توقعت ليورا أن يخطئ شيء ما. تحولت إلى هيئة العقعق لتتسلل بسهولة عبر الفتحة الضيقة في شبكة سي.
حاولت الكرخي إتيانها، لكنها بقيت تحت تأثير "القهقهة الم جنونة"، فترنح مسار طيرانها لتهبط مباشرة داخل شبكة سي.
غلف الجليد الطير، ممتداً من المواضع التي لامس فيها الشبكة أول مرة. أو بالأحرى لصق بها. تخبط الطير بجنون، محاولاً التحرر من الفخ المتجمد، وكلما تحرك زاد انتشار الجليد على جسده.
قالت سي من مخبئها: "هاجمي!"
واندفعت خارجة، تمشي بخفة على شبكتها الخاصة من دون أن تفعّل الأثر الجليدي. عادت ليورا إلى هيئتها الحقيقية وطارت فوق الشبكة لتصل إلى الكرخي مجدداً. غلف الجليد الطير تماماً تقريباً، ولم يبق سوى رأسه يتحرك هنا وهناك بفضل طول عنقه. انقضت ليورا على الكرخي، قاصدة تسديد ضربة إلى رأسه. لكن ذلك لم يكن كافياً للقضاء عليه، وقابلها سريعاً منقار طويل وقوي كاد يصيب جناحها. مع ذلك، بينما انشغلت ليورا بالرأس، تسللت سي إلى ساق الكرخي وغرست أنيابها فيها.
قالت سي: "تراجعي!"
وأطاعت ليورا.
سألت: "أسم؟"
أكدت سي: "سم."
عاد اثنتيهما إلى أمان صفصاف المستنقع وانتظرتا. لا داعي لتعريض النفس للخطر مادام الطير سيهلك حتماً بسبب السم. مهما تخبط في الشبكة، فلن يستطيع الإفلات من الجليد. خفتت حركاته تدريجياً إلى أن تلقت ليورا إشعاراً في النهاية.
[لقد ساهمتِ في القضاء على <كرخي المستنقع – المستوى 24>. اكتسبتِ خبرة.]
[لقد وصلتِ إلى المستوى 27.]
هتفت ليورا: "لقد ارتفع مستواي من جراء ذلك!"
هزت سي أطرافها الأمامية بغبطة: "لقد ارتفع مستواي مرتين."
"يا للهول، كم مستواك الآن؟"
قالت سي بنبرة مشوبة بالإحباط: "اثنا عشر. صار رفع المستوى بالغ الصعوبة بعد التطور. ماذا عنك؟"
أجابت ليورا ونفشت ريشها بزهو: "أنا في المستوى 27."
"يا للهول! كيف بلغتِ هذا المستوى المرتفع؟ أنت وشيكة الاستعداد للتطور مجدداً."
"اكتسبت معظم ذلك في زنزانة سييني."
سألت سي مندهشة وهي تقترب حبواً من ليورا: "زنزانة؟ أهذا شيء حقيقي؟"
قالت ليورا: "نجل! دعيني أخبرك بكل شيء عنها"، ثم تذكرت الكرخي.
"دعيني أستخرج أحجار البريق من الكرخي أولاً."
طارت ليورا نحو الكرخي المتجمد، وبواسطة حاسة الكنز، حددت أنه يملك أربعة أحجار بريق — اثنان في قدميه واثنان مخبأتان في جناحيه. واجهت صعوبة يسيرة في شق طريقها عبر الجليد وصولاً إلى الجناحين المتجمدين، لكن ليورا نجحت في النهاية في الحصول على أحجار البريق. وضعت اثنين في مستودعها، ثم طارت عائدة إلى الشجرة وعرضت اثنين على سي. لو لم تكن مسافرة بصحبة رفقة بشرية (وكيفا)، لربما احتفظت بأحجار البريق لنفسها.
لكن تقاسمها مع شخص آخر فقط، أو بالأحرى مع عنكبوت، لم يكن سيئاً قط. بالكادمانعت ليورا ذلك.
قالت سي وهي تلتقط أحجار البريق: "كان يحمل هذا العدد الهائل من أحجار البريق؟ يا له من حظ عاثر! ليس كل وحش يملكها."
وبعد لحظة، أصبحت مخبأة بأمان في مستودع سي.
هزت ليورا رأسها: "ماذا تقرصين؟ كل وحش يملك أحجار بريق."
التفتت سي برأسها بفضول: "ماذا؟ كلا، لا يملكها. بعض الأنواع وحدها تفعل."
"كلا، كل وحش يملك أحجار بريق في موضع ما من جسده. عليك أحياناً حفرها فحسب."
ساد صمت لفترة قصيرة، تخبطت بعدها سي بأطرافها بيأس: "لماذا لم يخبرني أحد بذلك؟! لا بد أنني فقدت عدداً لا يحصى من أحجار البريق حتى الآن. كان يمكنني منذ زمن بعيد فتح مهارة مشي الظل."
ارتجفت ليورا. لم ترغب حتى في التفكير في احتمال عدم جمع أحجار البريق. ما فائدة قتال الوحش إن لم تحز أحجار البريق؟
تمتمت ليورا: "من الجيد أنني أملك حاسة الكنز."
تساءلت سي: "حاسة الكنز؟"
قالت وهي تنفخ صدرها مجدداً: "إنها مهارة تساعدني في إيجاد الأشياء الثمينة. أو الأشياء التي أراها ثمينة. يمكنني إجبارها على إيجاد ما أحتاجه بشدة."
قالت سي بنبرة محبطة نوعاً ما: "يا للهول! تبدو مفيدة. ليتني أملك مهارة كهذه."
لكنها انتعشت سريعاً.
"لكن إن بقينا معاً، فستجدين كل أحجار البريق."
"نجل. سنقسمها مناصفة."
"يبدو ذلك عادلاً. سيكون ذلك على الأرجح أحجار بريق أكثر مما قد أحتاجه يوماً. فلنذهب لاصطياد عدد آخر من أولئك الكراخي إذن؟"
قالت ليورا: "بعدك أيها العنكبوت العظيم"، ثم توقفت.
"كيف تتنقلين في هذا المكان أصلاً؟ أيمكن للعناكب السباحة؟"
"كلا، وحتى لو استطعت، فلن أخطو قط في ذلك الماء."
نظر اثنتيهما إلى المياه الآسنة، ثم إحداهما إلى الأخرى. كلا، لم يرغب أحد في الاقتراب من تلك المياه. ليس قبل أن تكتشفا كيفية التعامل مع السمك.
"إذن كيف تتنقلين؟"
قالت سي، ثم تراجعت حبواً واختفت: "الأمر سهل. أنا أقفز."
نظرت ليورا حولها بدهشة باحثة عن سي، لكن العنكبوت لم تكن في أي مكان مرئي.
نادت سي من مكان أبعد: "من هنا"، ونظرت ليورا في اتجاه صوتها.
كانت العنكبوت جالسة بطريقة ما على صفصاف مستنقع، يبعد شجرتين عن تلك التي تقف عليها ليورا حالياً. طارت نحو سي.
"أحقاً قفزت كل هذه المسافة إلى هنا؟"
أعلنت سي بزهو: "أجل! أملك مهارة الوثب المعزز بمستوى خبير."
"هذا مرعب. أيمكنك الوثب على الأعداء الطائرين؟"
"بسهولة. رغم أن الأمر يغدو شائكاً قليلاً إن تحركوا بسرعة فائقة."
فكرت ليورا في ذلك السيناريو وقالت: "كم أنا مسرورة لأنك تعرفت علي ولم تهاجميني..."
إن رأت سي مقبلة، فبإمكانها بالطبع المراوغة برشاقة جوية فائقة. أما لو كانت كميناً...
"أنا مسرورة أيضاً، فمع فارق المستوى هذا، لا فرصة لي حقاً."
"لقد هزلت وحشاً في مرتبة تطور أعلى من مرتبتي، فلا تستهيني بنفسك سريعا."
هزت سي أطرافها بدهشة: "ماذا؟ حقاً؟ ماذا هزمت؟"
قالت ليورا وهي ترتجف متذكرة ذلك اللقاء: "دودة صخرية تعيش في قمة البلاء."
"ذلك الكائن العملاق؟ رأيته مرة، وكم كنت مسرورة لكوني عنكبوت ضئيلة لا تستحق انتباهه حتى. كيف هزمتيه؟"
"بالسم."
أومأ اثنتيهما فهماً. لقد كان حقاً سلاحاً عظيماً.
قالت سي: "على كل حال، فلنشرع في الصيد. لدي إحساس بأننا سنستخدم المزيد من السم"، وأومأت ليورا.
بعد ذلك، نصبت الاثنتان المزيد من الفخاخ للكراخي. تصنع سي شبكة جليدية، وتستدرج ليورا الكراخي نحوها، ثم تجهزان عليه بينما يتخبط في الشبكة. نجحت هذه الاستراتيجية ببارعة لدرجة أن سي كسبت بحلول نهاية اليوم ثلاثة مستويات إضافية وكسبت ليورا واحداً. ناهيك عن حصدهما مجموعة كاملة من أحجار البريق. سارعت سي لشراء المهارة التي كانت تدخر من أجلها. يبدو أنها تتيح لها الاختفاء في الظلال لنصف دقيقة تقريبا، لتبقى بذلك مخفية تماماً ومحمية من أي ضربات.
كان الضعف الوحيد لهذه المهارة هو الضوء الساطع بالطبع. مثل الضوء المقدس، على سبيل المثال. لكن ليورا لم تكشف عن مهارات سحرها المقدس بعد. لا داعي لكشف كل أوراقها. كما أنها لم تكن تعرف كل مهارة تملكها سي. لذا بعد أن تدربت الاثنتان وتناولتا بعض الحشرات بتعثر بالغ، خلدتا للنوم مخبأتين في صفصاف المستنقع. بينما كانتا تغطّان في النوم، راقبت ليورا الغيوم الملبدة بالهواء. كان منتصف النهار، لكن الطقس بدا داكناً وكئيباً للغاية.
عادة، لن يزعجهها الإكتهار — فهو يسهل على ليورا الاختفاء فحسب. لكن غياب الشمس ذكرها أيضاً بأن رينير ما زال مفقوداً، وأن صوتا المألوف قد غاب عن عقلها. أرجوك استيقظ سريعاً، رينير. جاء الصباح، أو بالأحرى المساء، أسرع مما تمناه ليورا. نكزتها سي مستيقظة بأطرافها العديدة.
قالت سي بنبرة مرحة: "انهضي وتألقي! لدينا صيد لنقوم به."
شعرت ليورا بارتجاح طفيف لكونها لست وحدها، لكنها لم تستطع إنكار خيبة الأمل التي اعتادتها. لم يكن رينير هو من يوقظها بمطالبه المزعجة. لقد مرت أية منذ أن سمعت أي شيء منه آخر مرة. أسيستيقظ حقاً؟ هل هناك ما تستطيع فعله لإيقاظه؟
قالت سي: "مهلاً، أأنت بخير؟ تبدين... حزينة؟"
قفزت ليورا نافشة ريشها بغضب: "لست حزينة!"
تراجعت سي عن الانباغت المفاجئ: "عذراً، تبدين كذلك فحسب. تعلمين أنه إن كان هناك ما يزعجك، فيمكنك إخباري. ككائنين مبعوثين. من غيرنا سيُفهمنا إن لم نكن نحن؟"
فكرت ليورا في الأمر لبرهة. أينبغي لها؟ بالكاد عرفت ليورا سي منذ يوم واحد. لكن ماذا إن كانت سي تعلم شيئاً قد يساعد رينير على الاستيقاظ؟ أو تملك مهارة كهذه؟ بدا الأمر مستبعداً للغاية، لكن ربما تستطيع المساعدة بطريقة ما في ذلك الحين.
بدأت ليورا قائلة: "أتعترفين الصخرة اللامعة؟"
أكدت سي: "تلك التي حرسيتها والتي منحتك النظام؟ أتذكرها."
قالت ليورا: "كل ما في الأمر أنه لم يستيقظ بعد، وقد مضى أسبوع تقريباً. لقد أغمي عليه مرة من قبل، لكنه غاب لساعات معدودة فقط."
قالت سي موافقة بنبرة قلقة: "هذا مقلق... أيمكنك إحضاره؟ أشعر أنه ليس بوسعنا فعل الكثير إن كان حبيساً في مخزونك."
ترددت ليورا. لم تحب إخراج رينير من مخزونها؛ لقد كان ذلك مخاطرة دائماً. ولم تحب فكرة إعرابه لشخص آخر بدرجة أكبر. فقد كان كنزها الثمين بعد كل شيء. لكن سي كانت على حق في أنهما لا تستطيعان فعل الكثير مادام في مخزونها. ناهيك عن أنه كان من المستبعد للغاية وجود بشر بالقرب من مستنقع الجحيم. باستياء، أخرجت ليورا رينير، قابضة عليه بقوة بمخالبها. لا تزال الجوهرة تبدو باهتة، وقد تلاشت ألوانها النابضة بالحياة واستحالت بنياً قذراً وأصفراً شاحباً.
لاحظت سي: "بالنسبة لصخرة لامعة مفترضة، فهو ليس لامعاً البتة."
وافقتها ليورا: "بالضبط! لكنه كان ألمع شيء رأته عيناي قط."
"كيف فقد لمعانه إذن؟"
أعادت ليورا سرد قصة كيف هاجمها الكرخي، مخلفاً ضرراً بالغاً في صدرها، ومحطماً على الأرجح بعض أضلاعها أو عظم القص. وكيف كانت تنزف لتموت لولا أن رينير تلا تعويذته الشافية.
سألت سي: "أتذكرين التعويذة؟"
اعترفت ليورا: "أنا... كلا. حدث كل شيء بسرعة فائقة، كنت أتألم بشدة. أعلم فقط أنها كانت طويلة إلى حد ما. حتى مع مهارة المحاكاة بمستوى أسطوري، أظن أن الأمر سيستغرقني أياما عدة لتذكرها كما ينبغي."
قالت سي: "تعويذة طويلة للغاية. لا بد أنها رقية تستنزف قدراً هائلاً من المانا. ما يدهشني هو أن صخرتك اللامعة قادرة على استخدام السحر."
"لا شيء في هذا العالم يفاجئني بعد الآن. لا يوجد منطق يذكر عندما يتعلق الأمر بالسحر."
قالت سي بحكمة: "على العكس تماماً. السحر منطقي للغاية. الفارق هو أن الأرض لم تحتو على أي منه، بينما يعج هذا العالم به. إن استنفد كل ماناه لاستعادة صحتك، فلإيقاظه، علينا استعادة ماناه فحسب."
سألت ليورا وهي تطرف ناظريها نحو جوهرة رينير: "استعادة ماناه؟ كيف سنفعل ذلك؟"
ضغطت سي بطرفها الأمامي على فكيها السفليين وهي غارقة في التفكير.
"لا أعرف. ربما توجد مهارة لذلك؟"
قالت ليورا: "أملك تحويل المانا، مما يتيح لي تحويل المانا من الأعداء المهزومين إلى ماناي الخاصة، لكن لا شيء يسمح لي بحقن المانا في الآخرين."
اقترحت سي: "لكن يمكنك وضع هذا الفتى في مخزونك، أليس كذلك؟ لما لا تحاولين نقل المانا التي تمتَصينها إليه؟"
"أسيجد ذلك نفعاً؟"
"طريقة واحدة لمعرفة ذلك."
تبادل الاثنتان نظرة وابتسمتا بقدر ما سمحت ملامحهما الحيوانية. ستفزع هذه النظرة أي أطفال بشريين حتى البكاء بلا شك، لكن ليورا لم تهتم. لقد حان وقت اصطياد المزيد من الكراخي.