العقبرة والساحر الأعظم - الكتاب الثاني الفصل 20 — الطائر المقدس

اقرأ العقبرة والساحر الأعظم - الكتاب الثاني الفصل 20 — الطائر المقدس باللغة العربية على مانجا تايم.

حسناً، هذه فرصتي الأخيرة لأصيب الهدف. لم يبقَ من المانا سوى نذير يسير. القدر الكافي لامتصاص صدمة فشل واحد. "ما كنت أظن أن تلقين تعويذة أساسية كهذه سيكون بالغ الصعوبة"، تذمر رينير. "أنا لست بشرية!" اعترضت ليورا. لم تكن قادرة على الكلام بالطبع مثل البشر. صحيح أنها استطاعت صياغة جمل وحديث زائف بفضل مهارة المحاكاة، لكن ذلك كان دائماً عبر كلمات التقطتها من رينير. على هذه الصخرة الجاحدة أن تذهل لقدرتي على محاكاة حديثه إلى هذا الحد. ما من طائر آخر سيفدر على فعلها بمثل براعتي. لكن لا، يكتفي بالتذمر من اضطراره لتكرار التعويذة بضع مرات. أنا وحدي من يحق له التذمر. أنا أتمرن منذ أمد طويل ولم يحن لي قط أن أنال وجبة تليق بي. "أيها النور المطهر، أطع إرادتي. أزل هذا البلاء وثبته"، ردد رينير التعويذة. أنصتت ليورا باهتمام. شعرت بأن بمقدورها إتقانها أخيراً. بمقدورها فعلها. "أيها النور المطهر، أطع إرادتي. أزل هذا البلاء وثبته!" قلدت ليورا. [لقد نجحتِ في محاكاة مهارة <النور المقدس>.] انبثق شعاع ضوئي ساطع أمام ليورا، محدثاً فجوة معتبرة في الأرض. أفزع النور الخفافيش النائمة فدفعها إلى حالة من السعار. يا للرعب! انتبه إلى ما تسدده نحوه! لم تكن ليورا تتوقع النجاح، لذا لم تكن تسدد بالأصل. "عذراً!" نعقت ليورا وهي تتفادى بعض الخفافيش المسعورة. "سمعت شيئاً في ذلك البرج!" نادى صوت من مكان ما خارج البرج. عرفته ليورا. كانت الساحرة التي في قمة البلاء. ما اسمُها يا ترى؟ بياتريس. "الجوهرة هناك"، قال الشاب، آرفيد، وكان صوته خافتاً على عكس رفيقته. أمسكت ليورا برينير ووضعتْه في مخزونها فوراً. علينا الخروج من هنا! لا، كنت أفكر قطعا في البقاء ومنحهم ترحيبا حارا. قفزت ليورا حتى بلغت إحدى الثقوب الصغرى في الجدران وأطلّت إلى الخارج. وكما توقعت تماماً، كان السحرة الثلاثة يشقون طريقهم نحو برج المراقبة القديم. كيف عرفوا بوجودي هنا؟ تبّاً! لا بد أنهم وضعوا تعويذة تعقب عليّ. بدا الشاب الفتي بغتة وكأنما صُبَّ عليه ماء بارد. "اختفت الجوهرة!" "ماذا تقصد؟ اختفتْ؟ كيف يمكن لها أن تختفي هكذا فحسب؟" تذمر الرجل الأكبر سناً. "السبيل الوحيد هو أن يُودَع الغرض داخل المخزون. يستحيل عليك تتبع ما يدور هناك لأنه يقع تقنياً داخل بُعد جيبّي". "المخزون؟ بالنسبة لطائر؟ هذا مستحيل!" زمجر الرجل العجوز. "ما من سبيل آخر لاختفاء الجوهرة"، قال الشاب. من حسن الحظ أنه يستحيل تعقبي من مخزوني، لكنني لم أستحوذ عليه إلا مؤخراً. كيف لم يتمكنوا من تعقبك إذن قبل ذلك الوقت؟ لا تعمل تعواذ التتبع إلا ضمن مدى معين. إن امتلكت بصمة المانا للغرض المحدد المُراد تعقبه، فستستشعر موقعه العام حين تكون ضمن نطاق التعويذة. وحتى أفضل تعاويذ التتبع تقتصر على عشرة كيلومترات كحد أقصى. أخمّن أن نطاق تعويذتهم يبلغ خمسة كيلومترات في أحسن الأحوال. والأرجح أنه يقف عند عتبة الثلاثة أو كيلومترين اثنين. حسناً، جيد. لن أخرجك ما دام هؤلاء الأوغاد جوارنا. آن أوان الفرار الآن. توجه نحو الجبال. لن يبحثوا عنك هناك على الأرجح. لكنني جائعة. ابحثي عن شيء ما في طريقك هناك. أرأيت المكان؟ لا يوجد سوى التعفن والمسوخ حولنا. ماذا أُفترض أن آكل؟ قد تناسب تلك العثث ذوقك الطيوري. إيّا البتة! لن آكل تلك الحشرات العملاقة البشعة! سأتوجه إلى مكان كريستي. لا تجرّي تلك الفتاة الصغيرة إلى هذا. إن لمحوا ريشة واحدة هنالك، فستعاني الفتاة ووالدتها. انكمشت ليورا إلى الوراء. لم ترغب في ذلك. كانت كريستي فتاة لطيفة. لم يكن من الإنصاف جرّها إلى هذه الورطة. حسناً. إذن سأذهب إلى ذلك الطبيب. لا أثق بذلك الرجل. أشك في أنه سيفعل بي شيئاً. لقد عالج إصاباتِي على أية حال. علاوة على ذلك، فمكانه أشد فوضى ونتانة من أن يلحظ أولئك السحرة أي شيء. فرائحه وحدها تكفي لإخافتهم ودفعهم للابتعاد. حسناً، حسناً! لكن أسرعي بغض النظر عمّا تفعلينه. أظن أن أولئك القوم يشقون طريقهم إلى داخل البرج. لم تعد ليورا تراهما، لكنها سمعت طرقة عنيفة ترتطم بالباب، وانطلقت سلسلة من الشتائم من الأسفل. سارعت نحو أحد الشقوق المنسجمة مع حجمها لتتسلل عبره وتلاشت. كان من حسن الحظ أن هذه المهارة لم تتطلب مانا، وإلا لكان أمرها قد انكشف. لكن ثواني التخفي القليلة التي وفرها التلاشي منحتها وقتاً وافراً للتحليق بعيداً عن البرج والاقتراب من الأرض. من مسافة بعيدة، وحتى في النهار، كان ينبغي لانزلاق الظل أن يمنح ليورا ما يكفي من التمويه لدخول البلدة دون أن تُرى. حين وصلت إلى صنفايل، رأت أن السكان كانوا على حافة التوتر. بدرجة أكبر حتى من ذي قبل. بدا البعض غاضبين بينما رمق آخرون المحيط بتوجس وكأنهم يتوقعون وقوع مكروه. بقيت ليورا بعيدة عن الأعين، ملازمة للظلال ومحلّقة من مكان إلى آخر فحسب حين تيقنت أن أحداً لا يراقبها. كان مرجحاً أن يسأل أولئك الأشرار القرويين المساكين عما إذا كانوا قد رأوا عُكَرشاً تحوم في هذه الأنحاء. وأي دفع سيكون لدى هؤلاء القوم لكيلا يعترفوا بأن واحدة تصادف تحليقها بالجوار؟ فهي لم تكن سوى طائر بالنسبة لهم. يا للإزعاج. لعل من الأفضل أن نغادر هذا المكان برمته. إن بلغ السيل الزبا، فنعم، فلنخرج من هنا. لكن مهارات التخفي لديك تجعل الأمور محتملة في الوقت الراهن. أود حقاً أن تتطوري قبل أن ننتقل إلى مكان آخر. المسوخ هنا مثالية للمبتدئين. أمتيقن أنت؟ يعج المكان بأولئك المسوخ الفاسدين بكثرة. نعم، حتى مع وجودهم. بالحرص على السحر المقدس، لن يعد الأمر بمثل تلك المشكلة. هذه إحدى المناطق الأقل احتواءً للمسوخ ضعيفة المانا. لمَ المسوخ هنا أضعف تحديداً؟ يعود ذلك لامتلاك هذه المنطقة مانا محيطية منخفضة، لذا لا تجذب المسوخ الأقوى لترغب في الاستقرار. ودون وجود مفترسات قوية حولها، تستقر المسوخ الأضعف هنا. تؤثر عوامل أخرى في ذلك، لكني لا أظنك مهتمة بالتفاصيل الدقيقة. لا. لقد استوعبت المغزى. مانا أقل تعني مسوخاً أضعف. نوعاً ما. لم ترغب ليورا في التعامل مع مسوخ أشد قوة، لذا فضّلت البقاء في صنفايل في الوقت الراهن. عسى أن يستسلم أولئك السحرة المزعجون في نهاية المطاف. لم تكن تملك أدنى نية لإخراج رينير من مخزونها مجدداً، خصوصاً بعد أن تعلمت محاكاة النور المقدس. تسللت في طريقها إلى منزل الدكتور ريوس، محلقة عبر الباب المفتوح. ومما أثار دهشتها، كانت كريستي ووالدتها هناك تتحدثان مع الرجل ذي المظهر الأشعث. "ألم تخبروا أولئك الرجال بشأن الآنسة عُكْرش، أليس كذلك؟" سأل الدكتور ريوس بقلق. "لا، بالطبع لا! لا أعرف ما يريده أولئك المتنمرون من الآنسة عُكْرش، لكنه لابد أمر سيء! لن أخبرهم أبداً أنني رأيتها"، قالت كريستي. آه، ليبارك السيّد تلك الطفلة. لم يلحظ الثلاثة ليورا حتى. لا بد أن انزلاق الظل كان يخفي حضورها. لكن ما من سبب يدعوها للاختباء عنهم، فهبطت مباشرة على كتف كريستي. "شاق-شاق-شاق!" قالت: "أهلاً بك صديقتي البشرية الصغيرة!" "الآنسة عُكْرش!" هتفت كريستي ببهجة. "على ذكر الطائر"، ضحكت والدتها بخفة. "على ذكر العُكْرش"، صحح الدكتور ريوس بابتسامة. يبدو أن الطبيب يحاول إخفاءك. جيد. كنت قلقة بعض الشيء من احتمال إفشائه لكل اكتشافاته للعالم. مع أنني لا أزال لا أطيق ذلك الرجل. إنها الرائحة. لا تقلقي بشأنها. "أنا سعيدة للغاية لنجاتك، الآنسة عُكْرش! لم يجدك أولئك المتنمرون بعد كل شيء"، هتفت كريستي وهي تربت على ريش رأس ليورا. إذن كانوا يبحثون عني حقاً. لقد خطفتِ حجر البلاء من تحت أنوفهم مباشرة. كنت أرجو أن تخفيك الظلمة بالقدر الكافي، لكن أظن أن أي أحمق كان سيستنتج أنه طائر ذو ريش داكن. "أنا قلق بعض الشيء. تبدو مرتاحة للغاية رفقة البشر. ينبغي لنا ردع هذا السلوك"، قال الدكتور ريوس محاولاً إبعاد ليورا. لكنها رفرفت ببساطة نحو والدة كريستي. "ناع!" اعترضت ليورا. "بمقدوري الاعتناء بنفسي!" "لا تكن قبيحاً مع الآنسة عُكْرش!" نفشت كريستي وجنتيها في وجه الطبيب. "أ-أنا لست كذلك! أنا فقط لا أريد أن يجدها أولئك السحرة. يساورني شك قوي في أن الآنسة عُكْرش ليست مجرد عُكْرش عادية"، قال الدكتور ريوس. "بالطبع لا! إنها أذكى وأجمل عُكْرش في العالم أجمع"، قالت كريستي بحماس. انظروا إلى هذه الطفلة! إنها رسمياً صديقتي المفضلة الآن. تنخدعين بالإطراء بسهولة مفرطة. ليس إطراءً. إنها الحقيقة! طارت ليورا نحو كريستي وقضمت بخفة شعرها. فغدقت الفتاة ضحكاً. "ماذا تقصد بقولك إنها ليست عُكْرشاً عادية؟" سالت والدة كريستي وهي ترمق ليورا بنظرة. "هذه مجرد نظرية فحسب، فلا تأخذوها بحرفيتها، لكنني أظن أن الآنسة عُكْرش هي عُكْرش تعرضت لتطور"، قال الدكتور ريوس. هذا الرجل أدرك الأمر فعلاً. هذا سيء! أسيء ذلك؟ أليست المسوخ المتطورة شائعة هنا؟ لكنك لم تبدئي كمسخ، أليس كذلك؟ عنفت ليورا نفسها داخلياً لأنها وصفت نفسها بالمسخ. لم تكن مسخاً! كانت عُكْرشاً! "عُكْرش تطورت؟" سألتي كريستي بفضول. "مثل المسوخ؟" نظرت والدة كريستي إلى ليورا بريبة. مهلاً، لا تنظري إلي وكأنني إحدى تلك الضباع المشوهة! "الآنسة عُكْرش ليست مسخاً!" اعترضت كريستي، ونعقت ليورا موافقة. "نوعاً ما. لست متأكداً تماماً كيف حدث الأمر، لكن الآنسة عُكْرش تختلف عن بقية العُكْرشات. إنها أكبر حجماً، وجناحاها أطول، ولم يسمع أي منكما صوت تحليقها، أليس كذلك؟" قال الدكتور ريوس. "لا، لم أفعل"، أكدت والدة كريستي. "ولمَ يعدّ ذلك غريباً؟" سألت كريستي. "العُكْرشات ليست صامتة التحليق كالبوم. تستطيعين سماع خفقان أجنحتها. لكنك لا تسمعين جناحي الآنسة عُكْرش"، أوضح الطبيب. إنه يكاد يكشف أمرنا تماماً. حان وقت التواري! لكنني جائعة! قفزت ليورا باتجاه الخزانة حيث تذكرت أن الطبيب استخرج الحبوب منها. ومما أثلج صدرها، قام بصب مزيج البذور الشهي لها بطيبة خاطر. شرعت في الأكل فوراً، قلقة من أن الوقت قد حان للتحليق بعيداً حقاً. "أهو أمر سيء أن الآنسة عُكْرش قد تطورت؟" سألت كريستي، ناظرة بحزن إلى ليورا. "لا. لا أظن ذلك. لست واثقاً إن كانت واعية بالأمر حتى"، قال الدكتور ريوس. كلا، أنا طائر جاهل. لا أعلم شيئاً. واصلت الأكل فحسب، متظاهرة بعدم استيعاب الحوار الدائر. لم تححب ليورا التصرف بغباء. لكن الأمر كان ضرورياً هذه المرة. لم ترغب في أن يلقي القرويون بشوك القش نحوها ويصفونها بالمسخ كلما ظهرت في البلدة. أين ستجد طعامها؟ كما أنها ستفتقد كريستي. "على أية حال، لا يعنيني ما تكونه الآنسة عُكْرش. إنها صديقتي وهذا كل ما يهم"، أعلنت كريستي وهي تربت على ليورا دون تردد. راقب البالغَان كريستي للحظة، ثم ابتسما. "هذا صحيح. لا يهم الأمر حقاً"، أومأت والدة كريستي. "بالضبط. إنها عُكْرشنا المحظوظة. لذا لا يمكننا إخبار الغرباء بشأنها"، قال الدكتور ريوس بحزم. أومأت الأم وابنتها معاً. شعرت ليورا بالارتياح. أرأيتِ، لقد آلت الأمور إلى خير. حتى الآن. لا يمكنك خفض دفاعاتك، حسناً؟ كان على ليورا الموافقة هناك. قد تقبلها هؤلاء الثلاثة، لكن من يدري ما سيقوله الآخرون إن علموا بأمر عُكْرش قادرة على التطور؟ كانت تشك في أن الجميع سيكونون بمثل رحابة صدر كريستي والدكتور ريوس. ولنكن صادقين، لا تزال متوجسة بعض الشيء من الطبيب الدجال. شيء ما في داخلها كان يخبرها بأن توخى الحذر من ذلك الرجل، ولم يكن رينير وحده. لكن إناء ليورا بات فارغاً وبطنها ممتلئة. منحت أصابع كريستي قضمة خفيفة وودية ثم حلقت بعيداً. احتاجت إلى أن تصبح أشد قوة وأن تتطور مجدداً. إن كان السحرة يتعقبون أثر رينير، فعليها أن تكون مستهَدة لقتالهم وجهاً لوجه.