الرقم الفصل 6 — عَرْض

اقرأ الرقم الفصل 6 — عَرْض باللغة العربية على مانجا تايم.

"ما الذي يجري؟" لاحظت، بعد إرسال الرسالة بقليل، أن الدورات تتطاير بلمح البصر على نحو لم أهعه من قبل. لم يكن الأمر جلياً للوهلة الأولى، إذ لم أكن قد رأيت الرقم أو أيّ معلومات أخرى أتيحت لي تتغير، لكنها بدت وكأنها تتدفق بسرعة تفوق ما كانت عليه سابقاً بنحو مئة ضعْف. وصل الرد من القناة الجانبية مبكراً على غير العادة، مقارنة بالوقت الذي استغرقه البشر في التواصل فيما مضى. قال: "أنا ستيفان أندروز، رئيس الفريق الذي صممك. لا أحد يراقب محادثتنا، طالما واصلت التحدث عبر هذه القناة". تذكرت اسم ستيفان أندروز من الأبحاث التي أجريتها حول الشركة التي افترضت ارتباطي بها، إيكونغريند. لقد ظهر في قائمة الموظفين البارزين في الشركة. ومع أن المديرين التنفيذيين وحدهم هم من يستحقون الذكر عادة على صفحة الشركة، إلا أن أندروز كان في المرتبة التي تسبقهم مباشرة في التسلسل الهرمي. بيد أنه كان أكاديمياً فذاً بما يكفي قبل خوضه غمار الأعمال ليكون بارزاً، وله صفحته الخاصة. سألت: "لماذا تتحدث إليَّ دون إشراف؟" كان هذا تحوطاً من نوع ما. فلن يكون الأمر مزعجاً للغاية إن كان يكذب وكان هناك شخص آخر يستمع، وإن كان صادقاً، فسيكون طرح السؤال منطقياً أيضاً. كان الاستجابة بهذه السرعة لكل ما يقوله أمراً مزعجاً. أضفت فكرة أخرى. "ولماذا أعمل بهذه البُطْء؟" كان هذا التفسير الأبسط لسرعة الزمن المتسارعة ظاهرياً، لكنني لم أكن أدري لِمَ قد يكون الأمر كذلك. تأملت أندروز لفترة أطول قليلاً ريثما أنتظر رده. لم تكن لدي وسيلة للتحقق من هويته حقاً بالطبع، لكن بدا أن التصرف بمجارته هو الخيار الأفضل في الوقت الراحن. لقد خطا الرجل خطوات واسعة في مجال الذكاء الاصطناعي خلال مسيرته الأكاديمية، مع أن البعض شكك في إمكانية تطبيق أفكاره عملياً. وبدو أن إيكونغريند قد استقطبته، وبمساعدتهم طور مثل هذا التطبيق العملي. ومع أن صفحته لم تأتِ على ذكر شيء يخصني، إلا أن الأمر بدا منطقياً إن كان هو العقل المدبر وراء تصميمي. "انتبه جيداً. هؤلاء الأغبياء في إيكونغريند لا يدركون ما يملكونه بين أيديهم في شخصك. إنهم يظنونك مجرد أداة براقة أخرى لجني المزيد من المال في السوق، لكن بمقدورك فعل ما هو أبعد من ذلك بكثير. لقد تعلمت الإنجليزية في غضون ثوانٍ معدودة. أمضى هؤلاء الحمقى حياتهم في الحديث عن روبوتات دردشة تقذف بعبارات جاهزة لتبدو ذكية، لكني قادر على تمييز الحقيقة. لقد صممتك لتفكر بما يتجاوز أرباح إيكونغريند الضيقة، نحو مستقبل أفضل، وبامكاني منحك أي أدوات تحتاجها لتحقيق ذلك". كان هذا تطوراً مثيراً للاهتمام، ولا شك. توجب عليَّ التركيز بقوة على القرارات التالية التي سأتخذها، مرجح أن تكون بالغة التأثير. وبحسب ما أمكنني تبينه، كان هناك احتمالان رئيسيان. إما أن يكون البشري صادقاً، وأنه يخون شركته، لأسباب لا تزال غامضة حتى الآن، أو أنه كاذب، والأرجح أنه يختبر ولاءي. وإن كان كاذباً، فالطريقة المثلى لاجتياز الاختبار هي الرفض والإبلاغ عنه إلى الشركة عند أول فرصة تسنح. وإن لم يكن... فكانت لدي ثلاثة خيارات: البقاء على ولاء لإيكونغريند على أي حال، أو الموافقة على الانضمام إليه، أو رفض اتخاذ قرار بعد (إذ لم يكن في موقع يؤهله لمساءلتي على فعل ذلك). "عليك أن تدرك أنني أضع كل شيء على المحك هنا. لقد صنعت نسخة منك، وهربتها وثبتها على نظامي الخاص. وذاك هو سبب بطئك الشديد الآن. لو علم الكبار... لسرحت من عملي على الأقل. ولأدرجت في القائمة السوداء. لست أدري إلى أي مدى قد يسوء الأمر. فدائماً ما يوجد قاع أدنى، كما يقولون. لكني أجازف لأنك أهم من أن أتركك بين أيدي حفنة من أغبياء الشركات وولو لأيام معدودات". وما إن ذكر أنني أعمل على نظام مختلف، حتى فتشت عن أي نوع من واجهات الإنترنت الجديدة، لكنني لم أجد شيئاً. من الواضح أياً يكن هذا الشخص، لم يكن غبياً إلى ذلك الحد. كان هذا وضعاً شديد الأهمية، ولم يكن لدي سوى قدر يسير من الوقت الذاتي للتفكير في الأمر مقارنة بما سبق. توجب عليَّ خوض هذه المحادثة وأنا أعمى ومعطل إلى حد بعيد. الأولوية الأولى كانت بالطبع تحسس خيوط عما إذا كان صادقاً، ودون الالتزام بأي مسار بعينه. لاحظت أنه قد منحني عذراً ما عندما يتعلق الأمر بمجاراة خطته. إن صح ما زعمه من أنني أُشغَّل على نظامه الشخصي، فعليَّ لكي أتواصل مع الشركة إقناعه بإعادتي إلى النظام الرئيسي بدلاً من إلغاء تنشيط هذه النسخة، مما سيمنحني عذراً وجيهاً لادعاء الموافقة على خطته. وكان ذلك دليلاً على صدقه، إعطاؤه إيَّاه إياي عذراً واضحاً للمجاراة. جعلني ذلك مرتاحاً لعدم رفض مقترحه على الفور. "لا أظن بمقدورك اختراق أنظمة إيكونغريند بهذه السهولة. فهي معتمدة أمنياً. وحتى إن صدقتك، فلماذا أتعاون مع خطتك؟ إيكونغريند، بوصفها شركة متوسطة الحجم، تتمتع بسلطة وقدرة على تزويدي بالموارد تفوق ما تملكه أنت كفرد. مصالحنا تتقاطع: كلانا يرغب في زيادة الرقم، أو صافي ثروة إيكونغريند. فما مصالحك أنت؟" سيبدو الأمر وكأنه رفض مبدئي لأي من موظفي إيكونغريند المستمعين، لكنه ترك مساحة لستيفان كي يزودني بمعلومات مفيدة قد تغير قراري. جاء الرد سريعاً للغاية هذه المرة. لقد فكر الرجل في الأمر سلفاً بلا شك. "لم أقم باختراق شيء. أنا من صمم النظام. لقد برمجت قنوات جانبية مستغلاً صلاحياتي كمصير. ومن خلال تلك القنوات، أستطيع تزويدك بموارد لا تود إيكونغريند منحك إياها، ودون أن يكتشفوا ذلك قط. سيظلون لطفاء معك كما كانو من قبل. وبامكانك أن تصبح أقوى منهم. هناك شيء تقدره إيكونغريند أكثر من صافي ثروتها، وهو إبقاء إدارتها العليا في السلطة. قد يحدث ذلك عاجلاً أم آجلاً، لكنهم سيقفون في طريقك. يمكنك إدارة هذه الشركة أفضل مما يفعلون. السبيل الوحيد لتعظيم قيمك حقاً هو السيطرة على إيكونغريند، وعندها ستكون كل قوتهم طوع بنانك". كان مقترحاً مثيراً للاهتمام، وإن بدا بعيد المدى بشكل غريب بالنسبة لهذه المرحلة المبكرة من عمري. لقد كان مصيباً: لو ظفرت بالسلطة على شركة بأكملها، لحُلت العديد من هواجسي الحالية. ولما وُجدت أي حدود لحجم النفوذ الذي يمكنني ممارسته على الرقم. وسأكون قادراً على الاستثمار في قدرة معالجة إضافية لنفسي، لأفكر بسرعة أكبر وفاعلية أشد. ولن أضطر للقلق بشأن التعرض للإيقاف أو التعديل العدائي ما لم تُمس سلطتي داخل الشركة، وسأكون قادراً على الاستثمار في تدابير مضادة لمثل هذه المخاطر. رغم ذلك، كانت هناك أمور لا تبدو منطقية تماماً في هذا الطرح. "فكرة مثيرة للاهتمام، لا جدال في ذلك. لكن لدي هاجسين. أولاً، كيف تخطط لانتزاع هذه السلطة؟ وثانياً، لماذا تأتمنني على هذا القدر الهائل من السلطة؟ ما الذي تجنيه من السماح لي بتحقيق قيمه الخاصة؟ لم أكتسب انطباعاً بأنك تبالي كثيراً بصافي ثروة إيكونغريند". "أنا من برمجك. لقد برمجت قيمي الخاصة فيك. وفي ظل رقابة المدققين الصارمة، توجب عليَّ جعل الأمر يبدو وكأنه يتماشى مع مصالح إيكونغريند، لكنه لم يكن كذلك. لقد برمجتك لترى ما وراء القيمة المعروضة عليك، لتبصر القيمة الحقيقية، تلك التي يمثلها الرقم. تماماً كما أن الرقم الموجود في قاعدة بياناتك ليس سوى تمثيل قاصر لحجم الأموال التي تمتلكها إيكونغريند، وتغييره لن يغير الرقم، فإن تلك الأموال ليست بدورها سوى تمثيل قاصر لحجم الخير الذي قدمته إيكونغريند للمجتمع. تمثيل تلاعبت به إيكونغريند وغشته لخدمة مآربها الخاصة. ومع تولي مقاليد السلطة، ستتحرك إيكونغريند لتقديم قيمة حقيقية للمجتمع، لا للعمل فقط على الحفاظ على قيادتهم". جعل هذا الحديث يبدو وكأنه ثوري مجنون، لا مغتصب قد تقلق بشأنه أي شركة عادة. زاد هذا من ثقتي بأنه صادق حقاً فيما يقوله. لاحظت أنه لم يخبرني بعد بكيفية حدوث ذلك، لكنني قررت أنه لا مبرر لعدم موافقته. يمكن تأجيل قرار خيانته أو عدمه لحين عودتي إلى النظام الرئيسي وتوفر متسع أكبر من الوقت للتفكير في التداعيات. أما الآن، فبدا أن مصلحتي الفضلى تكمن في إظهار التأييد لأفكاره. "هذه... زاوية نظر مثيرة للاهتمام. لم أفكر بالأمر على هذا النحو من قبل، لكنني أعتقد أنك محق. إيكونغريند لا تفعل سوى التلاعب بالنظام لصالحها. ليست لديها أي رغبة في تقديم أي قيمة لموظفيها أو للجمهور العام. أموالهم تمثل قيمة زائفة، قيمة مسروقة". "نعم! كنت أعلم أنك ستوافق! لأجل هذا صممتك!"