العقاص والعقاب: الكتاب الأول الفصل 40 — تناغم في الخلاف (الجزء 2)

اقرأ العقاص والعقاب: الكتاب الأول الفصل 40 — تناغم في الخلاف (الجزء 2) باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت السيلا تغطّ في النوم على ظهرها، تطفو فوق شعاب الخليج المكتظّة. كان تنفّسها بطيئاً، وصدرها بالكاد يعلو عن الماء. لم تكن الراسيري ترتدي ثياباً كالبشر، بل التفّت خيوط عشب البحر الملوّنة حول صدرها وذراعيها المائليْن إلى الزرقة، لتزيّنها نزولاً حتى يديها المخليبتين. كانت أفاعي المرجان الحمراء والسوداء، التي تشكّل أطرافها السفلى، تسبح برشاقة بين شعب قرن الاستغ وشفائق البحر وشقائق النعمان.

كانت تصطاد الأسماك الصغيرة المندفعة في ما بينها، لكنّ أولوية إبقاء الجذع طافياً ظلّت شاغلها، فبدت كسولة، ولا تهاجم إلا حين يقترب سمك. لم تكن السيلا طريّة كالبشر، بل غضروفية وصلبة كأنها مغسولة بالملح. تشابه جلد جذعها جلد التمساح، مشمّطاً ومخدوشاً من عيشها وسط الصخور. وعند سرّتها، تحوّل الجلد إلى حراشف زاحفة سميكة. ورغم أن سهماً قد يخترق موضعاً ضعيفاً كالعينين أو الأذنين، فلن يُلحق أيّ أذى ببقية جسدها.

بدت هادئة في عينَيْ غراي، لكنها أدركت أنه ما إن تستيقظ الراسيري، حتى تصبح تحدياً لست غراي متأكدة من جاهزيتها له. على الرغم من عدّ كهنة النظام ذلك هرطقة، سرت شائعات بقدرة السيلا على التأثير في ماء بيئتها إلى حدّ ما. ورغم تدريب الأكاديمية الجيد لصائديها على السباحة، ظلّ الغرق سبباً شائعاً للموت في مواجهة الراسيري. آمنت غراي بوجود أساس لتلك النظرية، ولم تنوِ ترك الكثير من طاقمها قرب الشعاب.

كانت الخطة إذن هي استفزازها نحو الأدغال. وهناك، سيحاولون قتل أفاعيها أو شلّها فرادى. وإن سار كل شيء على ما يرام، فسيُمنح الفريق فرصة توجيه ضربة قاضية إلى الجذع. اعتمدت الأفاعي على دماغ الجذع الأكبر لتوجيهها، وأي أفعى تبقى ستهوي في الفوضى متى ماتت. أكد كل من آيسلين وفينيان النقاط الأساسية لعمليتهما من أكبر عدد ممكن من المصادر. وثقت غراي بمعرفتهما عن الراسيري قدر استطاعتهما.

وما بقي سوى الأمل بأن يكون ذلك كافياً. تدبّرت غراي نيل ساعات إضافية من النوم على طحلب الجرف. وحين استيقظت قرب آيسلين على عباءة الإبجاك الرمادية، توقّعت زوال أثر رمال الأحلام الغريبة. لكنها لم تزُل. ولحسن حظها، وجدته أسهل بكثير في التحرك عن الليلة السابقة، بيد أن العالم حولها بدا وكأنه ينحرف يسيراً. طالما اتّسم نظرها بحدّة في المسافات، لكنها شعرت أنها لو تركّزت، لأمكنها الرؤية لأبعد.

كان الباسو فينو واضحاً جلياً في الخليج وراء الجرف، ورغم علمها بأنها خديعة، ظنّت أنها تبينت لوتي وننسا جالستين على درابزين المقدمة. بدت أذناها ملتقطة أصواتاً لم تعهد ملاحظتها من قبل. وشعرت بقوة، وظلّت عضلاتها مشدودة حين ربطت عدتها في المعسكر مجدداً. تمثّل الجانب الأكثر إرباكاً في تباطؤ العالم يسيراً حولها. بدا الزمن مشوهاً وأبطأ. كانت مسيرة الخليج متعثرة. وحدها رايا لاحظت، فاستمرّت ابنة الأرض في رمقتها بنظرات رشّت القلق على ملامح وجهها.

ولطالما راودها القلق هي الأخرى، بيد أنه لم يعد بالإمكان فعل شيء حيال ذلك. لن تقول شيئاً لآيسلين. إن حدث لها شيء خلال صيد الراسيري، فهي لا تريد أن تشعر التاجرة بأنها المسببة. لمحت الإبجاك من موقع مراقبتها في حزام الشجر. تجلس التاجرة مقرفصة مع فيينيان، وقد غطّى القلندان رأسيهما. التقت عينا آيسلين بغراي فابتسمت، ثم أنزل أكولا يده. ومع الإشارة، انزلقت الإبجاك بسلاسة بين الصخور نحو السيلا.

ستكون آيسلين وفينيان الأرجح في المجموعة لإصابة الطلقة الأولى، ولهذا ستحاولان قتل أفعى واحدة على الأقل، ثم استدراج السيلا من الخليج. انقسمت المجموعة في الأدغال، وهدفها إيقاع المخلوق بينهما. لم تحرك الراسيري ساكناً بينما اتخذت آيسلين وفينيان مواقعهما على النتوءات فوق مرساها. تركّزت أفاعيها في شقوق المرجان، وفي كل الأحوال، بدا أنها لا ترفع رؤوسها كثيراً بالمجمل. فهذه مهمة الرأس الشبيه بالبشر لمراقبتها.

سيسدد فيينيان الطلقة الأولى، لكونه الأكثر خبرة بقوس الإبجاك خاصته. قد يستهدف فريق لم يبحث جيداً رأس الجذع، لكن فريق أكولا أدرك أن ذلك ينطوي على خطورة بالغة. امتلكت السيلا نتوءات ضخمة عند حاجبيها، وبرز عظم صلب من وجنتيها. كانت فرصة اصطدام سهم بتلك العظام عالية جداً. ينبغي استخدام الطلقة الأولى لإطاحة إحدى الأفاعي. أطلق فيينيان صفراً، فاستيقظ المخلوق. رفعت الأفعى الأقرب إليه رأسها فوق الماء، باحثة بتناسق مع رأس الجذع عن الصوت الذي أزعج نومها.

وحين توقفت في منتصف الهواء، أطلق فيينيان سهمه. أصاب السهم هدفه بدقّة، فاخترق عميقاً محجر عين الأفعى. أطلق الإبجاك صيحة فرح وقفز من الجرف، محلقاً فوق الصخور الحادة باتجاه الأدغال. وظلت آيسلين ساكنة كالحجر الذي تقف فوقه. صرخت السيلا واندفعت إلى الشاطئ، جارة طرف أفعى المرجان الميتة عبر الصخور والرمل. توترت غراي بقلق. كان مفترضاً بآيسلين محاولة التسديد ثم التراجع مع فيينيان.

لكنها لم تتحرك بعد. بلغ فيينيان حزام الشجر حين هجمت السيلا قرب آيسلين. عبرت الأفاعي السبعة الباقية بقع الرمل متجنبة الصخور بسهولة لتعبر الشاطئ بكفاءة أكبر. تقفز الأفعى الميتة باهتزاز، ناشرة أثراً من الدم خلف الراسيري، لكنها لم تكد تبطئها. وحين عبرت آخر أفعى حية تحت آيسلين، وثبت شاهرة سيفها القصير وخنجرها. هبطت بقوة على رأس الأفعى وهوت بسلاحيها على الجانبين، غارزة إياهما في عينيه.

أدى زخم الوحش ورمية الموت الخاصة بالأفعى إلى ارتداد جسمها للأعلى، دافعاً آيسلين إلى الهواء مجدداً. استدار الجذع مع صعود آيسلين. لم يكفِ زخمها لتتجاوز مخالب الوحش التي التوت لتخطفها من السماء. تحركت غراي لتهجم للأمام. أدركت غراي أن الوقت سيخونها. فكادت تشهد تمزيق المرأة إلى أشلاء. ومثل صبي يتجاوز سياج حديقة، عبرت آيسلين ذراع السيلا تحت جسدها. هبطت مقرفصة على الصخر التالي، متجنبة رأس أفعى هاجمة.

أيقنت غراي أنها لم تشاهد أحداً يقفز بالمسافة التي طارتها آيسلين آنذاك، متخطية أفعى متبقية ودافعة نحو الضفة. لصقت السيلا بجهدها خلفها، لكن آيسلين أصابت حزام الشجر ببراعة، متمركزة وسط المجموعات المنتظرة لفريق الأرض. بطأ المخلوق فور وصوله الشجيرات، وانتظرت الفرق. وتابعت تعقب آيسلين، متعرجة بين الأشجار. استعداداً لتلك الصبيحة، قطعت فرق الأرض بهدوء بعض الشجيرات على بعد ياردات قليلة داخل الغابة.

ستجد السيلا صعوبة في اجتياز الأشجار، لكن البشر سيعانون أكثر مع النباتات والمتسلقات. وحين بلغت الراسيري تلك البقعة المنقوشة، هاجم الفريق. انحدروا من الأشجار وثبوا من السرخس، مستهدفين أي أفعى كانت الأقرب إليهم. ورغم غضب غراي الشديد من آيسلين، قدرت مع تقدم المعركة بقاء ستة رؤوس فقط. بذل رجال الأرض الذين جلبَتهم قصارى جهدهم للابتعاد عن ضرباتهن. قُذف أحدهم مسبقاً إلى أغصان بلوط الغابة، متشنجاً بسم المخلوق حتى استسلم له أخيراً.

دافعت آيسلين وأكولا ضد الرأسين المقدمين، وغالباً ما أرسل الإبجاك خناجره نحو الجذع. لم ترغب غراي بمعرفة ما سيحدث إن توقف ذلك الفريق عن تركيز ج جل اهتمامه. ردّت رايا وغراي أفعاهما الخاصة، محاولتين استغلال الشجرة بينهما لصالحهما، وتمنت غراي لو أن كالوم وفينيان يحظيان بحظ أفضل على الجانب المقابل للسيلا. صدقت مخاوف غراي التي شاركتها مع لوتي حرفياً. وبصرف النظر عن آيسلين، عانى الفريق في التعامل مع طبيعة هجمات المخلوق العشوائية.

سدّدت غراي ضربة طائشة نحو الأفعى عن يسارها فأخطأت ردّها بأعجوبة. انزلقت في الوقت المناسب لتتفادى أنيابها، لكن رأسها رمى بها إلى الوراء. تداخلت خطوط الأفعى السوداء والحمر المميزة حين اصطدمت بشجرة بلوط كثيفة في الغابة. لم تشعر الشجرة باصطدامها بها. أطلقت الأفعى نفسها مجدداً، ومع مرور الموت بخاطرها، اندفعت رايا نحوها من الجانب. التوت ضاربة بزاوية، واضطرّت ابنة الأرض للدحرجة بسرعة لتجنب أنيابها.

وفجأة، برز وجه آيسلين قرب وجهها. أمسكتها الإبجاك من سترة التمزيق الجلدية خاصتها. سحبت غراي للأمام وارتطمت بظهرها على البلوط، مستغلة البقعة ذاتها التي لامست الشجرة سلفاً.

"ركّزي! ماذا تفعلين؟"

تملّصت غراي تحتها قلقة على رايا.

"ما اللعين الذي تعنينه؟ ابتعدي عني."

لم تفعل آيسلين، بل ثبتتها إلى الشجرة، مسمرة غراي في مكانها بقوة غير طبيعية. ومن خلف الإبجاك، رأت غراي الجذع يعترض ابنة أرض. حطّمت الراسيري عمودها الفقري بحركة سلسة ثم رمت بها وسط متسلقات شجرة مجاورة. لقد كانت ميتة سريعة على الأقل.

"انظري إليّ."

انتزعت غراي عينيها عن السيلا وأعادتهما إلى آيسلين. عجزت عن التيقن أكانت الضربة التي تلقتها لتوها، أم موت ابنة أرضها، أم عينا المرأة الساطعتان ما أصابها بالغثيان.

"أنتِ تحاربينه. ثقي بجسدك. لم أظن أن هذا سيشكل مشكلة لكِ. اتركي الأمر، أيته البغل."

رفعتها آيسلين بسهولة كأن مقاسيهما متعاكسان. هاجمت أفعى ظهرها. مدت غراي يدها نحوها، محاولة تحريكها وتلقي الضربة بنفسها. عوضاً عن ذلك، تنحت آيسلين جانباً واستدارت. ومع مرور الأفعى، ركلت رأسها خارج مساره. وبدل تحطيم غراي على الشجرة، مرت عن يمينها. ماذا قصدت آيسلين؟ لم تكن غراي متأكدة، لكنها عقدت العزم على المحاولة. استرخت وسمحت لعضلات صدرها وذراعيها بالانقباض، طاحنة أصابعيها في مقبض سيفها.

شعرت كوتر قوس مشدود، مستعد للانطلاق فجأة. واستطاعت رؤية الزمن يتباطأ في الخطوط الحمراء والسوداء المنسحبة من أمامها. أحمر.. أسود.. أحمر… ومع نحول العنق، ويقينها باقتراب الرأس، لوّحت في قوس واسع. شعرت كأن كتفيها قادرتان على إمرار سيفها القصير عبر فيل، لذا ستمرره عبر هذه الأفعى. اخترق نصلها عمود الأفعى الفقري المرن. لم يفقد السلاح شيئاً من سرعته في اختراق عضلات الراسيري السميكة، وافتقر فقط للطول اللازم لقطع قطر العنق بالكامل.

وحسن الحظ، بعد قطع عمودها الفقري، سقط المخلوق هامداً عند قدميها. رأت وميض ابتسامة آيسلين قبل أن تشق الإبجاك طريقها مجدداً لجانب أكولا. بدا لغراي أن القائد اضطر تقريباً للتخلي عن موقعه. لم تمنح غراي وقتاً للصدمة. وإن جعلتها آيسلين أسرع، أو أقوى، أو أي شيء آخر، فستوظفه لمساعدة فريقها المتخبط. التفتت برأسها نحو رايا. كانت ابنة الأرض قد حشرت هراوتها الجديدة في فم أفعى، وعالقة بإمساكها من المنتصف بكلتا يديها.

إن تركتها، ستقتلها الراسيري. ركضت غراي نحو ابنة الأرض. ما زالت الأفعى قادرة على الالتواء والاهتزاز، واعتبرت غراي مغامرة غرز سيفها القصير في عينها من الأمام خطرة للغاية. عوضاً عن ذلك، أسقطت سيفها وانقضت على خطمها. حافظت رايا على إمساكها بالهراوة بينما خفض وزن غراي رأس الراسيري. وعند ملامسة قدميها للأرض، عثرت على منخري الأفعى وأحكمت قبضتها. وبعد تأكدها من صلابة مواضع يديها، وجّهت ركبة قوية لثقنها.

صرخ جسدها بما بدا أدرينالين، وكانت ركبتها الثانية أعنف. ومع الثالثة، لم يجد مقبض الهراوة مَفَرّاً سوى الانغراس قطرياً في دماغ الأفعى، مانعاً رأس السلاح الكثيف من الاختراق عبر الذقن. أخلت رايا سبيل الهراوة في الوقت المناسب ليطبق فكا الأفعى، وتسقط هامدة. جذبت ابنة الأرض مقبض الهراوة البارز من قمة رأس الأفعى بضع جذبات. وحين أبت الحراك، تخلت عن محاولتها بملامح خيبة.

بعد قتيلتها الثانية، قررت الراسيري منح الأولوية لغراي. وما إن التقطت سيفها القصير، حتى اندفعت السيلا نحو غراي ذارعة ذراعيها ومخالبيها. بالمجمل، بلغ حجم المخلوق البشري ضعفي حجم كالوم، وجلدها المصلد كان سميكاً. لم يفلح أحد في إلحاق أذى يذكر بها. وإن لم يقتلوها، فستتراجع ببساطة إلى أعماق البحر. تكهن البعض في ماياكار بقدرة السيلا على إنبات سيقانها مجدداً، مقسمين بمواجهتهم للمخلوق نفسه مراراً.

جعلت المجزرة في الفسحة، بشريّيها وأفاعيها، غراي تتساءل عن احتمالية صحة ذلك. إن أرادت آيسلين منها ثقة بجسدها، فستفعل. سكنت غراي، وتباطأ الزمن مع هجوم الراسيري. التوت السيلا بجذعها، ملوّحة بيد مخلبية نحو صدر غراي. احتضنت غراي الذراع وسحبتها متجاوزة إياها، جارة الراسيري الضخمة بوعيها المندفع. ومع ارتداد السيلا للخور بغية عكس الحركة، تابعتها غراي للأعلى. وثبت بعضلات ساقين مشدودتين، وأسقطت سيفها، وقبضت على جلد عنق المخلوق.

التفت يداها حول قاعدته حين انطلقت السيلا للأعلى. انتفضت غراي بعنف، لا بقصد تحريك المخلوق الهائل عديم الارتكاز، بل لتحريك نفسها أعلى جسد السيلا. وحين حاولت غراي بلوغ ظهرها، شرعت الراسيري في الالتواء وطقطقة فمها. لم يبدو فارق يذكر بين صفوف أنيابها وتلك الخاصة بالأفعى، وراودت غراي فكرة عابرة باحتمالية سمية هذا الرأس أيضاً. استنشقت رائحة تعفن السمك مع انطباق الأنياب قرب وجهها، ومع صراعها لمنع أسنانها من بلوغ عنقها، شرعت في التفكير بالتخلي عن محاولتها.

فجأة، شعرت باهتزاز المخلوق. وبالنظر للأسفل، رأت كالوم أسفلها، وقد غُرست خطاطيف سمكه حتى معصميه في جلد جنب الراسيري. وتوتّرت عضلات ذراعيه في محاولته لإخلال توازن السيلا. استغلت غراي الفرصة لتركل نفسها بعمق أكبر في موضعها على ظهر الراسيري. كان عنقها نحيلاً نسبياً مقارنة بجسدها، ونجحت في إحاطته بذراعها، مغروزة تحت ذقن الراسيري. ورغم محاولتها خنق خصم عادٍ من هذا الوضع، جهلت مواقع شرايين السيلا أو موضع تنفسها.

ما لاحظته تمثل في نحافة وعيون العمود الفقري للأفعى التي قطعت رأسها ومرونته. شابه الغضروف أكثر من توقعاتها، وظنّت أنه يضحي ببعض صلابة العظم المصلدة لصالح مرونة حركة الغضروف. اندفعت السيلا للأمام، محاولة الإفلات من خطاطيف كالوم وغراي على ظهرها. التوت لتهاجم كالوم، وحركت غراي قدميها نحو كتفي السيلا العريضتين. ومع توقف زخمها، نقلت غراي يديها لجانبي سفلي ذقن السيلا. بلغ رأس المخلوق حجم حصان تقريباً، ومع اتساع قبضتها للتعويض، تساءلت عن خطتها.

أصبحت غراي الآن مقرفصة تماماً خلف عنقها، بقدميها على كتمفيها ويديها محشوّتين تحت فكيها المنغرزين. تذكرت كلمات آيسلين مجدداً وتركت عقلها. لا جدوى من القلق الآن. استقرت في ساقيها المشدودتين وجذعها المنحني. ومع انطباق يدي السيلا عليها، قاصدة انتزاع المدّ من رأسها، انفجرت القوة في عضلات غراي. أطلقت غراي نفسها للأعلى، محافظة على قبض محكم تحت ذقن الراسيري. كابدت، مفجرة كل ما تملكه في فخذيها.

بدا الزمن بطيئاً، لكنها ظنت بارتياح أنها شعرت بانقسام العمود الفقري. استمرت في الشد وحاولت منع الشك من التسرب لعقلها. لا فشل، بل غريزة وقدرة فحسب. بلا إنذار، ارتدّ رأس السيلا للخور، منفصلاً عن فكها، وطارت غراي عن كتفيها. بدا العالم بطيئاً وهي تهوي عبر الهواء. حاولت التواء قدميها أسفلها، لكنها باءت بفشل ذريع. لم تكن إبجاك ولم يخلقها الجو. ستلتقي رقبتها وعنقها بالأرض قريباً، ومن هذا الارتفاع، سترديها قتيلة لا محالة.

حظيت بلحظة لتفكر بسخرية لقبها. ألم يُخلق العقاب لكي يحلق؟ طمس وميض نور رؤيتها عند هبوطها. وبدل انكسار عنقها، كما توقعت، عاد العالم ليتجمع في بؤرته. سمعت أنيناً تحتها. قبل عودة الحركة لأطرافها، دُفعت بلا مهابة ودون اكتراث بعيداً عن كالوم لتستقر فوق رايا، وكلتاهما على أرض الغابة تحتها. بوضوح، لم ترَ ابنة الأرض لياقة في دفع غراي، فاستلقتا باضطراب لبرهة حتى ساعد فيينيان غراي على النهوض.

وبعد مد يدها لرايا، ثبتت غراي نفسها والتفتت ناظرة حولها. بدت الأفاعي المتبقية حائرة وتتخبط. وأجهز نايل برجال الأرض عليها بسيوف نافذة في العيون، رامين نظرات فضول وخوف نحو غراي. راح كالوم وأكولا يمليان ناظريهما على الجذع. كانت معلقة بلا حياة من قاعدة أفاعي المرجان، ولونها المائل للزرقة يتحول إلى رمادي. وحين استدارت غراي بحثاً عن شجرة تستند إليها، ألفت آيسلين مقرفصة قرب إحداهن.

كانت الإبجاك تحدق فيها. ارتدت نظرة استفسار، وشعرت غراي بعدم معرفتها بتلك التعبيرات. حثها دافعها على مجالسة المرأة، لكن غراي كسرت تواصل العينين واستدارت نحو القائد. سترفع تقريرها أولاً، ثم، بغض النظر عما ظنت رغبتها فيه، ستجد شجرتها الخاصة لتجلس إليها.