العقبرة والساحر الأعظم - الكتاب الثاني الفصل 189 — إخوة

اقرأ العقبرة والساحر الأعظم - الكتاب الثاني الفصل 189 — إخوة باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يُخطئ أينير تنغيم رينير الغاضب، لكنه ابتسام بسعادة برغم ذلك.

قال: "تعال لنتحدث في الداخل".

ترددت ليورا. رأت الزهرة التي تحتاجان إليها على بعد خطوات في الحديقة. كان قطفها والانصراف أمراً هيناً. لكن شيئاً ما أخبرها بأن أينير لن يدعها تفضي بسهولة هذه المرة. إن أراد هذا الساحر منعها، فلا شك في أنه يملك الوسيلة لذلك. نظرت إلى رينير مطأطئة رأسها. ستأخذ برأيه هذه المرة. سواء أأراد مرافقة أينير أم قطف الزهرة والمغادرة، فستفعل ليورا ما يشاء. هذه المرة فحسب. رفع رينير نظره إليها، ثم أعاده نحو أينير.

قال: "حسناً".

أومأت ليورا وتبعته إلى داخل القصر، وصولاً إلى غرفته السحرية المزخرفة. انتضرت حقاً أن يطنب رينير في الثناء والإعجاب بالأدوات السحرية هناك، لكنه، يحسب له، ظل بارداً ك مظهره الخارجي تماماً. بمجرد أن انطبق الباب خلفهما، انفجر أينير ضاحكاً.

تحدث أينير لاهثاً ودموع حقيقية تنحدر من عينيه من شدة الضحك: "أنا... لا أصدق! ه- هل تحولت فعلاً إلى جوهرة! هاهاهاها!".

أحست ليورا بموجات الغيق تنبعث من رينير.

قال: "لهذا لم أرد أن يعلم".

وتابع أينير ضاحكاً: "انظر إلى ذراعيك الصغيرتين! وتلك الساقين القصيرتين. يا لك من لطيف! ينبغي لك ارتداء قبعة صغيرة أيضاً. ستلائمك تماماً".

قال رينير: "نعم، هاها. مضحك جداً. أنت بارع حقاً يا أينير. أظن أن غايتك السخرية مني فحسب، لذا سنغادر أنا وليورا".

"لا، لا، انتظر..."

مسح أينير الدموع عن عينيه.

"آسف، سأتوقف".

"أحقاً؟"

حدق أينير فيه، وقد انتفخت وجنتاه محاولاً كبح ضحكاته. وبعد هنيهة، أطلق قهقهة قصيرة.

هتفت ليورا: "ليورا!".

"حاضر، حاضر!".

"لا، سأتوقف. حقاً. فلنتحدث بهدوء. لدينا الكثير لنستدركه".

بصق رينير بحنق: "نعم، كحقيقة أنك قتلت أمنا".

تلاشت ابتسامة أينير أخيرًا، وأطال النظر إلى رينير بملامح متألمة.

"أنت تعلم أن الأمر لم يكن هكذا. إما أنت أو هي. أتراني قادراً حقاً على النظر في عيني أمنا إن ضحيت بك لأنقذها؟ هذا ما أردته هي".

صاح رينير: "ألم تفكر قط في وجود سبيل لنجوكلنا معاً؟!".

أطلق أينير تنهيدة مطولة.

"رغم مرور السنين، لا زلت ساذجاً كصبي صغير. لا يمكننا إنقاذ الجميع. لابد من تقديم التضحيات أحياناً".

"لم تحاول حتى!".

"وأخاطر بفقدانك أنت أيضاً؟ لا يعنيهي أبداً أتكرهني يا رينير. لن أندم قط على إنقاذ حياتك في ذلك اليوم، مهما أمعنت في لعنتي".

حل صمت ثقيل في الغرفة بينما رمق الشقيقان بعضهما بحنق. أرادت ليورا حقاً معرفة ما حدث بالضبط، لكن الجو كان مقبضاً لدرجة أنها لم تجرؤ على فتح منقارها. أي موقف قد يجبر أينير على الاختيار بين حياة أمه أو أخيه؟ بدا خياراً قاسياً. هل وُجد جواب صحيح لخيار كهذا؟ هل وُجد حقاً سبيل لإنقاذهما معاً؟ لم تدرِ ليورا، ولم تجرؤ على الاستفسار. ربما يخبرها رينير ذات يوم، لكنها لن تنتزع منه تلك المعلومة أبداً.

كان موضوعاً يوجعه كثيراً بلا شك.

سأل رينير باقتضاب أخيراً: "إذن، ماذا تريد مني؟".

"مني؟ لا شيء قط. كنت أود في الواقع مساعدتك في كسر الأختام. إن سمحت لي بفحصك..."

"إطلاقاً".

هز أينير رأسه: "أنت تكابر فحسب".

"لمَ عليَّ وثوق بك؟"

"لأني أخوك؟ أريد مساعدتك".

اتهم رينير، محركاً ذراعه القصيرة بغضب: "لقد ضللت طائرتي واستغلتها!".

"ماذا؟"

طرف أينير عينيه.

نعقت ليورا: "أخبرته بكل ما جعلتني أفعله!".

هز أينير كتفيه: "لم أجعلك تفعلين شيئاً. كنت تبدين متعطشة لسرقة كل تلك الحلي".

تذمر رينير: "أه، حقاً، تماماً كسرقة بلورة الماء من النمل البشري. تلك فكرة توصلت إليها ليورا بمفردها بالتأكيد".

قال أينير بجدية أكبر: "كل ما في الأمر أنني وجهت تفكيرها في الاتجاه الصحيح. لكن لا بد أنك رأيت ما يجري في هذه البلاد. الناس يموتون كل يوم لانعدام الماء. إنه إما هم وإما النمل".

"وما الذي يمنحك الحق في تقرير أن حياة البشر أغلى من حياة النمل البشري؟ يعيش عشرات الآلاف من النمل البشري في تلال النمل الجوفية، وهم يعتمدون على تلك البلورات المائية. لا بد أنك علمت ذلك. يمكنني غفران عدم إدراك ليورا للعواقب. فعقلها كعقول الطيور قليلاً".

رمقت ليورا رينير بذهول: "أهذا صحيح!".

قال رينير: "لا بأس يا عزيزتي. لقد حجب هذا الأحمق المعلومات عنك عمداً. لا ذنب لك"، فهدأت.

عقد أينير حاجبيه وبدا غاضباً حقاً: "أتقترح أن أترك هؤلاء الناس يموتون حماية للنمل؟".

"لا يخولك أحد انتزاع بلورات الماء الخاصة بهم".

"هذا من أجل المصلحة العامة للناس!".

تذمر رينير: "أعنيت نفسك يوماً بالبحث عن حل آخر؟ بالعجب العجاب، لا تغير طبعك قط. تؤمن بضرورة التضحية بأحد الطرفين لإنقاذ الآخر. ألم تفكر قط في وجود طريقة لإعادة مجرى النهر الطبيعي؟".

"أتظن أنني لم أبحث. أنا... لا يمكنني إصلاح ذلك! إنه أمر مستحيل".

توقف رينير.

"ما تعنيه بهذا؟ أوجدت شيئاً؟".

جلس أينير على المقعد.

"الماء لم يختفِ في الواقع. النهر ما زال يجري... إن جاز لنا تسميته نهراً".

تذمر رينير بنفاد صبر: "أه، كف عن ألغازك هذه وفَسِّر".

طارت ليورا نحو الطاولة التي جلس عليها أينير، كي لا يضطرا للصراخ أحدهما في وجه الآخر عبر الغرفة.

"ينبع النهر من جبال تايتاينسبايك. صعدت المجرى قدر استطاعتي، لكنني لم أبلغ المنبع في النهاية. الماء الجاري عبر الجبال... ملوث. أقصى ما استطعته هو منع جريانه وإلحاقه الأذى بالناس".

صاحت ليورا بذهول: "ملوث؟".

لا، لا يمكن... أأولئك الأوغاد من النظام المظلم يثيرون المتاعب هنا أيضاً؟ لقد ضجرت منهم تماماً في هذه المرحلة. حسناً، لقد ضجرت منهم منذ زمن بعيد.

سأل أينير: "نجل. رينير، أظنك على دراية بالوحوش الملوثة، ألسنت كذلك؟".

"أه، أنا وليورا على معرفة حميمة بهؤلاء الأوغاد مسببي التلوث. لكن لابد أن بمقدورك التعامل..."

سكت رينير فجأة.

"لقد فقدت اتصالك بالسحر المقدس، أليس كذلك؟".

أومأ أينير.

"كان جزءاً من ثمن إنقاذك. لا يمكنني تطهير التلوث، وبصراحة، حتى لو استطعت، فلن يحدث فارق ما لم يُطهر المنبع ذاته. لكن كما تعلم جيداً، يعد صعود جبال تايتاينسبايك مستحيلاً أساساً".

سألت ليورا: "لمَ هو مستحيل؟ ألا يقودك تتبع النهر نحو المنبع؟".

قال أينير: "يقع المنبع عند قمة جبال تايتاينسبايك".

سألت ليورا: "إذن؟ ما الضير في الطيران صعوداً؟ ألا تتقنون أيها السحرة شتى التعاويذ المبتكرة؟ رأيت سحرة يطفون صعوداً فوق الجبال من قبل".

أوضح رينير: "لا تؤثر السحر الخارجي في جبال تايتاينسبايك. لسبب ما، يُمتص أي مانا خارج جسد الإنسان داخل الجبل فوراً".

"إذن لن أستطيع استخدام النور المقدس أو التطهير؟"

"كلا، لكنك ما زلت مهيأة تماماً لمعالجة هذه المشكلة. ستعمل المانا داخل جسدك بكفاءة عالية. مما يعني أن أي هجوم جسدي لك مقترن بالنور المقدس والتطهير سيفي بالغرض".

رمشت ليورا، ثم ضحكت.

"تشاك-تشاك-تشاك! تشاك-تشاك-تشاك! حسناً، أظنني سأضطر للذهاب وركل مؤخرات أبطال النظام المظلم مجدداً. أفعل ذلك كل يوم جمعة في هذه المرحلة تقريباً".

طرف أينير عينيه: "ما الذي يتحدث عنه اثنانكم؟ هذه العصفورة قادرة على استخدام السحر المقدس؟ هذا مستحيل!".

قال رينير: "أنت يا أينير لا تدرك مدى قوة ليورا الخارقة! لقد تطورت خصيصاً لمقاومة التلوث وكل ما يتعلق به. ناهيك عن قدرتها على الطيران صعوداً فوق الجبل بكل بساطة، على عكسنا".

قال أينير بعناد: "أتظن طائرك قادراً على فعل ذلك أيضاً؟ لا يمكنك الجزم بذلك. لم يُختبر هذا من قبل".

تذمر رينير: "كلا، لكن المحاولة جديرة بالاهتمام، خيراً من إبادة مستعمرة كاملة من النمل البشري. إنهم كائنات واعية لعنة السماء".

فكرت ليورا في الأمر. بدا أن حل هذه المشكلة واسعة النطاق يتطلب انخراطهما في معركة. بالطبع، كان بإمكانهما الطيران بعيداً وتجاهل الأمر برمته. لكن لا ذنب للبشر في جفاف النهر. ولا ذنب للنمل في امتلاك ما قد ينقذ البشر. لا يمكنك لومهم على الدفاع عن وطنهم. حارب الطرفان لسبب وجيه؛ ولم يكن أي منهما مخطئاً. تبين أن الطرف المخطئ هم السحرة الأوغاد الذين يزرعون الفوضى أينما حلوا.

إن دارت معركة، فمن الأفضل أن يكون الطرف المعاني هو من تسبب بالمشكلة أصلاً. في الواقع، حسمت ليورا أمرها.

هتفت ليورا، متحولة إلى هيئة دراكوريكس ومطلة على أينير الجالس: "إن هاجمتم النمل، فسأقاتلكم!".

صحيح أنه في المستوى مئة وخمسين، لكن ليورا بدت أكثر إرهاباً وروعة مظهراً.

"إن وقفت في طريقي، فأنا—"

أعلن رينير: "إن أذيت شعرة واحدة من رأس ليورا، فسأصير عدوك اللدود!".

"أخي، أنت تبالغ بالتأكيد. فكر في الصورة الكبرى؛ عدد الناس في سلطنة الأزهر أكبر بكثير من عدد النمل في ذلك..."

"لا يعنيهي. أخبرتك بشروطي. لن أختار بين شرين. سنقضي أنا وليورا على هذه المشكلة من منبعها. وكل ما عليك فعله هو ألا تقف في طريقنا".

أومأت ليورا موافقة. أطلق أينير تنهيدة مطولة.

"أخي الصغير هذا. حسناً، إن آمنت بقدرة ليورا على تطهير التلوث من منبعه، فلن أمنعك من المحاولة بالتأكيد. لكن أمتأكد من استعدادها لمواجهة ما في جبال تايتاينسبايك؟".

انتصبت ليورا بافتخار قائلة: "بالتأكيد، يمكنني—"

لكن رينير قاطعها.

"كلا".

سألت ناظرة إليه بذهول: "ماذا؟".

قال رينير: "آسف يا عزيزتي. لا يمكنك حقاً. ستحتاجين مرتبة أعلى لمقاتولة الوحوش القاطنة هناك. لكن ثمة طريقة يمكننا تدبر الأمر بها".

سأل أينير: "ما هي؟".

"اكسر ختماً آخر من أختامي. ول مصادفة، يقع آخر مكون نحتاجه في حديقتك".

سخر أينير: "أتظن استعادتك لبعض سحرك كفيلة بتعويض ضعفها؟ لن تستطيع استخدام السحر في الجبال".

"كلا، لهذا ستكسر ختماً آخر من الأختام. أنا أعرف موهبتك في التعاويذ. يتطلب أحد الأختام تعويذة لكسره، وأعتقد أن هذا لن يكون عسيراً عليك".

سأل أينير: "إذن ستعتمد على أخيك في النهاية؟".

بصق رينير كلامه: "سأفعل ما يلزم لتحقيق أفضل نتيجة ممكنة، حيث لا يضطر الناس للمعاناة".

حدق الاثنان في بعضهما هنيئة، ثم هز أينير كتفيه.

"ما زلت أؤمن أنك ساذج يا أخي، لكنني لن ألومك على المحاولة. سأفعل ما يجب لمساعدتك أنت وعصفورتك".

"جيد. سنأخذ أنا وليورا إحدى زراعات السحلب الخاصة بك ونذهب لكسر الختم التالي. سنعود غداً بعد أن نرتاح لكسر جزء آخر من الختم. لا، بل اجعلها بعد يومين".

"لا تبتعد طويلاً يا أخي. يزداد السلطان توتراً يوماً بعد يوم. إن أمرني باستعادة بلورة الماء من النمل، فسأفعل".

قال رينير: "أخبره بأنك تسعى لإعادة النهر، لا لتنفيذ أوامر العجوز عمياء. سأدخل فريقي في هذا أيضاً".

سأل أينير وليورا في آن واحد: "فريقك؟".

مع أن أينير بدا مرتبكاً، بينما انزعجت ليورا من جراء جرأته على تسميته فريقه. إن كان ثمة فريق، فهو فريق ليورا بلا شك.

"أه، ستحبهم حقاً. مع ضرورة عثورك على مخبأ أفضل".

همهم أينير: "حسناً. سأجهز شيئاً في أطراف العاصمة. وسأضع علامة لتعثر عليه هذه اللصوصة الصغيرة".

"جيد. لنذهب يا ليورا".

عادت ليورا إلى هيئة عصفورة وطارت خارج النافذة. وألقت نظرة أخيرة على أينير، الذي كان يبتسم لمفاجأتها.

حرك شفتيه بكلمة "شكراً"

هادئة لها، وبدا مسروراً حقاً. أكان ذلك لأنها أحضرت رينير إليه؟ لم تدرِ يقيناً. أملت فقط أن يتمكنا من حل مشكلة النهر الملوث قبل نشوب حرب حقيقية بين النمل والبشر.