سلسلة "رييريا" [حوار مضحك | خيال ملحمي | قاتلوا | لصوص | مرتزقة] الفصل 64 — بيرلينج الأخير

اقرأ سلسلة "رييريا" [حوار مضحك | خيال ملحمي | قاتلوا | لصوص | مرتزقة] الفصل 64 — بيرلينج الأخير باللغة العربية على مانجا تايم.

قال اللورد بايرون بنبرة متعاطفة بذل فيها وسعه، وخبرته تخبره أنّ وسعه لا يبلغ هذا المبلغ: "أنا آسف يا جرافيس، لكني أأسف لنقل الخبر السيء إليك، فقد تقرر الاستغناء عن خدماتك".

وقف القزم أمام اللورد بايرون وسط المكتب الفخم، وبدا غريباً أشد الغروب في هذا المكان المترف. حدّث اللورد بايرون نفسه: سيبدو غريباً في أي مكان، أظن ذلك. لم يبلغ طول القزم ثلاثة أقدام، وشعره يتدلى حتى ركبتيه، ولحيته تمس الأرض. بدا حاجباه اللذان نميا على نتوء بارز كزوجين من الشجيرات المهملة التي مات بستانيها قبل قرن من الزمان. ألقى هذان الحاجبان ظلالاً عبوسة على وجهه.

وبدا جرافيس بيرلينج، في مجمله، ككومة قش شعثاء ذات عينين مثيرتين للشفقة. لكن، إن أمعن المرء النّظر، أليسوا جميعاً هكذا؟

قال جرافيس، وصوته يتردد كأنه طحن صخور في كهف عميق: "لا أندم يا سيّدي".

لم يكن اللورد بايرون يعلم الكثير عن الأقزام، رغم أنه يوظف جيشاً صغيراً منهم. سمع، شأنه شأن الجميع، الأساطير والنوادر المتداولة في الحانات، ورأى تصويرهم في المسارح حيث يظهرون دوماً في دور الأشرار. وكان الأقزام يبدون هكذا حقاً. صغاراً أشعث، يتسللون في الظلام، ويألفون العيش تحت الأرض حيث لا يقدم عاقل أبداً. الجرذان تفعل الشيء نفسه، ولهذا تثير الخوف والاشمئزاز. أما من لا يشمئزون، فهم من يجدون الكائنات الصغيرة المكسوة بالفراء لطيفة؛

كالسيدة التي تحاول رعاية سنجاب أو راكون مصاب. لكن الأقزام ليسوا كذلك. وليسوا مجرد قوارض مزعجة. الأقزام خطيرون، فحجمهم يخدع الناظر. رأى اللورد بايرون يوماً عاملاً قزماً يسحق صخرة بيده المجردة. وبمعاولهم، يستطيع أقران جرافيس قطع الحجر كأنه عشب طويل. ولم يكونوا يتمتعون بقوة مرعبة فحسب، بل امتلكت سلالتهم بأسرها جلد الذئاب وعمر التعابير. زعمت بعض القصص أن الأقزام يعيشون خمسمائة عام.

وكان لدى اللورد بايرون من الأسباب ما يجعله يؤمن بصحة هذه الحكايات، فجرافيس نفسه تجاوز المائة عام بكثير. وبدت السنوات واضحة في تضاريس وجهه، والأودية العميقة تحت تلك العينين الكليلتين، والشهب الرمادي الذي يتخلل شعره كله. حتى إن بعض الأساطير ذهبت إلى أن هذا العرق الضئيل لم يُولد من لحم ودم بل نُحت من الحجر. لهذا السبب امتلكت أصواتهم تلك الخشونة المزعجة، وللهذا لم تكن للأقزام مشاعر.

"ماذا تعني بالاستغناء عني؟"

قطب اللورد بايرون حاجبيه، وشعر بخيبة أمل من الرد. إنه يتظاهر بالجهل. كنت أمنى النفس ألا تسير الأمور على هذا المنحى. لكنني كنت أمنى النفس أيضاً بأن يزول نقرس إبهامي الأيسر.

أوضح اللورد بايرون: "من هذه اللحظة، لم تعد موظفاً في هيئة ميناء ديلجوس".

ضيق القزم عينيه، وناصب حاجبين المرعبين العداء. يبدوان كيسراعات الدب الصوفي وفراؤها منتصب. أتقوم اليعاسيب بذلك؟ أترفع فراءها؟ ألهذا يسمونها الدببة الصوفية؟ أشك في ذلك.

واصل جرافيس تظاهره بالجهل: "ماذا يعني هذا يا سيّدي؟"

كابح اللورد بايرون رغبته في إدارت عينيه. لقد كان يوماً طويلاً، قضى جله في صرف أكثر من عشرين قزماً. كان بإمكانه تكليف رئيس العمال بالأمر — وندم قليلاً الآن لأنه لم يفعل — لكنه يؤمن بأداء الأمور بالطريقة الصحيحة. ديلجوس جمهورية، وليست مملكة. وللعامل الحق في سماع مثل هذه الأنباء مباشرة من مخدومه.

"يعني أنك لم تعد تعمل هنا يا جرافيس. وستتقاضى أجرك الأخير عند الباب وأنت مغادر".

ظل القزم يحدق كأنه لم يعد يفهم اللغة الرونية. كانوا يفعلون ذلك أحياناً، يتظاهرون بالجهل بينما يتمتمون بشيء بلغتهم الأم. لكن... التفت جرافيس حول المكتب.

"أنا لا أعمل هنا. أنا أعمل في دروميندور يا سيّدي".

توقع اللورد بايرون أن يمثل المهندس العجوز مشكلة. فجرافيس بيرلينج قضى في هيئة المناء وقتاً أطول من أي شخص آخر، بل أطول من اللورد بايرون نفسه. وهناك، بالطبع، مسألة اسم العائلة برمتها. يقال إن قزماً عريقاً يدعى أندفاري بيرلينج، هو من صمم بناء القلعة وأشرف عليه. لم يكن اللورد بايرون متأكداً تماماً من صحة هذا الكلام، لكنه قد يكون صحيحاً. كل شيء جائز، أليس كذلك؟ كان جرافيس يؤمن بذلك حقاً، وفي ذهن المهندس العجوز، كانت دروميندور ملكاً له — والقلعة التاريخية إرثه.

لهذا أصر اللورد بايرون على أن يكون المهندس العجوز آخر من يتم استدعاؤه إلى مكتبه. فقد اعلم مسبقاً أن الاجتماع سيكون جدلياً ومرهقاً بلا داع. وكان يتطلع إلى مواساة نفسه بعده بكوب من الشاي ونزهة طويلة على طول الخليج. فلا شيء يساعد على صفاء الذهن كهواء البحر المالح وكوب ساخن من الساليفان، وخاصة مع قطرات من الليمون الطازج. فكوب الشاي يستوجب حتماً ليموناً طازجاً، وإلا فما الفائدة؟

لم يكن اللورد بايرون يحب المشاهد الدرامية أو الاضطرابات بأي شكل. كان رجلاً منضبطاً يستيقظ كل صباح مع شروق الشمس، ويرتدي دائماً حذاءه الأيسر قبل الأيمن، ولا يخرج قط بلا قبعة وقفازات. النظام هو السبيل القويم، والروتين هو قلب النظام وروحه. أمثال جرافيس كانوا... فوضويين. والتعامل معه يشبه تماماً تنصيف مصرف مسدود باليد المجردة. وإذا أُحرج في الأمر، لاعترف اللورد بايرون بعيب شخصي يتمثل في ميل لتسويف ما يتوقع أن يكون مزعجاً.

فإبلاغ جرافيس بيرلينج بأنه لن يُسمح له بعد الآن برعاية دروميندور الحبيبة بعد أكثر من قرن سيكون أمراً مزعجاً بلا شك.

أخذ اللورد بايرون نفساً عميقاً متأوهاً قبل أن يصرح بما كان متأكداً من أن جرافيس يعلمه جيداً ولكنه يتظاهر بتجاهله عمداً: "دروميندور جزء من هيئة ميناء ديلجوس يا جرافيس. لماذا تتذاكى هكذا؟"

ربما كان استخدامه لكلمة تتذاكى هو ما أثار الأمر. استبعد اللورد بايرون أن يكون أمثال جرافيس على دراية بمعناها. ولكن أياً كان السبب، بدا أن القزم توقف عن الاستماع. ورغم محدودية حصيلته اللفظية، فقد وصلته الرسالة. وربما استغرق الأمر بعض الوقت لتتغلغل الكلمات في كل ذلك الشعر.

قال: "لقد عملت هناك طوال حياتي. أنا..."

مسح القزم لحيتها، وعيناه تروغان في هلع غامض. شهد اللورد بايرون ملامح مشابهة لدى الرجال السائرين نحو المشنقة. بدا جرافيس مرعوباً بوضوح، كأي شخص يواجه نهاية مفاجئة لحياة طويلة قضاها.

اعتراف جرافيس كأنه ارتكب جرماً عظيماً: "لم أرزق بأطفال قط. أنا آخر آل بيرلينج... الآخر. لم يبق أحد في عشيرتي. أنا... ليس لدي عائلة سوى زوجتي، وهي..."

تردد كأنه فكرة جديدة مرعبة عبرت عتبة عقله دون استئذان.

"إينا خاصتي مريضة! المسكينة. إنها عليلة منذ فترة، وتزداد سوءاً أيضاً. كيف لي أن... بلا عملي، سيطالبونني بدفع الإجرة لتلك الكوخ الذي يأوينا. وإذا فقدته — فلا أملك شيئاً. ليس هناك مكان سيوظفني، ليس الآن، ليس في مثل سني".

نظر إلى يديه كأنهما خانتاه.

"ما الذي اقترفته خطأ يا سيّدي؟ أقسم بملكك وسماوي أنني سأصلح الأمور. سأفعل. سأفعل أي شيء. أرجوك. أرجوك".

توقع اللورد بايرون السؤال. لقد سألوه جميعاً، وأجاب بالطريقة نفسها في كل مرة.

"ليست خطيئتك يا جرافيس. لقد قررت ثلاثية إدارة تور ديل فور أنه نظراً للاضطرابات الخارجة عن القانون الأخيرة، فإن الاستمرار في السماح لقومكم بإدارة دروميندور يعد... حسن، إنه تهديد لأمن المدينة".

"أي اضطرابات؟ وماذا تقصد بالتهديد للأمني؟"

بدا جرافيس تائهاً.

"آل بيرلينج — هم من بنى دروميندور يا سيّدي. هذا... هذا الخليج برمته كان غير صالح للاستكون قبل وصول أندفاري بيرلينج. سأقول لك ما يمثل تهديداً يا سيّدي — ألا يتولى بيرلينج رعاية العجوز حقاً. هذا هو الخطير. الاستغناء عني — كما تسميه — هذا أمر غير مسؤول، وغير آمن، وتهديد مؤكد لأمن هذه المدينة".

"أنا أدرك..."

"كان جبل دروما يثور طوال الوقت اللعين، نافخاً سحب الرماد والغازات السامة ومطلقاً سيولاً من الحمم البركانية. كان هذا الخليج الصغير الجميل فخ موت ساماً قبل أن نبني دروميندور!"

"نعم، أنا أفهم تماماً..."

"ثم كان هناك القراصنة، الداكا والباس ران. اعتادوا تخريب هذه السواحل! لولا قومي، لما كانت هناك دروميندور، ولا تور ديل فور، ولا هيئة الميناء أو ثلاثية الإدارة! لولا قومي، لكان هذا المكتب في حفرة مدخنة من الصخور المنصهرة. ولما كانت كل متاجرك ومقاهيك وحاناتك ومسارحك الجميلة موجودة".

"ليس قراري يا جرافيس".

"أنت رئيس هيئة الميناء!"

ارتفع صوت طحن الصخور ليصير زئير أسد.

"لقد قلت للتو إن دروميندور جزء من هيئة ميناء ديلجوس اللعينة".

"نعم، لكني لا أدير البلاد. هذا القرار اتخذته الثلاثية. وإن كانت لديك مشكلة، فراجعهم هم".

كان هذا درع اللورد بايرون. لم يفكر في الأمر قط على هذا النحو حتى شهد تحول جرافيس من ساحر متجول للعجلات والعتلات إلى شيء أكثر رعباً. وتذكر اللورد بايرون مرة أخرى كيف سحقت تلك اليد المجردة للعاملي صخرة كتلة طين، وللحظة، شعره بالخوف. قد تكون يدا جرافيس، على قدمهما، تمتلكان قوة تفوق قوة البشر الفانين.

قال جرافيس بيأس وهو يحدق في الأرض المصقولة ويهز رأسه: "نعم، أنت محق. ليس الأمر بيديك. ولا حتى بيد الثلاثي التدنيس. وحتّى لو أرادوا، فلا يمكنهم تغيير طريقة تفكير البشر".

"الأمر على ما هو عليه دائماً، أليس كذلك؟ ظننا أن الجمهورية ستكون مختلفة. لا ملوك، لا أباطرة، لا كنيسة. مجرد أحرار يعتنون بشؤونهم. لكن الأمر ظل كما هو. إنه دائماً كما هو".

رفع رأسه بحادة وثبت نظره الثاقب في اللورد بايرون.

"أنا من ينبغي أن يفصلك — أنتم جميعاً. دروميندور لي، ولا أحد منكم يستحقها. لا تستطيعون فهم لغتها، ولا تعرفون حتى كيف تعمل".

توقف وفكر لحظة كأن فكرة أخرى — مرعبة — جاءت تطرق الباب.

"لكنني أعرف".

حدق جرافيس بيرلينج في اللورد بايرون، وبانت ابتسامة تحت كل ذلك الشعر، ابتسامة رهيبة، مرعبة.

"نعم، هذا صحيح، أنا أعرفها حقاً".