بدأت العاصفة تخفّ حين قاد رويس حصانه إلى باحة الدّير. الحجارة القديمة مبلّلة بالمطر، تلمع وتبرق بآخر ومضات البرق. ثلاثة رهبان ينتظرون عند البوابة الأمامية بوجوه كليلة وثياب مبتلّة. لم يبدُ أيّ منهم متفاجئاً لرؤيتهم.
"إلى هنا. إلى هنا!"
أشار الأكبر سنّاً من الثلاثة لرويس نحو توهج الدّفء في الداخل.
"كيف هي؟ حين أقبلت العاصفة علمنا أن خطباً ما قد وقع".
حين بلغا الدّير، كانت عيناه نيسا قد أُغلِقتا وقد استرخى جسدها تماماً.
قال رويس وهو لا يثق بقدرته على النزول من دون إسقاطها: "خذاها".
مدّ أحد الرهبان الشبان يديه وأخذها من ذراعيه. شعر رويس بالارتفاع يتبعه شعور بالفقد. لم يفهم نصف ما قالته له جثة نيسا، وآمن بأقل من ذلك. لم يعتقد أنها كذبت. لم تكن من هذا النمط، وعدم تنفّسها وبرودة جلدها دعما قصّتها أفضل من أيّ شاهد عيان، لكنّ أموراً كفيله كانت أصعب من أن يقبلها رويس. لقد التقى بنصيبه من الوعاظ والكهنة والنُسّاك، وكلٌّ منهم يبيعة نسخته عن الحياة والموت، محاولين إقناع مجندين جدد.
لم يرَ رويس أبداً سبباً لاستثمار رأيهم حين كان يملك رأيه الخاص، لا سيما حين عمل رأيه وفشل رأيهم. لكن نيسا — أو أياً كانت — لم تكن تطلب إيمانه ولا دعمه ولا ماله. مع ذلك، لم يعنِ هذا أنها لا تبتغي شيئاً. لا سبب يجعلها تنسج مثل هذه الأكذوبة بلا غاية. وحين سلّمها وراقبهم يأخذونها إلى الداخل، عرف أنه يفتقد تلك الغاية. ماذا تريد منّي؟
سأل الرهب الأكبر: "أأنت الآخر؟"
استغرق الأمر لحظة من رويس ليدرك ما يعنيه.
"نعم. لا بدّ أنك التقيت بهادريان".
أومأ.
"أنا الرئيس أوغاستين. شكراً لإحضارها. سنتولى الأمور من هنا".
إن كان يقصد بذلك أن يرحل رويس، فقد كان مخطئاً. لم تكن المجازفة بحياته من أجل شخص ما أمراً طبيعياً بالنسبة إليه، وأراد أن يعرف لمَ فعل ذلك. سمع رويس حكاية خرافية، لكن ليس مكانه فيها. كان لديها سبب خلف طلبه منه إحضارها. لأنّي جنيّ؟ ربما. لكن ثمة ما هو أبعد. كان رويس رجلاً قليل الإيمان. اعتمد على الثابت الراسخ من نزعة الإنسان نحو الجشع والكره. لا أحد يفعل شيئاً إلا لمنفعة نفسه.
لقد أثبتت هذه البديهية أنها رهان مضمون كثيراً، حتى إنها تصطف جنباً إلى جنب مع جريان الماء نحو الأسفل. إنها تريد شيئاً، ولكن ما هو؟ هبط رويس وتبع البقية إلى المبنى الكبير المغطّى باللبلاب. لم يقم الرهبان بأي حركة لإيقافه. حتى إنّ أحدهم أمسك الباب.
سأل الشاب: "أرأيت طقساً مماثلاً من قبل؟"
أومأ رويس. كانت العاصفة سيئة، لكنها ليست غريبة عن الصيف. ظلّ الراهب عالقاً عند الباب، ناظراً إلى السماء.
"لم أجرِ رؤية عاصفة إلا مرة واحدة من قبل. حين مات العجوز مادي أولدكورن، حظينا بواحدة تشبهها".
"تلك كانت آخر عاصفة سيئة؟"
هزّ الراهب رأسه.
"العاصفة الأخيرة. المرة الأخيرة التي رأيت فيها المطر يهطل في النهار".
حملوا نيسا عبر غرفة واسعة مفتوحة — صحن الكنيسة — نحو المذبح. كان رويس قد أطلّ برأسه على كاتدرائية ميريس في ميدفورد؛ هذا الدّير لن يصلح حتى ليكون مرحاضاً لها. لم تكن هناك مقاعد، ولا مساند ركوع، ولا تماثيل، ولا رخام أو مهوقي منحوت. ولا أثر للذهب، سوى أرضية حجرية وسقف خشبي مرتفع. منحت مواقد النار المفتوحة وصفوف الشموع ضوءاً للداخل، ولم يكن المذبح سوى منصة مرتفعة تعلوها منضدة قد يستقرّ عليها كتاب.
لم يرَ رويس أي كتب. كان المكان ليغدو إسطبلاً في ميدفورد، باستثناء أمرين: الجدارن والسقف. لقد غطّت هذه رسوم جدارية. كانت لكاتدرائية ميريس رسوم على جدرانها أيضاً، صور لرجل ذي لحية بيضاء يضع تاجاً على رأس شاب وسيم بينما تتدفق خيوط النور إلى الأسفل — ماريبور يمسح على نوفرون. الصور هنا كانت مختلفة. أصابتها شقوق، خطوط دقيقة شبيهة بشباك العنكبوت حيث جفّ الطلاء، وتشقق الجدار نفسه في أماكن، تاركاً تصدعات كبرى تسري خلال الصور.
الألوان باهتة وخاملة؛ وفي مواضع ضاعت الخطوط تماماً. صُنعت هذه اللوحات بأيدي فنّانين أقلّ موهبة من أولئك الذين في الكاتدرائية. ونتيجة لذلك، كانت الصور فجّة — مسطحة، بلا أي إحساس بالعمق أو المنظور. الشاب الوسيم لم يكن في أي مكان؛ ولا الرجل العجوز ذو اللحية. بل جلست امرأة ذات شعر غراب على مقعد كبير. وخلفها، متواريَة جزئياً في الظلال، وقف رجل يرتدي ملابس فجّة وله لحية سوداء شرسة.
وعلى يمينها امرأة جميلة تحمل قوساً طويلاً وتضع ابتسامة ساخرة. وعلى الجانب الآخر وقف رجل أعرج يتكئ على امرأة ودوعة حشرت يديها في جيبي رداء عمل. وفي المقدمة، جلس شخصان آخران على وسائد — كلتاهما فتاتان صغيرتان. ارتدت إحداهما قبعة تبدو سخيفة، وتحمل عصا، ولها ذئب متكور عند قدميها. والأخرى تشبثت بكتاب على حجرها وتمسك ريشة بين أصابعها. لم تكن هناك أشعة نور تسطع على وجوههما ولا بهاء ساطع.
وعلى أقصى يمينهم رُسمت طبيعة من حقول خضراء وارفة تؤدي إلى مدينة لامعة. لم يرَ رويس مكاناً كهذا قط. أبراج عالية أنيقة وشارع كبرى تتلاشى في الأفق، حيث يقف مبنى ضخم ذو قبة ذهبية. وعند مدخل المدينة، لاح تمثالان كبيران لأسود. وأمسكت سقالات بعمّال يبنون هياكل إضافية. لم يستطع رويس تبين معنى الصورة. بدا هذا أشبه بورتريه عائلي، كالتي رؤاها في منازل التجّار. علاوة على ذلك، في الضوء الخافت للصحن، لن يستطيع قلة ممن لا يملكون حدة بصره رؤية الجداريات.
خمن أنه لا بد أن تكون قد رُسِمت على ضوء الشموع أو قبل تشييد السقف. أخذ الرهبان، الذين لم يتوقفوا لتأمل اللوحات، جسد نيسا عبر درج. كان رويس على وشك اللحاق بهم حين لمس شيئاً آخر في اللوحة — قرية صغيرة تبدو تافهة تقبع في أقصى اليسار. بدائية تتجاوز أي شيء رآه رويس من قبل، وكان المجتمع عبارة عن مجموعة أكواخ يحيط بها سور من التراب والخشب. وفي المركز منزل كبير؛ استقر المكان برمته في تجويف غابة عظيمة تبدو بلا نهاية.
التباين بين المدينة العظيمة اللامعة والقرية الصغيرة هو ما أوقف رويس. من هؤلاء الناس؟ ولم قد يرسمهم أحد؟ لا يبدون كملوك أو نبلاء. أتريد مني أن أرى هذا؟ لقد علمت أنني قادر لأنني جنيّ. أهذا مهمّ بطريقة ما؟ كان اللبلاب الذي يغطي الدّير الأثقل حول الصحن. حتى إنّ بعضه تسلل عبر النوافذ والباب والشقوق في الجدران. رفع رأسه ليرى اللوحة الأخرى. كانت أبعد، وأصعب في الرؤية من تلك التي على الجدار.
حتى رويس اضطر للتحديق. صورت هذه الصورة الطويلة عوالم ثلاثة بمداخل تؤدي من واحد إلى التالي. قبل الأول نهر طويل إلى جانبه كوخ. وتدفق النهر إلى زوج من البوابات العظيمة. امتلأ العالم الأول بالناس وحكمه رجل على عرش جبلي. والعالم التالي مكان مظلم من الظلال واللهب تحكمه ملكة ذات مظهر شرير. وعبر جسر ضيق باب آخر يؤدي إلى مكان جميل من الأشجار المزهرة والتلال الخضراء المتموجة.
هذا المكان الأخير بلا عرش أو قلعة، بل كوخ متواضع. وباب إضافي واحد يخرج من العالم إلى مكان آخر، منطقة مظلمة مسورة يستحيل الرؤية إليها. حدّق رويس لأعلى لدقائق عديدة، محاولاً إدراك معنى هذه الصورة، لهذا المكان. شعر بعيون أولئك الذين على الجدار تراقبه، وامرأة الشعر الداكن أكثر من أي شخص آخر. كان هناك شيء فيها لم يستطع الإمساك به تماماً. جذب انتباهه قرع حوافر خيول تدخل البولة.
أخيراً! ما الذي أبطأك طوال هذا الوقت؟ انتظر رويس. أمر جيد أنني لم أكن بحاجة لمساعدة، هكذا نوى أن يقول. ثم فتح اللورد فوكس الباب. مبتلاً وملفوحاً بالريح، انحنى سيلورسب لدخول الداخل، رامياً قلنسوة للخلف وممسحة المبلل من وجهه.
قال محققاً رويس: "ها أنت ذا!"
وأين هي؟"
تحولت عيناه إلى الدرج.
"أسفل هناك؟"
لم يقم فوكس بأي حركة فورية لعبور الغرفة. أخذ وقته، هازّاً المطر من شعره وعاصراً إياه من قميصه، داساً بقدميه.
"أكره الماء في حذائي. يغرغر حين تخطو، وتتقرح قدماك فيه".
"أين هادريان؟"
نظر فوكس لأعلى كأنه لا يعرف الاسم.
"أه، شريكك في الجريمة، نعم — لقد مات. قتلته في الطريق صاعداً. هو وصديقته".
"قتلت هادريان؟ أقتبته؟"
"إنه رجل كبير، أعلم، لكنه جريح أيضاً. كنت هناك حين ضربه تجار العقيق، تذكر. كدمات، ربما ضلوع مكسورة، أخمّن. أنت، من جهة أخرى..."
تفرّس فوكس في رويس.
"كيف هما؟ يداك، أعني. لقد داسوهما جيداً. لا بدّ أن ذلك يؤلم".
مدّ رويس يده نحو أليفستون، ليتذكر فقط أنه فقدها في مكان ما بباحة قلعة دولغاث. ابتسم له فوكس وهو يلقي عباءته المبتلة. سحب سيفه وقام بتلويحتين واسعتين للتدريب رشتا الأرض بمياه المطر.
"ولا حتى سكين؟"
تخيل رويس رمي أليفستون في حلق فوكس، رآه يتخبط في رعب وعذاب، وكره الميت ذا القوس لأجل فقدان نصله. ارتفع فوكس من مجرد هدف إلى عدو ثم إلى خصم يستحق وقت رويس. أراد بشدة قتل الرجل حتى إنه قد يسيل لعابه لرؤيته — قريباً جداً، وحيداً هكذا. نادراً ما يكون العالم متعاوناً هكذا — لكن بالطبع، لم يكن كذلك. كانت يداه محطمتين وخنجره على بعد أميال. كانت الحياة مليئة بالمفارقات القاسية.
لم يصدق رويس قصة موت هادريان. لكن إن كانت حقيقية، خنجر أم لا، يدان أم لا، فلن يغادر فوكس هذه الغرفة حياً أبداً. سأمزق حلقه بأسناني إن اضطررت لذلك. أمران أزعجا رويس — فضلاً عن يديه والخنجر المفقود. أولاً، لم يكن يعرف بعد ما تريده نيسا منه. لمَ روت تلك القصة المجنونة. ثانياً، إن لم يكن هادريان ميتاً، فلمَ لم يهاجم فوكس؟ لقد خلع عباءته، ونفض شعره، ومسح وجهه، وبدو راضياً بأداء تلويحات تدريبية.
إن استطاع هادريان صعود الممر، فلم الانتظار؟ ماذا ينتظر؟ أتت الإجابة عبر الباب بعد لحظة.
"أقتلتها؟"
سأل نوكس. نظر الشريف عبر الصاله إلى رويس وسحب نصليه. كان على أحدها دم. دم هادريان؟ شعر رويس بالغضب يشتعل. وحين فعل، ضاقت عيناه، مثبتتين عليهما معاً.
"ليس بعد. كنت أنتظرك. اقتل هذا. إنه أعزل ويداه مكسورتان. يجب أن يكون الأمر سهلاً".
"إذن لمَ لم تقتله؟"
"لا يمكنني تحمل ارتكاب أخطاء هذه المرة"، قال فوكس.
"أعظ أن بإمكانك تقدير ذلك. أنت أفضل بنصل، ولا يمكن السماح له بالهرب".
تحرك الاثنان إلى الأمام. انتشرا، دافعين رويس نحو الزاوية. لوّح كل من فوكس والشريف نحوه. قفز رويس للخلف، مانحاً إياهما السيطرة على الغرفة.
قال فوكس: "انظر. إنه غير مؤذٍ، وهذا عمل جزّار. تعامل أنت معه. أنا ذاهب خلف نيسا".
لم يستطع رويس فعل شيء حين هبط فوكس الدرج، وسيفه ما زال مسلولاً. أقبل نوكس نحو رويس بعيون متلهفة. لوّح مجدداً، وتفاداه رويس مرة أخرى.
"أنت سريع"، قال الشريف.
أتى من جهة الدرج صوت باب يرتطم مغلقاً.
قال نوكس: "إنه يقتلها، أنت تعلم. اللعينة لديها عادة سيئة في البقاء على قدي. سيقطع رأسها هذه المرة ليتأكد. سنلقي اللوم عليك في ذلك".
اقترب نوكس، متسللاً بساقين منحنيتين، وعيناه مثبتتان على رويس.
"أعرف نمطك. طعن الناس في الظهر هو أسلوبك. ليس رياضياً للغاية".
وجّه نوكس تلويحة أخرى، أولاً بسيفه الأيسر ثم بأيمن. لم يكن رويس هناك في المرتين.
"أنت سريع بحق. سأمنحك هذا".
دفع به نوكس للخلف. أجبره على الزاوية للحد من قدرته على الحركة. حاول رويس التفادي، والدوران بعيداً عن الجدران، لكن نوكس كان ينتظر. سيفان خبيران كانا أكثر مما يستطيع رويس تفاديه بأمان، وتراجع مجدداً حتى صار ظهره ملتصقاً بالجدار ذي الجدارية. وجد نفسه واقفاً بين الفتاة ذات الكتاب وتلك التي مع الذئب. أراهن أن أياً منكما لم يعش يوماً كمثل هذا.
"يا نوكس! ضع السيف جانباً!"
مقتحماً المطر، حطم هادريان الباب مسلول السيفين.
صاح رويس: "حان الوقت!"
"اقتله ودعنا نذهب".
تقدّم هادريان بلا تعليق، فكُّه مشدود، وعيناه مسمرتان على الشريف، الذي تراجع بخطوات منزلقة رافعاً سيفيه. ضرب هادريان بسيفه الهجين. التقى المعدن بالمعدن برنين خافت حين اشتبك السيفان عند الحراس. أحضر نوكس نصله الثاني، لكن السيف القصير كان أبطأ، وقبل أن يخفت رنين الاشتباك الأول، كان هادريان قد غرز قدمين من معدن باهت تحت قفص الشريف الصدريّ. سحبه بحركة تقطيع قاسية على غير عادته.
أطلق نوكس همهمة قد تكون كلمة، ثم انطوى على نفسه. أسقط سيفه وأمسك بطنه الممزق، محاولاً إبقاء أحشائه في مكانها. سقط بارططام رطب. حدّق رويس في الرجل الميت، مندهشاً.
"ماذا؟ بلا جدال؟"
هزّ هادريان رأسه.
"ليس هذه المرة. أين نيسا؟"
قاد رويس الطريق نزولاً عبر الدرج. في القاع كان باب مغلق. ضربه بكتفه وارتد.
"مقفول".
صاح هادريان: "إذن؟ افتحه!"
"لا يمكنني".
تنحى رويس جانباً ليُريه. كان للباب مقبض، لكنه افتقر إلى مزلاج وثقب مفتاح.
"مُزلاج من الداخل".
سحب هادريان سيفه الكبير من ظهره وضرب الخشب بمقبضه. ضربه ثلاث مرات.
"افتح، أيها اللعين!"
تجاهله الباب.
سارع كريستوفر إلى إحكام مزلاج الباب من خلفه. لم يكن يظن أن نوكس يعجز عن التعامل مع لص أعزل، لكنه لم يرغب في دخول أحد أو خروجه. قضى معظم الربيع والصيف محاولاً قتل نيسا دولغاث، وكان عازماً هذه المرة على بلوغ غايته. آويتك، وسددت ديونك، وأطعمتك، كسوتك، وحميتك. هذا أوان حسابك. فرصتك لرد جميلي. إن فشلت، فلا أعرفك. أأنت واعية؟ وعى كريستوفر تماماً. هذه لحظة كسبه أو ضياعه. أما عن لحظات الحسم، فلم تكن أوجز قط من هذه.
كان في نوع من السرداب أسفل الدير، حجرة حجرية صغيرة زُينت لتبدو مهمة. تسلل شعاع من ضوء النهار بشكل مائل من فتحة علوية. خفف سماء غائمة من حدة الضوء، لكنه ظل ساطعاً في ذلك المكان المظلم سواها. أنار صندوقاً مبهرجاً. يبدو ذلك مبشراً. رقدت نيسا دولغاث بجواره. كانت على الأرض، تشابكت يداه فوق صدرها، وتسوّى ثوبها. أغمضت عينيها. لم تتحرك، ولم تتنفس. لم يوجد في الحجرة سواها ورهبان شابين وعجوز بلحية بيضاء بالغة الطول، انكمش جميعهم في الجانب البعيد عن الصندوق وجثة نيسا الهامدة.
كلا، لا يصبح الأمر أيسر من هذا.
سأل ذي اللحية: "أنت رئيس الدير هنا؟"
وما زال مسك بسيفه لكنه أرسله مستنداً إلى فخذه.
"أوغسطين، أليست كذلك؟"
أومأ الرجل برأسه. كان الصندوق مفتوحاً ومشى كريستوفر نحوه. لا ذهب. خيل إليّ أن ذلك كان مطلباً مبالغاً فيه. لم يرى عوضاً عن ذلك سوى قطعة قماش منقوشة بمربعات.
"ما قصة الخرقة؟"
لم يجب رئيس الدير، لكن عينيه العجوزتين تتبعتا كل حركة خطها كريستوفر.
"محظوظ أنا بلقياك. وصل شقي لصوص — هما اللذان حاولا قتل الليدي دولغاث واختطفاها لطلب فدية — إلى هنا. أنتم في خطر داهم. استأجرهما الشريف نوكس، الذي تسربت إلى رأسه فكرة حمقاء من وصيفة السيدة بأن نيسا شيطان. يبدو الرجل مجنوناً حقاً، لكنه قادر. اكتشفت الأمر — لأنني ذكي هكذا."
ابتسم. لم يبادل رئيس الدير ورفاقه الابتسامة. أيقن كريستوفر أن الراهبين الأصغر سناً سيشرعان في البكاء عما قريب.
التفت بنظره إلى الباب الموصد مجدداً ثم أردف بنبرة أخفض: "سأقتل الشريف الخائن حين أغادر هنا، ضماناً لتحقق العدالة."
تحرك كريستوفر نحو الليدي دولغاث، مما دفع الرهبان إلى التراجع. يا لهم من حراس شجعان. تأمل نيسا وهي ترقد على الأرض الحجرية. يا له من جلد أملس، وخدود فاتنة، وشعر منساب، وتلك الخصر النحيل. بدت جميلة حتى وهي باهتة بفعل الموت وملطخة بدماء جافة. عاد عادةً لا يستطيع الحدق، ولا يجترئ على التغزل بالكونتيسة، لكن شيئاً لم يمنعه الآن. أثار صدرها، الذي طالما تشوق لفحصه، اشمئزازه.
أبى أن ينظر إلى الجرح، ذلك المنخفض المظلم القبيح قرب موضع تشابك يديها. لم يكن كريستوفر مرهف الطبع، لكن تلك الفجوة في صدرها كانت مزعجة. يا له من هدر.
تنهد قائلاً: "يبدو أنني تسابقت طوال هذا الطريق هباءً. لقد فاتني الأوان. إنها ميتة بالفعل."
"كلا. لست كذلك."
انفتحت عينا الليدي دولغاث ببطء، كأن وزنهما بضعة أرطال. تراجع كريستوفر، ضاغطة على مقبض سيفه.
"شكراً لقدومك السريع"، قالت الليدي دولغاث.
بدت نبرتها هادئة ومسترخية، لكنه لاحظ فيها خرامة غريبة. تكلمت كأنما من مكان أجوف، بنبرة لها خاصية انقطاع الأنفاس التي — في زمان ومكان آخرين — لربما فُسرت على أنها غوية.
"كنت أرجو أن تبلغ هنا قريباً."
"أنت — أأنت علمت بمجيئي؟"
التفت كريستوفر إلى أوغسطين الذي بدا مذنباً بشيء ما، لكن فوكس لم يدر ما عساه يكون.
قالت الليدي دولغاث بنبرتها الغريبة الطبيعية شبه المرحة، وما زالت تلك الرقرفة الواهنة الغريبة قائمة في كلماتها: "بالتأكيد."
لم يستحسن كريستوفر ذلك الصوت، ذلك الطنين العجيب الشبيه بالنفخ على فوهة زجاجة.
قالت نيسا: "أنا دعوتك."
سمع خلفه صوت صرير الباب وضربة حين ألقى أحدهم بنفسه نحوه. حظاً سعيدا في ذلك، يا نوكس. سمك الباب ست بوصات من البلوط.
"ما دعوتني. هربت إلى هنا ظانّةً أنك قادرة على الفرار، محاولة إيجاد عون."
قالت: "أخبرت هادريان إلى أين يأخذني — أمام عينيك مباشرة. علمت أنك ستسمع وتأتي للعون."
ضحك كريستوفر. استحسن وقع ذلك، وكيف ملأ الحجرة الصغيرة ودفع في وجه ذلك الصوت العاصف الذي لم يبدو طبيعياً بأي حال.
"أنت مخطئة الفهم، يا سيلتي. لست هنا لأعينك؛ بل لأقتلك."
"أعلم."
جاءت الكلمات بالصبر الفظيع نفسه. أدرك كريستوفر أن ثمة خطباً ما، شيئاً غير طبيعي البتة فيها. أشعل الصوت شعيرات ذراعيه.
"إن كنت تتساءلين لم اخترتك، فذاك لأنك ققتل شيروود. يحلو لي الاعتقال بأن قتله سيُنظر إليه باعتباره مسوغاً. أريد أن أصدق أن قراري متزن بالهدوء ونقي كذاك، لكني لا أستطيع إنكار أنني أبغضك حقاً، كريستوفر فوكس. لم أر لوحته إلا بعد فوات الأوان. أبغضك لأنك حرمتني فرصة محادثته بشأنها. الملوك وحدهم يعلمون أنك تستحق الموت. أردت فقط أن تعلم أن ما فعلته بشيروود جعل الأمر أيسر."
"عَمَّ تتحدثين؟"
قالت بنبرة مرعبة ومشفقة: "يسعدني للغاية أنك بلغت هنا بينما استطعت بعد تحريك هذه الأصابع والتكلم بهذا الفم. ما أتيت إلى هنا طلباً للعون يا كريستوفر. أتيت إلى هنا كي لا يوجد شهود. أخبِرني، أيها اللورد فوكس، أتدركي ما تعنيه ميرايليث؟ بالفريه — ما تدعونه بالفصحى — تعني فنانة. لقد قتلت الخطأ."