حدّقت ليورا في رينير. حدّق رينير فيها بالمقابل. لمعت عيناه بجمال طغى على السطح الموشور لجسده. حاول اصطناع ملامح جادة، لكن ليورا لم تبصر فيه سوى الكائن الألطف.
قالت ليورا بإعلان، واختطفت رينير قبل أن يتمكّن كاسبيان من الاحتجاج: "حسناً! لم يُصقل جسدك على الإطلاق. انظر إلى هذه البقعة!"
سحبت ليورا خرقة الصقل عجلًا وشرعت في تنظيفه.
تذمّر رينير: "مهلاً، توقّفي! ألَيْس لديك شيء آخر تقولينه؟ أتراينني مجرد جائزة لامعة تملأين عينيك من رؤيتها؟ أيّتها العقعقة الشهوانية!"
أعلنت ليورا وهي تواصل صقله بلا هوادة: "ابحث عن الثبات. قدماك الصغيرتان متسختان حقاً. يجب أن نعيدك إلى سيرتك الأولى من البريق! هل من تعويذة لهذا الأمر ربما؟ سأكون مستعدة لإنفاق أحجار الوميض لشرائها."
قال رينير وهو يلوّح بذراعيه الصغيرتين بغضب: "لن نُضيّع خانة مهارة ثمينة لقاء تعويذة تنظيف!"
ضحكت سي.
"حقاً، أنتما الاثنين... هل كان هذا الانفصال الدرامي ضرورياً أصلاً؟ كأنّ شيئاً لم يحدث."
ضحك كاسبيان بدوره.
"لن أکذب، توقعت أن يكون نقاشكما أكثر جدية. حول أي شيء تشاجرتما أصلاً؟"
سأل رينير بريبة: "حول أخي. آه، ما زلت غير مصدق أنك رأيته. أين كنت طوال هذا الوقت؟"
اختلجت ليورا بعصبية. أتكذب وتقول إنها كانت تحلق هنا وهناك فحسب؟ لا، فهؤلاء هن الأشخاص الذين لا ترغب ليورا في الكذب عليهم. لقد شعرت بسوء شديد أصلاً لخداعها كاسبيان.
"ربما كنت أقضي بعض الوقت مع أينير..."
زمجر رينير: "ليورا..."
هتفت سي: "أرجوكما، لا تبدآ الشجار مجددًا!"
قالت ليورا: "مهلاً، كان لدي سبب وجيه. يعاني أهالي هذه المملكة الصحراوية حقاً. جفّ نهرهم منذ فترة، وهم يكادون يتضورون جوعاً الآن. الوضع سيئ حقاً. أخبرني أينير أنهم كانوا يحاولون الحصول على بلورات الماء من النمل البشري لاستعادة جريان النهر."
تنهّد رينير بشكل درامي. حسناً، بالقدر الدرامي الممكن لحجر يخلو من جهاز تنفس وفم حقيقيين.
"حسناً، ولم يخطر ببالك أبداً أن هناك سبباً لامتلاك النمل البشري لتلك البلورات المائية؟ ولعلّ احتواءهم على كمية هائلة من بلورات الماء كان أمراً ضرورياً لهم. فأين سيجدون الماء في الصحراء غير هذا المكان؟"
خمنت ليورا: "الواحات؟"
"وكيف سحمل النمل كل ذلك الماء إلى تلّه وبأعداد تتجاوز الآلاف المؤلفة حرفياً؟ أرايتهم يركضون هنا وهناك حاملين قوارير الماء؟"
لو استطاعت ليورا العرق لتصبّبت عرقاً على الأرجح في هذه اللحظة. شعرت فجأة بأنها حمقاء للغاية.
"لا..."
"لهذا السبب غضبت منكِ إلى هذا الحدّ عندما تقربتِ من أينير بهذه السهولة. قد يبدو شخصاً طيباً، لكنه ليس قديساً. لا يهاب أينير اتخاذ تدابير قاسية لبلوغ ما يعتقد أنه الخير الأعظم. لماذا يعنيه نهر جاف في هذه البلاد أصلاً؟"
قالت ليورا: "إنه الساحر الملكي أو ما شابه ذلك. وهو واقع في حب الأميرة بجنون."
رفع كاسبيان يده فجأة وقال: "لدي سؤال."
نظر إليه الجميع بفضول.
رمقه رجل الحوت بريبة ومقتاه مضيقان: "كيف يمكن لطائر بشري أن يصبح ساحراً ملكياً في مملكة بشرية؟ كنت واثقاً تماماً من أن البشر يكرهون البشر الوحوش بكل أنواعها."
عمّ صمت مشحون للحظة تخللتها نظرات متبادلة بين ليورا وسي ورينير. اللعنة! لم يكن كاسبيان يعلم بعد أنهم جميعاً بشر في الواقع بطريقة أو بأخرى.
"حسنًا، كما ترى... أخو رينير هو في الواقع—"
قاطعت سي ليورا فجأة قائلة: "يكفي كذباً. إن كان كاسبيان سيرتحل معنا، فأعتقد أنه يستحق معرفة الحقيقة."
ضيق كاسبيان عينيه: "أي حقيقة؟"
اقترحت ليورا: "لنصل إلى واحة أولاً. لا نريد أن نُقلى أحياء هنا."
وافق كاسبيان: "حسنًا جداً"، لكن طباعه المعتادة الهادئة كانت تبدو أكثر توتراً بكثير.
يا لها من فوضى عارمة! لم تدرِ ليورا كيف تتعامل مع كل هذا حتى. كانت الأمور الكثيرة تتكاثر بإفراط. وتحين لحظة تحولها إلى هيئة التنين الخرافي وحملها كاسبيان، شعرت بساقيها ترتجفان قليلاً. كان كل ذلك أكثر من طاقتها. وما كانت سوى عقعقة لا غير. بدا كاسبيان وهو يضبطهم متلبسين بالكذب بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعث. الوضع مع أينير والمملكة البشرية، والحرب المهددة بالاندلاع بينها وبين النمل البشري، والنهر الجاف، والفناء المحتمل للنمل البشري.
ناهيك عن ختم رينير. أرادت ليورا الهرب من كل ذلك فحسب. وحتى عندما أقلعت، شعرت بعدم الاتزان. اضطرت للخفق بجناحيها ضعف المعتاد لترتفع في الجو، وبدا أن تيارات الهواء تهرب منها فجأة. حتى إن سموكي بدا أقل صعوبة منها في الطيران.
همس رينير وقد تم تثبيته بخيط يلتف حول عنقها: "ليورا، أأنت بخير؟"
اعترفت قائلة: "أنا... لا أظن أنني بخير..."
ههدأها: "لا بأس. سنتجاوز الأمر، مشكلة تلو الأخرى، أليس كذلك؟"
"حسنًا..."
بلغا قريباً واحة خالية. وبدت بمثابة محطة توقف اعتيادية للنمل البشري، إذ كانت آثار أقدامهم مرئية على الرمال بجوار الواحة. وفسر ذلك سبب خلو المكان من الوحوش هنا، سوى بعض الحيوانات الصغيرة.
طالب كاسبيان بمجرد أن أنزلته ليورا في الماء: "والآن، فلنستمع إلى تفسيركم. لماذا استطاع شقيق رينير تقلد منصب الساحر الملكي في مملكة بشرية؟"
بدا مخيفاً بعض الشيء وهو غاضب. ولعلّ السبب يعود إلى التباين الصارخ. فعادةً ما كانت تبدو عليه ملامح الهدوء والاسترخاء. وحتى عندما نُفي من مدينة شعوب الحوت، لم يبدو سوى حزين قليلاً، وربما متوتر، لكنه لم يكن غاضباً. والآن بدا الأمر وكأن عاصفة رعدية تتجمع فوق رأسه. رمقت ليورا رينير بعصبية، ثم التفتت إلى سي.
أصرّت سي: "علينا إخباره بالحقيقة."
أوضح رينير: "نعم، أظن أنه من الإنصاف فعل ذلك. ولنكن واضحين، لم نكذب عليك خصيصاً. لقد كنا نكذب على جميع شعوب الحوت بغية ضمان بقائنا فحسب."
استرخى تعبير كاسبيان قليلاً، لكنه بقي يبدو صارماً.
"تفضّلوا إذن. اشرحوا لي الحقيقة."
توقف رينير لحظة، كأنه لم يذكر أينير من الأساس: "الكلام الذي قلته عن كونِي طائراً بشرياً هو كذب. أنا لست طائراً بشرياً. ولا أخي كذلك. أنا ساحر بشري. وفي الواقع، أنا أحد أقوى السحرة، عمود السحر المفقود، وأنا—"
قاطعت ليورا: "حسناً، لسنا بحاجة لمحاضرة عن قصة حياتك كلها."
"أحم، عذراً."
طرف كاسبيان بعينيه مراراً: "أنت بشر! لكن ماذا عن قصة كونكم تجارب وأن سيدكم يلاحقكم؟"
قال رينير: "نعم، كانت تلك كذبة أيضاً. فالرجل الذي يلاحقنا هو عدوي في الواقع. أحد الأشخاص الذين وضعوني في هذه الهيئة. قلنا فحسب إنه سيدنا الذي يجري تجارب لأن القصة بدت محزنة."
نظر كاسبيان إلى سي وليورا وسموكي وسأل: "وماذا عنكم أنتم الثلاثة؟ ألستم تجارب لساحر مجنون؟"
أجابت سي: "لا، فنحن بشر أيضاً في الواقع."
هتف كاسبيان: "ماذا؟!"
صححت ليورا: "كنا بشراً. كُنّا. ومن عالم مختلف كلياً، للعلم. لكننا وُلدنا من جديد على شكل وحوش. حسناً، وُلدت سي من جديد على شكل عنكبوتة عملاقة. وما كنتُ سوى عقعقة حتى سرقت رينير من السحرة الأشرار، وثبّت النظام عليّ."
تشبث رجل الحوت برأسه واهتز: "تثبيت النظام؟ والولادة مجدداً كوحوش؟ لا شيء من هذا معقول."
قالت سي: "نعم، نحن حفنة غريبة. لكن هدفنا في النهاية لا يختلف كثيراً. كل ما نريد هو تحرير رينير فحسب. آه، ليتني أنال هيئة أقرب للبشر! أتدركون كم هو صعب أن يكون المرء عنكبوتة؟ الجميع يخاف منكم. ولا أستطيع الظهور في مدينة بشرية أبداً!"
ظل كاسبيان ممسكاً برأسه.
"إذن فطوال هذا الوقت كنت أرتحل مع أربعة بشر."
صححت ليورا: "لا، ثلاثة بشر. سموكي تنين صغير فحسب بالفعل."
ناغته سي وهي تربت على رأس التنين الذي هزّ ذيله بسعادة، ناثراً الرمال في كل مكان: "أليس الولد الأطيب على الإطلاق؟"
لقد كان يزداد شبهاً بكلب عملاق يوماً بعد يوم. رفع كاسبيان نظره إلى سي، وحدّق في سموكي لبرهة، ثم شرع يضحك.
"إنه لحسن طالعي أن أقع مع حفنة من البشر..."
توقفت سي عن التربيت على سموكي ونظرت إلى كاسبيان. لم تستطع ليورا تبين ما يدور في ذهن العنكبوتة تماماً، لكن ساقيها اهتزتا برفق. أكانت تخشى ما سيقوله كاسبيان؟
"أتكرهنا الآن؟"
توقف كاسبيان، ناظراً إلى سي. وبعد فترة طويلة من التحديق المتبادل بينهما — إذ كان هناك شيء مريب يجري بين الاثنين — تنهّد كاسبيان.
"لا، لا أكرهكم. أكره أنكم لم تخبروني بالحقيقة مبكراً. لكنني ما زلت ممتناً للغاية لأنكم أخذتموني معكم. صدقوا أو لا تصدقوا، أنا لا أكره البشر بقدر كره بني جنسي."
قفزت سي في الماء وجذبت رجل الحوت في عناق عنكبوتي حقيقي. بدا الأمر مرعباً بعض الشيء بصراحة. وكأنها تستعد لأكله.
قالت سي: "أعدك أننا النوع اللطيف من البشر!"
عقّب كاسبيان: "لقد كنتم ألطف معي من أبناء جنسي أنفسهم، سأعطيكم هذا القدر. لكن لا كذب بعد اليوم!"
وافقت سي: "لا كذب بعد اليوم!"
قال رينير وهو يرفع نظره نحو ليورا: "ممتاز. وبما أن هذا الأمر قد انتهى، فلننتقل إلى أمور ملحة أخرى. أخبريني بالضبط بما كنت تفعلينه طوال هذا الوقت. أو بالأحرى، ماذا جعلك أينير تفعلين؟ ذلك النفعي اللعين سيحاول بالتأكيد استغلالك بطريقة ما."
تمتمت ليورا: "حسنًا..."
وبدأت في سرد قصتها. أخبرتهم عن وقتها في العاصمة، وهي تسرق المجوهرات لتدريب مهارة السرقة لديها. ونتيجة لذلك، حسنت الكثير من مهاراتها الأخرى في الواقع، مما جعل ذلك الوقت مجدياً حتى وإن لم تكسب أي مستويات أو أحجار وميض. أخبرت رينير بكل ما ققال أينير، بما في ذلك عرضه لمساعدته، وتهديده بإبادة النمل البشري إن لم تستطع ليورا سرقة بلورات الماء.
هتفت سي: "يا له منغليظ! لقد كان يبتزك!"
قالت ليورا: "أعني... حين أقولها هكذا الآن، تبدو ابتزازاً حقاً. لم تبدو كذلك في ذلك الوقت. فقد كان يبدو ودوداً على الدوام."
"لقد فرّطتِ في حذرك حوله لمجرد أنه أخي. لكني لا ألومك على ذلك حتى. هكذا هو أينير دائماً. لقد كان بارعاً دوماً في التلاعب بالناس لينال ما يبتغيه بالضبط. لهذا غضبت منكِ عندما سمعت أنك تحدثت إليه. تدرين... أنا..."
توقف رينير فجأة عن الكلام، صامتاً بطريقة لا تُعطى عنه عادة.
ميلت ليورا رأسها: "ماذا؟"
هتف فجأة: "لا، لا شيء! تابعي قصتك!"
أنهت ليورا قصتها بالكارثة التي وقعت في مجلس النمل البشري. كيف باتوا مقتنعين الآن بأن غزو البشر أولاً هو الحل الوحيد للمشكلة؟
أشار كاسبيان: "لقد أحدثتم فوضى عارمة حقاً."
عذلت سي: "اصمت!"
لكنها أضافت بعد هنيهة: "نعم، هذه فوضى عارمة بحق... ماذا نفعل؟"
قال رينير بلا مبالاة: "لاشيء."
حدقت فيه ليورا بسخط: "ماذا؟"
"قد تعتقدين أن هذا خطؤك، لكن فكري في الأمر ملياً. لقد حاول البشر بالفعل سرقة بلورات الماء. وكانت مسألة وقت قبل أن يصعّدوا الصراع. ربما كان اكتشاف النمل البشري للأمر أمراً جيداً في الواقع. فلدي هم الوقت للتحضير. وربما يتسنى لهم اكتشاف طريقة لتفادي الإبادة بهذه الطريقة."
سألت ليورا: "ولكن ماذا عن المدنيين؟"
أجاب رينير: "الموت على أيدي النمل البشري أو الموت جوعاً. قد يكون الخيار الأول رحمة في الواقع بدلاً من الموت البطيء والمؤلم."
اتهمته سي: "كيف يمكنك قول ذلك؟"
صاح رينير فجأة: "انظروا إلينا! أنا حجر. وأنت عنكبوتة. وليورا طائر، وسموكي تنين، وكاسبيان سمكة."
صحح كاسبيان: "أشبه بفرس البحر."
"أياً يكن! المغزى هو أن خمسة منا فقط عالقون في خضم صرع بين أمتين لا ننتمي إليهما أصلاً. ماذا يُفترض بنا أن نفعل؟ أن نطلب من النمل البشري ألا يدافع عن نفسه؟ أن نطلب من البشر الموت جوعاً فحسب؟ لكلا الطرفين أسباب وجيهة فيما يفعلاه"، بدا الإحباط جلياً في صوت رينير.
وأضاف بعد هنيهة: "أتمنى لو لم تكن الأمور هكذا، لكن العالم غالباً ما يكون مكاناً قاسياً..."
عمّ صمت ثقيل بينما كان الجميع يقلبون كلمات رينير في أذهانهم. لقد كان على حق، هذا ما أدركته ليورا. لم تكن سوى ذرة في مهب الريح، يحملها العباب هنا وهناك. ولم استطع تغيير العباب مهما حاولت جاهدة.
قال كاسبيان بعد برهة: "أظن أن علينا التركيز على كسر ختم رينير ومغادرة هذا المكان."
أومأت سي وليورا برأسيهما. عليهما التركيز على الأشياء التي يمكنهن التأثير فيها. التركيز على ما تستطيعان فعله. لكن ليورا لم تكن سعيدة بهذه النتيجة. لا بد من وجود حل.
هتفت ليورا فجأة: "لا! هذا ليس كافياً! سنصعد ذلك النهر ونرى ما إذا كان هناك ما يمكننا فعله لاستعادة جريان النهر. أليست لدينا عنكبوتة بداخلها نواة سماوية؟ يُفترض أن تكون قادرة على غرق الكوكب بأسره!"
تذمرت سي: "مهلاً، دمج النواة السماوية لم يبلغ سوى 3 بالمئة!"
أصرت ليورا: "لكن علينا المحاولة على الأقل!"
حرّك رينير ذراعه بغضب: "أيّتها الطائرة المزعجة! لماذا تثيرين المتاعب دائماً؟"
تحدّته: "أتعارضني؟"
"لا... لكننا سنكسر ختمي أولاً. أنا أعرف المكونات التي نحتاجها. عليكِ جمعها فحسب."
أومأت ليورا. شعرت بأنها عادت لنفسها مجدداً. ربما تستطيع، برفقة أصدقائها، حلّ هذه الفوضى برمتها.