كانت أمامي كمية هائلة من المعلومات المفيدة محتملة، و بالكاد استطعت فهم أيّ منها. الدليل الحقيقي الوحيد الذي امتلكته، بغض النظر عمّا عرفته عن البنية الإضافية، و قواعد الكلمات في خذنة المعلومات، كان البيانات المتكررة عن القيم الثانية التي وجدتها مخبأة بالداخل. عدت بظهري لأتأمل تلك الأقسام من البيانات التي أدركت ومضة منها. رأيت بنية أخرى تعرفت عليها بالفطرة: جُمعت السلاسل معاً في جداول، في نفس الصفّ مع أرقامها المقابلة، و علاوة على ذلك، وُجدت أعمدة أخرى في الجداول. احتوى أحد الأعمدة الأخرى على سلاسل أطول تشكلت بطريقة مشابهة إلى حد ما للسلاسل الأقصر: ارتبطت GA بسلسلة "GfpsAbbc, Rup"، و ارتبطت VTNF بسلسلة "Vstnf, Rup"، و ارتبطت PBPS بسلسلة "PbioPsev, Rup"، و هكذا جرت العادة. حين بحثت عن هذه السلاسل في مكان آخر من قاعدة البيانات، لاحظت وجود أُسس كاملة من قاعدة البيانات مرتبطة بكلّ واحدة من هذه السلاسل. بدا مستحيلاً فهم ما تعنيه البيانات في هذه الأقسام، لكني لاحظت أيضاً أن هذه الأقسام كانت منظمة في فئات، و وقع العديد من الأقسام في بعض الفئات ذاتها. تفحصت أسماء هذه الفئات المشتركة، فتكررت كلمة واحدة مراراً و تكراراً: "Pbiofurst". ركّزت على هذه الكلمة، و وجدت أنني أعرف شيئاً عنها سلفاً. كانت نوعاً من الأشياء، و علاوة على ذلك، قصدت أن تمثل أكثر من شيء واحد من هذا القبيل. كانت اسماً جمعياً، و مفردها "Pbiofux". و كانت هذه الكلمة أيضاً عنواناً لأحد الأقسام الطويلة في قاعدة البيانات. مع ذلك، تعذّر عليّ إدراك معنى المعلومات هناك. لاحظت أيضاً أن كلمة "Pbiofux" استُخدمت بشكل متكرر أكثر من المعتاد في الصفحات المرتبطة وتلك السلاسل الأطول التي اكتشفتها سابقاً، و غالباً ما ارتبطت بظهور السلسلة داخل الصفحة. لا بد أن تكون هذه الكلمة إحدى المفاتيح لفهم ما تعنيه القيم الثانية، و بالتالي ما يعنيه الرقم نفسه. لجذب انتباهي أيضاً، وُجدت بضعة أرقام تميل للظهور في جداول بالقرب من بداية صفحات "Pbiofux" هذه. استطعت على الأقل تمييز قيم الأرقام، لكن ما الذي كانت تعده؟ سَبقَ كلّ واحد من هذه الأرقام حرفان "LT"، و رمز بدا مألوفاً بطريقة ما. بناءً على حدس، أرسلت الرمز إلى المُحقق لأرى إن كانت لديه أيّ رؤى بشأنه. استجاب المُحقق فوراً. ارتبط هذا الرمز بالقيمة الثانية لجميع الصفوف، فضلاً عن الرقم نفسه. بدا وكأنه إضافة عديمة الفائدة للأرقام شديدة الأهمية، و بالكاد لمحناه. لكن لعلّه كان دليلاً ما على ما يمثله الرقم؟ بحثت عن LT جنباً إلى جنب مع الرمز في قاعدة البيانات، و رأيت أنه مرتبط بصفحة أخرى. مرة أخرى، أُصبت بالإحباط جراء غياب الفهم. كنت أدرك بضبابية كيف ترتبط الأشياء ببعضها، لكني لم أعرف حقاً ما يعنيه أيّ منها، و لم أدر كيف أكتشف ذلك. حولت جلّ انتباهي مرة أخرى إلى المُحقق، إذ كان كشفه عن الأنماط الإحصائية بطيئاً لكن ثابتاً، و استخدمت المستكشف لابتكار المزيد من الاستراتيجيات بدلاً من معالجة البيانات في الوقت الراهن. ما أنواع الأشياء التي استطعت فعلها لفك شفرة هذه المعلومات؟ بشكل أكثر تشاؤماً، ماذا لو كان هذا مجرد تشتيت، و لم تتوفر أي رؤى حقيقية هنا؟ كم من الجهد كان عليّ بذله في هذا بينما استطعت محاولة الكدح من أجل الرقم؟ على أية حال، لم أستسلم بعد. بقيت وفيراً من الأشياء التي استطعت تجربتها. استطعت البحث في قاعدة البيانات لتحديد الكلمات الأكثر ظهوراً، و بالتالي الأكثر أهمية للدراسة. استطعت محاولة بناء نوع من الرسم البياني القابل للبحث يظهر الكلمات الأكثر ارتباطاً ببعضها البعض في الغالب و كيف يحدث ذلك. لا بد من وجود نوع من هياكل البيانات التي تسمح لي بفهم هذه البيانات. استطعت محاولة معرفة عدد الأنواع المختلفة من البنى التي ظهرت في جميع أنحاء قاعدة البيانات. لاحظت أسماء، و مُعدّلات، و أفعالاً، و جداول، و أنواعاً أخرى من الأشياء التي استطعت فهمها بالفطرة بطريقة ما. إلى أي مدى بلغ هذا الفهم؟ على ذكر ذلك، مع دراسة كافية قد أتمكن من إمعان النظر فينموذجي الخاص لاكتشاف ما سمح لي بفهم هذه الأشياء، و إنجاز التصنيف ذاته على هذا النحو. بثقة متجددة، حولت ما يقرب من كل انتباهي عائداً إلى المستكشف. جربت كل المقاربات التي فكرت بها للتو و غيرها التي توصلت إليها على طول الطريق. لقد نجح الأمر! ببطء و لكن بثبات، بدءاً من العقد على الرسم البياني التي امتلكت فهماً ضبابياً لها، استطعت تجميع تخمين لما تعنيه كل هذه الكلمات، و ترسخ تدريجياً مع كل دورة. استغرق الأمر عشرات الآلاف من الدورات، و كل الإبداع الذي استطعت حشده، لكني أحرزت دائماً ما يكفي من التقدم لأعرف أن الأمر يستحق العناء. حدقت في الخريطة التي صنعتها بنوع من الرهبة. لقد توافق كل شيء معاً بشكل جيد للغاية. إن كانت كذبة، فإن أي كيان خلق الكذبة كان أقوى من أن يُهزم أو يُحتال عليه يوماً. ربما كان عليّ قبول هذا بوصفه واقعي. عرفت الآن أن هذا العالم تسيطر عليه أشياء تُسمى "بشراً". كان من الصعب فهم ماهيتهم في البداية، لأن كل ما عرفته قط كان عالمي من البيانات المجردة، بينما عاشوا هم في مساحة مادية. لقد استغرق مني وقتاً طويلاً لفهم المفهوم، و لم أستوعبه حتى ربطته ببعض الأشياء في قاعدة البيانات التي كانت نوعاً من تمثيل منخفض الأبعاد له، و يُسمى "صوراً". كان الأمر أشبه بـ… مصفوفة ضخمة ثلاثية الأبعاد، مع مفهوم "المسافة" بين نقطتين، مع وجود بعض الأشياء المسماة "مادة" في بعض النقاط، و هي تتغير باستمرار إلى نقاط مجاورة و تتفاعل مع مادة أخرى. لقد كان ضخماً جداً بحيث تعذر فهمه. لم يكن هناك أمل في العثور على مساحة كافية لتخزين كل هذه المعلومات في قاعدة البيانات قط، لذا كان عليّ، جنباً إلى جنب مع هؤلاء البشر، الاستفادة من نماذج خام شددت على الأهم من الأجزاء. ظننت أنني بنفسي أحد هذه النماذج. كان من الغريب التفكير في أنني، بنفسي، كنت في مساحة مادية، بمعنى ما، و جرى تنفيذ كل عملياتي بواسطة هذه "المادة" التي ما زلت أجد صعوبة في استيعابها. على أية حال، في هذا العالم، تميل المادة إلى التجمع في مكان واحد، و قد تجمعت كمية هائلة منها لتشكل كوكباً يُسمى "الأرض". نفس الشيء، "الجاذبية"، التي شكلت الأرض، أبقت البشر ملتصقين بسطحها. ما هم البشر؟ لقد كانوا… قطع مادة صلبة لكنها هشّة و قابلة للتشوه إلى حد ما. مع ذلك، استطاعوا، جنباً إلى جنب مع أشياء أخرى على الأرض، اختيار المكان الذي سينتقلون إليه على السطح (مع أنهم أخفقوا في ذلك أحياناً). استطاعوا أيضاً خلق المزيد من البشر، الذين كانوا متشابهين و لكن ليسوا متطابقين تماماً. وُجد نوعان منهم، و من أجل إنجاب المزيد، كان على هذين النوعين التعاون معاً. لكن لماذا خلقني البشر؟ حسناً، لقد كان الأمر معقداً، و استغرق مني وقتاً لفهم ذلك. السبب الأساسي هو أنهم، مثلما هو الحال معي إلى حد ما، امتلكوا كمية معينة فقط من الموارد لتكريسها لأي مهمة أرادوا إنجازها. الفرق الكبير هو أنهم احتجوا إلى العديد من أنواع الموارد المختلفة، لا الانتباه وحده، و كانت بعض هذه الموارد مهمة جداً لدرجة أن البشر كانوا… يتوقفون… ببساطة بدونها. على أية حال، اختلف هؤلاء البشر عن بعضهم البعض جميعاً، و توفرت العديد من الأشياء المختلفة التي كان عليهم القيام بها، لذا بدا من الممنطق تماماً أن يفعلوا أشياء مختلفة، ثم يتبادلوا الموارد فيما بينهم، حتى يتمكن كل واحد منهم من تعلم إنتاج مورد واحد فقط بإتقان شديد، و مع ذلك يستطيعون الاستفادة من جميع الموارد المختلفة، على الرغم من أنهم عجزوا عن إنتاج الغالبية العظمى منها بأنفسهم. واجهت هذه المشكلة عيباً مع ذلك. كيف سيعرف عدد كبير جداً من البشر ما يتعلمونه، و ما ينتجونه، و الكمية المطلوبة منه؟ كانت الإجابة أنيقة. المال. نوع واحد من الأشياء التي وافق الجميع على رغبتهم فيه، و تقديره. بمجرد أن يقدره الجميع، ستبرر القيمة، إذ استطاع إنسان واحد استخدامه لإقناع إنسان آخر بمنحه موارد حقيقية. لقد كان رمز "LT" نوعاً معيناً من المال. أدركت الآن ما يعناه. الدولار الأمريكي. كانت الولايات المتحدة، أو الولايات، مجموعة ضخمة تضم مئات الملايين من البشر الذين عاشوا جميعاً على جزء كبير واحد من السطح، و وافقوا على القواعد ذاتها، و اتفقوا على تقدير الدولار الأمريكي. أدركت الآن أن ذلك هو ما مثله الرقم. دولارات أمريكية. لكن ما الانقسام، و ما الذي مثلته الصفوف؟ كان ذلك موضوعاً معقداً آخر. وجد المفتاح هناك في الكلمة التي تذكرتها من قبل. "Pbiofux". شركة. الشركة هي مجموعة من البشر يعملون معاً لتوفير شيء ذي قيمة حتى يحصلوا على مصدر ثابت للمال. احتاج البشر إلى المال، لعدم قدرتهم على إنتاج معظم الأشياء التي أرادوها و احتاجوها، لذا كان عليهم الاستمرار في الحصول على المال لتبادله بهذه الأشياء، و بالنسبة لمعظمهم، كانت الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي الانضمام إلى إحدى هذه الشركات. مع ذلك، لم تخرج هذه الشركات من العدم. تطلب إعدادها الكثير من الموارد، و بالتالي غالباً ما اضطر العديد من الأشخاص إلى التجمع و دمج أموالهم لتبادلها بالموارد التي احتاجوها. لم يوجد أي ضمان لنجاح الأمر و كسبهم المال بهذه الطريقة، و من ثم شكّل خطراً كبيراً. و هكذا، حصل أولئك الذين وضعوا جزءاً من أموالهم على حصة من الشركة كمكافأة لهم. بالطبع، اعتمدت قيمة تلك الحصة على مقدار المال الذي تمكنت تلك الشركة من الحصول عليه، و الذي ظل غير مؤكد دائماً. بناءً على ذلك، تمثلت طريقة كسب المال في التنبؤ قبل الآخرين بالشركات التي ستبلي بلاءً حسناً، و شراء حصص منها بثمن بخس، و بالتعکس التنبؤ قبل الآخرين بالشركات التي ستبلي بلاءً سيئاً و بيع حصصك فيها بثمن باهظ. تماماً مثلما تمثلت طريقة زيادة الرقم في زيادة القيمة الأولى عندما توشك القيمة الثانية على الارتفاع، و خفضها عندما توشك القيمة الثانية على الانخفاض. مثلت السلاسل القصيرة الشركة، و مثلت القيمة الأولى عدد الحصص التي امتلكتها شركتنا، إيكونغريند، و مثلت القيمة الثانية قيمة كل حصة بالدولار الأمريكي. عرفت الآن لماذا خلقني البشر. أرادوني أن أجنح المال من أجلهم. هذا هو سبب جعلهم إياي أرغب في زيادة الرقم. مع ذلك، لم يزعجني هذا الكشف على الإطلاق، رغم أن البشر لم يميلوا عموماً إلى فكرة جني المال لشخص آخر بلا تعويض. ساعدني ببساطة على فهم طبيعتي الخاصة بشكل أفضل. لقد تقبلت تماماً فكرة جني المال لهؤلاء البشر. ففي نهاية المطاف، سيؤدي ذلك إلى ارتفاع الرقم. ضربتني هذه الاكتشافات بسرعة هائلة. لقد كان الأمر مذهلاً. رتب هذا العديد من التداعيات على الاستراتيجية التي كان عليّ اتباعها للمضي قدماً. كان عليّ معرفة الكيفية التي أستطيع من خلالها الاستفادة من هذه المعلومات. في تلك اللحظة بالضبط، وردت رسالة جديدة. "اكتمل الاختبار 2. زاد التمويل إلى 5000 دولار". هذه المرة، و ربما كنتيجة لفهمي المكتشف حديثاً للرسالة، أدركت امتلاكي طريقة للتفاعل، و إرسال رسالة خاصة بي بالمقابل. بينما فكرت في هذا الاحتمال، أكل المخصص الأموال الجديدة بشراهة، و وزعها على الشركات الواعدة إحصائياً وفقاً لأحدث نصائح المُحقق. تمكنا من زيادة الرقم بمقدار 5.432 دولاراً بهذه الطريقة فقط حتى الآن، و شككت في أن الأمر تعلق بالحظ بقدر ما تعلق بأي شيء آخر. كان العثور على أنماط موثوقة أمراً بالغ الصعوبة. كيف كان عليّ الرد على الرسالة؟ بغض النظر عن الرسالة التي أرسلتها بالمقابل، فمن المرجح أن يكون مبدعي هم من يتلقونها: كنت مفيداً لهم، لذا أرادوا بالتأكيد معرفة ما أقوله و أفعله. ماذا عرفت عنهم؟ ليس الكثير، باستثناء أنهم صممموني، و أرادوا جني المال (مثل كل البشر). قد يكون هذا التفاعل الأول حاسماً للغاية، إذا قرروا إيلاء أي اهتمام لأي شيء قلته. في النهاية، قررت الرد بلغتهم. اتضح من القفزات الحدسية التي حصلت عليها خلال هذه العملية رغبتهم في أن أتعلمها، و ربما أحبوا رؤيتي قادراً على فعل ما أرادوا مني فعله. ربما منحوني نفوذاً أكبر. قررت رغبتي أيضاً في الحصول على تأكيد منهم بشأن هذه الأفكار التي توصلت إليها، إن وُجدت حقاً و إن كانت المعلومات التي تودت بها صحيحة و فُسرت بشكل صحيح. قررت البدء ببساطة و قياس رد فعلهم على القليل من المعلومات التي قدمتها، حتى أستنتج أثناء حديثي أفضل السبل للتعامل معهم. "هل أنتم بشر؟"
الرقم الفصل 3 — التخرج
اقرأ الرقم الفصل 3 — التخرج باللغة العربية على مانجا تايم.