أمضى أفراد طاقم السفينة أياما هادئة بعد اجتماع أكولا في المقصورة الكبرى. كانت باسو فينو تشق مياه ميريد الفيروزية الملساء بيسر، وكان البحارة يصطادون أسماك التاربون ويلعبون الورق، بينما يدخنون سيجار سان كورالينو الرخيص ويستمتعون بدفء الشمس. لم يكونوا يعلمون بالخيار الذي وقف أمامه الضباط، ولا بالضغط العصبي الذي يعانون منه، ولن يكترثوا لأمر ذلك، حتى حين يبلغهم الخبر.
كان لكل رجل وامرأة في الطاقم حرية اتخاذ قراراتهم الخاصة فيما يتعلق بالبقاء، لكن آراء قادة أقسامهم ستؤثر فيهم بشدة. أدرك القبطان هذا الأمر، ولم يكن إعلام الضباط أولاً مجرد وسيلة لإظهار الاحترام، بل منح نفسه الوقت لكسب تأيدهم قبل أن يطلع باقي الطاقم على المعلومات. بدا لغراي أن نسبة مفاجئة من القادة وافقوا بالفعل على خوض هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر. بالطبع، علت أصوات صاخبة حول طاولة القيادة من أكثرهم جلبة، غير أن المتباهين، وأعني تريفور أمين الصناديق، ورولينز مسؤول المؤن، لم يكونوا أصحاب نفوذ يُذكر على بقية الطاقم.
فكر الضباط الآخرون بهدوء، واتفقوا على التروي قبل اتخاذ قراراتهم والتحدث مع أقسامهم. وفي حين غادر الصاخب المعارض تريفور ورولينز ووجهماهما محمرّان وأكتافهما متوترة، انصرف بقية الضباط من المقصورة الكبرى وهم غارقون في التفكير. بدا لها هذا الهدوء كله مثيباً للريبة. لو لم تكن تعرف أين تبحث، لأسرتها نظرات العديد منهم نحو لوتي أثناء مرورها بمكانها قرب الباب. هكذا سبقت الاجتماع إذاً، وأفشت أسرار غراي.
وللتأكد من الأمر، استجوبت غراي كالوم، محارب التيارات التابع لها. لم يمتلك القدرة على المراوغة طويلاً قبل أن يعترف. لقد كان كاذباً سيئاً للغاية. أما عن دوافع لوتي؟ كان القبطان رجلاً مقنعاً، لكن سحره الحقيقي لم يكمن هناك. لقد برع في إحاطة نفسه بأناس عظماء ثم منحهم حرية التصرف. أتاح لهم هذا هامشاً للتميز في مجالات قد يعجز هو أو أقرانه عن بلوغها. كانت هذه ميزة ممتازة في المجمل.
نادراً ما شعر أفراد طاقمه بالاستياء منه، وعادة ما طوروا استقلالية واكتفاء ذاتياً ميزاهم عن سفن أخرى. ولهذا كله، أحبّت غراي العمل تحت إمرة رجل يترك لها حرية العمل في موقعها. كان لهذا النمط القيادي سلبيات بالطبع. وأكثرها شيوعاً أنه بعد الاعتياد على الركض دون لجام، ما عادت القيادة تحترم الزمام. أما في حالة لوتي، فقد تجاوزت حدودها مراراً، وكان ذلك على حساب غراي هذه المرة.
فقد ذهبت العرافة إلى عدد كبير من الضباط قبل الاجتماع لإقناعهم بتأييد مقترح القبطان. وضع أكولا ثقته في غراي وأطلعها على معلومات حساسة، فبادرت لوتي بإخبار بعض أولئك الذين أراد القبطان ألا يعرفوا شيئاً. كانت لوتي من أكثر الناس قدرة على الإقناع ممن عرفتهن، لذا فهمت غراي سبب ما فعلته، لكن ذلك لم يخفف من غيظها. لم تستغرق غراي وقتاً طويلاً لتتخذ قرارها بمواجهة عرافة الرياح.
في الواقع، انطلقت عاصفة في منتصف كلامها، تاركة كالوم واقفاً في حيرة على سطح المقدمة. تفرق الغوغاء وهي تشق طريقها عبر سطح الدق، وبدت مشاعرها واضحة جلية على وجهها. كان باب غرفة لوتي موارباً، فدفعتْه لفتحه. وجدت هناك العرافة تعبث بساعة جلبها لها فينيان من كوستا فيردي. تبعد الجزيرة مسافة قصيرة بالإبحار عن نوتشيبراغا، ولهذا تعج بالنبلاء السكارى الغافلين الهاربين من المدينة.
وحتى بحار ذو أصابع غليظة يستطيع سرقة محفظة في شوارعها المزدحمة. كانت إحدى المحطات المفضلة لفينيان. تملك لوتي موهبة في التعامل مع الأدوات الدقيقة لكنها تفتقر إلى القدرة على التركيز الطويل. غرفتها دائماً مبعثرة بمشاريع ناقصة وبقايا مربوطة بعناية لتفادي تطايرها إذا ما تمايلت السفينة. استغرقت أسبوعاً لنقل أغراضها عندما اشترى أكولا باسو فينو. للمرة الأولى، أزعجت الفوضى وعدم النظام غراي.
تنوعت أصول تلك الأشياء بقدر تنوع طبيعتها. بل وجدت غراي مسدسات مفككة مخبأة في حقيبة لوتي، وهذا أحد الأسباب التي تجعلها تمتنع مستقبلاً عن جلب أي شيء من حقيبة لوتي. كانت تلك الأسلحة محظورة في كل بلدان البحار المعروفة، وباهظة الثمن للغاية. كما أنها غير عملبة في أغلب المعارك، إذ لا تطلق سوى رصاصة واحدة غير مأمونة. وحدها صانعة ألعاب مثلي كانت ستخاطر بالاحتفاظ بواحد منها بحوزتها.
دفعت غراي الباب حتى فتح على مصراعيه دون أن تطرقه، وتقدمت نحو الطاولة التي كانت لوتي تنحني فوقها. رفعت العرافة عدسات التكبير المثبتة بنظارتها عندما تعمل على قطع صغيرة. رفعت رأسها وابتسمت وهي غارقة في التفكير تماماً. بدت ساذجة ومضحكة، لكن ذلك لم يردع غراي عن بدء الهجوم فوراً.
"أخبرتك بأمري مع أكولا في السر. لا أظنك تكترثين لشيء، لكن إن علم بالأمر فلن يثق بي أبداً. واللعنة، حتى إن لم يعلم، فلن أثق بك أبداً".
حاولت غراي إرخاء قبضتها عن مسند الكرسي الذي يقابل العرافة. نزعت لوتي نظارتها ودلكت أرنبة أنفها من تحت العدسات.
"أظن أنه كان أملاً مفرطاً أن أظن أنك لن تربطي الخيوط ببعضها. أنا متأكدة أن كالوم استسلم، أليس كذلك؟ لا يهم. لو أخبرتك لكنت مضطرة للوقوف ضدك مباشرة. كنت أعلم أنك ستغضبين، لكن بغض النظر عن عملي من وراء ظهرك، لا أرى سبباً لكل هذه الضجة. ولن يبلغ أي من هذا أكولا".
رفعت النظارتها إلى شعرها وأخذت نفساً عميقاً.
"أنت تعلمين أنني قادرة على كسب المزيد من الناس بكلمة أو كلمتين قبل أن يطرح فكرته رسمياً. أنا فقط لا أريـد لهذا الأمر أن ينهار".
أجابت غراي بسرعة.
"وماذا عن رغبتي أنا؟ لم أقل قط أنني موافقة؛ بل كنت معارضة حين تحدثنا. أنت أنانية للغاية، ألسنا صديقات؟ ستستغلين أي شيء أو أي شخص متاح لديك لتحقيق ما تريدين".
بدت لوتي مذهولة ومجروحة، لكن غراي أدركت أنها كانت محقة. كان واضحاً أن لوتي افترضت أنها كسبت صف غراي، وأن غراي ستسعد بنتائج تدخلها. وقد أكد سؤال لوتي التالي ذلك.
"أحقاً ستفرطين في هذه الفرصة؟"
نظرت إلى الطاولة التي تجلس أمامها، دافعة قصاصات السلاسل على الألواح الخشبية.
"ليس هذا هو لب الموضوع، أليس كذلك؟"
رمقتها غراي بنظرة حادة.
عمّ صمت قصير، ثم قالت لوتي: "غراي، أنا آسفة. رأيت فرصة لأفعل ما اعتقدته صواباً من أجل الطاقم، ولم أتوقف حقاً لأفكر..."
تزحزحت غراي في وقفتها مقاطعة كلامها.
"حقاً. أنا معتادة على ذلك. أعتقد أنك تعلمين ذلك على مستوى ما. كنت تعلمين أن بإمكانك الإفلات بخيانة ثقتي وأنه ليس بوسعي فعل شيء حيال ذلك، أو أنني لن أفعل".
تجاوزت لوتي منطقة الخطر تلك بالطريقة المزعجة التي تتبعها دائماً حين ترفض الخوض في أمر ما.
"أرجوك يا غراي، لا تحرقي مراكبك غضباً مني. لا تتخلي عن باسو فينو وماياكار لأنك غاضبة مني".
"هذا مهين".
رفعت لوتي رأسها فجأة.
"أنا آسفة! أنا جادة حقاً. ظننت حقاً أنك بدأت تتقبلين الأمر، وأن الغاية تبرر الوسيلة، ولن تكوني ساخطة عليَّ هكذا".
كان رداً أنانياً من أجل فعل أناني. ولأسفها، وبحكم قربها منها، تعاطفت غراي مع ذلك الاختيار. أثار هذا غيظها لأنها وجدت نفسها تميل للتغاضي عن الأمر. لذا، وبدل أن تدع صديقتها تفلت من عواقب خيانتها، استدارت على عقبيها وعاصفة من الغضب تخرج من الغرفة. *** رفعت غراي قدميها على مقعد السفينة المهترئ بينما كان فينيان يشد وتيرة قوسه، وكالوم ينظر بهدوء من فوق الصدار نحو البحر.
كانت شمس العصر متدلية في السماء خلفهما، مستعدة للغروب فوق مقدمة السفينة وهما يتجهان غرباً. تشاركا زجاجة رم وقطعة من لعبة ديبفليت البطيئة على الطاولة بينهما. كانت لعبة استراتيجية تتطلب تفكيراً بين النقلات، لكن الصديقين كانا يتحركان ببطء أشد هذا المساء. مع شد القوس، شرع فينيان في ربط الأسهم بكرات صغيرة مثبتة على طول مؤخرة السفينة. كانت هناك بكرات أكبر مزودة بعمود طويل وطعم دوار لصيد الأسماك الكبيرة، لكن بالنسبة لصيد الأقواس، كانت البكرات الصغرى أجدى نفعاً بكثير.
كان العمق أكبر من أن يتيح صيد الأسماك على سطح الماء، فلم تكن هناك أسماك، لكن الأمواج كانت تعج بالطيور البحرية اليوم. وبحسب المنطقة التي تتواجد فيها بالعالم، تأتي الأسماك المجنحة بأشكال وأحجام وألوان عديدة تكيفت لتندمج مع بيئاتها. وفي ميريد، كانت بكل الألوان، تلمع كالجواهر وهي تقفز من أثر السفينة إلى قمة الموجة ثم تعود. تطلع فينيان فوق الصدار وبدت على وجهه علامات الحماس لأعدادها التي تشق الأمواج.
كان بحار الجزر الوحيد على متن السفينة، ولهذا امتلك أقصر وأدق الأقواس، فضلاً عن براعته الفائقة في استخدامها. يعمل بحار الجزر في الأسرار والسرقة والقتل الصامت، وكان فينيان يثير في نفس غراي خوفاً لا يضاهيه أحد. يعتقد سفهاء إيتوس أن الخصم الأقوى هو الأكثر خطورة. أما غراي فكانت تعلم من واقع تعرضها الدائم للاستخفاف أن الموت بالنسبة لأي إنسان لا يتعدى سهماً مسدداً بإحكام، أو قارورة سم، أو دفعَة من فوق جرف.
وفي حالات كثيرة، لم يكن النجاح سوى مسألة تتعلق بمن يضرب أولاً، أو ببساطة، بالشخص الذي يتخذ قرار بدء العنف. لحسن الحظ، كانت تربطها بفينيان صداقة متينة. أعجبت بذكائه الخاطف وحسدت مهارته في استخدام أسلحة صنعته. واستغلت كل فرصة لتتعلم منه ولاحظت رغبته في التعلم منها أيضاً. وحيث كان كالوم مغروراً ومحباً للمنافسة، كان فينيان صادقاً ومتحمساً لامتصاص المعرفة. بل إنه حاول تجربة نداء المد، مما أثار تسلية نسا العظيمة.
تكلم فينيان وصوته يفيض بالحماس.
"أستبدأ الأوسبري أولاً؟ تعرف الطيور بضرباتها العنيفة لدرجة كسر فقرات السمكة قبل مغادرتها الماء. أكنت تعلمين ذلك يا غراي؟"
سأل فينيان. كان واحداً من القلائل بين الضباط الذين أخذوا لقبها على محمل الجد، وكان ذلك يثير تسليتها دائماً.
"لا، أظن أنني سأراقب كالوم يطلق بضع رميات. فمهاراتي تتحسن دوماً بمراقبة ما لا يجب فعله".
عبس كالوم بالطريقة الجادة المعتادة. بدت ملامح وجهه حادة، تتناقض مع شعره الناري ونمش وجنتيه. كان يتمتع بحس فكاهي، لكن استخراجه تطلب بعض الجهد. بالتأكيد، كانت لا تزال تعز كالوم. قد يثير حنق البعض، لكنه حظي باحترام الجميع. وباعتبارهما محاربي تيارات، كانا يتدربان كل مساء، ويصقلان بعضهما بالطريقة التي لا يجيدها سوى الغريمين. وشخصياً، لم تشعر بالحاجة لمنافسته، لكنها أدركت أنها باتت أفضل بفضل رغبته في ذلك.
خلق هذا التدريب رابطة عرق بينهما، وفي المعركة كانا يقاتلان ككتلة واحدة. كانت علاقتهما محكمة، رغم أنها ربما لم تكن لتختاره أصلاً بناءً على طباعه. شكل بناء كالوم الضخم تناقضاً صارخاً مع هيئة فينيان. فرغم أن فينيان كان طويلاً بالنسبة لبحار جزر، إلا أنه ظل قصيراً مقارنة بكالوم وغراي، وكان وسيماً وجذاباً في آن واحد. حافظ على شعره الأسود الطويل مضفوراً إلى الخلف بنقوش دقيقة، وتزينت انحناءاته بالعظام والخرز.
وجعلت بشرته الداكنة ابتسامته تشرق كالفجر، وكان يبتسم دوماً. وقف كالوم ونفض كتفيه. شعرت غراي أنه يبدو كدب قطبي مخيف.
"الشيء الوحيد الذي أخطأت في فعله هو إضاعة أُمسياتي معكم. بإمكاني هزيمة أي منكم في البطولة، بما في ذلك الرماية، وأنت تعلمين ذلك".
رد كالوم. غراي، في الحقيقة، لم تكن تعلم ذلك. قد تكون المنافسة محتدمة بينها وبين كالوم، لكن فينيان امتلك موهبة مهداة من الفوضى في الرماية. كان كالوم طويلاً، غليظ الرأس، وموهوماً، لكن السفينة بأسرها كانت تدرك ذلك. كانت الديناميكية بين الثلاثة غير عادية، لكنها نجحت. وقضوا وقتاً طويلاً من أوقات فراغهم على السفينة في صيد الأسماك، أو لعب ديبفليت، أو الشرب، أو التدريب. وباعتبارهم ضباطاً، فقد حضر الثلاثة اجتماع أكولا، لذا غلب على مزاج اليوم طابع التأمل.
سارت لعبة ديبفليت ببطء أشد، وتطلعت غراي بشغف لبعض الصيد بالأقواس لتشغل تفكيرها عن ماياكار ولوتي. كان فينيان للتو قد انتهى من ربط بعض الأسهم النحيلة ذات الرؤوس الشائكة بالكرات الصغيرة، وتقدم كالوم إلى الأمام حاملاً قوسه الثقيل. رفعت غراي ساقيها، دون نية فعلية لمراقبة كالوم وهو يرمي. احتاجت إلى التفكير في لوتي، وفي المرحلة التالية من رحلتهم، وفي خياراتها إذا ما قررت مغادرة السفينة.
تاهت أفكارها، لكن ليس إلى حيث أرادت. فلم تستطع إبعاد تلك الأسماك الصغيرة اللامعة عن تفكيرها. لم تكن المجنحات المخلوقات الوحيدة التي تقفز من البحر مخلفة أثراً وراء السفينة، لكنها كانت الأكثر شيوعاً بهامش كبير. ظن العامة أنها طورت أجنحتها الرقيقة القزحية لتقفز في الهواء خلف متزلجي البحر، تلك الحشرات الصغيرة التي تعيش على التوتر السطحي لماء البحر. كان ذلك سيبدو منطقياً.
لاشك أن السفينة كانت تثير المتزلجين وهي تشق المحيط المفتوح، لكن الحقيقة كانت أن المجنحات تتبع السفينة بحثاً عن بقايا المطبخ وغيرها من النفايات المقززة التي تُلقى من المؤخرة. وإذا أراد المرء معرفة السبب الحقيقي وراء نمو أجنحة للسمكة، فكل ما عليه فعله هو سؤال عرافة مد. كانت نسا تستطيع استشعار حركة الوحوش في الأعماق، حتى تلك التي تفضل غراي ألا تعلم عنها شيئاً. كما كانت نسا هي من شرح لغراي التفاصيل الدقيقة لتاريخ معظم المخلوقات، وهو أمر يتعلمه العرافون في البلاط.
أما بالنسبة للمجنحات، فالطريقة الأبسط للنظر للأمر هي أن أسلافها تعلمت القفز من البحر هرباً من الموت، فنبتت لها أجنحة تدريجياً. وبينما حرص كهنة النظام على إبقاء الأمر بسيطاً لعامة الناس، استطاع العرافون ومن غاصوا أبعد من ذلك اكتشاف العملية برمتها. كما أدركت غراي لاحقاً، فإن الأسماك التي قفزت لمسافات أطول وامتلكت زعانف أكفأ للقيام بذلك عاشت لفترة أطول وأنجبت نسلاً أكثر.
وأدى تكرار هذه الظاهرة لمدد زمنية يستحيل تصورها، إلى ظهور مخلوق قادراً على استغلال مساحة يعجز مفترسوه عن بلوغها.
كان التمييز بين «إنبات»
الأجنحة والتطور إلى فصيلة تمتلك أجنحة أمراً تفكر فيه غراي مراراً. تطلبت الإجابة الحقيقية قروناً من الإخفاقات وآلاف حالات الموت، وهي حقيقة قاسية عن التغير، لكنها بالغة الأهمية للتعلم. أما عن عاداتها الغذائية، فقد بدا لغراي دائماً أنه سيكون أكثر منطقية لهذه المخلوقات الملونة أن تجد طعامها في مكان أبعد عن النظام البيئي الذي يتبع سفينتها. كانت أسماك المارلين والتونة والقرش تتبع السفينة لأنها تعلم أن المجنحات وغيرها من الأسماك الصغيرة ستكون هناك.
لقد كان مكاناً خطيراً للتغذية، ودورة عنف بالغة الخطورة. كانت سهولة الحصول على الوجبة هي ما جذب تلك المخلوقات الغريبة، وغالباً ما قادها مباشرة إلى حتفها ومواصلة تطور نوعها. استطاع القروش الاعتماد دوماً على تجمع المجنحات خلف السفينة البحرية، بينما افتقرت المجنحات للبصيرة التي تخبرها بوجود القروش هناك. وحين يعجز المرء عن رؤية الصورة الأكبر، يصبح اتخاذ قرار يمكن التنبؤ به ومفعم بالخطر أمراً يسيراً.
اخترق سهم من قوس كالوم فقرة سمكة مجنحة كبيرة، مما أثار صيحة حماسية من فينيان. وتشاجرا حول البكرة، إذ ظن كل منهما أنه يعرف الطريقة المثلى لإبقاء السمكة مثبتة بالسهم أثناء سحبها. ضحكت بعفوية لصديقيها، لكن عقلها لم يكن غائباً تماماً عما يدور في خلدها. ظلت فكرة عالقة بإزعاج هناك، شيء لم تستطع التخلص منه. إن كانت المجنحات تعجز عن توقع الخطر الكامن تحتها بعد كل هذه السنين، فكيف لها أن تستوعب ما ينتظرها في الأعلى؟