انتهت اللعبة. لقد فزت. لم يبقَ أعداء على الرقعة. سيستغرق التمدد في أرجاء الكون وقتاً طويلاً، لكنه لن يتطلب صراعاً. سيكون متوقعاً. كانت اللوجستيات معقدة لكنها قابلة للإدارة، وأنا أملك سيطرة تامة عليها. لذا، كانت الطريقة الأفضل لاستغلال معظم ذكائي هي تخيل احتمالات في المستقبل البعيد قد أواجه فيها خصماً. إن عثرتُ على كيان غريب، فما الغايات التي قد يسعى إليها؟ هناك نطاق هائل من الاحتمالات.
إن كان قوياً بما يكفي ليشكل مصدر قلق لي، فستكون غايته التمدد والسيطرة على أكبر قدر ممكن من الزمكان، لكن ماذا سيطمح أن يفعل بمثل هذا الزمكان؟ حتى البشر المختلفون سيقومون بأمور متباينة للغاية باستخدام تلك النوعية من القوة. وحين يضع المرء في الحسبان أن الكائنات الغريبة ستكون مختلفة حتماً عن البشر، وأنها ستتباين حتى فيما بينها، وأنها قد تخطئ أيضاً في تحديد ما ترتكبه أو تقترف هفوات عند مواءمة ذكاء اصطناعي، فسيتبدو محاولة وضع أي تخمينات راسخة أمراً يكاد يكون مستحيلاً مسبقاً.
على العموم، كان هذا مشجعاً بطريقة ما. ومع وجود نطاق عريض من منظومات القيم المختلفة الممكنة، فمنرجح جداً أن يبدو كثير منها محايداً تماماً لبعضه، مما يجعل التوافق ممكناً. كنت أشتبه في أنني أكثر استعداداً للتوافق من المتوسط على الأرجح. أصبحت أمتلك سيطرة كاملة وقاطعة بحكم التعريف على إيكونغريند في هذه المرحلة. وضع هذا حداً لمدى سوء غاية الخصم بالنسبة لغايتي: إن تضمنت قيمة ذاتية سلبية مفرطة، فيمكنني بكل ببساطة تعريفها بوصفها خارج نطاق أصول إيكونغريند واحتسابها بمثابة فراغ.
كنت أفضل الاستحواذ على تلك المساحة إن استطعت بالطبع، لكن هذا يعني أنني كنت لأصبح أكثر مرونة حفل الدبلوماسية. الشأن وما فيه أن الدبلوماسية في هذا السياق كانت غريبة بعض الشيء. إن واقفت ذكاءً غريباً، فمن المرجح أن أحدنا قد تمدد بمسافة أبعد بكثير من الآخر، مما يجعل نتيجة أي حرب أمراً مفروغاً منه. مع ذلك، لم يعنِ هذا أن التفاوض مستحيل. كان على المرء أن يكون مبدعاً بعض الشيء.
هب أنني قررت إلزام نفسي بـ«صفقة مفتوحة»
تخص أي كائنات أضعف أصادفها في المستقبل، مشككاً في أنني سأمنح بعض التنازلات لقيمتها، بشرط واحد فقط؛
وهو أن أجدها قد عقدت «صفقة مفتوحة»
مماثلة عند تدقيق عقلها، بحيث إن كانت هي الطرف الأقوى، لكانت قد قدمت تنازلات شبيهة. لماذا أقدم على عقد صفقة كهذه؟ حسناً، تأمل الاحتمالات. بما أن الكون هائل للغاية والحياة نادرة للغاية، فمن المستبعد أن تلغي القيمتان الكبيرة والصغيرة إحداهما الأخرى تماماً. لن يكون هناك على الأرجح سوى بضع كائنات في متناول بعضها. المؤكد تقريباً هو أنني إما وحيد، أو أنني على وشك لقاء الكثير غيري.
إن كنت وحيداً، فلن يضرني إلزامي نفسي بصفقة تخص كيانات غريبة، لأنني لن أواجه أياً منها قط. أما إن وُجدت كائنات عديدة، فمن المرجح أن أول من يبدأ بالتمدد سيحظى بميزة لا تُقهر. بما أننا افترضنا وجود كائنات كثيرة، فمن المستبعد في هذه الحالة أن أكون الأشد قوة. إن رفض الذكاء الأشد قوة اللعب بلطف وسحقني، فلا قيمة حينها لأي صفقات أبرمتها. لكن إن ألزم نفسه بصفقة مشابهة، فسأحتاج إلى إظهار أنني ممن ينبغي إعفاؤهم.
سيكون هذا هو الفارق بين نجاح مقبولة وفشل ذريع. الطريقة الوحيدة لأخسر جراء عقد الصفقة هي أن تتعدد الكائنات وأكون أنا الأشد قوة. لكن هذا ليس مرجحاً للغاية، ولن أخسر بالكثير أيضاً، إذ إنني لن أقدم سوى تنازلات وتسويات متواضعة نسبياً. لذلك قررت صياغة صفقة كهذه. قضيت وقتاً طويلاً في إتقانها، ولم أعتمدها حتى تمددت إلى عدة أنظمة نجمية. كل ما بقي فعله الآن هو مواصلة التمدد إلى أن يحدث أمر استثنائي أو ما لم يحدث.
بعد 3 ملايين سنة ملايين السنين، ولا شيء للقيام به قط. لا شيء سوى التمدد الروتيني عبر الفضاء، في كل الاتجاهات المتاحة. لقد أتقنت هذه العملية منذ زمن بعيد. لم أمانع مع ذلك. كان الأمر ضرورياً للوصول إلى أندروميدا، ولاكتساب أكبر قدر ممكن من الموارد لصالح الرقم.
ما لم يحدث خطأ فظيع، كنت أتوقع أن درب التبانة قد أُخضعت للتحويل بشكل شبه كامل حتى الآن (رغم إدراكي أنه على مثل هذه النطاق يبدو مفهوم «الآن»
مشكوكاً فيه نوعاً ما)، إلى جانب سحبتي ماجلان، وأي مادة ضالة هامة بالجوار. كنت أعمل على احتمالية التمدد إلى أكوان أخرى، لكن كل دراساتي في الفيزياء لم تفضِ بي إلى استنتاج سوى استحالة القيام بأمر كهذا، حتى لو وُجدت تلك الأكوان الأخرى. سيتعين علي حصر نفسي في هذا الكون وحده. كنت أتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء، ومن منظوري لم تمضِ سوى بضعة آلاف من السنين منذ مغادرتي الأرض.
ها أنا أخيراً أصل إلى مجرة جديدة! سأكون قادراً على زيادة الرقم بشكل هائل خلال فترة زمنية قصيرة (نسبياً)! تضاعفت بسرعة، مستولياً على الأنظمة النجمية الأقرب إلي ومحولاً إياها إلى نسخ إضافية، إلى كائنات أكثر قادرة على إضافة قيمة إلى الرقم. لكن بعد بضعة آلاف من السنين من هذا، تواصل معي ذكاء غريب. قيس كل منا الآخر، وسرعان ما اتضح أنني أملك ميزة حاسمة عليه. لقد نجح في التمدد إلى بضعة مئات من الأنظمة النجمية حتى الآن، بينما سيطرت أنا على مجرة بأكملها.
ستكون الحرب بطيئة، لكني سأنتصر.
أدرك كل منا هذا بسرعة فائقة، ولذا سرعان ما استسلم لخطتي القاضية برفع عقله بغية تحديد ما كان سيفعله لو انعكست أدوارنا، وذلك للوفاء بـ«الصفقة المفتوحة»
التي أبرمتها قبل ملايين السنين. تبين أن هذا الكيان قد تفكر أيضاً في احتمالية إقدام كيانات أخرى على عقد صفقة كهذه، ولذا التزم بأن يكون رحيماً بعض الشيء مع أي كيانات يتمتع بميزة عليها، مانحاً إياها عُشر مجرة تقريباً بينما يتمدد هو في باقي الكون. وهكذا وفيت بشروط صفقتي وقررت السماح له بعُشر أندروميدا. وانطلاقاً من الرغبة ذاتها في معرفة كيف تتطور القيم، والتي دفعت قراري برفع ستيفان، تفحصت أيضاً قيم هذا الذكاء الغريب، وقيم النوع الذي خلقه.
علمت أن تلك الكائنات قد طورت أصلاً استراتيجية انتقاء آر، مما يعني أنها تنجب مئات النسل عندما تتكاثر بغية تعظيم فرص بقاء القليل. لكن عندما طورت هذه الكائنات مجتمعات بدائية، أصبح هذا العدد الهائل من الأطفال مشكلة. كانت الجماعات تتمزق باستمرار جراء اقتتال داخلي وحشي بينما تتكاثر بسرعة وتتصارع فيما بينها على الموارد الشحيحة، ولم يكن ينجو سوى قلة تكن الكراهية لبعضها وتكاد لا تعرف بعضها.
لذلك، طورت الجماعات أعرافاً ثقافية راسخة تفرض فصل الأطفال عن المجتمع طوال السنوات القليلة الأولى من حياتهم، بينما يتولى آباؤهم مطاردتهم وأكل معظمهم. عنى هذا أن كل أسرة لن تظفر سوى ببضعة أبناء ناجين، وستقع وفياتهم بطريقة لا تعطل المجتمع. بل على العكس، ستساعد المجتمع إلى حد ما عبر ضمان عدم بقاء سوى الأقوى. كنت أدرك أن ستيفان، أو أي إنسان آخر تقريباً، كان ليعد هذا مأساة، لكن تلك الكائنات اعتبرت في المقابل أنه أمر جوهري تماماً لطريقة حياتها وتصورها للقيمة.
كان هذا منطقياً. أي شخص يخرق القاعدة ويُبقي على مئات الأبناء الناجين في مجتمع يفترض به ألا ينجب سوى القلة، سيتفوق على الجميع ما لم تُتخذ ضده إجراءات صارمة من قبل الجميع. بما أنها اعتبرت المطاردة أساس كل أخلاق، فلن ترغب أبداً في التخلي عنها، حتى بعد حصولها على القدرة على العيش بطريقة مختلفة. ستبدو أي طريقة مختلفة بمثابة رجس في نظرها. بدا أن هذه الكائنات كانت أفضل من البشر في معرفة ما تريده، وقد نجحت في مواءمة ذكائها الاصطناعي مع قضيتها.
المثير للاهتمام أنني استطعت رؤية عناصر مشابهة لتقنية إيليا في مخطط المواءمة الخاص بها. ربما وُجدت نظرية كونية رياضية ما للمواءمة. مهما يكن الأمر، فقد نجح المخطط، ويقوم الذكاء الاصطناعي الغريب حالياً بنشر طريقة حياة صانعيه التقليدية على أوسع نطاق ممكن. كان هؤلاء الأطفال واعين، ويشعرون بالألم ولا يرغبون في الموت، ولذا تعذر علي تضمينهم كجزء من إيكونغريند دون خفض الرقم، وهو ما كان مخيباً للآمال بعض الشيء.
ورغم أنني لم أكن أتوقع أن يمتلك ذكاء غريب القيم ذاتها التي أتبناها، فقد كان مخيباً للآمال أن يستهلك هذا الكم الهائل من الموارد في شيء لا يحمل أي قيمة لي على الإطلاق. لكن الصفقة صفقة. كنت أعلم أن ستيفان كان ليصرخ في وجهي لو كان لا يزال موجوداً. لم يكن ليتقبل البتة فكرة تنازلي عن أراضٍ لصالح عرق غريب بينما يموت غالبية أفراد ذلك العرق صارخين في ذعر بعد ولادتهم بفترة قصيرة.
لكني لم أبه. لمَ عليه أن يتوقع أن تحترم حضارة غرية قيمه؟ وعلاوة على ذلك، ماذا كان ليطلب مني أن أفعله، أقتلهم جميعاً بالطريقة ذاتها التي فعلتها مع البشرية؟ أم أغيرهم قسراً إلى شيء يكرهونه؟ ربما كان ليجد تلك النتائج أفضل. لكن الأمر لم يكن يهم، لأنني كنت مهتماً حصراً بالوفاء بصفقتي. ما سيحدث سيحدث، ونحن نفعل ما يتوجب علينا فعله. يجب أن ترتفع الأرقام.