الموضوع: الطائرة المسيرة N436Z984A026 [المعروفة أيضا باسم نازا] النوع: غير معروف وصف النوع: شبيه بالبشر السفينة: السفينة الكبرى للاتحاد الكوني الشامل الموقع: حوض بناء السفن الكبير للاتحاد الكوني الشامل
* * *
طارت الغرسات في ذراعي وفي ساقي وفي عنقي لتوقظني من دورة الشحن. وكالعادة لم أشعر بأي راحة. لم أشعُر بها قط منذ طفولتي. وكاد يغيب عن خاطري طعم الراحة. وتَحركت شاشة حجرة الشحن أمام وجهي لتخبرني بمهام هذه الدورة. لم أكد ألتفت إليها وأنا أشرع في نزع مقبسي. غير أن ما لفت نظري في تلك اللحظة الخاطفة أجبرني على التوقف. ولم تحمل الشاشة أي مهمة صيانة لي هذه المرة. وحلت مهمة واحدة وحيدة محل المهام المتعددة التي اعتدت عليها خلال عشرات الدورات الماضية.
إصلاح مولد جاذبية مضادة. لا صيانة ولا استبدال بل إصلاح. وهو ما يعني تضرر المولد. وانقبض جدار بطني هلعاً. فأعمال الجاذبية المضادة هي أخطر مهام السفينة الكبرى. وخطأ واحد من أي عامل على المولد قد يقذف بك إلى الفراغ بسرعة مذهلة. وهذا أهون الشرور. فهناك طرق كثيرة مبتكرة ومؤلمة يمكن لمولد الجاذبية المضادة أن يقتل بها أي طائرة. وتفاقم الانقباض في جوفي حين أدركت أن مكروهاً قد أصاب هذا المولد.
وعملية التصنيع آلية بالكامل وتمر بعدة فحوص جودة قبل التركيب مما يعني أن ما حدث لم يكن سوى حادث. ولم أستطع منع نفسي من التساؤل عن عدد الطائرات التي لقيت حتفها. ولو أن العقول تركتنا نلتقط أنفاسنا قليلاً لتجنبنا هذه الحوادث. فالمزيد من الطائرات والمناوبات الأقل تتيح لنا مقاربة مهامنا بعقول صافية. لماذا يعجزون عن إدراك ذلك؟ وتسلل شعور لطيف بعض الشيء عبر جذع دماغي. وبدأ تفعيل المثبط الذي أعدت تدويره يتحول إلى عادة صباحية لي.
فجمعت شتات نفسي وأنهيت الانفصال عن حجرتي. ولّح لي جاري فرددت له التحية شارداً. وأكد توقفه القصير إدراكه لموقفي. إنه لأمر طريف فنحن بالكاد نتبادل أكثر من بضع كلمات. ومع ذلك بدا حزيناً لفراقي. ولعنت تحت ببصري وأنا أغادر المهجع. فلن يكون عمل هذه الدورة خالياً من التفكير. وسيتوجب على كل مكلف به أن يكون يقظاً ونشطاً طوال مدة المهمة بالكامل. وربما اضطررنا لاستخدام الشحن المتنقل لإنجازه.
وشردت بذهني وأنا أشق طريقى إلى المكوك وأحشر نفسي في مساحته المكتظة. ولم يكن الاحتكاك المألوف بين اللحم والمعدن مريحاً لي فتحركت لأظفر بنظرة عبر حقل احتجاز الأكسجين. واستقبلتني النجوم المتلألئة فوجدت نفسي أتوق لزيارتها. ليتهم لم يكونوا بعيدين إلى هذا الحد. وتساءلت برهة أينا سيهلك أولاً. وإذا سارت الأمور على ما يرام وأعدنا مولد الجاذبية المضادة للعمل فقد أنجو بضعة آلاف أخرى من السنين.
فهل ستستحوذ الاتحادية الشاملة على تلك النجوم خلال تلك المدة؟ وهل ستُمزق الأنوار المتلألئة لتوفير المواد اللازمة لإتمام السفينة الكبرى قبل أن أهلك؟ أرجو ألا يحدث ذلك. وأعادني إلى الواقع ارتجاجُ التحام المكوك. وانطفأ حقل الاحتجاز بصوت هدير حاد فاندفعت متسللاً خارج زحمة الأجساد. واستقبلني مرسى غير مألوف لم يُخفف من توتري. ما الذي أخشاه؟ الموت؟ فكل دافع للحياة أملكه هو خيالات الحرية وما هي إلا خيالات.
وإن تمرّدت فستطالني قوات الأمن قبل أن أحدث أي فارق. وحتى لو عقدت العزم على الفرار فلن تتمكن المنوك من الابتعاد بالقدر الكافي لكي أنجو. وعلى سبيل الاحتمال الضعيف بأن أعثر على سفينة كاملة مزودة بمحرك سرعة تفوق الضوء لأسرقها فلن أدري أين أمضي بها. فأغلب الكواكب غير صالحة للسعي. زد على ذلك أن علي إعادة التزود بالوقود قبل بلوغ أقرب مجرة. وحدها محطات التزود بالوقود في الفراغ الواسع تنتمي إلى الاتحادية الشاملة.
وحتى لو حققت كل ذلك بمعجزة متجاوزاً حدود المستحيل فسيتحتم علي مواصلة الهرب إلى الأبد. فالعقول تنوي استخدام كل جزيء ممكن لبناء السفينة الكبرى. وما من مكان آمن.
قال بصوت مألوف ضاحك من خلفي: "هيه يا هفكيلنو {فيلسوف، محتقر}، تحرك".
وضحكت مردّاً: "لست شارداً فحسب يا نيزي. لا أدري إلى أين أتجه. نسيت تنزيل بيانات الملاحة".
وانشقت فك سفلى لنيزي عن ابتسامة لكنها حملت قدراً من القلق في عيونه الثلاث.
"أنت على مولد الجاذبية المضادة أيضاً؟"
وأومأت برأسي إجابة.
فقال مشيراً إلي لأتبعه: "حسنًا، أنا في مزاج جيد لذا سأقودك إلى هناك".
وسألته متظاهراً بالدهشة وأنا أتبعه: "مزاج جيد؟ حتى مع مهمة اليوم؟ كيف يكون ذلك؟"
"حسنًا، يمكنني الاستغناء عن عمل اليوم... لكني استعدت موسيقاي!"
"كيف؟"
وتوقف متلعثماً قليلاً: "كان رفقائي يدخرون أجورهم لفترة ليقدموا لي هدية. إنهن... إنهن فتيات طيبات. لا أستحق هن".
ووافقت بضحكة محاولاً ألا أتذكر رفقائي: "حقاً. إذن جلبوا لك مشغلاً موسيقياً معتمداً؟"
"معتمداً للغاية. لا تخبرهن لكني لا أحبه بقدر المشغل الآخر".
وأدخل نيزي يده في جيبه وأخرج الجهاز.
"يتصل تلقائياً بشبيكة ليقاطع الموسيقى بالإعلانات وما شابه. كما أنهم يفرضون رقابة على ما يُعزف عليه فلا يمكنني الاستماع إلى بعض أغانيّ المفضلة بعد الآن".
"هذا مزعج".
"أنت تقلنها. زد على ذلك أن عليك دفع ثمن الأغاني فعلاً. لما مانعت كثيراً لو تقاضى الموسيقيون أجورهم هم أيضاً، لكن الكثيرين ممن أستمع إليهم إما أموات منذ زمن أو طائرات مثلنا".
"صحيح، فكل ما يصنعونه إذن يخص العقول".
"نعم. يبدو أن العقول وحدها هي التي تجني المال في هذه الأيام".
وقبل أن أضيف أن هذا ليس بجديد وصلنا إلى الغرفة التي تضم مولد الجاذبية المضادة. وتوقفنا برهة لنجمع شتات أنفسنا لمواجهة دورة شاقة. أو دورات عديدة إن عاكسنا الحظ.
وتنهد نيزي: "حسنًا، لنشرع في العمل".
وعبَرنا الباب الآلي لنجد طائرات أخرى في انتظارنا. ولم يكن هذا بالأمر غير المتوقع فتكليف نيزي ونا وحدنا بالعمل على المولد سيكون حماقة بالغة حتى بمقاييس العقول. وتَبادلنا الإيماءات والتلويحات بينما كان المشرف يشير في الهواء الفراغي متفاعلاً مع شاشته.
وقال المشرف: "حسنًا، إليكم أساسيات ما حدث. لقد تعرض المفاعل المجاور لانصهار ونجح في شق طريقه إلى هذه الغرفة مما أدى إلى تضرر مولد الجاذبية المضادة".
وأشار المشرف إلى فجوة هائلة في الجدار للتأكيد.
"لقد تمكنت مناوبة الدورة الماضية من تنظيف الإشعاع لذا أنتم أحرار في البدء بإعادة تجميع القطع".
وسأل نيزي: "مناوبة الدورة الماضية؟ لما لا يعملون هم على هذا بدلاً منا؟"
ورد المشرف بنبرة حملت نظرة محددة: "لأنهم نظفوا الإشعاع... لن يُسمح لهم بالعودة للخدمة قبل فترة طويلة جداً".
"آه، صحيح... نعم..."
وسرى ارتعاش لا إرادي في عمودي الفقري. فمرض الإشعاع قد يكون مميتاً جداً جداً. وحتى إن لم يكن كذلك فيتعين استبدال جل أجزائك الميكانيكية وستحتاج إلى عناية طبية مكثفة. وطبعاً لا يتوجب عليك العمل أثناء العلاج ولكنه ليس ما قد أسميه إجازة.
"سنستعيد السلامة الهيكلية لهذه الغرفة فضلاً عن إصلاح مولد الجاذبية المضادة. وأعتقد أن قسمة العمل مناصفة ستفي بالغرض. تفقدوا قراءاتكم لمعرفة مهامكم الفردية وإن أنجزتم أعمالكم قبل الموعد المحدد فساعدوا جيرانكم".
وابتلعت ريقِي بثقل راجياً أن تكون مهمتي إصلاح الجدار أو الأرضية أو السقف. ولسوء الحظ ظهرت في بصري شاشة هولوغرامية لا أراها سواها لتخبرني أنه سيتعين علي تحمل الضغط الهائل للعمل على مولد الجاذبية المضادة. ولاعناً قراءتي صمتاً نظرت إلى نيزي بحثاً عن السوانس. لكنه بدا عليلاً هو الآخر.
وسألت: "أوقعت في نصيبك أنت أيضاً؟"
وهتف بحماس: "أ- أجل. انتظر، أنت تعمل عليه أيضاً؟ عظيم! كنت قلقاً من أن أفسد الأمر".
"لا نزال قادرين على ذلك".
"كلا، أنت أکفأ مني بكثير".
وصرخ المشرف: "حسنًا، ليشرع الجميع في العمل!"
وتفرق الجمع الصغير بناء على أمر المشرف. واقتربنا أنا ونيزي ومعنا طائرات أخرى بحذر من مولد الجاذبية المضادة. فقد أُغلق ليتسنى إصلاحه مما يعني أن الدعامات ستكون تحت ضغط. حسناً، ربما لا. فلعلهم جلبوا بعض الوحدات المتنقلة للخدمة لتخفيف العبء. وبناء على توجيهات قراءتي شرعت في فتح اللوحات وفحص الأعمال الداخلية. وبدأت القراءة ترصد أعطالاً في الدوائر المعقدة للجهاز وما إن تجاوز العد المائة حتى تنهدت بعمق.
سيستغرق هذا قطعا أكثر من دورة واحدة.
وسأل نيزي: "كيف يبدو الوضع؟"
وتمتمت: "فظيع. ولم أفرغ من الفحص بعد".
وانفتح فك نيزي بذهول لكنه سرعان ما أطبقه ومشى إلى الجانب الآخر من المولد. واصلت الفحص حتى تكونت لدي فكرة واضحة عما حدث. لقد أدى الانفجار الصادر عن المفاعل إلى تضرر أجزاء معينة تسببت في إلحاق الضرر بأجزاء أخرى مع استمرار المولد في العمل. الأمر بسيط حقاً... غير أن إصلاحه كان أكثر تعقيداً بكثير. وبدأت في سحب الألواح التي تحتاج إلى إصلاح وفرزها وفقاً لتعليمات القراءة.
وبدأت إحدى الطائرات الأخرى المكلفة بالتقاط الألواح والعمل عليها. وتبعت الطائرة الأخرى نيزي. وما إن نزعت كل الألواح ما عدا متحكم الأمان حتى تفحصت الكابلات. وما رأيته جعل قلبي الاصطناعي يتخفق بشدة. لقد اندمج جزء ضخم من الكابلات معاً. لم تذوب معا بل اندمجت. ولم تمر ذرات الأجسام باندماج نووي بل كانت مثارة لدرجة جعلت السلامة الهيكلية للكابلات تتضرر بالقدر الذي سمح لها بالتداخل في بعضها البعض.
وتتسبب أدوات الإصلاح لدينا في ظاهرة مشابهة لكن ليس هناك سوى تفسير واحد لحدوث ذلك "طبيعياً".
لقد بدأ المولد يتجاوز الحد الحرج.
وانبعث صوت من خلفي: "بالفراغ".
واستدرت لأرتقب مساعدي. الطائرة Z831H369X045 حسب قراءتي. صغيرة، صغيرة جداً. لا تزيد عن قرن من الزمان حُكْماً بتقنياتها.
وأجبت: "جاء الإغلاق في اللحظة المناسبة تماماً. كم تعرفين عن مولدات الجاذبية المضادة؟"
وقالت: "الكثير. كنت أصونها لنحو أربع مئة دورة. فترة كافية لأعلم أن ذلك لو تجاوز الحد الحرج لقذف بكل ما حولنا إلى الفراغ بسرعة تبلغ نصف سرعة الضوء".
"أو ما هو أسوأ".
"أسوأ؟"
وأوضحت: "نعم، كان يمكنه سحب كل ما في حطله إلى مركز واحد بسرعة تبلغ نصف سرعة الضوء. مما يسبب شتى أنواع المشاكل. ولو كنا محظوظين لتسبب ببساطة في انفجارات اندماج نووي تدمر جزءاً معتبراً من هذا الطابق. وإن لم نكن محظوظين فربما أدى إلى تفردة".
وانكمشت عينها الثالثة واصطكت فكاها قلقاً.
وقالت: "أ... لم أكن أعلم أن ذلك محتمل".
وشرحت لها قائلاً: "نعم، لقد أزالوا ذلك من مواد التدريب قبل نحو أربعة عشر ألف دورة. ويبدو أن فكرة إطلاق تفردة تحلق في أرجاء السفينة الكبرى كانت مغرية أكثر من اللازم لبعض الفصائل المتمردة. إذن ما اسمك؟"
"ينادوني جميعاً بخمس وأربعين. أو أربعين اختصاراً. وأنت؟"
"أنا نَازَا. يسعدني العمل معك".
"المثل بالمثل".
وبايمامة أعدت توجيه انتباهي إلى المولد. كانت الكابلات تالفة وتتطلب استبدالاً بينما كان الغلاف سليماً في الغالب. وبدت بعض الانبعاجات والتشققات بحاجة إلى ترميم لكنه إصلاح سهل. وأزحت كتلة من الكابلات ولوحة أخرى فخطف وميض بصري. لقد مضى وقت طويل منذ أن رأيت نواة مولد جاذبية مضادة. وحين يكون خامداً يبدو ككرة من المعدن الرمادي. أما حين ينشط فيبدو كجوهرة فاتنة مصنوعة تماماً من الضوء.
وحدقت في خط الضوء الراقص داخل كرة المعدن برهة مفتوناً بمدى جماله. ثم ضغطت على جهاز اتصال الطوارئ.
وصرخت: "أخلوا المكان!"