استيقظت غراي على يد خفيفة تستقر على كتفها. قبضت بسرعة على ياقة الشخص الملثم المائل فوقها، وتوقفت لبرهة لالتقاط أنفاسها، ثم تميزت الخصلات النحاسية المنسدلة من تحت القناع. أطلقت غراي سراح آيسلينغ، وسمحت لعينيها بالتأقلم مع توهج نار المخيم الخافت. كان القمر يرتفع عالياً خلف البحّارة، مسلطاً الضوء على انحناءات ابتسامتها الناعمة. ورغم استيقاظها التام، بقيت غراي مرتبكة.
أكانت قد وافقت على نوبة حراسة؟ ضحكت آيسلينغ بصوت خافت لرؤية ملامح غراي وأشارت إليها بالنهوض. نهضت غراي بهدوء وأومات برأسها نحو درعها. هزت البحّارة رأسها. لذا تركته غراي حيث يرقص الظلّ عليه. سارت الاثنين في صمت وسط المجموعة النائمة، وحرصتا على عدم إزعاج الفريق الذي كان بحاجة ماسة إلى كل دقيقة نوم. وعند أطراف المخيم، تشابكت ذراع غراي مع الحارسين على الأرض. وبعد تقرير قصير، استدارت لتتبع آيسلينغ باتجاه المجرى المائي نحو العتمة الكثيفة للغابة.
ومع ابتعادهما، خففتا من وقع خطواتهما، واستخدمتا طاقتهما للشق وسط النباتات الملتفة. انتهى الجدول عند نبع أرضي عميق فيما يبدو، واتجهت آيسلينغ جنوباً. كانت أصوات الضفادع تصم الآذان مع تقارب الأشجار الضخمة من حولهما وصعوبة التقدم في الغابة، لكن غراي لم تكلف نفسها عناء السؤال عن وجهتهما. كانت تعلم مسبقاً أن آيسلينغ تبتغي الخلوة. باستثناء عراكهما، قضت مقاتلة التيارات والبحّارة كل ليلة معاً طوال ستة أشهر تقريباً.
ستخوضان معركة عصيبة غداً، ولا ضمانة للنجاح. أظهر أسر غراي جانباً من فنائها لم تُواجهه من قبل، وتغير سلوك آيسلينغ نفسها منذ تلك الأيام التي قادتها مقيدة بين أشجار المانغروف. بات للوقت الذي تقضيانه معاً قيمة جديدة، وقد قدرت غراي من آيسلينغ وضع ذلك في قمة أولوياتها. بدا وكأن دهراً مضى منذ التقت غراي بالتاجر، وصارت آيسلينغ مألوفة بطريقة لم تعهدها قط. تتدربان معاً، وتنامان معاً، وتأكلان معاً.
بل إن آيسلينغ اعتادت صيد السمك بالقوس والغوص العميق، وغالباً ما أمضت أماسيهما على المؤخرة رفقة غراي وكالوم وفينين. لم يكن التمشاح المرافق لأماسيهما من طباعها، لكنها اعترفت بأنها تستمتع بالاستماع إلى الثلاثة وهم يتجادلون من لا شيء. ورغم رضاها عن واقعهما، كانت غراي قلقة بشأن مصيرهما. لم تخوضا أي نقاش حول المستقبل، وبدا لغراي أن آيسلينغ قد تكون متعمّدة تجنبه. خشيت أن تفارق التاجرة سفينة الباسو فينو بمجرد انتهاء أعمالهما، لكن غراي ستفعل كل ما في وسعها للحؤول دون حدوث ذلك.
كانت تعلم أنها لن تترك طاقمها، ولم تكن متأكدة إن كانت آيسلينغ تريد حياة البحارة. سيكون نقاشاً صعباً، لكنه ليس مما تستطيع حله الليلة. أما الآن، فقد عزمت غراي على فعل أي شيء يبقيها آمنة وسعيدة. كانت مهمة شاقة؛ فآيسلينغ عنصر أساسي في معظم ما يفعله الطاقم. حاولت غراي على أي حال. وعندما ظنت غراي أن الغابة لا يمكن أن تزداد كثافة، خرجت بهما إلى حافة جرف. وفي الأعلى، انفتح السماء على انفجار من النجوم، متألقة في عيني غراي الحساسة للظلام.
وفي الأسفل، التوت جذور سنديان الغابة وسط الطحالب السميكة وأعشاب البحر. لقد حان وقت السراج الليلي، منتصف الليل، وكان القمر عالياً وبدراً. نظرت غراي ما وراء الجرف نحو الوادي الممتد حتى البحر. ومع إضاءة سماء الليل الساطع بشكل غير معتاد للمسافات، تمكنت عينا غراي الصفراوان الحادتان من تبين الميراد الشاسع، وبارتياح شديد، السفينة باسو فينو وهي تطفو بسلام فوقه. خطر ببالها أنه في مكان ما بين الصخور والشعاب المرجانية على طول ساحل ذلك الخليج، لا بد أن سيلا تتخفى للصيد.
تفرشت عباءتا آيسلينغ على الأرض كبركة وهي تجلس بحركة مرنة. انضمت إليها غراي، فاستندت التاجرة إلى كتفها، وفرشت غراي عباءة المطر الثقيلة الخاصة ب والتيارات خلفهما على العشب. في العادة، كانت ترتدي الجلود والعتاد تحتها، لكنها لم ترتدي الليلة سوى سترتها الرمادية الخفيفة وسراويلها السوداء الفضفاضة. جلستا في صمت لفترة، تتمتعان بصحبة إحداهما الأخرى. اعتقدت غراي أنهما قد تقضيان وقتهما على هذه الحال فحسب، وأسعدها ذلك.
لكن بعد ساعة أو أقل، استدارت آيسلينغ لتواجهها. أخرجت شيئاً من جيب في بطانة سترتها الداخلية.
"افتحي فمك."
فعلت غراي ما أمرت به، واقتربت آيسلينغ من وجهها. رفعت البحّارة يدها ومدت إصبعاً نحو شفتيها، ودون توقف، وضعت الإصبع على لسان غراي، ثم سحبته، وقبلتها بعمق. حدث انفجار خلف عيني غراي، وطعم الطحالب الرطبة في فمها. تعرفت عليه، إذ كانت على علم مسبق بالسمات الترابية لرمال الأحلام. لكن كان هناك شيء آخر، يشبه لسعة النحاس. واصلت آيسلينغ تقبيلها، وانتظرت غراي ريثما يستقر هذا الإحساس.
لقد تعاطت الأحلام طوال حياتها واستخدمت المادة بالتأكيد مع آيسلينغ. كانت تجربة باعثة على الاسترخاء، والأفضل لأمسية في البيت. سحبة واحدة من لفافة أحلام تتبدد معها كل الهموم، وعرفت غراي سبب إدمانها. في أسوأ لحظاتها، كان العقار أصعب ما يمكن مقاومته، لكن كل ما طُلب منها لتخطي تلك التجربة هو النظر إلى زقاق في حي فقير من أي بلدة كانت فيها. كان المدمنون على الأحلام تذكرة قوية لاستخدامها باقتصاد.
لا بد أن آيسلينغ قد وجدت شيئاً مميزاً في ماريسومبرا، فهذه التجربة كانت فريدة. أصبحت بشرة غراي أكثر حساسية، وبدت أصوات الضفادع حادة، وكأنها مزعجة تقريباً. ومثلما يحدث مع الأحلام، باتت أقل يقيناً بالواقع وأكثر استرخاء. حاولت الغوص في النشوة، كعادتها دائماً، لكن شيئاً جديداً أبقاها في حالة يقظة. مررت آيسلينغ يديها حول عنق غراي تحت سترتها. وما إن شعرت بذلك التلامس على بشرتها العارية حتى انتفضت.
اختفى كل جزء من جسدها سوى تلك المواضع التي تلمسها آيسلينغ. كان شعوراً طاغياً، رغم أن لمسة التاجرة المألوفة ساهمت حقاً في تهدئتها. خيل لغراي أنها تستطيع الإحساس بعضلات صدرها وذراعيها وهي تنقبض، وأيقنت، رغم أنها لم تجد سبباً لذلك، أنها قادرة على رفع عربة. سحبت آيسلينغ إلى حجرها وردت القبلة، رافعة البحّارة لتعتليها بين أعشاب البحر. كانت الحركة محاولة لتجاوز المشاعر المزعجة التي كانت تختبرها.
ومما يثير الإحباط أن الطبيعة الغريبة لهذا الحلم كانت تربكها. لم تكن طفلة نبيلة غرة في هذا العالم تتسلل لتعاطي الأحلام في زقاق مظلم. كانت تاجرة لرمال الأحلام. غرزت غراي أصابعها في وركي آيسلينغ وجذبتهما نحوها. قطعت التاجرة القبلة وهي تلتقط أنفاسها بلاهث. وكما اعتادت أن تفعل، فتحت غراي عينيها لتتأملها. وبدل الاستمتاع بانحناءات عنق آيسلينغ الداكنة، صُدمت فوراً بسطوع الليل.
نظرت حولها بجنون وسقطت على ظهرها. تلتها آيسلينغ إلى الأرض وقبضت على جانبي وجهها. بدا عيناها كحجر العقيق والمخمل. ظنت غراي أنها قد تصرخ.
"لا بأس، لا بأس. انظري إلي فحسب."
لم تدو آيسلينغ قلقة بقدر غراي. استخدمت يداً لتزيح خصلات الرماد المتطايرة عن جبهة غراي. بدأت غراي تهدأ من جديد.
"ما هذا؟ من أين حصلتِ عليه؟"
"إنه قوي بعض الشيء. انتظري لحظة فحسب. سيزول."
حدقت في عيني آيسلينغ، وأدركت أنها تثق بتلك المرأة. كان الشعور طاغياً. وحيثما كان العالم أوسع من أن يُحتمل قبل لحظة، تقلّص الآن ليقتصر على التاجرة الشاحبة فوقها، ونور القمر يطوق رأسها هالةً. استرختا منكبا غراي، وأدركت أنها كانت تعصر ذراعي آيسلينغ. أطلقت سراح البحّارة وأملت ألا يكون ذلك بقوة تترك أثراً. غمرتها موجة أخرى من الذعر.
"أنا آسفة. لا أدرِي ما به أمري."
"لا شيء. ليس بكِ سوء، غراي."
توقفت آيسلينغ برهة، لكنها لم تحول عينيها عنها. ألصقت جبهتها بجبهة غراي. جذبت رباط شعرها، فتساقطت خصلاته أمواجاً حول وجه غراي، محجبة عنها النور الشاذ المحيط بهما.
وتابعت التاجرة قائلة: "أنتِ مهمة بالنسبة لي، وأحتاج أن تعرفي ذلك. هذا أنسب وقت لأخبرك، وهو أمر مؤسف، لكنني أرجو مهما حدث أن تعلمي أنني أهتم بكِ أكثر ممّن اهتممت به بأحد قط."
أُسرت غراي بكلماتها، ولم تدرِ أكان ذلك بسبب رمال الأحلام الشاذة أم بسبب المشاعر الكامنة خلفها.
تابعت آيسلينغ قبل أن تتمكن غراي من الرد: "قد نفترق في بعض الأمور... غالباً... لكنني أريدك أن تعرفي أنني أحاول دائماً حمايتك. قد لا يبدو الأمر واضحاً، لكن أرجوكِ لا تنسيه. لا يمكنك نسيانه."
لم تعتقد غراي أنها قادرة على الرد بغير ما كان عقلها يصرخ به. جردها العقار من قدرتها على إخفاء الفكرة، مع أنها كانت تعلم صحتها.
قالت غراي دون تردد: "أنا واقعة في حبك."
نظرت آيسلينغ إلى الأسفل بطريقتها المتبعة المفعمة بالكآبة. اعتادت غراي ذلك. لم تبد التاجرة قادرة على اختبار السعادة دون همسة من الشقاء. اغرورقت عيناها بالدموع، فجذبتها غراي لتلتقيا في قبلة. لم تكن غراي متأكدة إن كانت سترى آيسلينغ سعيدة حقاً يوماً ما. ورغم بقاء تلك الفكرة المحبطة، بدأ عقل غراي يهدأ. وما زال الإحساس الطاغي بوجود جسد آيسلينغ فوقها، وشعرها بين يديها، وشفاهها على شفتيها يؤثر فيها، لكن بطريقة بدأت تسيطر عليها.
وكانت تلك الاستراحة هي التشجيع الوحيد الذي احتاجت إليه لبدء نزع ملابس آيسلينغ. لم تستطع تخيل عدم لمس المزيد منها، وعزمت على قضاء ما تبقى من الليل تفعل ذلك. استرخت التاجرة، ووقعت الاثنتان في كنف الراحة والحركات التي ألفتاها في كل الليالي السابقة. أما عما إذا كانت آيسلينغ تشعر بما تشعر به غراي... حسناً، كان ذلك هماً يُترك لليلة أخرى.