الفصل الخمسون: التائه في الضباب (3)
ساعدت حواس روان الجديدة هنا، ومع التحذير الصادر عن الثعابين داخل جسده، قفز إلى اليسار لتكاد المخالب الضخمة تخطئه بالكاد.
كان مخلوق طائر ضخم قد اخترق الضباب، وشرع في التحليق حول القصر. امتلك أجنحة جلدية ذات لون أخضر يشبه العفن القديم.
برزت أشواك حادة من عموده الفقري. وكانت له ثلاثة رؤوس ذات أعناق طويلة تشبه الثعابين ومغطاة بالبثور والجروح المفتوحة. في الواقع، امتلأ جسده كله بندوب عميقة كانت تنزف أثناء تحليقه، تاركةً سوائل كريهة الرائحة تتناثر في كل مكان.
وما أثار الدهشة أكثر هو أن هذا الكيان المشوه كان يمتلك شعراً كالبشر، بلغت درجاته كافة وتفاوتت أطواله. تلمّح روان سبباً لذلك، فملأه تخمينه بالغضب والاشمئزاز.
سبق لروان أن سمع عن كيان طائر مشوه من روايات الناس، لكنه لمحه خلال عملية الإنقاذ، ولا بد أنه قد تراجع قبل وصوله.
حتى أثناء تحليق هذا الكيان الطائر المشوه، ظلت الرؤوس الثلاثة مثبتة عليه، ومطلقة صرخة مدوية، انقض الكيان نحوه. "ابن الل...". وقبل أن يتمكن روان منتمتمة بأي شتائم مختارة، هجمت نحوه مخلب ضخمة، فاتخذ الخيار الأكثر رجاحة وقفز عن السقف.
فضل ألا يتسبب في إلحاق الضرر بالقصر جراء مواجهتهما، كما كان في وضع غير مآتٍ مع عدم استقرار موطئ قدمه هناك.
كان هجوم الكيان أسرع من أن... سمع روان ارتطامه بالسقف، قبل أن ينفجر في موجة من بلاط التراكوتا والقطع الخشبية، بينما سقط هو من السقف المكون من أربعة طوابق.
بفضل خفته، تمكن من الالتفاف في الهواء أثناء سقوطه، إذ كانت المخالب على بعد أقدام قليلة منه. وتبين أن الكيان المشوه كان بإمكانه الغوص أسرع بكثير مما يستطيع روان السقوط. والخيار الوحيد الذي امتلكه كان رفع يديه وحماية رأسه.
صدر صوت ارتطام لحمي حين اصطدم روان بالأرض، وبالكاد شعربالارتطام. ارتد جسده قليلاً عن الأرض قبل أن تتبعها المخالب بعد فترة وجيزة، ولم تكن لديه أي سبل لتجنبها، وبدوي هائل، حطم الكيان روان على الأرض.
جره نحوه وأخذ ينقره بلا رحمة، دافعةً إياه قوة الهجوم نحو الأرض بينما تناثر الرمل والصخور بفعل الارتطامات.
شعر روان بالارتباك إذ كانت حركة الكيان الطائر المشوه أصعب من أن يتم تتبعها. كان الهجوم الصادر من المنقار سريعاً للغاية، على غرار مطرقة صناعية آلية.
ولحسن الحظ، لم تكن الأضرار التي ألحقها جسيمة إلى ذلك الحد بالنسبة لجسده الحالي، فالقوى التي استطاعت اختراق درعه تركت مجرد كدمات طفيفة والتئمت تلك الجروح فوراً.
"ابتعد عني!" صرخ روان محاولاً عبثاً دفع المخالب بعيداً بحثاً عن فجوة صغيرة يتمكن من خلالها التسلل من تحتها.
أدرك الكيان المشوه عدم جدوى هجومه فغيّر تكتيكاته. محتفظاً بإمكانه المحكم على روان، طار لأمتار قليلة في الهواء، وبخفقة سريعة من أجنحته اللحمية، غاص وهوى بروان محطماً إياه على الأرض.
كرر ذلك مرتين، مدمراً الحدائق الخارجية تماماً وخنادق بعمق عشرات الأقدام، بيد أن هذا الفعل خفف قليلاً من قبضته على روان الذي انتهز الفرصة وتدحرج خارج قبضته.
انحنى روان وأخذ نفساً عميقاً، مسلطاً بصره باحثاً على عجالة بلا جدوى عن سلاح لتكافؤ ساحة المعركة.
أظهر عدم خبرة روان كمقاتل محنك رأسه القبيح الآن، إذ كان قد ترك أسلحته داخل القصر.
بإمكان السجل البدوي أن يمنحه كافة التقنيات والقدرات ليغدو مقاتلاً عظيماً، لكنه لم يستطيع التأثير على خبرة بلوغ ذلك المستوى.
أي مقاتل آخر تماثل لديه عمق قدرات القتال لدى روان لما غادر قط من غير سلاحه بجانبه في منطقة قتال نشطة.
صرخ الكيان المشوه محلقاً في دوائر حول روان. فلم تكن فريسة صعبة كهذه محبذة لديه. كان روان أشبه بسلحفاة داخل درع من الأدامانتين.
"من يحتاج إلى الأسلحة أصلاً." لكم روان جانبي رأسه برفق وواجه الكيان المحلق. رفع يديه كلتيهما مثل ملاكم مواجهاً الكيان المحلق، وكانت حركات قدميه ثابتة.
امتلك العديد من المهارات المنحدرة من جوانب الهائج، وأصبح أمامه الآن هدف للتدريب مباشرة، مستطيعاً استخدامه للتحقق من صحة تلك المهارات. وخطر بباله أنه إن كان قاصداً ذلك العالم الخطير، فسيلزم عليه إدراك قدراته بالكامل وعدم الخوض في الخطر متوكلاً على الحظ وإحصائياته.
"تعال إذن!" صرخ روان. فصرخ الكيان المشوهوهاجماً إياه برؤوسه الثلاثة جمعاء. احمرت عيناه ولاحظ روان منقار الكيان متغير الشكل ببطء ليغدو أكثر حدة، أشبه بالنصل تقريباً.
تفادى روان الهجمات بفارق ضئيل، ملتوياً بجسده في وضعيات متنوعة لتجنب منقار الكيان المشوه.
أدى الوعي الجديد المكتسب من اندماج رؤيته المكانية وحواس جسده الفطرية دوراً قوياً في تحركاته. كان الطائر سريعاً، غير أن هذه المهارة جعلته يكاد يتوقع كافة أفعاله عندما اقتربت الرؤوس منه، مانحة إياه جزءاً من ألف من الثانية للتعديل والتفادي.
اعتاد روان سريعة الكيان المشوه بسرعة، وعندما أخطأ هجومه التالي، رد بلكمة قوية مانحاً كل وزنه خلف الضربة مباشرة في عينيه، ومضمنًا تلك الضربة بمهارة الـشم.
الشم: تحطيم كافة الأعداء القريبين بضربة علوية قوية، مما يصيبهم بالارتباك والذهول.
شعر روان بالمهارة مستمدة حيويته وقليلاً من روحه، فدار الهواء حول قبضته محدثاً دوامة، وحين استُخدمت قوته كاملة بالإضافة إلى بنيته المعدنية، حولت قبضته إلى سلاح مدمر.
كانت صرخته مصمة للآذان إثر انفجار مقلته وتصدع جزء من جمجمته، فتراجع واحمرت عيناها رأسيه الآخرين داحلة في حالة هيجان ومضاعفة سرعته بغضب.
صار روان أكثر ارتياحاً لوتيرة المعركة وعقب الارتباك الطفيف الناجم عن هجومه المفاجئ، أدرك أنه حتى من دون أي سلاح، لم يكن في وضع غير مواتٍ إزاء هذا المخلوق.
أخذ دمه الذهبي الثقيل يندفع عبر جسده بسرعة أكبر، وهدأ نفسه، واضعاً حالته الذهنية في نوع من التأمل الشبيه بالزين، قاصداً تدمير هذا المخلوق.
"هذا هو... أيها الطائر الصغير، تعال إلى الأب." كان روان يوجه نفسه نحو الأعمدة عند بوابة القصر. وقد قادتهم معركتهما نحو حافة الضباب.
ربما فهم الكيان روان أو لم يفهم، ومع ذلك فقد صرخ مرة أخرى وهاجم. تنحى روان بهدوء جانباً متفادياً الاندفاع وأخطأ الهجوم، ليخترق منقار الكيان العمود الكائن خلف روان.
دون إتاحة الفرصة للكيان لسحبه، ضرب روان جانب المنقار، مستخدماً مهارة أخرى من مهارات الهائج بهجوم تداعي سريع ترك المنقار متصدعاً ونازفاً. ومع ذلك، فإن نضالاته أنجزت المهمة، إذ إنه بينما سحب الكيان رأسه إلى الخلف، تخلّف المنقار وراءه.
هجوم تداعي: يضرب هدفاً قريباً ويستعيد مقداراً محدداً من الروح.
ابتسم روان لملاحظته وخزاً طفيفاً في قبضته، فقد تجاهله لأنه غذى معظم مهارات الهائج مستخدماً حيويته التي لا تنضب، إلا أنه استطاع إدراك فائدة هذه المهارة.
وبهذه المهارة، سيغدو قادراً على استعادة الروح التي يستخدمها أثناء القتال بسرعة، ونظراً لارتفاع قدرته على التحمل بقوة بسبب بنيته، صار بإمكانه الآن القتال لفترة زمنية ممتدة ودون القلق بشأن روحه.
كانت معركته الأولى بصفته هائجاً تعرض القيّم الصادمة للمهارات التي اكتسبها من ذلك الجانب.
التفت روان واضعاً قدماً واحدة على العمود كعنصر توازن، ساحباً المنقار المغمور. وبصوت صرير، سحبه من الحجر.
قلبه، مراراً يده عبر المنقار، فكان أسود اللون مع بقع صفراء باهتة تلطخه. وبدا مدبباً كالرمح، مع تعلق أجزاء من اللحم الممزق بالسلاح المرتجل.
"ليس بجودة الفأس." أشار روان إلى الكيان محرضاً إياه على الهجوم، "لكنه سيؤدي الغرض." وثبت نظره الذهبي المنفرد على المخلوق. كانتا عيناه عيني مفترس. قاطع الأرواح – فكوك داجون، ارتفع من خلفه، محلقاً ببطء. محركاً الضباب. ولوح بالمنقار. "تعال!"