الصياد البدائي (The Primal Hunter) الفصل 13 — مسير عبر العدم

اقرأ الصياد البدائي (The Primal Hunter) الفصل 13 — مسير عبر العدم باللغة العربية على مانجا تايم.

قال فيلاس وهو يهز كتفه: "هذا أمر غريب وحسب، وليس مريب بالضرورة. ومع ذلك، قد يكون شديد الغرابة لدرجة تجعلنا نشكّ أنه مفتعل لصرف انتباهنا عنها".

بدا إيفرسمايل أقل استمتاعاً بمزاح الأفعى بشأن أحدث التقارير عن الألف طالب الذين حضروا درس جيك. إحدى الطالبات اللواتي حضرن سمحت للاهتمام بأن يطغى عليها بسبب المعجبين الكثيرين الذين كسبتهم فجأة بعد ذلك، وقررت ابتكار مسابقات غريبة لتجعلهم يتنافسون فيما بينهم لنيل حظوة لديها. خمن فيلاس أن كل هؤلاء الشبان، وحتى بعض الشابات، سرعان ما سيدركون مدى جنونها ويبتعدون. وكان الأمر برمّته غير ذي صلة بكونها جاسوسة سرية لفصيل مجهول وقوي، بل كان مجرد حكاية طريفة مسلية.

أشار إيفرسمايل: "هناك من أتوا بحركات غريبة، بل وحاولوا عمداً الإضرار بروابط الكارما الخاصة بهم".

هزّ فيلاس كتفه: "نعم، لكن هؤلاء هم الجواسيس العاديون فحسب. هذا مجرد عمل معتاد".

أشار البدائي الآخر: "وجودهم يعكر صفو المياه".

هزّ الأفعى رأسه: "صحيح، لكن إذا شرعنا فجأة في قمع الجواسيس من الفئة دي ذوي المستوى المنخفض، فنحن من سنبدو مريبين".

كان وجود "جواسيس"

في الفصائل الأخرى أمراً طبيعياً تماماً، وفي أغلب الأحيان، كان الفصيل المعني يعلم حتى أنه مراقب دون أن يكترث. كانت المعلومات التي يقدمها هؤلاء الجواسيس ضحلة دائماً وغير ذات بال بالنسبة للقادة الحقيقيين للفصائل، رغم أنها قد تؤثر قطعاً على حياة البشر العاديين. أما عن سبب عدم لجوء الفصائل إلى القمع، فحسناً، لأنهم لا يرغبون في تعرض جواسيسهم هم أنفسهم للقمع أيضاً. في الواقع، كان الإجماع يقضي بتقييد تتبع هؤلاء الجواسيس ذوي المستوى المنخفض، والاكتفاء بالحد الأدنى المطلق لتحديد الأكثر جهلاً بينهم.

كان لابد من رعاية الجواسيس بطريقة ما، وقد أثبت هذا النهج أنه الأكثر فعالية. ومجدداً، لم يكونوا ليؤذوا حقاً الفصائل التي يتجسسون لصالحها، ولم يقدموا سوى تقارير منتظمة عن الحياة اليومية.

تأمل إيفرسمايل في نفسه وبدا مستاءً بوضوح: "إخبار الآخرين الذين يعرفون بضرورة تقييد حجب الكارما سيُعَدُّ أمراً مريباً أيضاً إن كان هذا الفصيل المجهول يراقب الوضع".

تنهد الأفعى: "كل ما يمكننا فعله هو إبقاء أعيننا مفتوحة. إن تواصلوا حقاً، فلا بد أن ينشئوا نوعاً من روابط الكارما في تلك اللحظة. والآن، إن عجزت بطريقة ما عن استغلال ذلك لمعرفة المزيد... حسناً، في هذه الحالة سنكون في ورطة حقيقية حقاً".

علق بدائي الكارما: "لا أرى ذلك خياراً يستحق النظر فيه. لو كانوا أقوياء بما يكفي لتحقيق أمر كهذا، لما اضطروا لاستخدام هذه الاستراتيجيات في المقام الأول بل لواجهوا الأمر علناً".

ضحك فيلاس بخفة: "متواضع كعادته"، رغم أنه لم يخالف رأي إيفرسمايل بأنى أدنى تفصيل.

غيّر إيفرسمايل الموضوع: "بالحديث عن انعدام التواضع... لم أسمع شيئاً عن مُخْتَارِكَ ذاك منذ درسه".

بينما أحب فيلي مراقبة جيك، لم يكن ذلك يعني أنه يشارك تجربته في المشاهدة ويسمح للآخرين بالمشاركة فيها. حسناً، في كثير من الأحيان كان يجعل داسكليف ينضم إليه في المراقبة، لكن إيفرسمايل لم يُدَعَ إلى جلسة المشاهدة تلك. ربما كان إيفرسمايل قادراً على مراقبة جيك قسراً لو أراد حقاً، لكن مع الدفاعات التي وضعها فيلاس حول مسكن مُخْتَاره، لكان الأفعى قد لاحظ ذلك. وحتى إن لم يفعل، كان إيفرسمايل على دراية تامة بقدرة جيك على معرفة متى يُراقَب مباشرة.

هزّ الأفعى كتفه: "كان مشغولاً بالقيام بأموره".

علق البدائي الآخر، كونه شديد الفضول كالعادة بشأن ما يفعله جيك: "أسمع أنه يستعد لصتاد تنين".

حسم الأفعى مسار الحديث: "بالضبط. وكما قلت، هو مشغول، ولا، لست بحاجة إلى مساعدتك لإيجاد تننين ليصطاده. أعتقد أنني وجدت واحداً جيداً للغاية بالفعل. لك حرية السؤال عنه أكثر، لكن إن لم تكن ترغب في سماع خطبة مطولة عن الخيمياء وصعوبات نجاح شخص من الفئة سي في صنع سموم محظورة، فأنا أشك في رغبتك بخوض في موضوع مُخْتاري لفترة أطول".

هزّ إيفرسمايل رأسه: "مفرط في الحماية كعادته. لكن حسناً، لن أتدخل. يراودني شعور واضح بأنك لا تقول الحقيقة كاملة بشأنه".

هزّ فيلاس كتفه: "أوه، أنا لا أعلها، لكن هذا ليس شيئاً جديداً أيضاً".

كان مزعجاً بعض الشيء ألا يتمكن من التصرف بكبرياء أكبر مع إيفرسمايل، نظراً لأنه ما زال بحاجة إلى مساعدة البدائي، لكن ذلك لم يَعْنِ أنه لا يستطيع مشاكسة نظيره ولو قليلاً. علاوة على ذلك، كان يعلم أن إيفرسمايل يجد جيك مثيراً للاهتمام، وهو ما كان نقمة ونعمة في آن واحد، ومهما حدث، فلن يرغب في أن يُفسد أي فصيل مجهول موضع اهتمامه هذا. أما عما كان جيك يفعله حقاً... حسناً، كان ذلك معقداً بعض الشيء.

-- وقف تجسيد آخر للأفعى الخبيثة في الغرفة مكتوف الأيدي وهو يراقب الإنسان متربع الساقين. لم يكن جيك يتنفس، ولا يتحرك، وكل الطاقة التي تدفق عادة داخل جسده تباطأت إلى حد الزحف. كان جسده في حالة سبات فعلياً، وروحه الحقيقية بالكاد متصلة به. لو هاجم أي شخص جيك في هذه اللحظة، لوجد الأفعى صعوبة بالغة في تصديق نجاته. حتى سلالته بدت خاملة، مما أدى إلى تلاشي حضوره كلياً. وبصفته شخصاً يمتلك سلالة أيضاً، استطاع فيلاس بطبيعة الحال استشعار سلالة جيك، لكنها كانت بالكاد قابلة للاكتشاف حالياً.

كان يتأرجح فعلياً على الحدود بين الحياة ومحو وجوده ذاته. لا، لم يكن على حافة الموت، بل كان يفقد ببساطة كل ما يجعل من جيك نفسه. لقد خاطر بفقدان أجزاء روحه التي يمكنه التأثير عليها والتلاعب بها مباشرة، مما يعني أنه خاطر بفقدان ذكرياته وشخصيته وكل إحساس بالهوية، تاركاً وراءه صفحة بيضاء فارغة من العدم. مع ذلك لم يكن الأفعى قلقاً للغاية، لأنه كان يعلم أن جيك لم يكن وحيداً.

ليس حقاً. أما بالنسبة للغرفة التي جلس فيها جيك متأملاً، لم يكن فيلاس وحيداً فيها أيضاً، إذ كان هناك ملك آخر أصر على الزيارة وبدا أكثر قلقاً بكثير مما كان عليه فيلاس، رغم أن هذا مُخْتَاره هو من وجد نفسه في هذه الحالة الغريبة.

سألت أرتيميس بعبوس: "أنت أكثر خبرة بكثير في أمور كهذه... هل رأيت من قبل شخصاً من الفئة سي يقوم بشيء مشابه؟"

أجاب الأفعى بهدوء: "أعضاء طائفة الداو يقومون بأمور مشابهة أحياناً. يسمونها رحلات روحيّة أو ما شابه. هذا، أو يحدث ذلك في جلسات تأمل جماعية خاضعة لسيطرة مشددة مع أحد شيوخ الطائفة".

سسألت أرتيميس وقد ازداد عبوسها عمقاً: "لكن ليس هذا السيناريو تحديداً؟ إن كان يحاول حقاً الوصول إلى هناك..."

تنهد فيلاس قبل أن يبتسم ويهندس في الملكة: "عليك الاعتراف بأن الاحتمال مثير للحماس قليلاً على الأقل".

لم تعِر أرتيميس سلوك الأفعى العرضي أي اهتمام: "هل يمكن لعقل شخص من الفئة سي أن يحتمل ذلك أصلاً؟"

تراجع الأفعى عن الفكرة ممتعضاً: "تباً لا. سيتحول عقله إلى عصيدة وتنفجر روحه أو ما شابه ذلك. ولهذا السبب أعتقد أن ما يفعله يختلف قليلاً عما نفعله نحن".

سألت أرتيميس وهي تنظر إلى الأفعى: "كيف بدأ السير في هذا المسار أصلاً؟ أكان ذلك بتوجيه منك؟"

وجد الأفعى بصراحة نبرة الاتهام الطفيفة هذه محببة. لقد كانت أرتيميس متواضعة للغاية ومترددة في التحدث بصراحة أمام فيلاس طوال مدة طويلة، لكنها حقاً نضجت في غضون بضعة أعوام فقط. إن الجمع بين الاستحمام في حضور جيك الفريد المشبع بالسلالة والتعود البسيط على التواجد حول شخصيات بمستوى البدائيين قد صنع عجائب حقاً.

أما بالنسبة لسؤالها: هزّ فيلاس رأسه: "لا. لكن هذا لا يعني أنه يسير في الظلام، معتمداً على نفسه وغرائزه وحدها. إنه يفعل ذلك بيد التوجيه الخاصة بشخص آخر".

عبست أرتيميس أكثر بطريقة ما، واضعة علامة استفهام واضحة على كلامه: "من؟"

قال الأفعى بثقة: "أكثر شخص مؤهل من الفئة سي في تاريخ الأكوان المتعددة... ولو أن أحداً سبق وقصد ذلك المكان من قبل، لكان هو".

كانت أرتيميس قد سألت عما إذا كان يعرف أحداً سبق وقصد المكان الذي يسعى جيك إليه، وفي حين أنه لم يكن يعرف، إلا أنه اشتبه بقوة في أن معلمه قد استطاع فعل ذلك.

سألت أرتيميس بفضول، واجدة كلمات الأفعى غريبة للغاية: "هل لي أن أعرف من يكون هذا الشخص؟"

هزّ فيلاس رأسه: "لا، لست مسموحة لكِ بذلك. لذا فقط ثقي بأنه الأفضل على الإطلاق، وأؤمن أنه حتى إن فشل جيك، فلن تسمح له غرائزه بالمخاطرة أكثر من اللازم".

"ألا تعرف أي طريقة يمكننا بها مساعدته؟"

هزّ الأفعى كتفه: "أفضل نصيحة هي البقاء في الجوار، على إهبة الاستعداد لمراقبة النتيجة والاحتفال بها. حتى لو فشل، أعتقد أن التاريخ سيُصنع اليوم".

أومأت أرتيميس ببطء بينما انضمت إلى فيلاس في مراقبة جيك الجالس في تأمل، دون أي حراك لليوم الثاني عشر الآن. -- شعر جيك... بغرابة. لم يكن متأكداً تماماً من أنه يشعر بأي شيء في المقام الأول. لم يكن أي شيء منطقياً، ومع ذلك كان يدرك أنه يفعل شيئاً. يبحث عن شيء. لم يكن قادراً على تكوين أفكار متماسكة، ومع ذلك استمرت غرائزه في توجيهه إلى الأمام. حاول جمع أفكاره، ففشل مراراً وتكراراً.

ربما لم تكن الأفكار قادرة على التكون في هذا المكان على الإطلاق، حيث لم يكن أي شيء منطقياً منذ البداية. ومع ذلك استمر في المحاولة، ولا يزال ينتابه شعور خافت بأنه يتقدم للأمام. ربما يمكن مقارنة ذلك بالحلم. لم يكن جيك المسيطر؛ فما اختبره بدا وكأنه يتلاشى من ذاكرته بعد لحظات قليلة، وما حدث لم يكن بالضرورة ليكون منطقياً في المقام الأول. كل ما استطاع التأكد منه هو أن الحلم استمر، وببطء، بدا جيك أكثر وعياً.

تجمعت الأفكار الشاردة، وبدأت بعض ملامح المنطق تتشكل مع عودة المشاعر. حاول جيك فتح عينيه، لكنه عجز عن معرفة إن كان قد نجح. لم تفعل كرته شيئاً هي الأخرى، إذ لم يكن في أي نوع من الفضاء المادي. شعر بأنه ضائع، وبدأ عقله يشرد مجدداً، إلى أن ظهر شيء فجأة. شعور مألوف. بطريقة عجز جيك عن استيعابها، راح يبحث غريزياً عن هذا الشيء. ظل يتجول في عالم العدم ولا يملك سوى هذا الضوء التوجيهي الخافت قبل أن يرى شيئاً أخيراً بعين عقله.

في عالم مظلم يُذكّر بالفراغ، رأى صفحة واحدة متوهجة تطفو، وتدفعها ريح معدومة. تبعها جيك، ومع قيامه بذلك، سُمِح لعقله بالتشكل كاملاً. بدأ يشعر حقاً بجسده الغريب، ويستشعر محيطه، ويدرك ذلك العالم الغريب الذي وجد نفسه فيه. أدرك جيك أيضاً أنه لم يعد في جسد مادي، بل في حالة ميتافيزيقية غريبة. الشيء الوحيد الذي استطاع جيك مقارنة ذلك به هو الوقت خلال البرنامج التعليمي حين أسقط روحياً روحه ليزور الأفعى الخبيثة.

في الواقع، كان هذا شديد الشبه بذلك. في ذلك الوقت، كان قد أرسل نفسه بطريقة ما عبر كل الحواجز المحيطة بالبرامج التعليمية ودخل الكون الأول بروحه في محاولة يائسة وغريزية للبقاء على قيد الحياة. حذره فيلي آنذاك ألا يفعل شيئاً مشابهاً أبداً، وفي الحقيقة، حتى لو أراد جيك، لم يكن متأكداً من كيف فعل ذلك في المقام الأول. لقد كان الأمر برمّته غريزياً. لكن هذا لم يبدو تماماً نفسه، لأن جيك شعر بأنه لا يزال بطريقة ما داخل روحه.

وبدلاً من القول إنه يأخذ روحه ويسقطها إلى الخارج، كان يأخذ روحه الآن ويدفعها كلها إلى الداخل. كان الأمر أشبه بدخوله إلى الروح الحقيقية أو ربما سمحت له الروح الحقيقية للتو بالوصول إلى هذا المكان الذي بدا أنه موجود داخله بينما يظل منفصلاً تماماً عن جيك. طافياً عبر هذا العالم الغريب من العدم، كافح جيك للحفاظ على تماسك أفكاره بينما كان يركز على الشيء الوحيد الذي بدا ملموساً في الوجود: الصفحة الذهبية.

تبعها بإخلاص، ولكن حتى في ذلك الحين، كان يفقد رؤيتها أحياناً عندما تومض وتختفي. وحين يحدث ذلك، لم يكن لديه سوى الثقة بأنها لا تزال موجودة بطريقة ما، تاركاً لغريز مرساته أن يتولى الزمام. مراراً وتكراراً، أثبت إيمانه صحته عندما لمح في النهاية صفحة ذهبية أخرى لتوجيه رحلته. مر الوقت، رغم أن جيك لم تكن لديه طريقة لمعرفة المدة الحقيقية التي استغرقتها. في لحظة ما، بدا وكأنه وصل للتو، بينما في اللحظة التالية، ظن أن سنوات قد مضت.

وكل ما استطاع فعله هو محاولة تجاهل كل هذه الأفكار المشتتة وقطع كل شيء ما عدا التركيز أحادي التوجه للوصول إلى وجهته. ما زال لا يعرف ما الذي يبحث عنه ولماذا يتجه إلى هناك؛ كل ما عرفه هو أنه يجب عليه ذلك. لا... بل إنه أراد ذلك. لأنه عندما استعاد عقل جيك بعض الوضوح، استعاد أيضاً القدرة على العودة إلى الواقع إن رغب في ذلك حقاً. في عمق عقله، بقي ربط صغير يمكنه جذبه في أي وقت للعودة إلى جسده، والخروج من هذا العالم الغريب.

ومع ذلك، كان يعلم أيضاً أنه لو فعل ذلك، فإنه لم يكن متأكداً متى يمكنه دخول هذه الحالة مجدداً. استمر وضع مطاردة الصفحات الذهبية في الفراغ الهائل هذا حتى تغير شيء ما في النهاية. في مرحلة ما، رأى جيك بصعوبة صفحتين ذهبيتين متوهجتين بدلاً من واحدة. واستمر في المطاردة، وبعد مرور بعض الوقت، أصبح هناك ثلاث فجأة. بدأت المزيد والمزيد من الصفحات في الظهور بينما كان جيك يطاردها.

واستمرت في الازدياد، مشكلة طريقاً من النور ليتبعه جيك. وما إن راودت جيك هذه الأفكار، حتى توفقت الصفحات عن الطيران وبدأت تستوي مسطحة، ودون تفكير هبط جيك على صفحة ووقف عليها. بدأ طريق حقيقي من الصفحات الذهبية يتشكل تحت قدميه. بدأ جيك بالمشي إلى الأمام غريزياً، متحركاً للأمام فقط دون أن يلتفت ورائه. بدا الطريق وكأنه يمتد لأمتار قليلة أمامه فقط، ومع ذلك، بغض النظر عن المسافة التي قطعها جيك، ظل يمتد ويمتد.

كان المشي سهلاً في البداية، لكن في مرحلة ما، بدأ جيك يجد نفسه يكافح. كان الأمر بطيئاً في البداية، لكنه ساء بسرعة مع كل خطوة ترسل موجات من الألم عبر جسده الروحي الغريب. شعر بالثقل، وبات جسده بطيئاً، وكانت كل خطوة أصعب من التي تلتها. كان مغرياً أن يتوقف ويمنح نفسه لحظة للتعافي، لكن شيئاً ما أخبره أن ذلك لم يكن خياراً. كان عليه الاستمرار أو التوقف نهائياً. خطوة تلو الأخرى، اختبر جيك نوعاً من الألم تجاوز بكثير الألم الجسدي.

كان يعلم أن روحه تكافح، وكلما ساء الأمر، شعر بجزء معين من روحه يؤلمه أكثر من أي مكان آخر. أدرك سريعاً ما كان عليه. حلق الأفعى الخبيثة. مثل جرح خيط وغُمّد بضمادة، كان كفاح جيك الحالي يعيد فتح الجرح ببطء. كانت روحه تحت ضغط هائل، يكفي حتى لحاسة خطره لترفع رأسها. حذرته من أن ما يفعله كان خطيراً... ومع ذلك لم يشعر بالحاجة للتوقف. شعر بالرغبة في التوقف، وكانت روحه تصرخ فيه ليتوقف، لكنه استمر في التقدم.

كانت روحه تتعرض للضرر بلا شك، وكان الأمر يزداد سوءاً فقط. ومع ذلك، لو كرس جيك أي طاقة ذهنية لمجرد النظر في الضرر المحتمل، لفقد التركيز اللازم لإبقاء ساقيه الميتافيزيقيتين تتحركان فحسب. كان عالم جيك بأكمله عبارة عن طريق من الصفحات الذهبية التي لم تبدو سوى مسيرة لا تنتهي نحو هلاكه ذاته. ما أبقى جيك مستمراً هو ثلاثة أمور. الأول هو حقيقة أن غرائزه لم تكن تصرخ فيه ليتوقف بعد.

كانت تحذره، لكنها لم تكن تطالب بتوقفه. وثانياً هو حقيقة أن الصفحات الذهبية كانت مرتبطة بوضوح بالحكيم الأول وتوجيهه. بالطبع، لو كان الأمر يقتصر على هذين الاثنين فقط، لتردد جيك على الأقل، وهو ما كان لينهي رحلته، لكن كان هناك أمر أخير جعله يستمر أكثر من أي شيء آخر: معرفة أن شيئاً ما يكمن حقاً في نهاية الطريق. اليقين بأن هناك وجهة يمكنه الوصول إليها طالما استمر في المكابدة.

وُلد هذا الإدراك مما تعلمه جيك في مجلد الحكيم الأول وما كان متأكداً من أن طريق الصفحات يقوده إليه الآن. كان جوهر التأمل أعمق بكثير من مجرد زيادة تجديد الموارد. كان الغرض الكامل لهذه المهارة هو تعميق اتصال المرء بالنظام ذاته. الروح الحقيقية داخل كل كائن مرتبطة مباشرة وتعتبر جزءاً من النظام نفسه، وكل ما كان التأمل يفعله عادة هو تعميق هذا الاتصال قليلاً لزيادة سرعة استعادة النظام الطبيعية.

كان الأمر يكمن في الاستفادة من شيء أعمق في الأسفل. استخدام الروح الحقيقية كبوابة أو محفز للبحث عن حقائق أعمق للنظام، ومن خلال ذلك، اكتساب القوة. المعرفة. السجلات. وفي حين كان كل هذا مجرد تفسير لجيك، فقد أجبر نفسه على الاعتقاد بأنه الحقيقة المطلقة، لأنه إن لم يفعل، فلن تتوفر لديه القوة اللازمة للاستمرار. حتى عندما بدأ الألم يبدو بعيداً ومخدراً، حيث بدأ جيك يفقد الأفكار التي جمعها والتركيز الذي استعاده، أجبره إيمانه المطلق على اتخاذ خطوة تلو الأخرى.

لم يعد جيك قادراً على رؤية الطريق الذهبي للصفحات، ولم يعد قادراً حتى على الشعور بأنه يتخذ خطوات. كان كل شيء يتلاشى بسرعة، وتسمح له غرائزه الخاصة بمعرفة أن وجوده كان يُمحى ببطء مع فقدان روحه لتماسكها. هو نفسه، وكان يعلم بالفعل أن أي إصلاح طبقه الأفعى على الحلق قد تحطم تماماً بحلول الآن. تماماً عندما لم يكد يتبقى شيء... شعر جيك بشيء جديد. اصطدمت قدمه بشيء ما، ومع حدوث ذلك، عاد الوضوح.

في لحظة واحدة، أصبح جيك واعياً تماماً لنفسه مجدداً. ظهر الطريق الذهبي مرة أخرى، وانحسر الألم بشكل ملحوظ، وفي حين كان الضرر موجوداً بالتأكيد، عرف جيك أنه استقر. مع هذا الوضوح والرؤية المكتشفة حديثاً للعلعالم، رأى أيضاً ما سار نحوه. كان الطريق الذهبي قد توسع، وأمامه مباشرة كانت هناك مقاعد مصنوعة من نفس الصفحات المتوهجة. اصطدم جيك بجانبها بقدمه، وعندما نظر إلى الجانب، رأى أن المقعد لم يعد فارغاً الآن.

جلس الرجل العجوز المألوف، الذي لم يره جيك سوى في رؤى وُلدت من مسار مُخْتَارِ البدعة، ونظر إلى جيك بابتسامته الهادئة المعتادة.

قال الحكيم الأول وهو يشير لجيك ليجلس بجانبه: "خذ مقعداً. تبدو مرهقاً تماماً".