كان الوقت بكراً. لم تكن الشمس لتطل على عُش ليورا بعد. لكن ضجيجاً ما كان هناك. لا بدّ أنها العصافير المزعجة. تبدأ بالتزقزق قبل أن تشرق الشمس حقاً. دسّت ليورا منقارها بعمق تحت جناحها وأرغمت نفسها على العودة إلى عالم الاحلام. ساد هدوء لفترة قصيرة. ~أسرع الأجنحة، تأملوها إن تجرأتم~ تجاهلي الأمر فحسب. لا يمكنك الاستيقاظ بسبب كل عصفور في الخارج. دعيه يمضي في حماقاته. ~أقوى منقار ليقهر كل عدو~ أوه، اصمت! منقاركما بالكاد يكسر درقة خنفساء. ~كنوز متراكمة في عُشي لعلك تغرق فيها~ كنوز؟! انفتحت عيناها على مصراعيهما، والتفتت في عُشها بذعر. كانت كل أحجارها المتلألئة لا تزال مرتبة حول جوهرة الكهرمان في مكانها المتميز بالمنتصف. تمتم رينير: "أهلاً، لقد استيقظت. يا للهول، أحد أصدقائك العقعق صاخب حقاً أول الصباح". قالت ليورا مميلة رأسها: "عقعق؟" ~كل عقعق يتحدث، لكنني وحدي من يطرح السماء~ يا للهول، إنه عقعق فعلاً. لم ألاحظ حتى لاسترخائي شبه النائم. لكن من يصرخ خارج عُش شخص ما هكذا في الصباح البكر؟ وتلك الأبيات لا تت قافى إطلاقاً. أطلت ليورا برأسها من عُشها، ولرعبها رأت ذكر العقعق نفسه من الأمس، يتغزل بها فوق شجرة مقابلة. نفش ريشه بزهو حين لاحظ ظهورها. ~تعالي معي، أيتها الأجنحة الجميلة والعيون الساطعة، وسأريك كيف ترتفعين~ غاصت ليورا مجدداً داخل عُشها. هذه كارثة! الوغد من الأمس يحاول مغازلتي! إنه يغازلني. مقرف، مقرف، مقرف! "ما بك؟ تبدين كمن تناول يرقة أو ما شابه". احتجت قائلة: "تشاك-تشاك-تشاك! اليرقة أفضل بمليون مرة من هذا". خبت ليورا أحجارها المتلألئة بسرعة في التخزين الخفي وأمسكت برينير بمخالبها لتريه الوضع في الخارج. كان ذكر العقعق لا يزال يتغزل بزهو على الغصن ذاته، يقفز أحياناً ببطن جانبي ويرفع ذيله للأعلى. سأل: "أهذا هو العقعق نفسه من الأمس؟" أكدت: "نفسه!" "لا أود تحطيم قلبك أو شيء، لكن لدينا أموراً أهم لنقوم بها من... زيادة تعداد العواقيع في هذه الغابة. أعني، إنه عقعق وسيم وكل شيء—" "كاك! لا!" "أهوه، لست مهتمة؟" "لا!" قال رينير: "جيد. تجاهليه فقط. أنا متأكد أنه سيستسلم عاجلاً أم آجلاً". نعم، معه حق. إلى متى يمكن لعقعق أن يلاحقني قبل أن يدرك أنني غير مهتمة؟ يعرف أي عقعق صالح أن الإلحاح محض وقاحة. "ليورا. تجاهليه". همهم رينير: "عظيم. بما أن مزاجك مرن هكذا هذا الصباح، ما رأيك في فتح مهارة جديدة؟ أقترح شخصياً شفرة الريح. مهارة قوية جداً يمكنها إصابة الأعداء من بعيد، وتكلفتها زهيدة!" احتجت: "لا!" "أه، هيا! تحتاجين إلى هذه المهارة لتقاتلي بفاعلية. ستكونين أقوى بكثير بمهارة واحدة فقط. واحدة فقط!" عترضت قائلة: "لا!" وطارت بعيداً والجوهرة بين مخالبها. لم تجرؤ ليورا على تركها في العُش. ليس حين يعرف ذلك العقعق الآخر مكانها. ولم تكن ترغب في ترك بقية كنوزها أيضاً، لكن لم يكن الأمر وكأن بإمكانها حملها جميعاً. على الأقل يمكنني أخذ الأحجار المتلألئة معي بغض النظر عن المكان الذي أذهب إليه. أتسااءل إن كان هناك حد لعدد ما يمكنني تخزينه. بهذه الفكرة، عزمت ليورا على معرفة الحد الأقصى. كان هناك المزيد من الضفادع لصيدها. مباشرة بعد فطور من التوت البري الطازج. كانت تكاد تموت جوعاً.
صار قتال الضفادع مهمة سهلة، حتى وإن اضطرت ليورا إلى الإمساك بجوهرة رينير بمخلبيها طوال الوقت. كانت تلجأ في غالب الأحيان إلى الغوص الهوائي، متخلصَةً من الوحش بضربة واحدة سريعة وقوية. وإذا وُجد جمع من الضفادع، حاولت شلّ حركتها أولاً بتقليد <نقيق الشلل>. للأسف، لم تستطع تقليد المهارة مرات عديدة. بعد ثلاث نجاحات وأربعة إخفاقات، نفد ما لديها من طاقة سحرية. لكن ليورا لم تحبط، بل أمطرتها بالحجارة لإرباكها وتشتيت تركيزها. كانت استراتيجية سليمة، وقبل موعد الغداء، كانت قد بلغت المستوى التاسع. تبين أن الارتقاء من المستوى الثامن إلى المستوى التاسع استغرق وقتاً أطول من المستويات السابقة مجتمعة. النبأ السار هو أن أعداد الضفادع المتوحشة حول البحيرة عادت إلى مستويات مقبولة. والنبأ الأسرّ—امتلاك ليورا لعديد أحجار الوميض. ثلاثة وستون حجراً على وجه التحديد. قال رينير: "لن يفيدك قتال المزيد من هذه الضفادع في شيء. أعتقد أنك ستنهينها قبل بلوغك المستوى العاشر. الخبرة التي تكسبينها منها أقل من المعتاد لأن مستواها أدنى من مستواك". فكرت ليورا في كلامه. صحيح أنها لا تستطيع إبادة كل ضفدع أخير في الجوار مقابل أحجار الوميض. فمهما كانت مقرفة، تظل جزءاً من هذه البيئة. كانت تأكل الحشرات الكريهة والطفيليات التي لا يريد أحد سواها. سيتعين عليها البحث عن أعداء مختلفين. لكن ذلك همّ يرجأ لوقت آخر. اكتفت ليورا بتقدمها لليوم، وقررت الاغتسال في الجدول. لحق بها العُقْبُ الذكر ذاته وهي في طريقها إلى الجدول، منادياً: "يا جوهرة عيني! ها أنت ذا. كنت أبحث عنك طوال اليوم!" كان قريباً من عُشّها على أي حال. "اتركني وشأني!" "أهوه، لا تقسي هكذا! أنا أفدر غضبك، لكني أعدك بأنني لن ألمس كنزك مرة أخرى أبداً. بل جئتُ لك بكنز جديد"، قال العُقْب وهو يعرض عليها ما يشبه جرساً مستديراً. رنّ الجرس حين هزّه وكان لامعاً ببريق عجيب. هذا الجرس جميل حقاً. لو أحضره لي قبل أسبوع مثلاً، لكنتُ اغتررتُ به. لكنه لا يساوي شيئاً مقارنة بأحجار الوميض وجوهرة رينير. تلك أسمى بكثير من جرس تافه. أجابت ليورا وهي ترتشف من مياه النبع العذبة: "لا أُريده". نادَى رينير بغتة: "احذري!" كادت ليورا تفلح بالكور إلى الوراء عندما انقضّ صقر بمخالبه، ليحتل الفضاء الذي كانت فيه قبل ثانية واحدة فحسب. صرخ العُقْب الذكر و طار مبتعداً، بينما ظل جرسه يرنّ خلفه. التقت عيناهما للحظة؛ عيناه باردتان وتحسبان الخطى—عينا صياد. ولسوء الحظ، كانت هي الفريسة. حلقت على الفور، مندفعة نحو قمم الأشجار. وتتبعها الصقر، عيناه مسمرتان عليها. عادة، لا تستطيع عُقْب مثيلتها الوقوف في وجه صقر. فهو أكبر حجماً وأشد بأساً وأسرع بالتأكيد. غير أن الظروف كانت تصبّ في صالح ليورا حالياً. اندفعت من شجرة إلى شجرة، مؤدية انعطافات حادة ومحلقة عبر مساحات ضيقة لا يستطيع اللحاق بها فيه. لن يكون لها حظ في سماء مكشوفة. لكن هذا كان موطنها، ساحة معركتها. امتلكت ليورا أفضلية التضاريس. ومع ذلك، ظل الصقر لاصقاً بذيلها. لم يستطيع المناورة بالسرعة ذاتها بجناحيه الكبيرين؛ إلا أن دفقات السرعة القصيرة كانت تعوض ذلك. لن أفلت منه بهذه الوتيرة أبداً. سيحاول إنهاكي، وليس أمامي خيار سوى القتال. ستكون قفزة نوعية بعد قتال الضفادع وحدها، لكنني حتماً لن أسمح له بأكلي هكذا. أبطأت ليورا طيرانها قليلاً، ليس بالقدر الذي يتيح للصقر الإمساك بها، بل بما يقلص المسافة. وحين أحست بأنه بات قريباً بالقدر الكافي، قلّدت <نقيق الشلل>. [فشلت في تقليد <نقيق الشلل>.] اللعنة! شيء غبي ولا يُعتمد عليه. كيف يُفترض بي مقاتلة أي كان إن لم أدرِ أستنجح مهاراتي أم تخفق؟ أنّبها رينير: "لهذا السبب طلبت منك شراء مهارات!" صرخت ليورا: "تشاك-تشاك-تشاك! ليس الآن أيها البشري!" اقترب الصقر منها بشكل خطير، وكاد ينجح في الإمساك بريش ذيلها. لكن ليورا هوت إلى الأسفل قبل أن يدركها. لم يدم شعور النصر طويلاً إذ ظل الصقر ملاحقاً، وصارت ليورا في موقف ضعيف. كانت أرض الغابة أكثر خلاء وأسهل للمناورة، مما جعلها مكشوفة بشكل أكبر. حاولت الطيران عائدة إلى الغطاء النباتي الكثيف، لكن الصقر كان يقطع عليها الطريق في كل مرة، مما أجبرها على التحليق منخفضاً. حلقت ليورا قرب جذوع الأشجار، منجزة انعطافات حادة لإبعاد الصقر عن ذيلها. لكنها كانت أبطأ من اللازم، فأدركها الصقر، قابضاً عليها بمخالبه الهائلة ودافعاً بها نحو الأرض. كان الارتطام مؤلماً، وبدا الطائر الآخر ثقيلاً وهو يضغط بجسده على الطحالب. كانت محظوظة لنجاتها بصراحة—فلو هبطا على صخرة، لتناثرت أحشاؤها على سطحها. صرخت متخبطة بكل ذرة من قوتها: "كاو! كاو! كاو! أفلتني أيها النذل القبيح! أفلتني!" قال الصقر بصوت بارد: "لا شيء شخصي يا صغيتي"، وقبض على جوهرة رينير بمخلبيه. صاح رينير: "مهلاً! لا تقبض عليّ! أفلِتني!" إذن فهو يلاحق الجوهرة لا أنا. يمكنني إفلاتها فحسب، وربما يدعني وشأني. لكن ليورا لم تُخلِ الجوهرة، بل أمسكت بها بقوة في قبضتها. لم ترد التخلي عنها. لمَ تفعل؟ كان هذا تنمراً، انتزاعاً للأشياء من الطيور الأضعف. لن تقبل بذلك. بدأت ليورا تتخبط بعنف أكبر، مما أجبر الصقر على تعديل وضعيته. لن يستطيع عُقْب عادي التلويح حتى تحت قبضة الجارح. لكن النظام منحها قوة واضحة بلاشك. كانت أقوى من عُقْب عادية. ونجحت في الالتواء متحررة بالقدر الكافي لتلوي رأسها وتسدد نقرة قوية إلى صدر الصقر. أطلق صرخة ألم وقفز إلى الوراء، بينما سلت الدموع على صدره. أقلعت ليورا في لحظة خاطفة. كانت ساقها توجعها بشدة. وتشك في أنها مكسورة على الأرجح. لكن جناحيها كانا سليمين—طالما استطاعت الطيران، فلا أهمية للجزئيات الأخرى. حلقت إلى الأعلى، آملة اكتساب ارتفاع قبل أن يلحق بها الصقر. ولمحت ورائها كيف شرع يطير في أثرها، وبدا ساخطاً. صرخ: "كان بإمكاننا إنهاء هذا بيسر، لكنك آثرت جعلها مسألة شخصية!" تجاهلته ليورا. سيكون إهداراً للأنفاس الرد عليه. قال رينير: "سأبث فيك بعض الطاقة السحرية. استغليها!" واستطاعت ليورا الإحساس ببعض الطاقة تتسرب إليها من الجوهرة. لم تكن بالكيرة، وبالكاد تكفي لمحاولة تقليد واحدة. لا تخذليني. إنها مسألة حياة أو موت. شقت ليورا طريقها عبر الغطاء النباتي الكثيف بأفضل ما تستطيع. كان الأمر شاقاً مع قدمها المكسورة. كانت تنبض بالألم. لكن الصقر كان مصاباً أيضاً. فقد أسرته وبات أقل حراسة عما سلف. لاحظت كيف كانت جناحيها تحتكان أحياناً بفرع شارد أو فرعين. أكثر بقليل، عليّ إهاكه أكثر بقليل فحسب. استفزته: "تشاك-تشاك-تشاك! لا تستطيع حتى الإمساك بعُقْب صغيرة! وأنت صقر يرجى!" لم يتقبل كلماتها برحابة صدر، مندفعاً إلى الأمام مدفوعاً بالغضب الخالص فيما بدا. قلّدت ليورا الضفدع مجدداً، محدقة مباشرة في عيني الصقر. وأدرك أنه طار مباشرة إلى فخّها. ذعر الصقر، محاولاً التوقف، لكن الأوان كان قد فوات. "بو-روب!" [نجحت في تقليد مهارة <نقيق الشلل>.] طير الصقر مستقيماً نحو المجال الكهربائي، وتصلبت جناحاه. ارتطم بغصن ثم هوى إلى الأرض. وتبعت ليورا أثره، مستخدمة الغوص الهوائي. لم تكبح نفسها، تاركة الجاذبية تعزز المهارة لتضرب الجارح بكامل قوتها. [هزمت <صقر متتبع - المستوى 1>. كُسبت خبرة.] [بلغت المستوى العاشر.] [يمكنك الآن اختيار تطور جديد.] قال رينير ثم توقف: "تباً للجمال! صقر متتبع؟! نحن محظوظون لأنه كان في المستوى الأول فحسب؛ وإلا لكنا في ورطة عميقة الآن. يا للعار، قدمك مكسورة أليست كذلك؟" نظرت ليورا إلى ساقها، تلك التي لم تمسك رينير بها. لم يكن منظراً مبهجاً، هذا مؤكد. أيمكن لشيء بهذا التهشم أن يلتئم بشكل سليم أصلاً؟ لم تكن متأكدة. قالت بضعف: "تشاك-تشاك-تشاك! لست ميتة على الأقل". في الواقع، رغبت في الصراخ من الألم، لكن ما نفع ذلك؟ قد يجذب المزيد من هذه الصقور. كانت ليورا على يقين من أن من أرسل هذا الصقر يستطيع بسهولة إرسال عشرة سواه. "حسناً، خذي جوهرة هذا الرفيق ولنعد إلى عُشّك. إن كنت محقاً، فالتطور كفيل بإصلاح ساقك". غُرِز حجران ميضّان في جناحي الصقر. انتزعتهما ليورا وطارت مبتعدة.