الفصل الثامن عشر: صه… يا عزيزي
كان على وجه منيف مظهر غريب، ونهض قائلًا: "من بين كل أسباب هذه المشكلة، بدءًا من ألاعات الفانين وصولًا إلى المسيطرين المارقين، لماذا تختار خيارًا بعيد المنال مثل كائن مرعب؟"
سعل بوردو، واحمر خده خجلًا أو إزعاجًا: "سؤال رائع يا ميلودي. أخشى أن تكهناتي ليست بلا أساس."
بحث عن غرض داخل لباسه الواسع، قائلا: "في السنوات الماضية، عندما كنت مساعدًا تحت إمرة كاهن أعلى لمالاكيث." انحنى بوردو ولمس جبهته بثلاثة أصابع -علامة خضوع لملكه-. "اتبعت قافلة من تجار التوابل حتى أراضي خوريش قادمين من جزن مطهرنا. قافلة يبلغ طولها عشرة أميال. كانت تلك رحلتي التبشيرية الأولى، كما ترين."
لا بد أن الكاهن المظلم قد لاحظ العبوس المتزايد على وجه منيف، فأكمل قصته على عجالة: "خلال الرحلة، تعرّضنا للهجوم من قِبل وحش... هذا الشيء الذي يمتلك أطرافًا كثيرة وكان سريعًا. سريعًا كالبرق. مات معظم أفراد القافلة في الدقائق القليلة الأولى."
توقف الكاهن كأنه كان يستعيد ذكرى مخبفة معينة، بينما قبض يديه بقوة وحملت عيناه نظرة مسكونة، "أاتذكر التسلسل الذي بدأ به الهجوم. بدأ باختفاء الحيوانات، ثم العبيد، وعندما اختار مهاجمة القافلة علانية، غطى القافلة ضباب رطب."
انخفض صوت بوردو إلى همس، واستقامت كتفاه كأنه في وضع دفاعي، "نجوت أنا وقليلون بالكاد. ولم يحدث ذلك إلا بفضل الإنقاذ في الوقت المناسب لدوران الأحمر -ابن القرمزي-. لقد منحني سنًا واحدة من ذلك المخلوق."
أخرج بوردو من صدره سنًا مسننًا يمكن أن يعمل خنجرًا، وكان السن أسود ويحمل معه رائحة سمكية، "اللليلة الماضية. بدأ ينزف. السن."
أخرجه وأراها إياه. توفرت منيف عندما استطاعت أن ترى قطرة دم تتشكل ببطء على طرف السن. جرى الدم ببطء على النصل وتم امتصاصه، وبدأ الدورة مرة أخرى.
"أنت واثق من أن هذا السن جاء من كائن مرعب؟"
"أقسم بحياتي. كل ما قُلته للتو كان الحقيقة."
"يا بوردو، قصتك هذه... مثيرة للاهتمام."
"أعلم أنها تبدو بعيدة المنال يا سيدتي، لكني أؤكد أن هذا دليل كافٍ لإظهار العلاقة بين هذه الأزمة وتجربتي السابقة. يجب أن نخلي البلدة."
عبست منيف قائلة: "إذا كانت تكهناتك صحيحة، فأخشى أن يكون الأوان قد فات." أشارت إلى الخارج، فالتفت بوردو وأطلق أنينًا.
كانت البلدة تغطى ببطء بالضباب.
تغيرت ملامح منيف وانفجرت من مكانها الذي كانت تقف فيه. لم تكلف نفسها عناء فتح الأبواب بل حطمتها انطلاقًا. الرونة المتدفقة التي احتفظت بها في الأعلى مع روان، قد تحطمت.
●●●●●●●●●●●●●●●●••••••••••••••••••○○○○○○○○○
تغيير كبير جداً. إنني أصبح جديداً.
"بووم... بووم... بووم."
سمع روان نبضات قلبه بقدر ما شعر بها، وابتهجت كل حواسه. كانت قوية، وكان يمتلك اثنتين منها. شعرا بأنهما صحيحتان.
محركان من القوة ضخا دمًا برونزيًا في عروقه. اهتزت يداه، واهتز قليلاً داخل البيضة. قريبًا سيولد من جديد!
لم تكن لديه عيون بعد، أو آذان، وكانت روحه عالقة في عمق جسده تراقب التغيرات التي تحدث له، وإلا لكان قد رأى الظل فوق بيضته. أو لكان قد سماعه.
نق. نق. نق. نق.
●●●●●●●●
استيقظ ريغولف على أصوات شقيقته وهي تضحك ووالدته وهي تغني، وللحظة، ظن أن أحداث الأسابيع القليلة الماضية لم تكن سوى كابوس سيء، نسخة مزيفة من عقل محموم.
لقد عادلت والدته، أه... كم افتقدها.
لقد ولت أيام القلق وذرف الدموع الطويلة، فقد كانت ستيسا شقية للغاية، وقد بذل قصارى جهده لإبقائها تحت السيطرة، وكان يرجو ألا تغضب منه والدته لإعطائها الكثير من الحلويات.
لقد افتقد طبخها عندما يعود إلى المنزل، وأغانيها وهي تقص عليهما قصصًا عن والده وشجاعته، مما يجعله يرغب في أن يكبر ويحمل تلك المسؤوليات.
لهذا السبب منحته اسم والده. ريغولف. اسم قوي. اسم يدوم.
لفترة قصيرة، ظن أنه كفء بدرجة كافية، وأنه ببطء بدأ يملأ الحذاء الضخم الذي تركه والده خلفه، لكن غياب والدته تركه محرومًا، ومرضها الغريب جعله مرتبكًا، ولم يمنحه القوة للمتابعة سوى التفكير في ستيسا وسلامتها.
ربما كان الشيء الحكيم الذي كان ينبغي عليه فعله هو إخبار الكبار بما كان يحدث في منزله، ومع ذلك فقد شعر برغبة قوية في ألا يفعل. بدا كشف والدته المريضة للعلم أمرًا مؤلمًا. كانت والدته امرأة فخور وإن علمت أن الناس يرونها ضعيفة أو مجنونة فسيكسرها ذلك. كان ريغولف فخورًا بأنه احتفظ بالأمر داخل العائلة.
أخيرًا، بدا أن مثابرته قد أثمرت، فقد عادت والدته إلى طبيعتها.
فتح عينيه على منزل فارغ، وكانت النوافذ والأبواب مفتوحة، وهبت نسيم منعشة في المنزل، وكانت رائحة الهواء تشبه حبوب الصنوبر والزهور، وخفق قلبه بشكل أسرع حماسًا، ألم تكن الكوابيس قد انتهت؟
كان صوت الأم وستيسا قادمًا من الخارج بالقرب من المطبخ، حاول النهوض وفشل في المرة الأولى والثانية، ففترض أن ذلك كان بسبب النوم على الأرض، مما أدى إلى تيبس العضلات، لكنه استطاع على الأقل الجلوس.
نظر إلى ساقيه، لكن شيئًا ما جذب عينيه بعيدًا، كانت ستيسا تمشي إلى الداخل وبابتسامة عريضة على وجهها.
"يا نائم، لقد استيقظت الآن! ماما تريني خدعة سحرية وقد فاتك الكثير. دعني أريك!"
ركضت نحوه ومدت يدها اليسرى. يدها اليسرى المفقودة، "ماما قطعت يدي، لكنها لا تؤلم، بل إنها تبدو جميلة جدًا!" ضحكت بفرح، وارتفع ضحكها في النبرة والحدة، وبدو تقريبًا كأنها كانت تصرخ "تعال أيها الأخ الأكبر، عليك أن تجرّب ذلك."
شعر ريغولف بلحظة من التنافر، وكاد يعود إلى النوم لأن هذا كان كابوسًا سيئًا، والطريقة الوحيدة للاستيقاظ من الكوابيس السيئة هي النوم حتى يُنسى عندما تستيقظ.
شعر بإحساس في ساقه، هذه المرة ألم الأمر قليلًا، وكان لديه شعور بالانقباض والبلل حول ساقيه، أراد أن ينظر إليه، لكن الضحك المجنون من شقيقته جذب انتباهه.
"ستيسا ما الذي حدث ليدك؟ من فعل هذا؟ أين أمي؟ أين هي؟ هل يمكنك استدعاؤها إلى داخل المنزل، ساقاي متيبستان ولا يمكنني النهوض."
تردد صدى صوت ريغولف الذعر في الغرفة، وكانت عيناه واسعتا وتحملان الارتباك والغضب.
تراجعت ستيسا عن أخيها الصارخ، وزمت شفتيها، "الأخ الأكبر لئيم، لماذا تريد دفعي بعيدًا؟"
مثل فجأة ضحكتها، بدأت تبكي. ذعر ريغولف، وهو يواسيها ويهدئها، ويخبرها أن كل شيء على ما يرام حتى أومأت برأسها وهدأت.
"بما أن الأخ الأكبر لا يطردني، فلماذا إذن طلبت مني مناداة ماما من الخارج، بينما هي هنا معنا."
"هي هنا؟ لماذا لا أستطيع رؤيتها؟" نظر ريغولف حوله، لكنه لم يَر أحدًا.
"أيها الأخ الأحمق، انظر إلى ساقيك، ماما تفعل خدعة سحرية أخرى." وضحكت.
أدار ريغولف عينيه وسط تزايد الخوف والغيظ، كانت ستيسا تنزف طوال هذا الوقت، وإن كان ببطء شديد، وكان بحاجة إلى نقلها إلى الصيدلي. نظر إلى ساقيه.
في الوقت الحالي، كل ما كان يمنعه من رؤيته قد تحطّم بسبب خوفه المتصاعد وقلقه على سلامة شقيقته. ركزت عيناه عندما رأى ساقيه، وبدأ يصرخ.
أحضرت الأم دمية من الحقل، وكانت الدمية لفتاة، بشعر أصفر وعيون زرقاء كالسماء، وكان ريغولف قد حملها مرة وأسقطها، وبدت الدمية وكأنها تحمل شخصًا، وكانت أثقل مما تبدو.
الآن كانت تلك الدمية تبتلع ساقيه ببطء. لقد تمدد فمها حتى أذنيها، وكانت قد شقت طريقها بالفعل إلى ركبتيها، وكانت عيناها الزرقاوان الميتتان مثبتتين على وجهه.
بينما كان يصرخ، أضاءت تلك العينان بانزعاج.
"صه يا عزيزي." دخلت والدته وهي تحمل سكين جزار وطرَف ستيسا، "أختك الصغيرة تكره أن تُزعج عندما تأكل."
في تلك اللحظة، انكسر شيء ما داخل ريغولف.