كان السماور يغطّ برغوة من الشراب المتبّل، والعسل، والنعناع، وورق الترنجان. مزيج يعدّه المحتفلون فاخراً ويسمونه شراب العسل، رغم تعدد طرائقه. أصرّت أمّها على إضافة رشة من مسحوق الحجر الجيري. كانت بيريدوت تسحق قطع فطر خبز الكهف بمطحنة وتحيلها إلى مسحوق لصنع الخبز المسطح حين خرج أبوها من الممر الداخلي للمأوى. كان يحمل قدحاً فخارياً مرصّعاً بالعقيق الأحمر، وهو إنائه المفضل الذي كانت بيريدوت تسرقه أحياناً من غرفته لتنظيفه ثم تعيده بعد فركه.
قالت: "آه".
كان يبتسم.
"استدعانِي العبير".
تحرك شارغريم نحو السماور لكن بيريدوت اعترضت طريقه فأخذت القدح وملأته بنفسها. ناولته إياه. أحاط القدح بكفيه رافعاً البخار إلى وجهه ومتنفسّاً بعمق.
"عبرتُ البراري ذات يوم. واليوم لا أقدر على ملء قدح. ماذا يفعل عليل مثلي لولا رعاية ابنتي اللطيفة؟"
رفعت بيريدوت حاجباً ولم تكلف نفسها عناء الرد. كانت تعرف محاولات أبيها الفكاهية حقاً.
سألت نظرة نحو الورشة: "أأمّي في البيت؟"
"لا، ما زالت في المدرجات لكنها ستعود في أي لحظة".
"آه".
خاض رشفتين من الشراب.
قال: "أذكر أول يوم خلاص هنا في المنجم".
كان أبوها يشير غالباً إلى غلين بكلمة المنجم وحسب، لا سيما حين يتحدث عن الأيام الأولى. كانت قد سمعت أباها يروي قصة يوم الخلاص ذلك من قبل لكنها لم توقف ذكرياته.
"لم نكن سوى نحن. وأخماك. ومعطف دافئ. وذراع فطن".
ابتسم مجددأ مطيلاً النظر إلى إحدى المعلقات الجدارية كأنه يرى من خلالها الماضي. كانت الابتسامة مشوبة بحزن غير قليل.
"أكلنا سمكاً وأنقليسأ صِيدَ في ذلك اليوم مع قليل من الملّح وشاي إبر الصنوبر. واحتفظ عرج القدم بآخر دخان تلاله. جلسنا في المدخل القديم، المدخل السفلي وأكلنا. أراد ذراع فطن اختيار اسم للمنجم".
سألت لتستزيد في حديثه: "وبما سميتموه؟"
كان أبوها يبدو في مزاج حسن.
ضحك شارغريم: "اقترح معطف دافئ وادي الكوارتز. لم يدم ذلك طويلاً".
سألت: "أتحبه أكثر من غلين؟"
هزّ كتفيه: "الأسماء أمور غامضة. أتعلمبن؟ كان اليوم الذي اقترح فيه معطف دافئ أن نبقى للمرة الأولى. أن نعيش هنا لا أن نعود إلى القطع العميق".
سألت: "أحقاً؟"
"بلى. لم أفكر في الأمر منذ سنين. لكنه خطر على خاطري الآن مثل رؤيا. كان متكئاً على جدار المدخل. وعيناه تلّمعان. وكان الجميع متلهفين".
"حتى أنت؟"
تلاشت ابتسامة أبيها فندمت على السؤال.
"كنت..."
وبينما كان يبحث عن كلماته التالية انفتح باب المأوى الحجري الخارجي ودخلت أيوليت وأونيكس وفي أذرعهما سلال واسعة مكومة بالخضار الورقية واللفت.
قالت أونيكس وهي تناولي بيريدوت سلالها: "انظري من هنالك".
وضعت أونيكس وشارغريم جبهتيهما إحداهما بالأخرى لبرهة.
قالت أونيكس: "أراك شرعت في شرب عسل".
"أشمّ عبيره من المدخل".
رفع القدح إلى وجهه مجدداً متنفسّاً بعمق.
قالت أونيكس: "لن تكون هناك وجبة عشاء الليلة. هنالك الكثير مما ينبغي إنجازه للغد. لكننا سنقلي خبز الكهف".
أومأ.
"أتعلمين، يمكنك شراء طعام يكفي للاستغناء عن كل هذا الجهد".
سألت أونيكس متجهة إلى لوح الكوارتز المعد لإعداد الطعام: "أعلينا خوض هذا الحديث مجدداً؟"
وبدأت بترتيب اللفت لتقطيعه بينما دفعت بيريدوت مطحنتها ووعاءها جانباً لتفسح المجال.
"لما كنا فعلنا لو رضختِ".
تنهدت أونيكس والتقطت ساطوراً ثقيل النصل. رفع شارغريم يده كأنه يدافع عن نفسه.
قال: "هوناً عليك".
هزّت رأسها وبدأت تقطع اللفت: "أنتَ سخيف حقاً".
عادت أيوليت من المخزن واتخذت مكاناً في الجانب البعيد عن أونيكس مسسّاوية بساطور آخر. رشت بيريدوت قطرة معتبرة من الشحم في إحداث وعاء طحين خبز الكهف المطحون وبدأت تعجنه.
طلب شارغريم متجهاً نحو الممر الداخلي: "أحضري لي بعض خبز الكهف حين ينتهي، بيريدوت".
وتردد.
"ضعف الحصة".
سألت أونيكس: "ماذا؟ ستعود الآن؟"
"لديّ ما أريد فعله".
"ما الذي يحتاج فعلاً الآن؟"
أجاب بسخرية واضحة: "أظن أنه يمكنني دائماً دفع أجر لأحدهم ليفعله نيابة عني".
قالت أونيكس: "برانا".
ابتسم شارغريم وتجه نحو الممر.
سألت: "ألن تبقي طوال الليل؟"
أبقت بيريدوت تركيزها على الوعاء أمامها. لقد باتت راشدة بما يكفي لتدرك مغزى بعض تفاعلات أبويها لكنها وجدت الأمر محرجا.
أجاب وغادر: "إن فعلت فلأنني ميت".
كانت هناك فتحات تهوية منقورة قرب سقف مأواهم الحجري تمكنهم من الطهي على المواقد دون الحاجة لفتح باب المأوى أو استخدام منافخ الغرف. كانت تلك رفاهية لكن بيريدوت تذمرت منها أحياناً إذ ربما أصرت أمها بدرجة أقل على إعداد طعامهم كله بأنفسهن لو تعاملن مع تهوية أسوأ لمأوى حجري أصغر أو أطول. وحتى مع الهواء النقي كان قلي خبز الكهف أمراً ممزوجاً بالدخان والعبق وملأت رائحة الثوم الغرفة.
تقرص معدة بيريدوت لكنها لم تكن لتأكل قبل أبويها. ظهر رايتأوجر في الغرفة مجدداً مدفوعاً بمعدته لكنه لم يكن ليأكل لعلمه أن أبويه لم فعلا. وبصفته الابن الثالث الأقدم في المأوى سيُقدم لرايتأوجر قبل بيريدوت أيضاً. نمت كومة الخبز المسطح ببطء. كانت تنوي قلي عدد من الحصص دفعة واحدة لكن أمها قاطعتها.
قالت: "امضِ وخذي كل ذلك إلى أبيك".
سألت بيريدوت: "كلها؟"
ظنت أنها كانت تعمل على الحصة الثالثة.
أجابت أمها دون أن تلتفت: "هذا ما قُلْتُهُ".
تنهدت بيريدوت والتقطت الطبق متجاوزة رايتأوجر حيث كان جالسأ متربعاً على وسادة. قادها الممر الداخلي إلى المدخل الخلفي لمأوى الرول.
قال شارغريم حين دخلت: "لن تتسللي إليّ قط وأنت حاملة ذلك".
أزاح الدفتر الذي كان يقرأه ليخلق مساحة فارغة للطبق. وضعته مبتسمة واستدارت لتغادر.
"اسحب مقعداً".
"ماذا؟"
"اجلسي وكلي معي".
"لكن..."
"ألم أطلب ضعف الحصة؟"
"بلى، بلى".
"إذن اجلسي وكلي".
قفز أبوها وبدأ يكوم الكتب مفسحاً مساحة أكبر. ذهب إلى الجدار وأخرج حجر السبائك من كوة واضعاً إياه على الطاولة.
"ستتوقع أمي عودتي. كنت أصنع خبز الكهف. سيزعجها ذلك".
"أليس في المأوى ثلاث فتيات خدمن؟"
"بلى، بلى".
قال شارغريم: "لم تكن هناك خادمات في مأوى أبي. قبل أن أبلغ روندال كنت أقلي خبز الكهف. وحين أتيت إلى التلال الحمراء صددت وطهيت. ابقي واجلسي. سأتدبر الأمر".
غادر شارغريم عبر الممر الخلفي. جلست بيريدوت وانتظرت بطاعة رغم أنها لم تلمس خبز الكهف. عاد أبوها قبل طال الزمن.
قال جالسأ: "الآن. كلي والعبِي".
انتهت مناوبة غريتي ذات الاثنتي عشرة ساعة باقتراب رفيقه بهدوء. شاكراً عدم ضبطه نائماً، شقّ غريتي طريقه عائدأ إلى مدخل صخرة المطرقة. كان متعباً ويتطلع إلى النوم. ستأتي احتفالات يوم الخلاص مع شروق الشمس. شقّ طريقه إلى المسير الرئيسي وسمع الأغاني وشمّ رائحة الطهي. وحين دخل المأوى الحجري لفرقته التقى بنصف متأخر مغادراً من الباب.
"ساق الحديد، أين ذاهب؟"
أجاب غريتي: "إلى الداخل".
قال نصف متأخر آخذاً غريتي من كتفه ومديراً إياه: "إلى الخارج!"
كان غريتي ينوي لكمه لكن نصف متأخر تابع: "البراميل مفتوحة في القاعة الطويلة وشووا كبشاً كاملاً طوال اثنتي عشرة ساعة".
أجاب غريتي: "لا يبدأ الاحتفال إلا صباحاً".
قال نصف متأخر ويدُه ما زالت على كتف غريتي: "لا! هذا تحضير للاحتفال! لا يدع مطرقة صخرية رجاله جياعاً!"
من نفسِه وسلوكه، عرف غريتي أن نصف متأخر قد بدأ شاربه بالفعل وبدت فكرة النوم وبطن ممتلئة باللحم المشوي والبيرة الباردة أفضل من النوم ببطء فارغ، لذا سمح غريتي بأن يُقاد إلى القاعة الطويلة. كان اسم القاعة الطويلة مناسباً لها. كانت في الأصل منقباً مبكراً تتبع عرق نحاس. ومنذ ذلك الحين وُسّعت وسُوّيت. لم تكن تتجاوز أربعين قدماً عرضاً لكنها امتدت لمائتي ياردة مستقيمة في صخرة المطرقة.
كانت القاعة الطويلة أكبر مساحة مفتوحة تحت الصخرة واستخدمت لأي تجمع كبير اعتُبر ضرورياً. وفي هذه الحالة جرت طاولات خشبية طويلة في المنتصف واصطفت مواقد برونزية على الجليد مليئة بالفحم الحتّي. وملاء المئات من الأقزام القاعة بالفعل وامتلأ الهواء بدخان التلال رغم تيار التهوية. لم يصل مطرقة صخرية ورينلنه بعد مع أعضاء مآويهم لكنهم سيظهرون بلا شك بعد بضع ساعات. تبع غريتي نصف متأخر إلى طاولة جانبية مكومة بأقداح حجرية ملأوها بالشراب من براميل مفتوحة ثم تقدما نحو سيخ حيث كان كبش مشوي في طريقه لأن يُؤكل عن آخره قاطعين شرائح من الفخذ بينما ظل الشواء دافئاً فوق الفحم.
كان نصف متأخر مخطئاً أو قلل من شأنه على الأقل؛ فلم يكن هناك أقل من أربعة خراف ومعاز تشوى على الأسياخ تقطر الشحوم في نيران الفحم المشتعلة. امتصت كل النيران المشتعلة والفحم في القاعة الهواء إلى الداخل عبر الفتحات والأبواب مما جعل هالة الدخان تدور وترقص. أومأ عدد قليل من رجال المطرق أكثرهم بملابس استراحتهم إلى غريتي ونصف متأخر حين جلسا. ولم يكن أقزام آخرون على الطاولات من رجال المطرقة ولا الحراس ولا كلحان مطرقة صخرية.
كان كثيرون منهم منقّبين من مناجم محيطة جاؤوا لتذوق ضيافة مطرقة صخرية الشهيرة في يوم الخلاص. لن يجوع أحد أو يبقَ صحواً إلا باختيار منه. حتى أولئك النفر المحزنون المضطرون للوقوف للحراسة سيفعلون ذلك في مناوبات قصيرة كي يشتركوا في معظم اليوم. أما غريتي الذي وقف طوال الليل فكان معفياً. مضغ خروفه بصمت بينما ضجت القاعة بضجيج الحديث والضحك والغناء. طعام وشراب لن يرفضهما لكن الاحتفال بدا فارغاً.
كيف يحتفل وواجبه لم يُنجز وأسلافه لم يرضوا؟ انحشر قزم على المقعد عن يساره وغريب لم يتعرف عليه. رفع القادم الجديد كقحاً ونخبّاً تجاهله غريتي.
سأل الغريب: "ألا تشرب يا صديقي؟"
تمتم غريتي وفمه ممتلئ باللحم المشوي: "لستُ صديقك".
ضحك نصف متأخر: "لا تعره اهتماماً. ساق الحديد لدينا عبوس، لكنك لا تريد مقاتلته! لم نسرق قط مباراة مصارعة للفرقة منذ أن انضم إلينا".
قال الكابولي عبر الطاولة من فرقة غريتي نفسها: "سأنخب لذلك!"
قال نصف متأخر: "إلى ساق الحديد!"
فشربا. وانضم الغريب إليهما في النبيذ.
سأل الكابولي: "من أين أنت أيها الغريب؟"
"القمة الشرقية. في طريقنا إلى غلين. توقفنا للاحتفال".
سأل الكابولي: "سلسلة الحزم؟"
أجاب الغريب: "حبوب".
سأل غريتي رافعاً إصبعاً منحنياً ليظهر اعوجاج الأنف: "هل التقيت بقزم نحيل ذي شعر بني كالنحاس وعينين زرقاوين وأنف أعوج؟"
كان عليه أن يكون حذراً. لقد أصبح الثار معروفاً سيما بعد أن قتل ابني العم وحارس التلال. لقد سمع أكثر من قصة نصف صحيحة عن نفسه خلال مدة صخرة المطرقة. كان من المخطر جداً السؤال بالاسم وكان يعلم أن أهل المرتفعات العالية يخفون هوياتهم على أي حال. أو هكذا كان غريتي ليفعل لو كان كومة قذرة جبانة قاتلة.
أجاب الغريب وبدا مشوشاً قليلاً بالسؤال: "لا؟"
قال نصف متأخر: "إنه يسأل الجميع عن ذلك".
سأل الغريب: "من يكون؟"
أخذ غريتي رشفة بدلاً من الإجابة.
داعب الكابولي: "نظن أنه يدين لساق الحديد بالكثير من الفضة أياً يكن".
قال الغريب: "عرفت رفيقاً بأنف أعوج كعتلة. لكن رأسه كان محلوقاً".
استدار غريتي لينظر إلى الغريب.
"أين؟"
"في القمة الشرقية".
"أمن هناك كان؟"
"لا. القطع العميق على ما أظن".
"وعيناه؟"
هزّ الغريب كتفيه: "ربما زرقاوان".
سأل غريتي: "هل وضع شيئاً في لحيته؟"
تردد الغريب: "ما شأنك به؟ أهو دين حقاً؟"
"هو كذلك".
صاح الكابولي ضاحكاً لنصف متأخر: "أخبرتك!"
"كانت لحيته مربوطة".
رفع الغريب يده موحياً بحلقة لحية بأصابعه.
"فضة على ما أعتقد".
خفق قلب غريتي الآن.
"ما كان اسمه؟"
"ألا تعرف اسمه؟"
"بم كان ينادونه؟"
"شيم... شيم... شيملاين، ربما. لكن لا تظن أنك ستحصل على الكثير من فضة منه. لم ينل منجهمه الكثير على حد علمي".
"أي عمل؟"
"اليد اليسرى، على ما أظن".
أومأ غريتي ووقف. مدّ يده نحو قدح الغريب.
"دعني أملأ شرابك يا صديقي".
سمع غريتي صفير نصف متأخر المنخفض مندهشاً لكنه تجاهله. ناول الغريب القدح وذهب غريتي ليصبّ له شراباً طازجاً.