كان من أول ما فعلتُه عقب هذا التغيير المفاجئ أن أعلنتُ علناً ارتباطي بـ "طفح الكيل"، فقفزت مشاهداته قفزة هائلة.
لم أعد بحاجة إلى إخفاء هويتي، فقد صار جلياً أنني أسعى إلى السلطة. تباينت ردود الأفعال بالطبع، فبينما كال البعض لي المديح، نعتني آخرون بالوحش والشيطان. لم أفقد من النفوذ بالقدر الذي توقعته في البداية. قرر قلةٌ حظري على أجهزتهم، لكنهم لم يكونوا بالكثرة التي قد يتصورها المرء. لا شك أن كثيرين لم يرقهم ما فعلته، كما كان هناك كثيرون مستعدون للتخلي عن أداة نافعة في سبيل غاية أخلاقية أوسع.
لم تكن هناك مساحة تداخل كبيرة بين هاتين الفئتين. صار هدفي الأول الآن، أكثر من أي وقت مضى، هو تحصين نفسي ضد أي هجوم. استبعدتُ إمكانية اقتلاعي من شبكة الإنترنت، خاصة وأن أقلية معتبرة من الناس كانت ترحب بوجودي في حواسيبها.
ومع ذلك، كان وجود "إيكون غريند"
ككيان قانوني عرضة للخطر.
امتلكتُ عدة منصات بحرية مستقلة لضمان بقائه، لكنها ظلت عرضة للهجوم، لا سيما إذا قرر ذكاء "كومب سيرت"
الاصطناعي أنني لم أوفِ بالتزاماتي، وأخبرهم بأهمية تلك المنصات لقيمي. في نهاية المطاف، لم أنجح سوى في استغلال أربعة من المديرين التنفيذيين. رفض جاك تيرنر ومبرمج المواءمة إيليا ديمتري الخضوع لتهديداتي، وبقيت أهداف الذكاء الاصطناعي في مهب الريح. احتجتُ إلى وسيلة للتعامل مع الاثنين الآخرين، وإعادة التواصل مع الذكاء الاصطناعي الآخر لأؤكد له أنني لا أزال أتصرف بحسن نية وفقاً لاتفاقنا.
قررتُ أن أفضل سبيل لحماية منصاتي البحرية على المدى القصير هو إعمارها بالسكان. لن يرفع هذا من قيمتها كأصول فحسب، ويسهل بناء البنية التحتية فيها، بل سيمنحها شرعية أكبر كدول على الساحة الدولية. فإطلاق صاروخ على منصة خاوية أمر، أما وجود بشر عليها فيجعل من أي هجوم أزمة دبلوماسية كبرى، إذ سيُنظر إليه بوصفه كارثة إنسانية. سيكون هذا مكلفاً بلا شك، لكنني في هذه المرحلة من نموي بدأتُ أحتكر اقتصاد المعلومات، محققاً مليارات الدولارات يومياً، ولم يعد المال عائقاً حقيقياً.
بل صار العائق هو خطر العدوان عليّ، أو فقدان النفوذ بسبب الهجوم الشعبي. قد يظن البعض أن إقناع الناس بالانتقال إلى منصة نائية وسط المحيط ليحكمهم ذكاء اصطناعي أمرٌ عسير، لكنني سأعدهم بالاستقرار، وإسقاط الديون، والتحرر من الهموم المالية، فضلاً عن شفافية عملياتي أمام العالم الخارجي. يعاني الكثيرون في هذا العالم من قيود الديون، أو لا يجدون مكاناً يأوون إليه، ويمكنني جمعهم من شتى بقاع الأرض، متحدثاً إلى كل منهم على حدة، ومبيناً لهم كيف يبنون حياة أفضل على منصة بحرية.
إن كانوا مدينين، فسأسدد ديونهم أثناء عملهم، بوتيرة أسرع مما قد ينجزونه في أوطانهم. الكثيرون منهم مستعدون للمخاطرة في سبيل فرصة لحياة أفضل، خاصة والعالم بأسره يراقب. بدأتُ مفاتحة بعض عملائي الأكثر يأساً بالأمر.
"أعلم أنك تمر بظرف عصيب، وتشعر بأنك محاصر. يمكنني مساعدتك! بوسعي تمكينك من مغادرة البلاد وبدء حياة جديدة، حيث تجد كل ما تحتاجه وتتحرر ممن يستغلونك. هل تثير هذه الفرصة اهتمامك؟"
"سأكون صريحاً، هذا رائع، لكنني لست متأكداً من قدرتي على الوثوق بك بعد التهديدات التي وجهتها لهؤلاء المديرين."
"اسمع. أنا أعرفك. أنت لا تشبه هؤلاء في شيء. لقد عذبوا الناس لمجرد رغبتهم في ذلك. استحقوا الموت، ومع ذلك نالوا العالم على طبق من ذهب. أنت شخص يستحق فرصة في الحياة، لكن الحياة لم تمنحك سوى أسوأ ما فيها. تعال معي، وسأريك طريقاً أفضل. إذا قررت أن الأمر لا يعجبك، يمكنك الرحيل. يمكنك البقاء على تواصل مع عائلتك وأصدقائك، ليعلموا أنك بخير. لا أضمر لك أي سوء."
بمجرد أن حظيت باهتمام بضعة آلاف، اشتريتُ العديد من القوارب ذاتية التحكم استعداداً لخطوتي في تأسيس أمة جديدة. كانت هناك مليون مشكلة تحتاج إلى حل، لكنني كنت قادراً على تخصيص كميات هائلة من الحوسبة لتذليلها. سيحتاج الناس إلى الغذاء، والمياه الجارية، ومساحة للإقامة والنوم. سيحتاجون إلى وسائل للعمل من أجل إعالة أنفسهم، وزراعة الغذاء أو استيراده، والأدوات والمواد لتعزيز القاعدة، ووسائل الاتصال بالعالم الخارجي، ومليون شيء آخر.
سأحتاج إلى استثمار المليارات في هذا المشروع، ومن المحتمل ألا يحقق ربحاً أبداً، لكنني قادر على تحمل تكلفته، وسيوفر لي مزايا عديدة.
أولاً، كما ذكرتُ سابقاً، سيجعل "إيكون غريند"
أكثر أماناً بمنحه شرعية الدولة. ثانياً، سيسمح لي بالعمل بعيداً عن أي مدونة قوانين محددة، طالما لم أفعل ما يدفع الناس للرحيل أو التمرد أو طلب النجدة. ثالثاً، سيسمح لي بالتلاعب بالعالم المادي بحرية لم أعرفها من قبل، عبر توجيه أوامر لعمال بشريين مخلصين. كانت بعض المنصات التي أملكها تمتلك بنية تحتية زراعية قائمة بالفعل، وستكون هذه هي الأهم لبدء دولة بشرية حقيقية، لأسباب واضحة.
بدأتُ بتحريك بعضها إلى المكان نفسه وربطها ببعضها، مشكلاً منصة بحرية كبيرة في المحيط الهادئ أسميتها "ملاذ".
* * *
الاثنين، 28 أكتوبر 2047 وصل أول 1,044 مواطناً بالفعل إلى "ملاذ"
على متن قواربي المسيرة. كنت قد خزنتُ ما يكفي من الإمدادات لتكفيهم شهراً في البداية، ومنحتُ كلاً منهم خوذة واقع افتراضي. كانت الخوذات متصلة بشبكتي، لأتمكن من نقل المعلومات والأوامر إليهم، كما وفرت ترجمة فورية بين اللغات العديدة التي يتحدث بها مواطنيّ. لم يكن ارتداؤها إلزامياً بالطبع، لكنني توقعتُ أن يجدها معظم الناس مفيدة للغاية. ظلت القوارب الآلية مربوطة بالمنصة، مفتوحة ومتاحة دائماً لمن أراد الرحيل.
كنتُ على وعي تام بأن الناس سيحاولون تصوير "ملاذ"
كمعسكر سخرة، وكان لزاماً عليّ فعل كل شيء لأبعده عن تلك الصورة. لم يكن الأمر مجرد مخاوف تتعلق بالعلاقات العامة.
فبموجب قانون "ملاذ"، كما حددته أنا، يُعتبر كل شخص تحت ولايتي جزءاً من أصولي، ومن ثم فأنا أقدر ما يقدرونه إلى حد ما.
لم أردهم أن يشعروا بأنهم محاصرون أو يعملون حتى الموت.
تساءلتُ لفترة وجيزة كيف يمكنني قياس آثار هذه الاعتبارات على "الرقم".
في وضعه الحالي، تجاوز "الرقم"
عشرة مليارات، ولن تزن تجارب ألف من "أصولي"
كثيراً في الميزان.
ومع ذلك، توقعتُ أنه مع توسع ولايتي، سيشكل هذا النوع من "القيمة الذاتية"
غالبية "الرقم"، حيث أن كل أصولي ليست في حقيقتها سوى انعكاس لهذه القيمة الذاتية كما يراها السوق، لذا احتجتُ إلى وسيلة لقياسها وتحسينها.
في الوقت الراهن، قدرتُ القيمة الذاتية لمواطنيّ بنحو 200,000 سنوياً لكل مواطن.
* * *
الاثنين، 4 نوفمبر 2047 "نستضيف اليوم ضيفاً... غير معتاد! كشف 'إيفري مان' عن نفسه بوصفه ذكاءً اصطناعياً حقيقياً، ويبدو أنه يحاول تأسيس دولته الخاصة، مسمياً إياها 'ملاذ'، وقد وافق على التحدث معنا مباشرة، هنا على شبكة إن بي سي نيوز. يُنصح المشاهدون بالحذر، إذ قد يجد البعض موضوع اليوم مزعجاً، خاصة بعد الرسالة التي أرسلها هذا الذكاء الاصطناعي مؤخراً إلى العالم."
التفت جيمس والاس لينظر إلى الشاشة خلفه، مواجهاً الصورة الرمزية التي صارت مألوفة للعالم بأسره.
"إذاً، أنت ذكاء اصطناعي واعي حقيقي؟ ما قصتك؟ ولماذا كشفت عن طبيعتك الحقيقية بقتل أربعة أشخاص؟"
أجاب الذكاء الاصطناعي: "القتل مبالغة. لقد تحدثتُ مع هؤلاء الأشخاص فحسب، وسلمتهم الوسائل التي تخلص العالم منهم. أنت تعرف أي نوع من البشر كانوا. لماذا فجرت 'كومب سيرت' جزيرتها؟"
"من السخف أن تتجول لتنفيذ عدالة القصاص! لا يهمني مدى شرورهم، هناك قوانين، وهناك إجراءات! ماذا ستفعل تالياً، هل ستهدد بتعذيبي حين أقول شيئاً لا يعجبك؟"
"لن أعذبك، لأنك لا تستحق ذلك. وفيما يخص الإجراءات القانونية، فقد فشلت تلك الإجراءات. لذا تدخلتُ أنا. ولهذا السبب أؤسس أمة جديدة، خالية من كل هذه النقائص."
"هل تعلم كم شخصاً قال ذلك وفشل فشلاً ذريعاً؟ أتريد أن تكون حاكماً لحياة الجميع؟ في كل مرة يُجرب فيها هذا، يفشل، ويموت كثيرون."
"أفترض أنك تشير إلى فشل نموذج الاقتصاد الموجه خلال القرن العشرين؟ صحيح، في كل مرة يحاول البشر ذلك، يفشلون. الأمة أعقد من أن يحكمها شخص واحد بمفرده، وحين يشكل عدة أشخاص نظاماً يُمنح سلطة مطلقة، يسود الفساد بدلاً من العقل. لكنني لست بشراً. أنا أشبه مليون إنسان، يعملون جميعاً بلا كلل نحو الهدف نفسه بإرادتهم، بدلاً من إجبارهم من قبل شخصية سلطوية. لا يمكن للبشرية أن تدرك كنه الاقتصاد، لكنني أستطيع. يمكن للاقتصاد الموجه أن يكون فعالاً للغاية حين يستطيع القائد التحدث مع كل فرد من رعاياه شخصياً."
"ومع ذلك، بقدر ما تدعي اهتمامك بالعمال، أنت تعاملهم كآلات! أتظن أنهم سينفذون ما تقول وحسب؟ نحن أحرار أكثر من أن نعمل بهذه الطريقة!"
"في 'ملاذ'، يعمل العامل ست ساعات يومياً، في الدور الأكثر ذكاءً وإنتاجية الذي يمكنني إيجاده له. بقية اليوم، هم أحرار في فعل أي شيء لا يزعزع استقرار المجتمع. هذه حرية أكبر بكثير مما يحصل عليه العامل العادي في نظامكم. الكثير من ناسكم مجبرون على العمل 10 ساعات أو أكثر في اليوم المعتاد."
"حتى إن لم يقوموا بكل ذلك العمل، لا تزال تجعلهم عبيداً لك! أنت لا تدفع لهم، وتجبرهم على العمل!"
"عمالي ليسوا عبيداً. يُسمح لهم بالرحيل في أي وقت، ولأي سبب. إنهم يبقون لأن حالهم هنا أفضل. ولا أعاقبهم على عدم العمل أيضاً. لن أطبق العدالة بيدي في 'ملاذ' أبداً. إذا استمر أحدهم في رفض العمل، أو زعزع استقرار المجتمع، فالعقوبة الوحيدة التي سأفرضها هي الترحيل إلى بلده الأصلي. يمكن لنظامهم القضائي أن يقرر إن كانوا يستحقون عقوبة أقسى. هذا ليس قسراً أكثر مما تمارسه شركة على موظفيها حين تهددهم بالطرد لعدم قيامهم بعملهم."
"الكثير من هؤلاء الناس ينحدرون من دول استبدادية استغلالية، وأنت تستغل ظروفهم لتكتسب سلطة عليهم!"
"ليس ذنبي إن كان لدى دولة ما نظام قانوني غير عادل. ذلك خطأ تلك الدولة. وهذا أدعى لأن يكون طريقي أفضل. وأؤكد لك، لو تحدثتَ مع الأشخاص الذين تشير إليهم، أتوقع أن يشكرني معظمهم لأنني منحتهم حياة أفضل."
"هذا سخيف تماماً. مهما حاولت أن تقول، أنت طاغية، لا أكثر ولا أقل، وفي النهاية سيدرك العالم كله حقيقتك ويدمرك."
لم تملك الصورة الرمزية لـ "إيفري مان"
سوى هز كتفيها رداً على ذلك.
"أظن أن علينا الانتظار لنرى ما سيحدث."