كان درب العودة أسفل الجبل أسرع، كما هي الحال دائماً في المنحدرات. ورغم ذلك، كان الليل قد أرخى سدوله حين بلغ هادريان وسكارليت دوج ذلك الجزء من الدرب حيث يستوي المنحدر ويمتد متساعاً بما يكفي لسير شخصين جنباً إلى جنب. كان القمر في محاقه الثلاثيني تقريباً، ناثراً رذاذات من البرك الفضية حيث تسللت أشعته عبر الأوراق. سرى الضوء متصاعداً وفوق أجسامهما بينما كانا يخوضان في برك ضوء القمر، وظل هادريان يختلس النظر إلى سكارليت.
ظن في البداية أنه يفلت بفعله. واصلت سكارليت دورها كدليلة مركزة على الدرب أمامها، لكنه حين لمس ابتسامتها أدرك أنها ضبطته. وأدرك أيضاً أنها لا تمانع.
"إذن كيف انتهى بك المطاف في دولغات... في بريكن ديل؟"
سأل هادريان.
"وما شأنك أنت؟"
جاء صوتها جافاً وبارداً في آن. فوجئ هادريان، ثم أدرك أنه ما كان ينبغي له أن يففاجأ. فقد كاد رويس يضع سكيناً على رقبتها.
"انظري، لقد بدأنا بداية خاطئة. لقد سممتني، وهدد رويس بقتلك — والحقيقة أننا لسنا من ظننت أننا هم، وليست لدي أي فكرة من تكونين أنت."
"يبدو الأمر الأفضل على الأرجح، ألا تظن ذلك؟"
"كلا — لا أظن ذلك على الإطلاق."
التفتت إليه تماماً بينما غمر ضوء القمر وجهها. بدت تلك النظرة الحائرة التي ألفها وعدّها واحدة من تعابيرها المعتادة — أو تلك التي تستخدمها معه على الأقل.
"لكنني سأخبرك بما أظنه حقاً. أظن أنه من السهل عدم الثقة بشخص لا تعرفه. إن كنت جاهلاً بماضيه، فلن تفهم دوافعه، ولهذا تقفز إلى استنتاجات تكون خاطئة عادة. على سبيل المثال، أنا رجل لطيف حقاً، لكنك تكوين على الأرجح رأياً مخالفاَ عني."
"حسناً — أظنك أحمق."
ابتسم.
"هذا فقط لأنك لا تعرفينني. متى ما عرفتني، ستكتشفين أنني لست سوى أبله حقاً."
أضحكها هذا. استشف أنها لا ترغب في الضحك، وجعل إحباطها الصوت أكثر عذوبة.
"أرايت، لا يمكنك مقاومتي. أنا ككلب يلقي كرة عند قدميك."
"هادريان،"
قالت بصوت متعب مع هزّة رأس.
"أنا أدرك. أنت منجذب إليّ. تحاول بدء أمر هنا — تجعلني أعجب بك — لكنك لن تظل هنا سوى لأيام قليلة، وواغنر وأنا — نحن نوعاً ما نتبادل المشاعر."
"واغنر؟ الساقي؟ ذلك الرجل العجوز؟"
"إنه يملك دار كولدويل، وهو لطيف."
أومأ هادريان ببطء مع بروز شفته السفلى.
"ماذا؟"
"يبدو كبيراً في السن بعض الشيء، هذا كل شيء."
"نعم، حسناً، أغلب الرجال الذين يستحقون العناء كذلك. يميل الفتيان إلى الكسل أو امتلاك فائض من الأحلام؛ إنهم يبحثون دائماً دون أن يجدوا قط لأنهم لا يملكون أدنى فكرة عما يريدونه حقاً."
حدقت فيه مباشرة وهي تتكلم.
"الرجال مثل واغنر تجاوزوا مرحلة تأمل النجوم. إنه يفهم كيف تسير الأمور في العالم ويستغلها بأفضل شكل ممكن."
"آه-ها."
أبقى هادريان عينيه للأمام هذه المرة لكنه شعر بها تنظر إليه مجدداً.
"ما الذي يعنيه هذا؟"
"لاشيء."
"واغنر كان جيداً معي."
"لم أقل إنه لم يكن كذلك. ربما يكون رجلاً عظيماً... حين لا يكون مسمماً للناس."
"لقد فعلت ذلك — ولم أسممك. لقد خدرتك. لو استخدمت سمّاً لكنت ميتاً."
أومأ هادريان مستسلماً مجدداً. أزاح حزام سيفه القصير قليلاً عن وركه حيث كان يحتك به. اعتاد سيف اليد والنصف التدلي منخفضاً على الدوام، لكنه كان يرتدي السيف القصير أعلى حين يمتطي الخيل ليبقيه بعيداً عن فخذه.
"تعلمین، لم أكن أطلب يدك للزواج. كنت فقط فضولياً بشأن كيف انتهى المطاف بامرأة من كولنرا هنا. بدا الأمر غريباً بعض الشيء بالنسبة لي، هذا كل شيء."
واصلا السير في صمت. افترق الاثنان متخذين طريقين مختلفين حول شجرة زعرور تفاجأ هادريان بأنه يتذكرها من رحلة الصعود. الأمر ذاته حدث مع صخرة قبل قليل. لمَ أتذكر أشياء وأنسى أخرى؟ لمَ الشجرة والصخرة، وليس تلك الجذعة الساقطة أو ذلك المنعطف؟ كان هذا نوع الحديث الداخلي الذي طالما أفصح عنه بصوت عالٍ أمام رويس، وهو النوع الذي يصيب شريكه بالجنون. لكن لم يكن من اللائق السير مع أخص بشري والتزام الصمت تجاهه، لذا بدا القليل من الحديث العقيم أمراً معقولاً.
وبدلاً من الاستيلاء عليه الضجر من الصمت، اختار هادريان أن — "لقد تورطت في بعض المتاعب بكولنرا،"
قالت سكارليت. لم يجسر هادريان على الالتفتات. لم يُظهر أي أمارة تدل على علمه بوجودها.
"كان رويس صادقاً بشأن وجودي في الماسة السوداء."
توقفت. لم يجب هادريان، ولم يرغب في حرفها نحو نقاش حول رويس. بعد هنيهة، تابعت حديثها.
"نشأت ابنة مزارع وهربت إلى المدينة الكبيرة لأنني كنت أمتلك موهبة وأردت التمثيل على المسرح هناك. لم أكن أبلغ سوى الرابعة عشرة — ولم أكن أدرك أن النساء غير مسموح لهن بالعمل كممثلات. ضحكوا مني، وأمروني بالعودة إلى المنزل. لم استطع فعل ذلك. كنت قد شاهدت أمي تقدم على إنهاء حياتها في بؤس صامت. كانت تبكي حتى تغفو في الليل. لن أفعل ذلك — لن أكون تلك المرأة. "كنت أرقص وأغني في زوايا الشوارع مقابل المال.
أحبني الناس وألقوا قطعاَ نقدية في قبعتي. ظننت أنني عثرت على مستقبل، وكنت سعيدة للغاية. لم أكن أدرك شيئاً عن نقابة المنشدين ومدى قسوة الناس.
كما قلت، لم أكن أبلغ سوى الرابعة عشرة."
خاطر هادريان بنظرة فاكتشف أن سكارليت لا تنظر إليه. كانت نظراتها مثبتة على الظلال، وعلى وجهها تعبير قاسٍ وموجع.
"كنت مجرد فتاة صغيرة غبية،"
قالت باستهزاء مقرون بالاحتقار، كما لو أنها ترى نفسها وتمقت ما تراه.
"لم تكن النقابة تعبأ بكوني صغيرة وساذجة. كل ما عَنِيَهم هو اقتطاعي جزءاً من أرباحهم. أبرحوني ضرباً مبرحاً حتى أدموني وشقوا شفتي. تورمت عيناي حتى عجزت عن الرؤية منها لأيام. انكسرت ذراعي اليسرى، إضافة إلى الإصبع الثالثة في هذه اليد."
رفعتها كأنها تتباهى بخاتمة.
"ما زالت معوجة قليلاً."
عبست ووضعت تلك اليد على هيئة قبضة.
"لكن ذلك كان كل ما فعلوه — كان يمكن أن يكون أسوأ. لو اكتشفت الماسة السوداء أنك تتعدى على منطقتها لصرت ميتاً، لا مجرد مهشم ومبرح ومتروك لتتقيأ في خندق. تدرك، أعضاء نقابة المنشدين يفخرون بكونهم رجالاً محترفين، لا مفترسين وبلطجية. لقد كان هذا عملاً، لا متعة. إزهاق روح فتاة غبية تقريباً لم يكن سوى جزء من عملهم. "لا أعلم ما كنت سأفعله بعد ذلك لولا تشايس.
لم أكن لأعود إلى المنزل، لذا لربما كنت لأموت، على ما أظن."
"من تشايس؟"
"كان تشايس فناناً — ساحراً وممثلاً."
"أكان أحد الرجال الذين — أكان جزءاً من النقابة؟"
"كلا — وهو ما فاجأني حينها أيضاً، لأن تشايس كان يقدم عروضه حيثما شاء في المدينة. لم يزعجه أحد قط. وتبين أنهم لا يجرؤون. كان جزءاً من نقابة مختلفة — الماسة السوداء."
رمقته بابتسامة مريرة لم يدركها هادريان.
"كانت عروضه تجتذب الحشود، حشوداً غفيرة. كان الجميع مفتونين ومنشغلين بمراقبة يديه ليروا كيف ينجز السحر. وفي تلك الأثناء كان النطّاحون — النطّاحون — يمارسون سحرهم الخاص. كان التشتيت هو المفتاح، طالما كرر ذلك. انتشلني من ذلك الخندق ونظفني. منحني طعاماً ومكاناً أنام فيه. جعلني أغني وأرقص في عروضه وعلمني كيف أنشل الجيوب وأؤدي الخدع السحرية. بالنسبة له كان الاثنان سيان. أضافني إلى عرضه وأعاد تسميتي إلى دوج — سكارليت دوج، الساحرة ذات الشعر الأحمر. كما تكفل بعضويتي في الماسة. كان تشايس رجلاً صالحاً. لقد أنقذ حياتي."
"أكان؟"
"لقد قتلوه — مالاكيت وجاسبر. حدث هذا قبل خمس سنوات. كان هويت يدير الأمور في الماسة ويحصّن موقعه بوصفه الضَابط الأول — وهو ما يشبه الدوق، ثاني أعضاء جماعة نفوذاً بعد الجوهرة ذاته، الذي يعد الملك أساساً. ومثل أي دوق جيد، كان مهووساً باجتثاث أولئك غير الموالين له. أغلبنا في المراتب الدنيا كنا نمقت هويت. ولم يكن تشايس استثناءً. لقد منح ولاءه لرجل جديد، وهو عامل دلو ونجم صاعد في النقابة، بدا قادراً على خلافة هويت، لكن كل شيء تغير بعدها. "طهر هويت المكان.
ذهب النجم الصاعد إلى منزانت، وعُثر على تشايس والكثيرين غيره طافين ووجوههم للأسفل في نهر بيرنوم. لم أكن أرغب في أن أكون التالي، فهربت. اتجهت جنوباً.
"في راتيبور، انضممت إلى فرقة منشدين جوالة، من بين كل الأشياء. قدمت عروضاً سحرية، وسلبنا جمهورنا تماماً كما في كولنرا. واصلت التنقل تفادياً للمشاكل. وفي سوانويك، لحقت بنا المتاعب. أُلقي القبض عليّ. احتفظت بيداي لأنهما قررا إرسالي إلى سجن منزانت. منجم الملحي يحتاج دائماً إلى عمال، والعمال بحاجة إلى أيدٍ. على الطريق جنوباً، نفذت خدعة سحرية أخيرة وخلعت قيودي. علمني تشايس ذلك أيضاً. طريقة أخرى أنقذني بها. هربت غرباً إلى الجبال."
أبطأت سرعتها، ثم توقفت. حدقت سكارليت في الدرب المظلم ثم التفتت مجدداً صوب سواد الغابة.
"يقول الناس هنا إن روحاً تحوم حول هذه الغابات وقد حمت أهالي هذا الوادي لقرون."
"شيطان أوغسطين التائب؟"
"أظن ذلك."
بدت محرجة.
"لا أقول إنني أصدق كل شيء، لكن الجميع يصدق شيئاً ما. إنهم يصرون على وجود الملوك، أو الشياطين، أو أرواح الأشجار، أو يؤمنون بأن أموراً كهذه غير موجودة. قد يعلن أحدهم أن البشر خيّرون بطبيعتهم، بينما يظن آخر عكس ذلك. لكن الجميع يؤمن بشيء ما، أتعلم؟ وما نحتار الإيمان به يقول الكثير — ليس فقط عن نوعية البشر الذين نكونهم، بل عن نوعية البشر الذين نود أن نكونهم، وعن نوعية العالم الذي نود العيش فيه."
"أأخبرك أوغسطين بذلك؟"
توقفت ورمقته بوجه غاضب.
"ماذا؟ أظن أن لصاً تائباً لا يمكنه استيعاب أمور كهذه؟ أم تظن أن امرأة لا يمكنها البتة تأمل أفكار مماثلة؟"
كانت تنفتح عليه، قائلة أموراً تخيل أنها لا تبوح بها لكثيرين. لربما ظنت أنه سيفهم، وأنه قد يشعر بالشعور ذاته — وقد فعل — لكنه عوضاً عن الموافقة، اتهمها بالغباء.
"عذراً،"
قالت، وكان جاداً فيها.
"حريّ بك ذلك."
"أنا كذلك."
فقد العبوس على وجهها حدته وتلا شيئاً فشيئاً وهما يسيران. انتظر هادريان. لم يجسر على نطق حرف آخر حتى فعلت هي.
"على أي حال،"
قالت، كاسرة الصمت أخيراً وممحية صفحة التكلف السابق بكلمة واحدة، "أشعر حقاً أن شيئاً ما قادني إلى هنا."
"هنا، هنا؟ أعلى هذا الدرب؟"
أومأت.
"تعثرت بهذه الخطوات وتبعته حتى الدير. لقد كان الأمر حقاً كما لو أن ماريبور — أو شيئاً ما — قد قادني."
"واستقبلك الأب أوغسطين."
"مثل تشايس من قبله، أنقذني. لم يوبخ، أو يحاكم، أو يطرح أسئلة. أخبرني فحسب أنني بحاجة لتغيير حياتي، كما لو أنه يعلم كل شيء. عرّفني على أهالي الوادي، الذين رحبوا بي، بتزكية منه، كواحدة منهم."
بدأت تمشي مجدداً، متحركة بخطى أسرع وأخف، وكأن حملاً قد أزيح عن كاهلها.
"والآن؟"
أدارت كتفيها بلا مبالاة.
"أرقص. أغني. أؤدي خدعاً سحرية. أمتع الناس في دار كولدويل ثلاث مرات في الأسبوع. وفي ما عدا ذلك، أحاول إتقان عجلة الغزل أو صنع قدور فخارية. لم أنجح في قدح واحد، لكنني أجيدها أكثر من غزل الصوف. الغزل عذاب. أحاول تعلم الخبز أيضاً."
استطاع هادريان سماع صوت النهر ورؤية القمر منعكساً على صفحته حين سألت سكارليت: "وماذا عنك؟ كيف تعلمت القتال هكذا؟ كيف انتهى بك المطاف مع رويس؟ لا بد أن تلك قصة."
"نشأت في السلك العسكري، إن جاز التعبير، ثم صرت مرتزقة لعدة سنوات في كاليس. وكيف انتهى بي المطاف مع رويس لقصة حقاً — طويلة."
أشار نحو الجسر المؤدي إلى الوادي ونهاية رحلتهما، ثم ابتسم بتباسط.
"هذا ليس عادلاً."
"لدي موعد مع رويس الليلة، لكن إن كنت مهتمة حقاً، يمكنك دعوتي للعشاء غداً."
ابتسمت بمكر.
"أنت حقاً شخص عجيب، أليس كذلك؟"
"فقط كلب مع كرة."
حيّا هادريان سكارليت بسلام، وبلغ باب منزل كالدويل تكاد قدمه تطؤه، حين لمح قلنسوة مألوفة قرب الإسطبلات. ظلّ رؤية رويس مقبلاً عليه مقلقة حتى بعد مرور ثلاثة أعوام؛ وشعر بحيرة تشبه ما قد يشعر به طائر أمام طيران الخفافيش الخارق في خفته. وزاد الأمر ريبة بقاء رويس مرئياً في ضوء القمر واختفاؤه في الظلال. بدا وكأنّه يذوب ثم يتجسّد. ومع ارتعاش عباءته السوداء وانسيابها، كان الأثر مرعباً — وبدا لهادريان — مخيفاً بلا شك لأي شخص يقف في جانب رويس السيّء.
قال هادريان: "عدت أبكر ممّا ظننت".
"حصلتُ على ما أردتُه. أأكلتَ؟"
"ليس بعد".
ألقى رويس نظرة حوله. بخلاف الحي السفلي في ميدفورد، حيث يجوب الناس الليل — أو ينامون في الأزقة وعلى عتبات الأبواب — كانت الشوارع المحيطة بمنزل كالدويل خالية.
قال رويس: "سنأكل شيئاً لاحقاً. فلنتحدث في الغرفة أولاً".
"أحدث شيء؟"
"تحدثتُ إليها مجدداً. لديها طريقة في... لندخل للداخل وأخبرك بالبقية".
كان منزل كالدويل مهجوراً؛ فلم يظهر لا واغنر ولا غيل. وكانت النار تخبو في موقدها التدفئة. وبدا طقطقة الخشب وأنين الباب صاخبين في السكون.
سأل رويس: "أهناك اجتماع للبلدة أو ما شابه الليلة؟"
"ليس حسب علمي، لكنني كنت على جبل طوال اليوم. ربما يأوون إلى النوم باكراً. هذه مجرد بلدة زراعية في الغالب. أهل الريف لا يسهرون طويلاً".
صعدا السلالم الصارخة إلى غرفتهما في الطابق الثاني. مدّ هادريان يده إلى المزلاج، لكن رويس أمسك بمعصمه. وأشار إلى الضوء المرتجف من تحت الباب. تباردا نظرات الدهشة، ثم سحب هادريان سيفيه الجانبيين ببطء وتراجع بينما فتح رويس الباب. احتوت الغرفة على ثلاث شمعات مشتعلة: واحدة قرب السرير، وواحدة على حافة النافذة، وثالثة على الطاولة الصغيرة حيث جلس اللورد فوكس والقس باين. كان الاثنان يلعبان الورق ويشربان من كأسين من الكريستال مملوءتين من زجاجة نبيذ سوداء طويلة.
رفعا رأسيهما حين دخل رويس وهادريان الغرفة.
قال فوكس بابتسامة عريضة: "آه! أخيراً. ظننتُ أنكم لن تصلوا أبداً".
قال رويس: "عادةً حين أجد ضيوفاً غير متوقعين في غرفتي، لا يغادرون بالحالة التي أتوا عليها".
خلا تعليق رويس من أي تهديد حقيقي، لكونه لم يسحب أفرستون. واعتمد هادريان نهج شريكه فأعاد سيفيه إلى غمديهما.
أجاب فوكس، موسعاً ابتسامته أكثر: "إذن سأعتبر نفسي من المحظوظين".
وضع ورقه وغمز للقس.
"كنت لأغلبك على أي حال".
عَبَس القس باين وصفع مجموعة ورقه على الطاولة باحباط. نهض واتجه إلى النافذة، حيث وقف مكتوف الأذرع، يحدق في فوكس متخلياً عن مسرح الحدث لسيادة اللورد.
قال فوكس: "ظننت أنني سأوفر عليك عناء البحث عنا. هكذا رأيت المكان، وأتيحت لك الفرصة لتقييم المهمة. ما قولك؟ كيف ستشرع في قتل الليدي دولغاث؟"
ألقى هادريان نظرة على رويس. استشفّ غضب شريكه. كان وجود فوكس في غرفتهما أمراً غير متوقع، ولا يحب رويس المفاجآت. ولم يستطع هادريان القول إنه كان مولعاً بها كثيراً بنفسه. لم يكن الباب مزوداً بقفل، وكانا مستأجرين فقط، ولكن مع ذلك. ربما لم يجد اللورد النبيل في الأمر قلة أدب. كان اللطف والاحترام مطلوبين داخل طبقة النبلاء، لكنهما كانا يسيران في اتجاه واحد. وفي نظر فوكس، كان هادريان ورويس أدنى مرتبة بلا شك.
قال فوكس: "لن تقول لي إنك تحتاج إلى وقت إضافي".
ونظر إلى باين.
"يجب أن يكون القس حريصاً مالياً عند إنفاق أموال الكنيسة. إنه قلق من أنكما قد تماطلان لاستنزاف النفقات. أما عني، فأنا قلق لرؤية حياة سيدة نبيلة معلقة بخيط".
قال رويس: "لا، لا أحتاج إلى وقت إضافي".
"إذن"
— أخذ فوكس رشفة من شرابه — "لنسمعها".
"حسناً".
ألقى رويس نظرة على هادريان، كاشفاً عن استمرار تبرمه من الاقتحام، لكنه كبح جماح غضبه.
"أنا شخصياً، كنت لأتسلق خارج البرج وصولاً إلى حجرة نومها في وقت متأخر من الليل، وأتسلل عبر النافذة، وأشق حنجرتها وهي نائمة".
تجهم القس باين، ومسحت إحدى يديه حلقه.
"هذا قاسي للغاية".
"القتل عادة ما يكون كذلك".
سأل باين: "لكن كيف يُفترض أن يبدو ذلك حادثاً؟"
"ليس كذلك".
تحرك رويس نحو الطاولة، وأخذ يميل زجاجة النبيذ السوداء باحثاً عن ملصق. لم يكن هناك أي ملصق.
"لقد مضى وقت الحوادث منذ زمن طويل. يعلم الجميع بالفعل أنها مستهدفة. والتظاهر بغير ذلك حماقة. لو أن الليدي دولغاث أصيبت بنزلة برد حقاً وماتت بعدها بأسبوعين بسبب حمى، لظن الجميع أنها جريمة مدبرة".
قال فوكس: "لكن نافذة غرفة نومها ترتفع ستة طوابق".
صحح رويس: "سبعة. لكن الخارج بأكمله مغطى بلفائف لبلاب غنية وقوية، بأغصان أثخن من إبهام رجل. لا يختلف كثيراً عن تسلق سلم. أنا أعرف. لقد فعلتُها — وتسللت مباشرة إلى غرفة نومها".
قال القس مذهولاً: "لم تفعل!"
نهض فوكس. وقبّض شفتيه، وبدأ يجوب الغرفة ذهاباً وإياباً حول الطاولة. حافظ على كأسه، ممسكاً بها بكلتا يديه، وينقر الحافة بإصبعه السبابة.
"ماذا أيضاً؟ إذا اتخذنا احتياطات، وإذا أزلنا اللبلاب، فمن المؤكد أن القاتل سيختار تكتيكاً جديداً. ماذا قد يحاول أيضاً؟"
"كان نوكس يعين المزيد من الحراس، وهذا يساعد. لقد أحكم إغلاق الليدي دولغاث بشكل جيد. سيكون التسميم صعباً الآن بعد أن أصبحت تحذر ذلك. طاقم العمل أصغر من أن يُرشَى وأوفى من ذلك".
أدرك هادريان أن هذا مزحة، وإهانة لاذعة، وصارع لئلا يبتسم. لم يرف لفوكس جفن.
"مع ذلك، لا بد من طريقة".
أجاب رويس: "بالتأكيد. لكنها أكثر تعقيداً".
"لنسمعها".
رفع فوكس كأسه الصغيرة كأنه ينخب المقترح.
"حسناً، إن استطعت ترتيب الأمر بحيث تعلم مكان وجودها مسبقاً، وإن كان ذلك المكان في الهواء الطلق، فسأختار إذن طلقة قوس طويلة المدى".
سأل باين: "مدى طويل؟ ماذا يعني ذلك؟"
"يعني أن تخفي رامياً قريباً بما يكفي لضمان طلقة مميتة أولى، والتي ستكون بعيدة جداً حقاً إذا كان أمان السيدة يفوق أمان سنجاب ميت بمقدار درجة واحدة فقط".
"إذن عما نتحدث هنا؟"
"قوس طويل — خاصة إذا كان الرامي في موقع مرتفع. يمكن للقاتل التظاهر بأنه عصا مشي إلى أن يصل إلى موضعه. وحينها يمكنه شده، وإطلاق السهم، وإرخاؤه، والمغادرة".
"ما مدى القوس الطويل؟"
قال هادريان: "ثلاثمائة، أربعمائة ياردة".
قال رويس: "نعم، لكن الدقة هي الأساس. لا أُوصي بأكثر من مئتي ياردة. لن تحصل إلا على طلقة واحدة".
كان فوكس مفكراً، ينقر كأسه مجدداً.
تابع رويس: "لذا إن كانت المهمة لي، لكنت أسندتها لغيري، واستأجرت قناصاً محترفاً".
"من؟"
أجاب رويس: "ثلاثة رجال فقط أثق في قدرتهم على تسديد الطلقة بالقوس الطويل. وأحدهم ميت".
"والاثنان الآخران؟"
"أحدهما توم ذو الريشة".
ألقى رويس نظرة على هادريان.
"لكنه بعيد في غينت، ولا أعتقد أنه سيقوم بذلك بغض النظر عن الأجر المدفوع. إنه رجل صاحب مبادئ".
"والآخر؟"
"رجل يدعى روزفلت هوكينز. وهو في الواقع محلي — قريب حقاً — بل أقرب مما ينبغي".
"ماذا تقصد؟ أين هو؟"
"سجن مانزانت — لكن لا أحد يخرج من هناك حيّاً".
أطال فوكس النظر إلى القس مع أثر ابتسامة.
سأل فوكس: "ماذا عن القوس النشاب؟ سمعت أن أي أبله يمكنه إطلاق النار بواحد منها".
أجاب رويس: " صحيح، لكن للمدى نفسه يجب أن يكون كبيراً. وكيف ستدخل ذلك متجاوزاً أمن القلعة؟ وكما ترى، فإن تسلق البرج أسهل بكثير ومن المرجح أن استخدامه هو ما سيلجأ إليه قاتلك. الخيار الآخر يتضمن استئجار شخص ما. وهذا لا يعقد الأمور فحسب، بل يكلف مالاً ويقلل من الربح. ثم هناك الحاجة إلى معرفة جدول أصحاب السعادة والأمل في أن تكون خارجاً في مكان مثالي للطلقة".
"ماذا أيضاً؟"
هز رويس كتفيه.
"إن كانت في حشد، يمكن لأحدهم الاقتراب وطعنها وحسب. لكن ذلك سيؤدي غالباً إلى القبض على القاتل".
سأل القس باين: "ماذا لو لم يكن طاقم العمل مخلصاً تماماً؟ ماذا حينها؟"
ما احتمالات ذلك؟ لم يستطع هادريان منع ابتسامة ساخرة. فالطريقة الحسابية، المتلهفة، والشبه مبتهجة التي استمتع بها الاثنين باحتمال قتل امرأة شابّة أثارت غثيانه.
قال رويس: "احتمالات كثيرة هناك. أكثر من أن يُحتَاط لها. إن كان هذا مصدر قلق حقيقي، فأفضل نصيحة لدي هي استبدال طاقم العمل بأكمله".
سأل فوكس: "هذا أفضل ما لديك لنا؟"
أومأ رويس برأسه. كان يكذب. لم يكن بإمكان أحد معرفة ذلك بمجرد النظر إلى وجهه، لكن الأعوام الثلاثة منحت هادريان حساً خاصاً بالرجل الذي تحت القلنسوة. لقد كان يخفي تفاصيل. لم يكن هادريان قط قاتلاً محترفاً، لكنه حتى هو خمن وجود طرق أخرى لقتل الليدي دولغاث. كانت مشهورة بخروجها إلى القرى لمساعدة المرضى والمصابين. على أقل تقدير، يمكن استدراجها إلى الخارج ونصب كمين لها. ويمكن إحراق القلعة، كما حدث في ميدفورد العام السابق.
وحصد ذلك الحريق روح الملكة. وكان يمكن أن يقتل الملك أيضاً، لكنه لم يكن هناك تلك الليلة. مع ذلك، بدا تسلق لبلاب البرج ممكناً وبسيطاً بما يكفي للنجاح، مما ترك هادريان في حيرة من أمره حول سبب طرح رويس له، بدلاً من الخيارات الأخرى. إن كان فوكس يشعر بتحفظات مماثلة، فقد أخفاها عن وجهه. ابتسم.
"ممتاز. هذه أخبار رائعة".
نظر إلى باين وأومأ.
"كل ما علينا فعله هو التخلص من اللبلاب والتأكد من حماية الليدي دولغاث جيداً حين تكون بالخارج. سنراقب أيضاً الرجال الذين يحملون أقواساً نشابة أو طويلة. هذا مصدر ارتياح حقاً".
عاش فوكس عائداً إلى الطاولة، فأعاد ملء كأسه وكأس باين، ثم أخرج كأسين أخريين من حقيبة صغيرة معلقة على أحد الكراسي.
قال فوكس: "توقعت النجاح الليلة وأحضرت زجاجة نبيذ للاحتفال. للأسف، لقد أخذتما وقتاً طويلاً، لدرجة أنني والقس قضينا على معظمها ونحن ننتظر. ومع ذلك، لدينا ما يكفي لنخب".
"هل أحضرت المال الذي تدين به لنا أيضاً؟"
ابتسم فوكس: "بالتأكيد".
عاد باين من النافذة والتقط كأسه. سخر رويس من الزجاجة التي في يد فوكس.
"هذا ليس موقفاً ينبغي اتخاذه. من تقاليد مارانون إنهاء الأعمال بنخب".
أجاب رويس: "لست مولعاً بالتقاليد".
ضيق فوكس عينيه.
"وكحال معظم التقاليد، هناك غاية أيضاً. في الشمال تتصافحون. يفعل الناس ذلك ليظهروا أنهم لا يحملون سلاحاً وليس لديهم سلاح مخبأ في أكمامهم. أما هنا، فنشرب. الأكل والشرب معاً يؤسسان لصلطة شخصية. يثبتان درجة من الثقة".
"أنا لا أثق بك".
"لا يمكنني القول إنني مستعد لترك طفلي البكر في رعايتكم أيضاً، لكننا بحاجة إلى درجة معينة من الإيمان ببعضنا البعض. أنا بحاجة إلى تأكيد بأنكم أديتم واجبكم وما تحرون منه، ولم تنضموا في الواقع إلى إخوانكم ذوي التفكير المماثل وجعلتم الأمر أسهل للقاتل بتضليلنا. وعليكم أن تعرفوا أننا لن نلوك ألسنتنا ونكشف هوياتكم للسلطات التي قد تهمها تجاوزاتكم السابقة"، قال فوكس.
"والشرب يمكنه فعل كل ذلك؟"
"لا، لكن رفض الانضمام إلينا يمنحني سبباً للقلق".
"كن قلقاً كما تشاء. لست بشارب شيئاً تقدمه لي"، قال رويس.
"أنا لا أعقد صفقات مع رجال يشككون في نزاهتي".
"ماذا يعني ذلك؟"
قال فوكس: "يعني أنك لن تقبض أجرك".
"أنت محق. لا يمكنني تخيل سبب يدعوني للشك في نزاهتك".
"إذن ستنضم إلينا؟"
"لا، ستدفع لي أو لن تغادر هذه الغرفة حياً".
وحول رويس نظره إلى باين.
"أيكما".
صرخ فوكس متراجعاً خطوة للوراء عن الطاولة بينما امتدت يده نحو سيفه: "أتجرؤ على تهديدي؟"
"تمهل! تمهل!"
أوقفه هادريان.
"سنشرب".
قال رويس: "لا، لن نشرب".
"بل سنفعل بالتأكيد".
وأشار إلى الزجاجة.
"لقد كانوا يشربون النبيذ بالفعل. إنه بخير".
سأل رويس: "والكؤوس؟"
أشار هادريان إلى زوج من الأكواب على الرف فوق أسرتهما.
"سنستخدم تلك بدلاً منها".
استعاد هادريان الأكواب ومدّ بها لفوكس. تجهم اللورد.
"لن تشربا نبيذاً فاخراً كهذا من أكواب خشبية، أليس كذلك؟"
سأل هادريان: "أهناك قاعدة ما تمنع النخب بأكواب خشبية؟"
"لا".
تنهد فوكس واستمر في التجهم بينما سكب كمية قليلة في كل منهما.
"أنتما غير موثوقين بتاتاً".
"من أجل السلام بيننا وحياة مديدة للجميع".
رفع هادريان كأسه وشرب. وبتعبير بائس، فعل فوكس المثل. وحذو باين حذوه، لكن رويس لم يلمس كأسه قط. كان النبيذ غنياً لكنه رقيق — يظهر للحظة، ويختفي في اللحظة التالية.
سأل هادريان: "وماذا عن الدفع؟"
أشار باين إلى رويس وقال: "لم يشرب".
قال له فوكس: "لا يهم. احضر المال".
وضع باين كأسه وتحرك نحو النافذة، حيث انحنى وأطفأ الشموع. وفي الأسفل انفتح باب منزل كالدويل. وخطت عدة أقدام منتعلة بحذاء فوق الأرضية الخشبية للغرفة المشتركة، متوجهة نحو السلالم. ومض القلق على وجه رويس.
"استرخ. إنهم يحضرونه فقط"، قال فوكس، لكن كلماته بدت غريبة.
مد رويس يده نحو خنجره، وخطا هادريان خطوة لاعتراضه، ثم لاحظ أن العالم كان يسبح حوله. تمايلت الغرفة بشكل غريب. تمدد ضوء الشموع، وتحركت أشكال باين وفوكس ورويس بحركة بطيئة. أُبعدت الطاولة التي بينهما جانباً حين انفتح باب الغرفة بعنف. بدا الصوت مكتوماً بشكل غريب، كما لو أن هادريان كان تحت الماء. فكر هادريان: ليس مجدداً. دخل الغرفة ستة رجال يرتدون أزياء سوداء، ودروعاً متداخلة، وخوذاً مخروطية الشكل.
كانوا يحملون السيوف، وتألق العنف في أعينهم. لم يكونوا من القرويين. ولم يكونوا حتى حراس قلعة. كانوا شيئاً آخر، ولم يكن ذلك بالأمر الجيد. اصطدمت زجاجة النبيذ، التي انقلبت عندما رُميت الطاولة، بالأرض لكنها لم تنكسر. دارت في نصف دائرة، وتقاطرت محتوياتها بلون الدم من عنقها. مدّ هادريان يده نحو سيفيه. تعرض للضرب قبل أن يحرر أياً منهما من غمده. وأصابته ضربة أخرى في ظهره. ودفعه طعن آخر للصراخ، فهوى مصطدماً بالأرض.
سقط سيفاه من يديه.
قال باين: "من الأفضل أن تكون على حق بشأن هذا".
"العملة تساوي خيارات، قسيساً الفاضل. مقسومة على اثنين فقط، ستخرجك من تلك الحظيرة التي تسميها كنيسة وتنقذك من الجوع هذا الشتاء".
سأل باين: "وهل أنت متأكد من عدم وجود أي فرصة لهربهم؟"
"لقد سمعت بنفسك. لم يهرب أحد قط من سجن مانزانت — أحد".
أظلم بصر هادريان بينما اختفى كل شيء في سواد دامس.