شهوة للمس أو شهوة للذهب، مزّق قلبك، وعليك أن تكون جريئاً، في القاعات المظلمة حيث تدور الهمسات، صلّب حديدك قبل انقشاع الفجر.
الفوضى تقود بينما النظام يسترخي، رغبتك تضطرم، عميقاً في صدرك، المصير، ممرّ، بباب كثيرة، صفّ من الأرصفة لرسوّ السفن.
أستفعل أم تنتظر؟ شهوة للمس أو شهوة للذهب، منحتك دائماً ما تصنعه بنفسك. ما هو لك لتملكه؟ وما هو لك لتأخذه؟
فارلو الباياسو سولميرادا، إيتوس الأدير
مرّر الشكل الداكن خنجراً تحت أحد أظفاره متموضعاً براحة بين جدار مرتفع وسقف. لم يتوقع التحرك من موضعه طوال وقت طويل وحاول الاستقرار على ألواح مستودع السنديان الكبير. ساعدته العباءات بعض الشيء إذ حُشرت تحته كيلا تتحرك كثيراً في النسيم. لم يرغب الغريب في أن يُرى هذه الليلة وكانت المجموعة التي ينتظرها تعج بالأشخاص الحادّين. كان له منظور جيد على الشارع والزقاق في الأسفل.
دخل بحارة الباسو فينو المستودع مسبقاً مما يعني أن جماعة سارا ستتحرك في الزقاق. لن يمضي وقت طويل حتى يلقوا خطواتهم حتى مع هدوء طاقم ثعبان العاصفة. خرج أكولا وطاقمه من المستودع إلى شارع الرمل الرطب في الأسفل. أودع الغريب الخنجر ورفع كتفيه في مكانه. خاب أمله لرؤية ضباط الباسو فينو غير واعين لتقدم سارا لكن كلما انتهى هذا باكراً كان أفضل. ربما ظنوا في الباسو فينو خيراً أكثر من اللازم.
رصدهم مشعوذه في الوقت المناسب مفنداً رمحاً حديدياً استهدف رأس غراي في اللحظة الأخيرة. قصدت سارا بوضوح إقصاء الملازم أولاً وبدَا ذلك خياراً ذكياً. بدلاً من ذلك اخترق الرمح رقبة التاجر الذي يقفل الباب تاركاً إياه ينزف حتى الموت في الرمل. كانت تلك خطوة ذكية في لحظة قصيرة من مشعوذ أكولا. دوّنها الغريب. ينبغي ألا يستهينوا به. مع اقتراب سارا تعرفت عليها غراي أولاً مؤكدة شكوكهم حيال بصر العقاب النسري.
كانت الفوضى أقوى فيها من البقية رغم امتلاك كل منهم ما يكفي من الجري في عروقه ليصبح مشكلة. حين بدأت غراي محاولتها للتفاوض لمس أكولا ظهر ذراع مقاتل التيجان الآخر كنوع من الإشارة. كان الرجل غليظ الرقبة يحمل كيس بارود أسود سُحب بمهارة حين دفعه أكولا خلال شجارهما. كانت المجموعة تعوض سريعاً عن نقص إدراكها السابق ولم يلاحظ رجال ثعبان العاصفة بعد. بلا مقدمات ألقى المقاتل الضخم الكيس على طاقم ثعبان العاصفة.
قطعت غراي ومشعوذه ردة فعل السكاكين والرهام الحديدية. لم يعبر أي منها دونهما ولم يُشهر أكولا سيفه بعد. اضطر الغريب للاعتراف بإعجابه بعرض الثقة الوقح في طاقمه خاصة وأنه لا يرتدي درعاً. لمَ لا يرتدي درعاً؟ ما إن أدرك مقاتلو ثعبان العاصفة ما أُلقي عليهم حتى حاولوا كسب مساحة. صعب موقفهم في الزقاق وعندما وقع الانفجار لم يملكوا سوى الابتعاد عنه. لاحظت سارا ومشعوذه بعد فوات الأوان فانفجر الكيس تماماً تحت قدميهما.
أنقذتها ردود أفعالها من كل شظايا الحديد عدا قليلة لكن ساق مشعوذه تهرأت وتدلى كل ما تحت الركبة بخيط واحد. صرخ مشعوذ ثعبان العاصفة وسقط. واحد طريح. تنهد الغريب. لم تكن الأمور تسير كما خططوا. فور وقوع الانفجار صرخ المهر الكستنائي وتقدمت غراي ومقاتله هجومياً. سحب مشعوذه قوسه. تحركت غراي للقضاء على سارا بدفعة واحدة متوقعة غالباً أنها لا تزال مذهولة من الانفجار. بدلاً من ذلك تحركت سارا سريعاً خلف أحد مقاتليها المتقدمين غير راغبة في مواجهة مقاتل بشكل مباشر.
قبل بلوغ غراي التقى مقاتل ثعبان العاصفة المتقدم بسهم ذي ريش أحمر عبر رقبته وعموده الفقري منتهياً في لفتة. اثنان طريحا الأرض وكلاهم من المشعوذ؟ لم يتوقع المراقب الصامت هذا القدر. كأنما علم عاتي الباسو فينو بسقوط المقاتل الخصم فاندفع ممسكاً بسارا. التوت من متناوله متراجعة خلف حليفيها الباقيين. على بُعد ضربة سيف توقف مقاتلو الباسو فينو برهة مقيمين خصومهم الثلاثة الباقين.
لن يملك مشعوذ أكولا فرصة بعد الآن وقد انحشروا في الزقاق وانتظر بصمت بجانب القائد. تحركت سارا أولاً. بشهر خنجرين قفزت فوق كومة صناديق لتهبط على غراي بزاوية. لاح في نفس اللحظة مقاتل ثعبان العاصفة الأقرب محركاً من الاتجاه المعاكس. سحبت غراي خنجراً طويلاً من فخذها لصد المقاتل. خطت في الصد معطية إياه قوة وتجنباً لضربة سارا في آن. بلا حاجة للصد سحقت غراي بقبضة يدها الممسكة بمقبض سيفها أنف سارا.
ساعدت الخطوة والمقبض في قبضة غراي اللكمة بشدة. هوت سارا على الأرض. ثلاثة طريحون ولم تكن سارا سوى فاقدة الوعي. كانت تلك مشكلة. تحركت بتململ على قرميد السقف منزعجة. حجب مقاتل أكولا الآخر ضربة مشابهة من مقاتل ثعبان العاصفة الباقي لكن بدلاً من استغلال ميزته انطلق مستخدماً الشفرات المقوسة على واقيات ذراعيه لتمزيق الجلود وظهر الرجل الضاغط على غراي. رفع المقاتل رأسه ليصرخ لكن قبل خروج صوت غرزت غراي سيفها عميقاً في حلقه.
أربعة طريحون. مد الغريب قدميه مسلماً بحقيقة اضطراره للبقاء وقتاً أطول مما توقع هذه الليلة. حاول المقاتل الباقي ضربة أخرى لكن مقاتل الباسو فينو جذب خطافات صيده بقوة مكنته من إعادة ضبط دفاعاته. تصدى لها ورد. لوحت مجدداً وحين تصدى تحرك لنزع سلاح المقاتل الضخم. لحسن حظه كان قد قلص المسافة أكثر من اللازم. رغم نجاحه في انتزاع سيفه المتين من يده الرئيسية كانت يده الأخرى على رققتها مباشرة بعد ذلك.
كسرها بلتة ثم وضعها برفق على الرمل واستعاد سيفه. ارتفع الغريب الرمادي إلى وضعية القرفصاء مستعداً للمغادرة. فجأة ولسبب ما ومع استقرار الغبار تمايل مهر العربة وسقط على الأرض الصلبة. أحيّ هو أم فاقد الوعي لم يدريا. استدار طاقم الباسو فينو للنظر وفيما بدا أكولا والمقاتل الضخم مرتبكين حدقت غراي بالمشعوذ. فتّش جيوبه داخل ردائه بملامح مذهولة. ستة طريحون؟ سبعة مع المهر؟ قلب الغريب عينيه.
ومع هبوب نسيم عبر رمل الزقاق المضغوط انزلق من الجانب البعيد للسقف ظلاً رمادياً غرق في عتمة الحي خفيف الإضاءة.