخرة الشرفة، مقدراً موقعه عن طريق النخلة المتايلة التي تنمو بجوار المقعد.
ثم، صامتاً كقطة خرساء، تسلل خلف المراقب رقم واحد مباشرة ووضع أليفيرستون على رقبة الرجل.
"لماذا تراقب السلحفاة؟"
لم يحتاج رويس لقول المزيد. لن تكون التفسيرات ضرورية. الرجل على المقعد محترف.
"ماذا تقصد؟"
أجاب المراقب، غير منزعج.
"أنا هنا فقط لأستنشق بعض الهواء."
"أجب عن السؤال."
"لماذا؟"
سأل المراقب. لم يعجب رويس موقف الرجل. كان مسترخياً جداً، واثقاً جداً. يفوتني شيء ما. ألقى نظرة خاطفة أسفل الشارع، لكن المراقب رقم اثنين لم يتحرك. استطاع رويس الآن أن يرى أيضاً أنه لا يبدو من الفئة نفسها. كان المراقب رقم اثنين مرتدياً شبهاً بالأطفال الثلاثة الذين كسروا النافذة، باستثناء عباءة مقلنسة استخدمها للاختباء. ليس محترفاً. لا يهم. إدراكاً لأن رويس ينظر إليه، فر المراقب رقم اثنين.
ليس هو. هناك شيء آخر.
"لا تريد قتلني"، قال الرجل على المقعد.
"افعل ذلك، وسيتعين عليك جر جثتي طوال الطريق إلى الميناء للتخلص منها. هذا كثير من العمل، وأنت هنا في عطلة."
من المدخل المقنطر لبوابة الجار، لاحظ رويس حركة. ظهر لاعب ثالث في مسرح تلك الليلة. خطى إلى ضوء القمر كممثل يقوم بدخول مشؤوم على المسرح. مرتدياً مثل رفيقه، أضاف إلى ذلك الطقم بإكسسوار إضافي تمثل في قوس قياسي موجه نحو رويس.
"الآن"، قال المراقب رقم واحد: "ما رأيك أن تبعد ذلك الخنجر عن رقبتي؟ لدي بعض الأسئلة لك."
ثواك! تراجع رويس غريزياً، متفادياً عند الصوت لكنه يعلم أنه متأخر جداً. على هذا النطاق، لم تكن لديه فرصة. كانت فكرته الأخيرة حيرة مطلقة. لماذا قتلتني إن كنت تريد الإجابات؟ لكنها لم تكن فكرة رويس الأخيرة. بدلاً من ذلك، انهار الرامي بالنشاب. اصطدم بالحجر وهو يئن. عندئذ أطلق سلاحه المشحون دائماً. انكسرت النبلة جدار الشرفة على بعد قدمين إلى يسار رويس. خلف الرامي الميت بالنشاب وقف شخص آخر، أقصر بكثير.
ظهر أوبيرون من المدخل المظلم نفسه. دون أن يرفع عينيه عنهما، أعح شحن سلاحه بالدرجة نفسها من الخبرة لجدة لعشرة أطفال تحيك الجوارب. في ثوانٍ، أصبح مميتاً مرة أخرى.
"لا يتعين عليك جر الجثث من هنا"، أوضح أوبيرون.
"أنا عادة أرميها فقط فوق الجدار خلفك. تسقط مباشرة في الماء قرب الرصيف الخامس. سنارة صيد وخط سحب سيخرجانها إلى المياه العميقة. أسماك القرش تحبهم."
أشار القزم بقوسه نحو المراقب رقم واحد.
"انتظر!"
قال رويس. كان يشعر كنادل يحمل أطباقاً كثيرة وتُدفع إليه المزيد. لبلدة ميناء ناعسة، تبين أن تور ديل فور مزدحمة تماماً، ولم يكن رويس لا يزال مئة بالمئة. أنزل أوبيرون القوس، متفاجئاً.
"صديقك، أهو كذلك؟"
"لا."
"جيد."
ارتفع القوس مرة أخرى.
"انتظر، قلت!"
"لأجل ماذا؟"
"أحاول الحصول على بعض المعلومات هنا."
"حقاً؟"
ضيق أوبيرون عينيه.
"ماذا تريد أن تعرف؟"
"لبداية، من هو ومن يعمل لصالحه."
"اسمه إيليس برات، ويعمل لدى كورنيليوس ديلور. أتريد معرفة مقاس حذائه أيضاً؟ لا؟ إذن لقد انتهينا هنا."
"توقف!"
زمجر رويس.
"هذا الوغد اقتحم منزلي، حطم قدري، ذيل الدلفين، ومزق نبتة يونغو خاصتي."
"هل تعرف السبب أيضاً؟"
"لا أبالي. أنا أعيش هنا في تور. منازلي وقاربي محظوران. الجميع يعرف ذلك. الآن، لدي سمعة يجب أن أحافظ عليها. إن لم أعل، فقد يحدث الأسوأ."
"إن قتلني"، قال برات: "ستفترض الشركة أن رويس ميلبورن هو من فعل ذلك، وسيأتون من أجلك. إن عشت، يمكنني أن أبلغ أن القزم المجنون العجوز هو من قتل فيغوس."
"قتل؟"
قال رويس.
"كان لدى الرجل قوس موجه نحوي."
"وكان لديك خنجر على رقبتي."
"إذن، لا توجد ضحايا قتل أبرياء هنا، أليس كذلك؟"
"هل ذكرت أسماك القرش؟"
قال أوبيرون.
"هذان المتسللان لم يُقتلا. لقد اختفيا فحسب. ربما انضما إلى القراصنة وحظيا بمسيرة رائعة في تجارة الاستحواذ البحري غير التقليدية. لا جثث، لا شيء يمكن لومك عليه."
"انظر"، قال رويس: "الكفاءة وسرعة الإنجاز شيء جيد وحسن، لكن هناك فن في هذا. لدي قائمة أسئلة تحتاج إلى معالجة."
عبس أوبيرون وقلب عينيه، ثم استدار نحو برات.
"امضِ إذن. أخبر الرجل بمقاس حذائك لكي نتمكن من دحرجتك أسفل الشرفات."
"لماذا أجب عن أي أسئلة إن كان القزم سيقتلني على أي حال؟"
"سنعقد صفقة جميعاً"، أوضح رويس.
"أنا لا أحب الصفقات"، قال القزم.
"الناس يتراجعون عن الوعود طوال الوقت، لكن أحداً لا يغش الموت."
اعتادت أن أؤمن بذلك أيضاً، فكر رويس بنوستالجيا حنينية لأيام أبسط.
"يمكن أن يكون نقص المعلومات مميتاً مثل سمعة مضعفة. الآن ضع في اعتبارك هذا. ندع برات يعيش، مقابل إخباره لنا بما كانوا يبحثون عنه، وضمان أنك، ولا أنا، ولا أي شخص يقيم معنا سيندم على تركهم يذهبون."
"سيكون ذلك جيداً"، قال برات.
"إن كنت أثق بكلمتك."
"أتثق بكلمتي؟"
سأل رويس.
"من أين حصلت على ذلك، من قصيدة قديمة؟ إما أن تكون وجبة ليلية متأخرة لعائلة من أسماك القرش، أو تخبرني بشيء لا يهتم به أحد قد ينقذ حياتك. خيار صعب، أعرف."
"ما زلت لا أحب الصفقات"، قال أوبيرون.
"هذا اللقيط حاول قتل دايزي. المسكينة قد تموت حتى الآن."
"من دايزي؟"
سأل رويس.
"نبتة اليونغو."
أمال رويس رأسه بعدم تصديق.
"لديك نبتة استوائية اسمها دايزي؟"
"أهناك مشكلة؟"
"ربما، لكن لحسن الحظ، ليس مشكلتي."
استدار رويس إلى برات.
"حسناً؟"
"حسناً. أُرسلنا للعثور على كتاب."
"أي كتاب؟"
"لا تنظر إليّ"، قال برات.
"أنا لا أستطيع القراءة حتى."
"كيف كنتم ستتعرفون على هذه الجائزة إذن؟"
"أنا أمي، لست غبياً. أنا أعرف ما هو الكتاب."
"ليس لدي كتاب."
"توقعت أن تقول ذلك، وهذا سبب عدم طرقنا وسؤالنا بأدب."
عبس رويس، ثم واجه أوبيرون.
"أريد منه أن يعود ويبلغ ديلور أنني قلت إنه ليس لدي هذا الكتاب."
"وأنا أفضّل ألا يعود ويبلغ أنني قتلت الآخر."
"لماذا لا؟ ظننت أن لديك سمعة يجب الحفاظ عليها. كيف يعمل ذلك إن كان برات وفيغوس يحظيان بمسيرة رائعة في تجارة الاستحواذ البحري غير التقليدية؟ علاوة على ذلك، فإن السيد برات هنا سيتبذل قصارى جهده لإقناع كورنيليوس بتجاوز عملية القتل هذه."
"لماذا هذا؟"
سأل أوبيرون.
"بمجرد أن يرحل، فقد رحل."
"أنا فضولي بعض الشيء حيال ذلك بنفسي"، قال برات.
تحرك رويس أمام برات.
"حذرك كورنيليوس مني. هل ذكر صدفة لماذا؟"
هز برات رأسه.
"فقط أخبرنا ألا نستهين برجل يدعى رويس. وهو ما أفرضه أنت."
ابتسم رويس، شعوراً بتحسن ملحوظ حيال كل شيء. إن أُبقي برات وفيغوس في الظلام، فإن كورنيليوس ديلور اعتبرهما استهلاكيين. لن يخاطر الرجل الكبير بحرب على أمثالهما.
"وأخمين أن اسم رويس ميلبورن لا يعني شيئاً لك؟"
أومأ برات.
"إذن دعني أعرض اسماً آخر قد تكون أكثر دراية به، اسماً سيمنحك فهماً أفضل للموقف ولماذا قد ترغب في تأكيد رئيسك أن فيغوس لم يُقتل بعد كل شيء."
انحنى رويس مقترباً.
"إلى الشمال، يدعونني... منفضة الغبار."
استغرق الأمر ثانية، ثم اتسعت عينا برات.
"كيف أدرك أنك هو؟"
ألقى رويس كتف عباءته إلى الوراء، وحل ربطات ياقة قميصه، وكشف عن كتفه.
"لأن هناك شخصاً حياً واحداً بهذه العلامة وليس في مانزانت."
حدق برات في اللحم الندبي على شكل حرف إيم منميق وأومأ.
"الآن، إن حاول كورنيليوس معاقبة أوبيرون، أو ألحق الضرر بي أو بأي شخص في مجموعتي، فسأرد بالمثل، لكن كن على يقين من أنك ستكون على رأس القائمة. الآن أخبرني، برات، حين تعود، ماذا ستخبر الرجل الكبير؟"
"أن فيغوس قرر أنه يفضل تجربة مسيرة في تجارة الاستحواذ البحري."
لم يكونا بحاجة إلى الاكتراث لجثة رامي النبل. تعامل برات مع الأمر باحترافية جعلت رويس يتساءل إن كان قد قلل من شأن الرجل. لقد بالغ رويس بالتأكيد في تقدير روابطه بشريكه الذي تعامل مع رفاته ككيس نفايات. خلص رويس في النهاية إلى أن ليلته قُضيت بشكل جيد. ظل ما حدث غامضاً بعض الشيء، وبقي السبب لغزاً كما كان دائماً. لكن من فعلها قد حُسِم أمره على الأقل، وهو ما فسر أيضاً غياب الدهاء.
اتضح أن خصمه لم يكن أحمق. كانا يعرفان سمعة بعضهما جيداً، ولكن نظراً لأن كورنيليوس دي لور كان بقوة أي مَلِك، فلم يكن الخوف من رويس ميلبورن يتصدر قائمة الرجل الكبير. مع ذلك، صار لدى رويس لغز آخر يفككه الآن.
سأل أوبيرون: "من أنت؟"
عندما عادا إلى فناء السلحفاة الذي بدا الآن وكأنه حصن.
أجاب أوبيرون: "أنت أصغر من أن يصيبك الخرف. لقد التقينا بالفعل. ربما عليك الاحتفاظ دفتر ملاحظات".
"وأنت لست خرفاً بما يكفي لتجهل ما أتحدث عنه. ما مهنتك؟ حرفتك؟ أنت لست صياداً، وقد ألغيت كل مهن القزم التقليدية الأخرى".
"أنا عجوز. لا أفع شيئاً بعد الآن".
"إذن، ماذا كنت تفعل سابقاً؟"
نظر أوبيرون إلى البيت وتنهد: "كنت غبياً. وكنت بارعاً جداً في ذلك أيضاً".
"من أين حصلت على النشاب؟"
"هذا؟"
رفعه أوبيرون تحت ضوء القمر.
"أخذته من قاربي. هذه هنا صنارة صيد خاصتي".
ابتسم لرويس.
"توجد هنا أسماك خبيثة حقاً".
غمزه.
"لن تخبرني، أليس كذلك؟"
"كيف أضعت ما يقرب من أربعة قرون من حياتي؟ لا. أفضّل ألا تفعل. إنها قصة بائسة على أي حال، بطلها أحمق فقد كل شيء أثناء مطاردة حلم مستحيل. إنه نوع الحكايات التي يمل بها العجوز الصغار حتى البكاء، وقد انتهيت من ارتكاب أخطاء كهذه. والحقيقة، أنا على وشك الانتهاء من كل شيء. سأبلغ اربعمائة وستين عاماً في وقت لاحق من هذا العام، وبينما ترد شائعات بأن أجدادي عاشوا لأكثر من خمسمائة عام، أُعتبر في هذه الأيام عجوزاً بالنسبة لقزم. لم يتبق لدي الكثير من الوقت، وأخطط لاستخدامه بحكمة. لكن إذا كنت ترغب في شكري على المساعدة، فكلّي آذان صاغية".
"لم أكن في أي خطر".
"كان لديهم نشاب موجه إليك".
"أرادوا معلومات بقدر ما أردت. لا داعي لقتل من أجل ذلك".
داعب أوبيرون لحيته وهو يرمق رويس بنظرة.
"هل أنت جزء من تلك الحشود؟ ألهذا أنت متأكد جداً؟"
أومأ رويس برأسه.
"كنت كذلك. اعتاد العمل لدى ابن كورنيليوس، كوزموس، في كولنورا. لديهم طاقم مختلف هنا، ليس نقابة لصوص لأن كورنيليوس يمتلك هذا المكان. لذا فهم أشبه بشرطته الخاصة".
"كنت في الماس الأسود الخاص بكوزموس؟"
أومأ رويس.
"لكن ليس بعد الآن؟"
هز رويس رأسه.
"لم أكن أعلم أنه يمكنك الاستقالة".
"ولا هم أيضاً".
قال أوبيرون: "حسناً، إن كان هذا يساعدك على النوم، فقد اعتدت القيام بشيء مشابه لذلك، لكنه كان أكثر دموية وأبشع وأقل ربحية في النهاية. لكن تماماً مثلك، أصبح وراء ظهري. والآن إن لم تمانع، سأذهب لسقي دايزي. المسكين مر بالكثير".