بقي رويس في غرفته حتى ما بعد منتصف النهار. أمضى هادريان وغوين الساعات الأولى من الصباح في تنظيف السلحفاة. كانت العقبة الكبرى إعادة حشو المراتب. تجميع الريش وحده مهداً ضخماً. وجهت غوين أوامر صارمة إلى هادريان الذي استجاب كجندي طائع، فهي الخبيرة في إعادة النظام إلى غرف النوم المدنسة. تعاون الاثنان فأصلحا أسرّة هادريان وغوين وألبرت. ثم توجها إلى المنطقة المشتركة. عاد المكان إلى حالته الطبيعية في وقت قصير بشكل مدهش.
كانا يضعان اللمسات الأخيرة حين عاد ألبرت ليبدو مبتهجاً بصورة غير عادية. أصرت غوين على الذهاب إلى السوق فخرج اثنوهما للتسوق، هي لشراء طعام وهو لقبعة جديدة. على حد علم هادريان، كان أركاديوس ينام طويلاً مثل رويس. هبط الشريك أخيراً وبدا اللص تعساً كقطة جُرّت في مصرف صحي. لم ينطق رويس بأكثر من بضع كلمات أغلبها تنويعات على الرفض. تخطى الإفطار الذي لم يكن سوى فاكهة من الفناء لعدم عودة غوين بعد.
ارتدى رويس رداءه وتذمر بشيء عن إنجاز المهمة البغيضة، ثم تقدم الطريق وتبعه هادريان. الخطوة الأولى لتنفيذ عقدهما كانت إيجاد غرافيس بيرلينغ. حسب قول ألبرت، لم يكن اللورد بايرون يعلم أين يعيش غرافيس. لم تكن تور ديل فور كروتشيل، حيث يُجبر الأقزام على التجمع في منطقة مخصصة من المدينة. مع ذلك، وجد هادريان الأمر غريباً ومحزناً أن يعمل أحدهم في مكان لقرن تقريباً دون أن يملك مُشغله أدنى فكرة عن مقر سكنه.
يبدو أن بقية الأقزام طُرِدوا أيضاً -وهي طريقة لطيفة لقول رُموا خارجاً- وذهب معهم كل علم بمكان غرافيس بيرلينغ. أجبر هذا رويس وهادريان على بدء مهمتهما بالتجوال في الشوارع بحثاً عن قصار القامة. اكتشف هادريان أن تور ديل فور لم تكن معقدة كما بدت. ضمّت طريقاً رئيسياً يمتد من المرتفعات نزولاً نحو الميناء. تتفرع بقية الشوارع عنه لتشكل حلقات في مستويات مختلفة، أو طبقات. كلما قل الرقم اقترب المكان من الماء، وبطبيعة الحال أصبح الحي مرغوباً أكثر.
وقعت السلحفاة الفيروزية في الطبقة الرابعة، بينما استقرت الببغاء الزرقاء في الطبقة الثانية. أمضى هادريان ورويس ساعات عدة يبحثان في المدينة من الميناء إلى المرتفعات دون العثور على أي شيء مفيد بخصوص غرافيس بيرلينغ. لمدينة أسسها أقزام، قلة نادرة منهم تجوب شوارعها. وقفا قبيل المساء في ظل مظلة مخططة بالأخضر والأبيض لبائع طعام يدعى أنجيليوس. جلس الرجل الأربعيني الأملس بوضع القرفصاء قرب الطريق مرتدياً لفافة قطنية بيضاء.
تدثرت بجانبه قدر حديدية سوداء تسخنها نار محاطة بالحجارة. اشترى هادريان خبزاً مسطحاً محشواً وبقي في ظل المظلة لتناوله. واصل رويس صمته يراقبه ويكشر مع كل قمة. قال هادريان بين لقمة وأخرى: — عليك حقاً تناول شيء. أجاب رويس: — ما يجب علي فعله حقاً هو حنجرتي. كان غطاؤه مرفوعاً ورأسه غارقاً في الظل.
— مخلفات الشراب سيئة إلى هذا الحد؟
هل شربت ماء؟ ثق بي، هذا يساعد، خاصة بعد النبيذ. هز رويس غطاءه كإجابة غير واضحة. وقفا على خطوة من الشارع الرئيسي بلا مقاعد، خارج سحابة الدخان المنبعثة من نار أنجيليوس. مرت عربة محملة بالسجاد تجرها مجموعة من الماعز، تلتها أخرى محملة بجرار الزيوت. تصدع أحد الأوعية فترك خطاً داكناً يقطر على الرصيف المغطى بالغبار. لا أثر لأقزام. أخذ هادريان لقمة أخرى من وجبته. كانت حارة قليلاً لكنها شهية، ككل ما أُكل في تور ديل فور.
بلع ثم نطق بخلاصة فكرة تأملها طوال الصباح: — لا أعتقد أنه كان سطواً. أعاد ضبط قبضته على الخخبز المسطح الذي بدأ يتفكك: — لم يُسرق شيء. ليس وكأننا نملك الكثير لسرقته، لكن سيفاي تستحقان العناء، ومتأكد من قيمة ملابس ألبرت. لذا أظن أن أحدهم كان يبحث عن شيء ما. أومأ رويس.
— أترى أن للأ الأمر صلة بعميلك الكابوسي الجديد، رجل الكعك الزنجبيلي؟
رفع رويس رأسه بما يكفي ليلمح هادريان ابتسامة.
— آه!
عرفت أنك مخبأ هناك مكان ما. التفت أنجيليوس: — يبدو أنكم كنتم ضحية باحث عن طرد الساعي. لستم الأوائل. سأل رويس محَملقاً كأن الرجل ظهر للتو: — أي طرد ساعي؟ مسح هادريان فمه بكم قميصه: — قُتل ساعٍ على الطريق المؤدية إلى هنا. وأُخذت حقيبته.
— كيف تعلم بشأن هذا؟
— كيف أعلم...
آه، صحيح، لم تكن هناك. حين وصلْنَا لأول مرة، تحدثت زمرة من الجاكيتات الصفراء -وهو لقب جنود إدارة الميناء- إلى شيلبي عن الأمر. قال أنجيليوس: — الأمر ليس مقصوراً على إدارة الميناء. الجميع يبحث عن ذلك الطرد. سأل رويس مكرراً نظراته إليه: — لماذا؟
— رُصدت مكافأة...
من كورنيليوس ديلور نفسه. خطا رويس نحوه خطوة بطيئة وحذرة أوقفت هادريان عن المضغ: — ولماذا تظن أن أحداً قد يفتشنا؟ هز أنجيليوس كتفيه: — لأنكم تعرضتم للسرقة، لكنكم تجهلون ما كانوا يبحثون عنه. جُنت المدينة بحثاً عن هذا الطرد. واصل اللص التحديق. تخيل هادريان دماغ رويس المخمور وهو يصارع لتقدير احتمالات توقفه وهادريان عشوائياً للأكل عند متجر شخص متصل بمن نهبوا السلحفاة.
استغرق الأمر وقتاً أطول، لكن رويس تنهد بيأس: — هادريان، ابتلع بقية فأرك المسلوق لنتحرك. صحح أنجيليوس بابتسامة مشرقة: — إنه مقلي، وهو سمك.
— بالتأكيد.
— ولذيذ جداً حقاً.
فتح هادريان الخبز المنقط بالبني كاشفاً عن محتواه: — هناك فلفل وبصل وجبن ماعز ومعجون أظنه مصنوعاً من الحمص والثوم و— ألجمه رويس بين أسنان مكزوزة: — اخرس. عرف هادريان تماماً شعور رويس وتعاطف معه. لكنه تذكر أيضاً عشرات الصباحات التي انقلبت فيها أدوارهم. حينها كان رويس متغطرسًا وباردًا وعاجزًا عن إبداء ذرة تعاطف.
كانت عبارته المتكررة: «جلبته لنفسك، أتذكر؟».
لذا وجد هادريان صعوبة في ألا يشعر بالامتنان حين قررت الأقدار رد الجميل. شعر هادريان بقطرة تسري على معصمه. أغلق وجبته ولعق ذراعه. شاهد رويس ذلك فهز رأسه: — أنت مقرف جداً أحياناً. ابتسم هادريان كأنه مديح، وأخذ قضمية كبيرة متأوهاً طرباً.
— إنه جيد، أليس كذلك؟
ابتسم أنجيليوس لهادريان من جلوسه بجانب النار، مستنداً بظهره إلى الجدار الحجري لمحل مصابيح. أومأ هادريان وصارع الكلام متجاوزاً طعام فمه: — رائع. أوضح أنجيليوس: — إنه سمك هاكوني طازج، سمك أبيض شرس ذو زعنفة كبيرة في ظهره، اصطاده أخي صباح اليوم في أعماق البحر. طبخته بوصفة قديمة علمتني إياها جدتي ولا تضم أي فأر. لوح هادريان بيده مستخفاً: — أوه، لا تعره اهتماماً. إنه يعاني من إفراط شرب النبيذ البارحة.
— آه!
تهلل وجه أنجيليوس.
— لدي الدواء الشافي تماماً!
غرف من أكياسه الكثيرة وأخرج جرة.
— هذا علاج مثالي.
أزال الغطاء كاشفاً عن سائل لزج. غرف منه بإصبعه ورفعه: — سأحشر هذا في أنفك إلى أقصى حد، ثم أحركه بدائرة. سأفعلها للمنخرين وأكون كريماً بجرعاتي. تراجع رويس: — يصعب فعل ذلك بعد أن أقطع يديك. لم يأخذ أنجيليوس التعليق بجدية وقال: — أوه لا، لا بأس، ثق بي. لدي أخ يدمن الشرب دائماً ويقسم بهذا العلاج. سأل هادريان: — الذي اصطاد السمك؟ قال أنجيليوس: — أخ آخر. لدي عديدون. التقط هادريان الجرة بيده الفارغة ليتفحصها: — ما اسم علاج المخلفات هذا؟
— بلا اسم، لكن ثق بي، إنه فعال.
قال رويس: — لا أثق بك. وأما غراسك المجهول في الجرة فأظن أنه يحوي بقايا أخ واحد على الأقل. نظر إلى هادريان: — يمكنك المشي والأكل في وقت واحد، أليس كذلك؟ قال هادريان لأنجيليوس وهو يعيد الجرة: — بصراحة تامة، لا أظن مزاجه السيئ مرده الشراب وحده. أولاً هو هكذا عادة بدرجة أو بأخرى. لكن السبب الحقيقي لتبرمه هو أنه قبل امرأة البارحة. تذمر رويس: — احشر ما تبقى في فمك الكبير ودعنا نذهب.
بدا أنجيليوس مرتبكاً: — أهذه المرأة بشعة إلى حد فظيع؟ أم تعاني مرضاً معدياً؟
— لا هذه ولا تلك.
إنها في الواقع جميلة بشكل لا يصدق، وهو واقع في حبها. ضيق أنجيليوس عينيه وهو يعيد الجرة: — إذن أنا لا أفهم.
— هذا كل ما في الأمر، لا أحد يفهم.
أي شخص آخر كان سيرقص في الشوارع ويغني أغاني عاطفية منذ الصباح. سأل رويس: — لماذا ما زلت تكلمه؟ إنه مشغل. والآن بعد أن باعك فأره، سيحتاج لصيد غيره. أجاب هادريان: — لأنني أريد رأياً ثانياً. في الواقع هذا غير صحيح. أريد أن تسمع العقل وتدرك كم تبدو غبياً.
— وأنا لا أريد مناقشة حياتي الشخصية في منتصف شارع مزدوج مع صعلوك مُعدَم يبيع الفئران المسلوقة لأغرباء سذج ويسعد باستنشاق بقايا إخوته الموتى من جرة.
لذا، مادام في الوقت بقية، فلنبحث عن غرافيس بيرلينغ. سأل أنجيليوس وهو يمسح إصبعه بمنشفة: — ماذا تريدون من غرافيس؟ واجهه هادريان ورويس باهتمام مفاجئ. سأل هادريان: — أتعرفه؟
— هذا كأن تسألني إن كنت أعرف اسم هذا الشارع، الذي إن لم تكن تعلم فهو طريق بيرلينغ، مسمى على عائلة غرافيس.
سأل رويس: — أتعلم أين نجده؟ نزع أنجيليوس غطاء مرجلهم مطلقا سحابة بخار. حرك محتوى القدر بملعقة خشبية كبيرة: — أظن أن هذا يعتمد على طبيعة عملكم معه. ضحك أنجيليوس ثم نظر إلى هادريان: — صديقك ليس كذاباً جيداً.
— في الواقع هو كذلك، لكن كما أسلفنا، ليس في أوج حالاته اليوم.
— آه نعم، لقد قبل بسكر امرأة جميلة يحبها.
أتخيل كيف يخرب ذلك أسبوع أي شخص. توقف أنجيليوس عن التحريك ورفع بصره حاداً مشيراً بملعقته المقطرة نحو رويس: — هل... هل رفظتك حب حياتك هذه؟ أبعدتك؟ لطمتك؟ تمتم رويس: — لماذ يسأل الجميع هذا؟
— لأن الرفض مفهوم.
قرع أنجيليوس الملعقة بحافة القدر ثم أعاد الغطاء: — إهانة كهذه ستجعل أي رجل تعساً. أذكر حين وقعت في حب حلوتي فالينسيا لأول مرة. كانت...
— أيمكننا العودة إلى غرافيس؟
جمع هادريان آخر بقايا لفته في قضمة واحدة: — حسب ما أستطيع تقديره، كانت مسرورة جداً بالقبلة. ألح رويس: — أتعلن أين يوجد أم لا؟
— من تمدونه بالمال؟
ابتسم أنجيليوس لرويس: — بما أنكم في عجلة، اتركا القطع معي وسأوصلها إليه. تصدر عن رويس تصفيق بطيء: — يا لطيف. بائع الفئران المعدم يملك حساً فكاهياً. سأل هادريان: — بصراحة، رويس، لماذا أنت مكتئب؟ أكنت ستسعد لو لطمتك؟ حشر بقية وجبته في فمه. كانت أكبر مما توقع، فصارع مضغها حتى يخضعها. حدق به رويس للحظة بتعبير من الاشمئزاز المذهول: — كنت أفضل ألا أُظهر نفسي بمظهر الأحمق.
أومأ أنجيليوس بجدية: — أهذه الدرجة تقبل بشكل سيء؟
استطاع هادريان قول: — "ا يبدو أنه تدرّب كثيراً."
أومأ أنجيليوس: — لكن كيف يعلم المرء حقاً؟ النساء يملن للطف في هكذا أمور. لا يقلن الحقيقة قط لمعرفتهن بحجم الألم. فالينسيا خاصتي كانت... قال رويس: — ليس هذا ما قصدت. سأل هادريان بعد أن بلع آخر طعامه: — ماذا تقصد إذن؟ شد رويس وجهه ثم رمق أنجيليوس بنظرة حارقة: — ما رأيك بهذا. أخبرني أين أجد غرافيس بيرلينغ، وإلا قتلتك وكل إخوتك الناجين لأمنح العالم عدالة حقيقية بدعوة الفئران لتتغذى على بقاياكم من جرة خالية من العلامات.
وثق بي أنا جاد هذه المرة. هز أنجيليوس رأسه: — تهديدي لن يفيد. ليست لدي فكرة عن مكان آخر البيرلينغيين. أشك أن أحداً يعلم الآن.
— لماذا؟
— ألم تسمع الإشاعات؟
جُرّد غرافيس من منصبه في الأبراج الكبرى. وأقسم بالانتقام في جل حانات المدينة، قائلا إنه إن حرم من دروميندور فلن ينالها أحد. ظن أغلبهم أنها جعجعة وضجيج مرير ضد عالم قاسٍ، لكن حينها... خفض أنجيليوس نبرته بصوت مشؤوم: — ثم ماتت زوجته، ولم يعد لديه ما يعيش من أجله. يقول كثر إنه لا شيء يوقفه؛ ليس لديه ما يخسره. سأل هادريان: — ماذا يفعل قزم وحيد ضد قلعة؟
— إنه ليس دروميانياً عادياً.
غرافيس بيرلينغ. عائلته ابتكرت دروميندور. كلهم عباقرة، وهو يعلم عن تلك الأبراج أكثر من أي حي. إن أراد، أؤمن أن غرافيس قادر على تدمير هذه المدينة بأسرها. وبلغني عن هيسيرون الخباّز، الذي سمعه من دانيس الجزار في الشرفة السادسة، أن غرافيس قد اختفى ونزل تحت الأرض بينما يعد خططه الشنيعة. سأل رويس: — إن كان الأمر كذلك، فلماذا لا تغادر المدينة؟
— لا أدري أصح هو.
تسمع شتى الأمور في هذا الشارع. أغلبها حديث أشخاص يبتغون لفت الأنظار. ولا أستطيع الرحيل هكذا. أملك مكاناً ممتازاً. والسمك جيد، أليس كذلك؟ قال هادريان: — قطعاً. ابتسم أنجيليوس: — أرايت؟ ثم خبت الابتسامة. سأل رويس: — ماذا؟ هز الكالياني رأسه ورفع كتفيه متفقداً الشارع طولاً وعرضاً: — لم أرَ دروميانياً منذ أيام.
— أقزام، تقصد؟
— نجل، لكنهم في الواقع بيلغريكلونغريانيون.
— ماذا يكونون الآن؟
— البيلز، والغريكس، واللونغز، ودوريثيانيون، وناي، وديرينز، وبروندينلينز؛
العشائر السبع للدروميان. لكن مهما سميتموهم، لم أرَ الكثيرين. بعضهم زبائن أوفياء، لكنني لم ألمحهم طوال الأسبوع المنصرم. يجعل المرء يتساءل.
— يتساءل عن ماذا؟
— عما يعلمونه وجهلناه نحن.
⟦1 عنما عادا، اكتشف رويس وهادريان قزماً واحداً على الأقل لم يختفِ. كانت جوين في الفناء تحدث أوبيرون. كان القزم يرتدي من جديد قميصاً قطنياً أبيض فضفاضاً، وسراويل واسعة مطابقة له، وصنادل بالية. ووضع قبعة القش ذاتها التي تحمل ريشة زرقاء، لكنه هذه المرة دفع الحافة الأمامية إلى أعلى بطريقة ودية وهو يواجه جوين.
قالت جوين، كأنها مسؤولة شخصياً عن حالة وفاة في عائلة أوبيرون: "نحن آسفون للغاية حقاً. إنها نبتة جونغو جميلة جداً، لكنني قلقة. تمزقت بعض جذورها. بللتها وأعدتها إلى القدر بأفضل ما أستطيع، وبأسرع ما أستطيع، ولكن — لا أعرف".
قال أوبيرون: "لا داعي للاعتذار".
تحدث بلهجة بالية لا تلاحظ إلا في بعض الكلمات والعبارات، وكان نبرته لطيفة، تكاد تكون متعبة، مثل صوت شجرة عتيقة.
"هذا ليس خطأك. أنا فقط مسرور لأنه لم يصاب أحد بأذى".
لم تكن جوين لتتعزى بسهولة هكذا.
"الليلة الماضية كان ينبغي لأحدنا أن يبقى — لا، كان ينبغي أن أراقب البيت. لم يكن لي أن أخرج هكذا. كنت أنانية".
هز أوبيرون رأسه.
"طلاقة. هذا مكاني، ليس مكانك. أنتم ضيوفي ولستم مسؤولين عن حماية ممتلكاتي. إنه واجبي أن أحميكم بينما أنتم تحت سقفي. وعادة لا تكون هذه مشكلة. تور فيها القليل جداً من الجريمة. هذا...".
لمح رويس وهادريان يدخلان الفناء. رأتهم جوين أيضاً، وتحول تعبيرها العبوس إلى ابتسامة متحمسة. قرأ هادريان جسدها. خطت خطوة وكادت تركض نحو رويس، ثم أمسكت نفسها وتوقفت.
"كيف تشعر يا رويس؟"
قال: "أفضل"، وعيناه على القزم.
قال هادريان: "أوبيرون، هذا شريكي رويس. رويس، تعرف إلى مضيفنا".
قال القزم: "أهلاً بك في تور"، وأمال حافة قبعته.
ثم انتقل إلى الباب الأمامي ليدرس الإطار.
"آسف بشأن حادثة الليلة الماضية. مثل هذا الشيء... حسنًا، إنه غريب جداً".
سأل رويس: "لماذا هو غريب؟ طوال خبرتي، يتعرض الناس للسرقة طوال الوقت. خاصة عندما لا يضعون أقفالاً على أبوابهم أو نوافذهم".
استمر أوبيرون في دراسة الباب.
"نحن مجتمع صغيير. معظمهم يعرفون السلحفاة ويقصدونني، لذا يتركوننا وشأننا. علاوة على ذلك، وكما كنت أقول للفتية للتو، لا نرى عادة هذا النوع من الأمور في تور. يأتي الناس في هذه الأجزاء بنكهتين: القانع والكسول".
استدار ونظر حول الفناء الذي، على حد علم هادريان، أعيد إلى النظام التام.
"من مظهر الأمور، زار منزلي الكثير من الطموح الساخط الليلة الماضية، وهذا أمر غريب للغاية".
سألته جوين: "هل أكلت؟"، ثم نظرت إلى هادريان.
"هل أكل؟"
هز هادريان رأسه.
"حاولت. لقد رفض".
"وجدت أنا وألبرت سوقاً رائعة أسفل الطريق مباشرة. حصلت على بعض العنب والبسكويت".
واجهت جوين رويس بابتسامة ساطعة مثل الشمس.
"يمكننا إيقاظ معدتك بهذا قبل محاولة أي شيء أكثر مغامرة".
ابتسمت على نطاق أوسع، ثم انطلقت إلى الداخل قبل أن يتمكن رويس من الاحتجاج. راقبها رويس وهي تغادر، وما إن دخلت بأمان حتى اقترب من أوبيرون للتحدث بهدوء أكبر.
"أنت قزم؟"
نظر أوبيرون لأعلى وغمز.
"لقد لاحظت ذلك، أليس كذلك؟ هل كانت الطريقة التي ربطت بها صناديلي هي التي كشفت أمري؟"
"هل سمعت من قبل عن غرافيس بيرلينغ؟"
ابتسم أوبيرون، ثم ضحك بخفة.
"عادة، في هذه اللحظة، كنت سأدلبي بتعليق ذكي، مثل: (لا، ولكن هل سمعت عن هربرت كانتريل؟)".
"من هذا؟"
"إنه مزارع في رينيذ".
"ما الذي يجعلك تعتقد أنني سمعت عنه؟"
"بالضبط. من الغباء افتراض أن كل شخص يعيش في مكان معين، أو يصادف أن ينتمي إلى العرق نفسه، يعرف الآخرين".
"ولكن؟"
"كما تبين، أنا أعرفه، لكن هذا ليس مثالاً عادلاً بالنظر إلى أنه مشهور نوعاً ما، أو سيء السمعة، اعتماداً على الجانب الذي تقف فيه من السياج".
مرر أوبيرون يده على إطار الباب، ودرسه، مقدراً الضرر.
"هل تعرف أين يمكن العثور عليه؟"
"في هذه الأيام — عادة في زجاجة".
سأل هادريان: "هل يمكنك إخبارنا أين يعيش؟"
"كلا. اعتاد النوم في كوخ على شاطئ نورث أرم — هو وزوجته إينا. عندما سلبته سلطة الميناء وظيفته، لم يعد إيجاره مغطى من قبل الوكالة. لا عمل. لا مال للإيجار. لا منزل".
قال هادريان: "سمعنا أنها ماتت".
استسلم أوبيرون لإطار الباب وتنهد.
"أجل، لقد فعلت ذلك".
سأل هادريان: "ماذا عن العائلة؟ إخوة وأخوات؟ أطفال؟ أي شيء من هذا القبيل؟"
"لم ينجب غرافيس وإينا أطفالاً قط. وكان وحيد أبيه وأمه. كان غرافيس الأخير — آخر عائلة بيرلينغ".
قطب هادريان جبينه ناظراً إلى رويس.
"يعمل الرجل طوال حياته، لكنه لا يكسب سوى ما يكفي للعيش في كوخ؛ يطردونه لما يبدو أنه لا سبب وجيه، ويطرد وتتوفى زوجته. بدأت أكره اللورد بايرون".
قال أوبيرون، وهو يتحرك الآن نحو الأثاث المقلوب سابقاً والذي أصلحته جوين أثناء غيابهم: "أوه، لا تلمه يا هادريان. كان بإمكان بيرلينغ الحصول على مكان أكثر لطافة، لكنه اختار العيش في ذلك الكوخ الحقير. لم أستطيع حمله على الانتقال. ولم يكن لوفاة إينا علاقة بطرد بايرون لغرافيس. دعني أرى، لقد توفيت ليلة البدر، وقد طرد من ذلك الكوخ بعد حوالي أسبوع من وفاة إينا. ونعم، أصبحت الأمور سيئة بالنسبة له بعد ذلك، لكن بيرلينغ لم يبحث حتى عن وظيفة أخرى".
قال رويس: "لدي انطباع بأنك لا تحب غرافيس".
"لم أهتم أبداً بأي من عائلة بيرلينغ. كلهم ممتلئون بأنفسهم أكثر من اللازم، ودائماً ما كانوا كذلك. ربما كان أندفاري وأبيريتش عباقرة، لكن هذا البئر جف منذ آلاف السنين. وكان غرور أندفاري وميديون هو ما دمرنا. لقد دمر غرورهما مجتمعنا القديم نيث ووضع بقيتنا في مسار محكوم بالفناء. نحن دروميانو — لم يهزمنا أحد سوى أنفسنا. والآن، سيحدث ذلك مرة أخرى".
سأل رويس: "ماذا تقصد؟"
"منذ تأسيس جمهورية ديلغوس، كانت هناك موجة هائلة من هجرة الأقزام العائدين إلى الوطن. يعود معظمهم بحثاً عن حياة أفضل، لكن القلة — الصاخبون منهم — يثرثرون بشأن مملكة بيلغريك، والأيام الخوالي لحكم الأقزام. هذا النوع من الحديث لا ينجح كثيراً في جمهورية. غرافيس هو أحد أولئك الذين لديهم فم كبير وعقل صغير. إنه يثرثر دائماً بشأن القتال لإعادة تأسيس سيادة ماتت منذ زمن طويل وبصراحة شديدة سيئة للغاية. لقد فقد غرافيس مصدر رزقه، وكان يمكن للمسينة إينا أن تموت في الشارع لأن غرافيس كان متعجرفاً جداً بحيث لا يقبل بوظيفة تقليدية. إنه بيرلينغ، كما ترون، ولا يستطيع آل بيرلينغ النزول لفعل الغسيل، أو سقي النباتات، أو كنس الأرضية. ليس لدي صبر على هذا النوع من التفكير. تفعل ما يجب عليك فعله لرعاية نفسك ومن تحب".
رأى هادريان الطريقة التي نظر بها أوبيرون حول الفناء أثناء حديثه، وانقضت فكرة في ذهنه.
"كنت واحداً ممن عرضوا عليه عملًا، أليس كذلك؟"
"لقد فعلت. ليس من أجله، بل من أجلها. ومع ذلك، لم تكن إينا بريئة. كان ينبغي للفتية أن تعرف أفضل من الزواج من بيرلينغ. لا شيء جيد يمكن أن يأتي من ذلك".
"إذن، أنت لا تعرف أين تجده؟"
هز أوبيرون كتفيه.
"سأبحث عن أي مكان مستعد للتخلي عن الشراب القوي. ولكن بصرف النظر عن ذلك، أظن أن أي بقعة شاغرة من المذبح ستكون رهاناً جيداً".
رفع أوبيرون قبعته القشية، كاشفاً عن رأس أصلع. مسح العرق عن جبينه ثم أعצב القبعة مكانها، معدلاً إياها لتستوي هذه المرة.
"لماذا تسألون؟"
قال رويس: "من المفترض أن أجري محادثة معه".
أضاف هادريان: "هناك شائعة تفيد بأنه قد يخطط لشيء يمكن أن يدمر المدينة بأكملها".
ألقى القزم نظرة فاحصة على هادريان ثم رويس، ثم أومأ برأسه ببطء.
"أه-ها، فهمت. إذن، أنتما العضلات التي استأجرها بايرون؟"
لم يجيبا. أشار أوبيرون إلى هادريان.
"أنت سياف، واحد جيد، وربما أكثر قليلاً من جيد".
وأشار إلى رويس — "وأنت، ستكون القاتل. الشخص الذي يقول حديثاً وهو يعني قتلاً".
انتقل إلى الطاولة وعدل وضع أحد الكراسي.
"اسمعوا، أنا عجوز. لقد رأيت الكثير — أكثر من اللازم حقاً. من ناحية أخرى، لا تزالان صغيرين في السن. لذا دعوني أعطي القليل من النصيحة التي كنت أتمنى لو تلقيتها عندما كنت في سنكم: ابحثوا عن خط عمل جديد. لا يجب أن يكون فخماً. لا تحتاجون إلى جني الكثير من المال — فقط ما يكفي لعيش حياة بسيطة. افعلوا شيئاً تحبونه، بل وأكثر من شيء واحد حتى لا تشعروا بالملل، لكن تأكدوا من أن كل ما تفعلونه هو شيء يسعدكم إخباره لأطفالكم وأحفادكم".
نظر إلى المدخل المفتوح للسلحفاة.
"وكما يحب شعبي أن يقول، أنتم مجانين إذا لم تنتبهوا جيداً لتلك الفتية الجميلة التي لديكم هناك. إنها واحدة تستحق الاحتفاظ بها، وهي كذلك، وس يكون إجراء تغيير من أجلها أمراً يستحق العناء".
انتقل أوبيرون إلى حيث كوموا بقايا الفخار المكسور وتنهد.
قال هادريان: "أنا متأكد من أن اللورد بايرون سيكون مستعداً لدفع ثمن أي أضرار".
"ليس خطأه".
انحنى أوبيرون ورفع قطعتين محطمتين من الطين.
"لكن شخصاً ما ارتكب خطأ بالتأكيد. سأكتشف من كان ذلك، ثم أنا وهو... حسناً...".
غمز أوبيرون لرويس.
"ربما سنجري محادثة قصيرة".⟧