"أتريدين مساعدتي؟"
سألت ليورا في ذهول وهي تنظر إلى الوحش المذهل الماثل أمامها. كان يقف وسط الضباب السام بلا أدنى ارتعاش. كان ضخماً، وتتلوى العضلات تحت فروه بينما يختفي ذيله الثعباني ويظهر. بالتأكيد، لم يكن هذا المخلوق محتاجاً إلى مساعدة ليورا.
"نجل. أما بإمكانك استخدام السحر السماوي؟"
سأل الكيميرا بصوته العميق المتردد.
"أنتِ من طهّر هذا البلاء، أليست كذلك؟"
"بطريقة ما..."
أجابت بحذر وهي تملي نظرها على أنياب الكيميرا. أليست بحجم ليورا نفسها؟ أكان سيشعر بها حتى لو ابتلعها؟
"أتستطيعين أم لا؟"
تمتم الكيميرا في نفاد صبر.
"أستطيع!"
اضطربت في قلق.
"حسن إذن، عليك تطهير الأثر في قمة هذا الجبل."
"أثر؟"
سألت ليورا.
"نجل. وُضِع الأثر هنا منذ زمن بعيد بوساطة أحد الملوك بوصفه هبة لهذا العالم. ظل مقعداً مقدساً لأطول فترة، ومكاناً يكرم فيه الناس المَلِك،"
قال الكيميرا في وقار. مَلِك؟ أهناك ملوك يشبهون الملوك؟ نوعاً ما ولكن في الوقت عينه، ليس تماماً. إنها قصة طويلة. سأشرحها في وقت لاحق.
"ازدهر هذا الجبل إذ منح المَلِك بركاته للناس الذين كرموا هبته. لكن قبل نحو أربعين عاماً، قدم سحرة إلى هذا الجبل ولوثوا الأثر. في البداية، لم ألاحظ حتى أنهم فعلوا شيئاً. ومثل أي بشر، قدموا إلى الجبل، وحاربوا الوحوش، ثم صلُّوا للمَلِك. وبوصف حارساً لهذا الجبل، كان جديراً بي أن أشعر بأن شيئاً ما لم يكن على ما يرام منذ اللحظة التي وطئوا فيها المكان،"
بدا الكيميرا حزيناً وهو يعيد سرد القصة.
"ألم تمانع مجيء البشر إلى هنا ورؤيتهم الأثر؟"
"لا. فمع هزيمة البشر للوحوش هنا، ظل تدفق الجوهر مستقراً. ولم أضطر إلى القلق بشأن تطور الوحوش أكثر من اللازم وتعريض النظام الطبيعي للخطر،"
أوضح الكيميرا. تساءلت ليورا عما كان يُعد بالضبط نظاماً طبيعياً، لكنها لم تجرؤ على السؤال تماماً. غير أنها فهمت أن هذا الكيميرا كان على الأرجح من نوع الكيانات نفسه كالشجرة الحية في غابتها. ليس وحشاً بلا عقيد، بل حارساً للنظام.
"على أي حال، بمجرد أن لوث السحرة الأثر، بدأت الأمور تتغير ببطء. ذبلت الأشجار، وتفشى السم حتى بدأت الوحوش تفسد واحداً تلو الآخر. وقبل فترة طويلة، هجر المَلِك هذه الأرض أيضاً، غاضباً من تلويث هبته."
إذن هذا الأثر هو ما يفسد الوحوش. تري ما الذي فعله هؤلاء السحرة به حقاً؟ يجب أن نرى هذا الأثر! مهما تكلف الأمر.
"ألا يمكنك تدميره؟"
سألت ليورا.
"أه، لقد حاولت مرات عديدة، ولكن كما قلت، كان هبة من مَلِك. وحتى أنا لا أملك القوة لتدميره،"
قال الكيميرا.
"أما أنت. فقد أزلت الضباب الذي تراكم هنا لعقود. أرجوك أن تحاولي تطهير الأثر."
حنى الكيميرا رأسه الأسدي، وإذا حكمنا من خلال القرن المفرد المنتصب صعوداً عبر الضباب، كان رأس المعز يحني رأسه أيضاً. بدا الثعبان أكثر جموحاً ولم ينحنِ إلا بعد فحيح ساخط قليل.
"أنا... يمكنني المحاولة. لكني لا أعلم إن كنت قادرة على تطهيره،"
قالت ليورا.
"كل ما أطلبه هو أن تحاولي."
"سأحاول. أين الأثر؟"
سألت.
"في العمق هناك،"
قال الكيميرا وبدله الثعباني أشار إلى الاتجاه الذي كان إحساسها بالكنز يتوهج فيه. يبدو أن الأثر هو الكنز الذي كنت ألتقطه في الواقع.
"ثمة مشكلة واحدة... لا يمكنني الطيران عبر هذا الضباب ونفذ مني المانا،"
قالت بخجل، أملة ألا يثور غضب الكيميرا.
"ليست مشكلة. ألديك مهارة مثل امتصاص المانا أو تحويل المانا؟"
"لدي تحويل المانا،"
قالت ليورا. أطلق الكيميرا نفخة هواء استقرت حولها مثل بطانية ثقيلة نتنة. كبحت شكوى بالكاد. هذا منتن! هذه هي المانا! استخدمي تحويل المانا قبل أن تتبدد. تخيلت ليورا تحويل المانا إلى طاقة قابلة للاستخدام، باذلة قصارى جهدها لتجاهل النتنة. كانت الفعالية عالية جداً لدرجة أن ماناها استعادت بالكامل في غضون ثوان مع بقاء الكثير من المانا عائماً حولها. لو لم يكن نَفَس الكيميرا منتناً إلى هذا الحد فحسب.
ربما أمكنها أن تطلب من رأس المعز أن ينفخ المانا عليها في حال احتياجها إلى إعادة تعبئة مرة أخرى. لم يكن المعز يأكل اللحوم. أليس كذلك؟
"أهذا يكفي؟"
سأل الكيميرا.
"نعم! شكراً لك. سأحاول شق طريقه نحو الأثر الآن،"
قالت ليورا، ورتلت تعويذة الضوء السماوي.
[لقد فشلت في محاكاة مهارة <الضوء السماوي>.]
حسناً، هذا مخجل.
"لماذا لم تنجح؟"
زمجر الكيميرا بغضب إلى حد ما، مما جعل ليورا ترتجف.
"يصعب بعض الشيء محاكاة تعويذة بشرية. أرجوك منحني بضع محاولات أخرى،"
قالت ليورا، مكررة التعويذة مرة أخرى.
[لقد نجحت في محاكاة مهارة <الضوء السماوي>.]
أصدر الكيميرا همهمة استحسان مع انقشاع المزيد من الضباب. لسوء الحظ، كان على ليورا تكرار عملية الفشل والنجاح هذه بضع مرات. في كل مرة تفشل فيها محاكاتها، كان الكيميرا يزمجر، مما جعل ليورا تتساءل عما إذا كان سيحولها إلى وجبة خفيفة ذات ريش في النهاية. لكن لحسن الحظ، بعد أربع محاولات ناجحة، تمكنت ليورا من شق طريقها نحو الأثر. أهذا هو؟ إنه لأمر مخيب للآمال بعض الشيء. تبين أن الأثر كان عقداً بسلسلة فضية وحجر كريم أسود.
كان مستقراً بإحكام في مذبح من الصخر في تجويف نحت خصيصاً ليناسبه. وحوله هيكل خشبي من نوع ما. في مرحلة ما، لابد أنه كان المعبد الذي ذكره الكيميرا، لكنه لم يكن في هذه المرحلة سوى خشب متعفن. حين حدقت في الأثر، انتابت ليورا مشاعر متضاربة. لقد كان كنزاً، وأخبرها إحساسها بالكنز بذلك بوضوح شديد. لكن في الوقت عينه، كان... خاطئاً. بدا مشابهاً لأحجار البلاء، إلا أن هذا الأثر لم يكن سيئاً إلى هذا الحد.
كان هناك شيء جيد في مكان ما في عمق الخطأ. لا دعي مظهره يخدعك. هذا الشيء ينبعث منه المانا بمعدل مذهل. رغم أن... المانا خاطئة تماماً. لن أود أبداً استخدامه أو امتصاصه للتعاويذ. كيف يمكن لأحد صنع شيء كهذا؟ انخرط رينير حينئذ في تأمل سحر عميق، مخرجاً بلايين النظريات حول كيف يمكن صنعه وبالتالي تلويثه. لم تفهم ليورا شيئاً من ذلك، فتجاهلته ووجهت انتباهها نحو الأثر.
"أهذا هو؟"
سألت ليورا الكيميرا.
"هذا صحيح. حاولي تطهيره بسحرك السماوي،"
تمتم رداً على ذلك.
"أيمكنني الحصول على إعادة تعبئة أخرى للمانا... مخزون المانا لدي ليس كبيراً جداً،"
اعترفت ليورا خجلاً. وكانت على وشك أن تضيف عما إذا كان رأس المعز يستطيع نفخ المانا، لكن رأس الأسد نفخ نفسه النتنة عليها قبل أن تتمكن حتى من النطق بكلمة. كاظمة رغبة التقيؤ، استخدمت تحويل المانا لملء مخزون المانا لديها مجدداً.
"شكراً لك..."
جلست ليورا على المذبح وراقبَت العقد من كل الجهات. بدا لها أن البشاعة كانت تنبعث من الحجر الكريم. كانت لتطلب من رينير تأكيد شكوكها لكنه كان لا يزال يهمهم بنظرياته في مؤخرة عقلها. لذا بتنهيدة داخلية، بدأت ترتل.
"أيها الضوء المطهر، أطع إرادتي. أزل هذا البلاء وأقرره،"
قالت ووجهت العصا نحو الحجر الكريم بأفضل ما يمكنها.
[لقد نجحت في محاكاة مهارة <الضوء السماوي>.]
في اللحظة التي اصطدم فيها الضوء بالحجر الكريم، حدث انفجار سحر ألقى بليورا إلى الخلف. تمكنت من تثبيت نفسها بجناحيها قبل الاصطدام بالضباب لكنها كانت نجاة ضئيلة. بدا الريش على صدرها وجهها محترقاً قليلاً.
"أنت بخير أيها الطائر الصغير؟"
سأل الكيميرا.
"أنا بخير،"
أكدت. لم يكن أسوأ من الارتداد السحري الذي تلقته من قبل. طارت ليورا إلى المذبح وراقبَت الأثر. كانت هناك شرارات غريبة تنطلق من الحجر الكريم، وتتطاير في اتجاه عشوائي. يبدو أنك كسرت الحماية السحرية حول الحجر الكريم. ستخرج الطاقة في داخله عن السيطرة قريباً. عليك التصرف بسرعة. ماذا؟! عن السيطرة. حاولت ليورا محاكاة الضوء السماوي مجدداً، لكنها أخطأت في نطق كلمة في عجلتها وفشلت مرتين.
كانت الشرارات السحرية تصبح أكبر وأكثر كثافة، مما أجبرها والكيميرا على التراجع عن المذبح. تباً! تعاوني معي أيتها المحاكاة!
"أيها الضوء المطهر، أطع إرادتي. أزل هذا البلاء وأقرره!"
[لقد نجحت في محاقاة مهارة <الضوء السماوي>.]
حين اصطدم الضوء بالحجر الكريم هذه المرة، حدثت موجة سحر ملحوظة دفعت ليورا إلى الخلف أكثر. مد الكيميرا مخلبه الكبير والتقطها، قبل أن تُقذف في الضباب. ثم جاءت موجة سحرية أخرى، وإن كانت أصغر، ثم أخرى، أصغر منها حتى شعرت أخيراً وكأنها تموجات سحرية لطيفة. حين نظرت ليورا إلى المذبح مجدداً، تغير الحجر الكريم. فبدلاً من اللون الأسود، أصبح ذو لون أصفر لطيف. ذكّرها بضوء شمس الصباح الأول.
وقد تغير شعوره تماماً أيضاً. فبدلاً من الشعور كأنه حجر بلاء، بدا ككنز حقيقي. فعلتِها! لقد طهَّرتِهِ! أفعلتُ؟
"لقد فعلتِها أيها الطائر الصغير!"
قال الكيميرا ثم أطلق زئيراً عالياً ومنتصراً. كان عالياً لدرجة جعلت ليورا واثقة من أن حتى أهل البلدة لابد سمعوه. نأمل ألا يفزع كريستي والأطفال بقسوة شديدة. نظرت ليورا حولها مذهولة. بدأ الضباب الكثيف يتبدد وينحسر. كانت عملية بطيئة للغاية، لكن أجزاء جسد الكيميرا التي كانت مخفية سابقاً تحت الضباب الكثيف أصبحت مرئية. كما بدا الهواء أخف للتنفس.
"شكراً لك أيها الطائر الصغير،"
تمتم الكيميرا استحساناً. أدركت ليورا مدى قربها من الوحش فرفرفت مبتعدة. ورغم أنه لم يكن عدائياً، إلا أنها لم ترغب في البقاء وصداقة هذا المخلوق. كلا، ربما كان وقتاً مناسباً لمغادرة الجبل وعدم العودة أبداً. فبعد كل شيء، طهِّر الأثر، لذا سيزول الفساد ببطء. ولن تفسد الوحوش، وستتعافى الأرض ببطء، مما يسمح لأهل سونويل بزراعة المزيد من المحاصيل. وستتحسن حياة كريستي وكل شخص آخر ببطء.
هذه هبيتي لك يا كريستي. تلك هبية كبيرة مقابل بضع لقيمات طعام منحتك إياها. مهلا، قد تروننا نحن العقعق لصوصاً، لكننا نملك شرفاً. نحن نرد ديوننا. بات بإمكان ليورا مغادرة الجبل دون أي قلق بعد الآن. كانت لودّ لو تقول وداعاً لكريستي، لكن بصراحة، لم ترغب في التعامل مع أهل سونويل بعد الآن. فقد اكتشف أنها ليست طائر عقعق عادياً، ناهيك عن الدكتور ريوس الذي كان ينشر بعض الهراء التعصبي.
كان من الأفضل المغادرة وترك الشائعات تتلاشى.
"على الرحب والسعة! سررت بالمساعدة. لكن الآن، سأمضي في طريقي،"
قالت ليورا وكانت على وشك الطيران، بينما كان إحساسها بالكنز يرن في عقلها.
"أمتأكدة أنت أيها الطائر الصغير؟ بإمكانك البقاء في هذا الجبل. سأوفر لك الحماية،"
قال الكيميرا، لكن ليورا لم تستوعب كلماته تماماً. كانت عيناها مسمرتين على العقد الجميل في المذبح. أنا... لا يمكنني ترك هذا ورائي لمجرد... ليورا، إياك! لقد طهرت هذا المكان برمته. لن يضطر الناس للقلق بشأن الفساد أو الوحوش بعد الآن. أعتقد أنني أستحق مكافأة صغيرة. لا! لا تفكري حتى في الأمر! كان ثمة صوت يصرخ في مكان ما في عمق نفسها بأنها لا ينبغي لها ذلك حقاً. لم تقصد رينير، بل بقايا ذاتها البشرية.
لكن ماذا كان يدري البشر أصلاً؟ لم يكونوا يفهمون شيئاً عن الأشياء اللامعة والكنوز. قبل أن يتمكن أحد من منعها، طارت ليورا إلى المذبح وأمسكت بالعقد. رمش الكيميرا مندهشاً، إذ لم يتوقع مثل هذا الفعل الشنيع أمام عينيه مباشرة. استخدمت ليورا الفرصة لتطير تحته، متجنبة بذلك الذيل الرشيق وطائرة عبر الممر المنقوش في الضباب. تردد زئير غاضب من خلفها.
"أعد الأثر فوراً!"
زمجر الكيميرا. أعيديه أيها الطائر الأحمق! ستموتيننا كلينا. أنا بحاجة إليه! إنه جميل ولامع جداً! ليس لديك أدنى فكرة عما تعبثين به! أعيديه! أعيديه! لكن ليورا تجاهلته وطارت بأسرع ما تستطيع جناحاها حملها.