سألت ليورا سي: "إذن كيف تسير الأمور هنا؟"
عادت إلى تلة النمل وتجنبت رينير طوال الوقت. بدا الأمر محرِجاً حقاً حين طارت بالقرب منه ولاحظها. كيف؟ كان انزلاقها الظلي خفياً تماماً في هذه الأنفاق المظلمة. شعرت بالذنب لتجاهلها له في البداية. ربما كان مستعداً للاعتذار وإصلاح ما حدث.
قالت سي: "بصراحة، الأمر مزعج للغاية. نمل الكهوف يستنزف قوانا كل يوم. صنعت الكثير من حرير المد والجزر والحرير العادي ونسجت خيوطاً عنصرية عديدة حتى ارتفعت مستويات مهاراتي مرات ومرات. لقد بلغ حرير المد والجزر مستوى الخبير بالفعل!"
قالت ليورا: "لكن هذا أمر جيد".
"نعم، لكنني أشعر وكأنني أنفد باستمرار. لم أختبر هذا الشعور من قبل. كأن حريري قد نضب كله، والشعور غريب حقاً!"
"ألا يُخزَّن في جسدك؟ ظننت العناكب تصنع الحرير فوراً".
قالت سي: "أعتقد أنه يُصنع بالفعل في الحال، لكن لابد أن هناك غدداً أو ما شابه داخلي تحوي المكونات اللازمة للحرير. لا يمكنني صنعه من العدم. أياً كانت تلك الأعضاء المنتجة للحرير وكيفما عملت، فقد استُنفدت تماماً وبشكل كامل!"
قالت ليورا: "وماذا عن سموكي؟ هل تمكنوا من إيجاد عمل له؟"
"انضم إلى نمل النقل. يجبرونه على الطيران نحو الأماكن التي تحوي طعاماً. تحسن كثيراً في ذلك، رغم تردده في الخروج من دوني. نجح أحد نمل الاستطلاع في توطيد علاقته به ليتبع إرشاداته، لكنني أخشى أن يقضم أحد النملات إن ضغطن عليه أكثر من اللازم..."
كان هذا تخوفاً وجيهاً. رغم دهشة ليورا من استعدادهم لفصل حيوان أليف عن صاحبه. هؤلاء النمل يقدرون كفاءة العمل فوق أي شيء آخر.
"وماذا عن كاسبيان؟ هل حُوِّل إلى طبيب نمل؟"
"تقريباً. لكن المسكين يكره الأمر حقاً. يقول إنه يذكره كثيراً بمدينة حورية البحر. ويرغب في مغادرة هذا المكان في أقرب وقت ممكن لأنه مظلم ومكئب للغاية"، توقفت سي لبرهة ثم تابعت: "أعتقد... أعتقد أنه يعاني حقاً. أوافقك الرأي في ألا نبقى هنا لفترة طويلة. فرغم أنني أؤيد النمو المتسارع للمهارات، إلا أن هذا كثير جداً".
سألت ليورا أخيراً: "وماذا عن رينير؟"
أطالت سي في الكلام: "حسناً..."
"دعيني أخمن. ما زال محشوراً في تلك الغرفة يقرأ ذلك الكتاب القديم".
أقرت سي: "نعم، تقريباً"، ثم أضافت: "أخشى أن نظل عالقين هنا طويلاً بمثل هذه المعدلات".
قالت ليورا: "لا، لا أظن أن أمامنا خياراً سوى المغادرة قريباً".
"ماذا تعنين؟"
اقتربت ليورا أكثر وفتحت منقارها. لكن النمل كان يملأ المكان. لم يفهم أغلبهم لغة التخاطب المشتركة، غير أن بعضهم كان يفهمها، ولا يمكن للمرء معرفة النملة التي تستمع إليه.
"سأشرح كل شيء لاحقاً. ولدي بعض الأمور لأقوم بتسويتها برفقة آينير".
سترت سي وهي تقترب أكثر: "آينير؟ تقصدين شقيق رينير؟ كيف هي هيئته؟ أهو عجوز بلحية بيضاء طويلة؟"
"لا! إنه شاب وسيم ذو شعر أحمر قصير".
"لا تصدق! أريد مقابلته!"
قالت ليورا: "أظن أن الفرصة ستاتيك قريبًا بما فيه الكفاية".
أمالت سي رأسها العنكبوتي جانباً: "حقاً؟ ما الذي تحيكينه؟"
"أريد فقط المساعدة في حل مشكلة، وصقل مهارة معينة أثناء ذلك. أتيت إلى هنا لأقول إنني سأغيب لبعض الوقت".
"يا للهول، كم يبلغ طول هذا البعض؟"
"أعدك أن أكون أسرع مما يفعله رينير مع ذلك الكتاب".
أومأت سي برأسها، ثم اقتربت فجأة من ليورا وضمّتها في عناق محرج بعض الشيء. فأجسام العناكب لم تُصمَم خصيصاً للاحتضان.
"أريد للأمور أن تعود كما كانت. أن نسافر معاً. هذا الانفصال لا يناسبني".
أحاطت ليورا سي بجناحيها فغمرتها تماماً.
"سننجز أعمالنا هنا، وبعدها ستعود الأمور إلى سابق عهدها".
أومأتا إحداهما للأخرى، ثم تحولت ليورا مجدداً إلى هيئة العقعق. وستعود الآن إلى آينير. في الحقيقة، لم يكن لقاء سي هو السبب الوحيد لوجود ليورا هنا. بل كانت ترغب أيضاً في رسم خريطة أدق لتلة النمل. مختبئة بمعظمها خلف الانزلاق الظلي، طارت ليورا إلى أماكن لم تطر إليها من قبل، لتستكشف التخطيط وتتعرف عليه. كان المكان ضخماً للغاية. ولم يكن بإمكانها الطيران في كل مكان بحرية تامة.
فقد وُجدت منطقة معينة في تلة النمل حيث كان نمل الكهوف يعترض طريق ليورا باستمرار.
"هل ضللت طريقك؟"
"يجب على جميع الضيوف العودة من هذا الاتجاه".
"عذراً، عذراً. النمل فقط!"
كان نمل الكهوف، ممن لا يجهلون لغة التخاطب، يقرقعون بفكوكهم في وجه ليورا، مما أجبرها على التراجع. لم يكن الانزلاق الظلي كافياً لإخفائها عن عيون النمل الكثيرة في المستعمرة. لكن هذا الاستكشاف كله جاء ببركة.
[بلغت ميزتك <الانزلاق الظلي> أقصى إمكاناتها. هل تريد ترقيتها مقابل 100 حجر وميض؟]
نعم! لقد حان الوقت لترقية الانزلاق الظلي. أرني ما لديك.
[تتوفر متغيرات <الانزلاق الظلي> (الرتبة 2)]
[جناح الشبح – في المستوى <الأساسي>، يترك خلفه صوراً باهتة تظل عالقة لفترة وجيزة. قد يخطئ المراقبون في الظن بأن الوهم هو الموقع الحقيقي للمستخدم، مما يقلل دقة الهجمات بعيدة المدى والمطاردة.]
بدا هذا مشابهاً جداً لملاشي الخداع، ولم تكن ليورا مهتمة بامتلاك مهارَتَيْ تسلل تؤديان الغرض نفسه، حتى لو كانت إحداهما أكثر استقراراً. لا، بل أرادت شيئاً مختلفاً تماماً.
[حجاب الليل – في المستوى <الأساسي>، يلف المستخدم بحجاب رقيق من الظلام أثناء الطيران. يخفي الحركة بشكل كبير في البيئات الخاتمة ويحجب جزئياً الخطوط العريضة لجسم المستخدم حتى في الإضاءة المعتدلة.]
يكاد هذا يكون ترقية مباشرة للانزلاق الظلي. ولا شك أنه سيخفيها بصرياً بشكل أفضل، لكنها ستفقد تأثير كتم الصوت. وقد يشكل ذلك مشكلة، نظراً لأن ضربات أجنحتها ليست صامتة تماماً.
[صمت المفترس – في المستوى <الأساسي>، يكتم تماماً كل الضوضاء الصادرة أثناء الطيران، بما في ذلك ضربات الأجنحة، والكلام، والأصوات الناتجة عن المهارات، وغيرها.]
يا للهول، ألا يمكنني دمج هذا مع حجاب الليل؟ لكان ذلك مثالياً حينئذ. لكن ميزة كهذه ستكون قوية للغاية. فالعدو الخفي وغير المسموع دائماً سيمثل أفضلية غير عادلة إلى حد كبير. ما الذي تمنحه ليورا قيمة أكبر؟ أن يصعب رؤيتها أم يصعب سماعها؟ كان الجواب واضحاً تماماً حين فكرت ليورا في الأمر. إنها عقعق. وغالباً ما تستخدم المحاكاة لمهاجمة الأعداء وإرباكهم. ماذا سيحدث لو ظل صوتها مكتوماً طوال فترة الطيران؟
هل توجد أصلاً طريقة لتعطيل هذه الميزة؟ فالتحرك الظلي ليس شيئاً تستطيع ليورا تعطيله بكل تأكيد، لذا فمن المنطقي أنها لن تستطيع تعطيل صمت المفترس أيضاً. ربما يعرف رينير الإجابة... هزت ليورا رأسها. فهي لا تحتاج إلى قراره لتختازه.
[هل ترغب في ترقية ميزتك <الانزلاق الظلي> إلى ميزة الرتبة 2 <حجاب الليل> مقابل 100 حجر وميض؟]
نعم!
[تمت ترقية ميزتك.]
وبينما كانت ليورا لا تزال تطير عبر المستعمرة، لاحظت الفرق فوراً تقريباً. فإذا كان الانزلاق الظلي يجعل رصدها أصعب في السابق مع إبقائها مرئية، فإن هذه الميزة غلفت جسدها. بدا الأمر غريباً حقاً. ففي الظلام الدامس لتلة بالكاد تستطيع رؤية نفسها. وبدا الأمر حقاً وكأن جسدها قد غطي بحجاب رقيق من الظلام. وظهرت بعض الأجزاء بوضوح، لاسيما صدرها الأبيض والوميض العرضي لريش جناحيها وذيلها المتقزح.
لكن هذا كان مجرد المستوى الأساسي. ولم تكن ليورا تشك في أنها ستصبح غير مرئية تقريباً في المستويات الأعلى. أما عن ضجيج خفقان أجنحتها... فلم يكن ملحوظاً تقريباً داخل تلة النمل، حيث ترددت خطوات النمل المستمرة عبر الأنفاق. للأسف، لم تكن هذه الترقية كافية لكي تتسلل ليورا إلى الأجزاء الأعمق من المستعمرة. فقد لاحظها النمل في النهاية وأجبرها على الارتداد. وقررت أن الأمر لا يستحق مجازفة إغضاب نمل الكهوف، فعادت إلى آينير.
كان الساحر ينتظرها بفارغ الصبر، مستفسراً عن تخطيط مستعمرة النمل.
قالت ليورا بحزم: "لن أعطيك إياه!"
"ماذا؟ لمَ لا؟"
ضيق عينيه.
"لأنني أحبهم. إنهم مهووسون بالعمل بجنون، لكنهم رحبوا بنا في تلتهم رغم كوننا غرباء تماماً".
أشار آينير قائلاً: "إنهم يستغلونك!"
ردت ليورا: "تماماً كما تستغلني أنت. تماماً كما ظل رينير يستغلني طوال هذا الوقت. ما الجديد في الأمر؟ سأكون أنا من يقوم بالسرقة على أي حال، لذا فلست بحاجة إلى الخريطة من الأساس".
فرك آينير صدغيه وتنهد: "أنت طائر عنيد حقاً، أليس كذلك؟"
"أنتم البشر مصرون جداً على إنجاز كل شيء بالطريقة التي تناسبكم. إذن ماذا عن الجزء الآخر من الخطة؟ لقد أردت مني سرقة بعض الأشياء لكي أطور مهارة السرقة لدي".
ابتسم آينير: "نعم، لكن هذا لا يعني أنه يمكنك التجول لسرقة الأشياء الخاصة بالفقراء في المدينة. لدي قائمة بالأهداف".
ضيق ليورا عينيها: "أراهن أنهم مجرد الأشخاص الذين لا تحبهم".
هز آينير كتفيه: "لا يمكنني إنكار ذلك. لكنهم أيضاً بيروقراطيون أغنياء ومتعجرفون يأملون فقط في تحقيق الربح على حساب الأشخاص الذين يعانون بالفعل".
قالت ليورا: "أهذا صحيح؟ حسناً، طالما أنني لا أسرق بعض المزارعين الفقراء، فأنا لا أبالي. على الأحرى أن يتشارك الأغنياء ثرواتهم".
"بالضبط. إذن إليك هدفنا الأول"، قال آينير وهو يخرج خريطة المدينة.
أشار إلى عدة مواقع لليورا، والتي وضعت لها علامات ذهنية في خريطة نقابتها، كل موقع بلون مختلف. ومن الجيد أنهم يملكون مثل هذا النظام المرتب؛ وإلا فلست متأكدة من قدرتها على تذكر كل ذلك. لا بد أن رينير هو من أضاف هذه الميزة. لكنها دفعت الفكرة سريعاً عن ذهنها وركزت على كلمات آينير. فقد شرح بوضوح لا لبس فيه هوية كل من أهدافها وما ينبغي سرقته منه. لم تعطِ ليورا بالاً لكلامه.
فلم تكن تهتم بألقابهم أو وظائفهم. فهم أغنياء وأغبياء بخلاء. لقد فهمت الأمر. أما عن الأشياء الأكثر قيمة للسرقة... فسوف تستمع فقط لحاسة الكنز لديها. فهي تعرف تماماً ما هو أفضل شيء يُسرق.
أشار إلى منزل علمته بلون أحمر وقال: "أقترح أن تبدئي بهذا المنزل. وسيكون أفضل حتى إن فعلت ذلك في وقت متأخر من مساء اليوم".
"لمَ هذا بالذات؟"
ابتسم آينير بخبث: "قد تقام حفلة في هذا المنزل في وقت لاحق اليوم تضم الكثير من الضيوف الأثرياء. سيأتون جميعاً لمشاهدة جوهرة معينة ينوي صاحب المنزل إهداءها لسيدة معينة يرغب في الزواج منها".
"لماذا لا يمنح تلك الجوة لتلك السيدة وحسب؟"
أجاب آينير محاولاً إخفاء ابتسامة خبيثة: "يريد التفاخر بها أولاً. وأعتقد أنه سيكون مناسباً لو أن الجوهرة... اختفت فحسب".
بدا وكأنه لا يروي القصة كاملة، لكن ليورا شعرت أيضاً بأن الأمر سيكون أشبه بالعدالة الشعرية. رغم استيعابها لرغبته في التفاخر بجوهرة جميلة. لكن من ناحية أخرى، لم تتلقَ ليورا أي شيء براق منذ فترة طويلة. بالتأكيد، كان يمتلك الكثير من أحجار الوميض، ولكن ماذا عن الكنووز الحقيقية؟ بالكاد امتلكت شيئاً. لقد كان الأمر فضيحة بكل صدق. بحلول هذا الوقت، كان يفترض بها سرقة أفضل الكنووز في البلاد، لكنها لا تملك شيئاً.
حسناً، لقد امتلكت نواة الوميض الخاصة بملكة أسماك القرش، إلى جانب عملة ذهبية واحدة. كان ينبغي يكن كنزها أكثر إثارة للإعجاب بكثير الآن. كان على ليورا تدارك هذا الخطأ. ولمَ لا تفعل ذلك بأسلوب أنيق عبر اقتحام حفلة بعض الأثرياء؟