العقبرة والساحر الأعظم - الكتاب الثاني الفصل 176

اقرأ العقبرة والساحر الأعظم - الكتاب الثاني الفصل 176 باللغة العربية على مانجا تايم.

كرهت ليورا هذا المكان. كرهته أشدّ الكراهية. تقريباً بالقدر نفسه الذي كرهت به تلك العيادة التحت أرضيّة. وما ميّز هذا المكان بشيء سوى أنّ النمل لم يكن يراقب كل خطوة تخطوها. حسناً، لم يكن ذلك صحيحاً تماماً بالمعنى الحرفي. فقد قيدت ليورا ومرافقها إلى غرف خاصة بالضيوف. حظيت سي وسموكي بأكبر غرفة، وكانت قريبة نسبياً من السطح حيث الطقس أدفأ. أمّا غرفة كاسبيان فكانت في أعماق الأرض، وتضمّ حوض ماء خاصّاً يستطيع فيه الاسترخاء على هيئة رجل البحر خاصّته.

أرادت ليورا البقاء خارج مستعمرة النمل، وكان النمل لطيفاً بالقدر الكافي لمرافقتها إلى الخارج. لكن، قسماً بكل ما يمتلك ريشاً، لقد كان الجوّ هناك حاراً للغاية. أشدّ حرارة حتّى من داخل الزنزانة.

قال رينير: "هذه صحراء حقيقيّة، أتدرين. كانت الزنزانة حارّة بلا شك، لكنّها لا تقارن بالشيء الحقيقيّ. وبالمناسبة، الليالي باردة أيضاً. أحياناً تنخفض درجات الحرارة فيها إلى ما دون الصفر".

نظرت ليورا بحسرة إلى السماء المترامية الأطراف، لكنّها نزلت مجدداً إلى مستعمرة النمل حيث قادها النمل إلى غرفة فسيحة يعبرها نسيم عليل. لقد كان تصرفاً مدروساً بحقّ منهم، لكنّ ليورا لم تستطع منع نفسها من التذمّر حيال كونها تحت الأرض. كما لم تحبّذ انفصالها عن بقية الصحب. أوه، ودعونا ننس أمر مراقبة عدم التتبّع هذا. فبينما لم يكن هناك جنود نمل مخصّصون لمراقبة ليورا تقنياً، كان النمل يمرّ بغرفتهم باستمرار.

وهي تشكّ في اهتمامهم الكبير بأمرها، غير أنّ حقيقة وجود شخص ما بالقرب منها على الدوام أصابت ليورا بالتوتر.

تمتمت ليورا: "يشبه هذا الأمر كوني فرخاً صغيراً مرة أخرى..."

سأل رينير: "فرخاً صغيرًا؟"

"نجل. لم أكن طائر عقعق بالغاً طوال الوقت، أتدرين. لقد خرجت من بيضة مثل سائر الطيور".

بدا القلق في صوت رينير: "ألم يكن الأمر غريباً؟ أن تصبحي طائراً عاجزاً؟"

"أوه، لقد كان مزعجاً للغاية. حدث ذلك فور ولادتي من جديد، لذا تضاعف الارتباك. كنت أعلم أنّني بشرية من قبل، لكنّني لم أستطيع تذكّر الكثير. ولم يساعد أبداً دفع الديدان في وجهي فجأة، وكان إخوتي العقعقيّون يصيحون دائماً طلبًا لمزيد من الطعام. وأسوأ ما في الأمر أنّ العش كان صغيراً جداً، ولم يزدد إلّا شعوراً بالصغر كلّما كبرنا. لا تلهم كم شعرت بالارتياح عندما تعلّمت الطيران أخيرًا".

"أكان الأمر سهلاً؟ تعلّم الطيران أعني".

استرجعت ليورا الذكريات.

"لقد كان... مرعباً، لكنّه أفضل شيء اختبرته على الإطلاق. تلك المرة الأولى التي حملني فيها النسيم إلى الأعلى... حينها أيقنت أنّني سأستمتع بكوني طائراً للغاية".

عمّ صمت لحظي، ممّا جعل ليورا تدرك أنّه كان عاطفياً أكثر مما تحب. نفضت ريشها وتحنحنَت.

تذمرت ليورا: "على أي حال، أنا لا أحب الانفصال عن سي! كان يجب أن تكون غرفنا أقرب. ماذا لو أردت التحدث إليها؟"

هزّ رينير ذراعيه الصغيرين مفعماً بالحماسة بوضوح: "سيكون الأمر على ما يرام. وعدنا جنود النمل في الواقع بإرشادنا إلى كتاب الطقوس القديم غداً. لا أطيق الانتظار! سيكون الأمر رائعاً".

هزّت ليورا رأسها: "أقسم، يمكنهم أخذ والدتك، لكن ما دوت تملك كتابك السحرية فستكون سعيداً".

صمت رينير بغرابة للحظة وانخفضت ذراعاه.

تمتم وهو يدير وجهه بعيداً عنها: "أريد فقط استعادة جسدي".

يبدو أنّني مسست وتراً حسساساً. هل قلت حقاً شيئاً سيئاً إلى هذا الحد؟ أشعر أنني قلت أموراً أسوأ ولم يظهر أي رد فعل حيالها.

"نامي يا ليورا. أمامنا يوم طويل غداً".

شعرت ليورا بشيء من الإهانة جرّاء موقفه البارد المفاجئ. لم تقل حقاً شيئاً سيئاً للغاية. وحتى لو فعلت، ألا يفترض به على الأقل تفسير ما لم يعجبه بالتحديد؟

تذمرت ليورا وهي تجذب رينير وتحشره تحتها: "أنت مزعج للغاية".

احتج رينير: "مهلاً! كفي عن هذا! لست بيضة".

فاخرت ليورا: "بالطبع لا! أنت أكثر ثمناً من أي بيضة في العالم. والآن كفّ عن التبرم واستمتع بريشي الوثير!"

"تعلمين أنّني لا أستطيع حتى ملاحظة الفرق بهذا الجسد أيتها الغبية؟!"

استمر رينير في التذمر تحتها محاولاً الإفلات، لكنّها حشرته بإحكام تحتها واستقرت للنوم. لقد بات غاضباً بالطريقة المعتادة على الأقل. ولم تحبّ ليورا تحول رينير إلى شخص بارد ومتباعد. أيقظ ليورا في الصباح التالي صوت نملة حادّ.

قالت النملة، وكانت إحدى نملات الاستطلاع ذات الجناحين على ظهرها: "استيقظي أيّتها الضيفة! لقد بدأ اليوم، وأمامنا يوم عمل طويل ورائع ننجزه".

"هاه، ماذا!"

فتحت ليورا عينيها مفزوعة من الضجيج المفاجئ.

"أه... أنتِ. صباح الخير، أم..."

وبّختها لاوفي: "اسمي لاوفي. أرجو تذكره أيتها الضيفة العزيزة".

"انتظري... هل تتذكرين اسمي أصلاً؟"

ارتجفت أجنحة لاوفي.

"أنا... أنا... أخجل من الاعتراف بأنّ اسمك قد غاب عن ذاكرتي. أجد هذه اللغة مزعجة بعض الشيء".

"لا بأس، فقط لا تغضبي عندما أنسى أنا الأخرى. أنا ليورا، ومرافيقي يُدعى رينير".

حرّكت لاوفي قرني استشعارها بسعادة: "شكراً لتفهمك. والآن، لا لنضيّع وقتاً يمكن قضائه في العمل. لدينا الكثير من المهام لإنجازها. بصفتكما ضيفين، لن تضطرا بالطبع للعمل بجهدنا نحن النمل، لكن لا يزال هناك الكثير ممّا يجب عليكما إنجازه خلال إقامتكما هنا. لنبدأ بإيصال مرافقك إلى السحرة ليتسنى لهم دراسة الكتاب بالشكل اللائق".

هلّلها رينير: "نعم، لقد كنت أترقب هذا!"

أعلنت لاوفي: "موقف ممتاز!"

وانطلقوا. تحركت النملة بسرعة البرق، متجاوزة أخواتها ومثغرة بشأن الغرف المتنوعة. غرف نوم، غرف طعام، غرف تخزين، غرف منّ، غرف فطر. لقد كانت مدينة متكاملة. ولدى ليورا العارم، كانوا يتعمقون أكثر فأكثر تحت الأرض. بدا الأمر مزعجاً لليورا كلما ظهر منحدر كبير، لذا استسلمت في النهاية وتحولت إلى هيئة العقعق. لقد كانت صغيرة بالقدر الكافي لتتمكن من الطيران داخل الأنفاق على الأقل.

دهشت لاوفي لهيئة عقعق ليورا: "يا للهول، لم أكن أعلم بإمكانك الصغر هكذا!"

"هذا هو شكلي الأصلي. قبل أن أتطور".

"هذا رائع. كانت ملكتنا السلف تنحدر أيضاً من نملة وحشية عادية. لكن بفضل جهودها، نمت المستعمرة وتطورت حتى أصبح كل نملة فيها جندي نمل. نعمل جميعاً بجد لمتابعة إرثها!"

قالت ليورا: "يا له من أمر رائع!"

قال رينير بحماسة: "هذا ساحر حقاً! يجب أن تخبريني بالمزيد عندما تملكين وقتاً فراغ".

تساءلت ليورا عن وجهة ذهاب كل توجسه.

قالت لاوفي: "يمكنك سؤال نمل السحرة عن ذلك. لقد أنقذوا أكبر قدر ممكن من تاريخنا. ويمكنهم إخبارك بأكثر بكثير ممّا تستطيع نملة استطلاع مثلي فعله".

سرعان ما بلغوا إحدى أعمق وأظلم الغرف في المستعمرة. وكانت معزولة عن بقية المستعمرة بنفق طويل. بالكاد يُرى نمل هنا، باستثناء بعض أصغر النمل حجماً ذوي قرون الاستشعار الكبيرة. السحرة.

حيّت إحدى نملات السحرة: "أهلاً ومرحباً! لقد كنا نترقب قدومكم بفارغ الصبر، أيها السحر المحبوس في جوهرة".

قالت نملة ساحرة أخرى: "علينا الشروع في العمل في أسرع وقت ممكن. هناك الكثير ممّا يجب أن نتعلّمه ونفعله اليوم".

قال رينير مشيراً ليورا بوضعه على الطاولة: "أنتما تتحدثان بلغتي. لنباشر العمل!"

استقر كتاب قديم عملاق فوقها. وتعني ليورا بالعملاق، العملاق بحقّ. قد يقتل المرء على الأرجح بمجرد إسقاطه على رأسه.

تذمرت ليورا: "انتظري... أستدرسين كل هذا؟ سيستغرق الأمر دهوراً!"

قال رينير مبتهجاً بحماسة واضحة: "أجزم أنّه لن يستغرقني أكثر من أسبوعين لتحديد الطقوس المناسبة".

نطقت ليورا بصياح: "أسبوعان؟! لا أستطيع قضاء أسبوعين تحت الأرض"، ثم أضافت على عجالة.

"لديكما مستعمرة نمل جميلة، حقاً، لكن بالنسبة لطائر فهي مجرد..."

أعلنت لاوفي: "لا تقلقي يا ليورا! لن نجلس مع نمل السحرة لأسبوعين. لدينا مهمة أخرى لنقوم بها".

طرفت ليورا عيناها: "مهمة أخرى؟"

"نعم. يجب على الجميع العمل مقابل إقامتهم. والآن أسرعا. يجب أن نذهب. كل لحظة لا تُقضى في العمل هي لحظة مهدرة".

حضّت لاوفي: "انتظري، أتريدين مني ترك رينير... وحيداً؟"

"لن يكون وحيداً. سيكون مع نمل السحرة".

"لا، أنا أفهم ذلك، لكن... لا أستطيع مفارقة جانبه"، قالت ليورا.

"أليس كذلك يا رينير؟"

لخيبة أملها، كان رينير منغمساً بالفعل داخل الكتاب، يناقش شيئاً بحماسة مع نمل السحرة.

تذمرت: "رينير!"

"نعم، نعم! افعلي ما ترغبين به!"

لوّح بيد رافضاً إياها. نفشت ليورا ريشها. كيف له أن يجرؤ؟

طمأنتها لاوفي: "لا داعي للقلق على سلامته يا ليورا. هذا أعمق جزء في مستعمرة النمل. لا ينبغي لأي عدو أن يستطيع الوصول إليه أبداً. ناهيك عن وجود نفق هروب إن حدث مكروه".

لم يعجب ليورا هذا الوضع. ولم يعجبها قيد أنملة. لكن رينير لم يبد مهتماً. امتلك البارحة ذلك الموقف البارد، واليوم هذا.

أعلنت ليورا بصوت عالٍ على أمل أن يسمعها رينير ويتفاعل: "حسناً! لنذهب يا لاوفي!"

لم يفعل، ممّا زاد ليورا غضباً.

حضّت لاوفي ليورا على اللحاق بها: "أوه، ستعشقين عملنا. أعلم ككائن يمتلك أجنحة أنك ستدركين سعادتي".

"عملنا يتضمن أجنحة؟"

"نعم! تعالِ، تعالِ! إنّه ممتع للغاية".

طارت ليورا خلف لاوفي التي بدت كأنّها تدفع نفسها للأمام بالحماسة وحدها. كانتا تتجهان صعوداً نحو مخرج المستعمرة. حتّى بلغتاه أخيراً. الصحراء. كان الوقت لا يزال مبكراً في الصباح. تتلألأ أشعة الشمس الأولى متجاوزة الأفق. كان الطقس بارداً، لكنّه لم يكن بارداً بحد لا يُطاق. فتحت لاوفي أجنحتها وطارت عالية في الهواء وهي تؤدي التفافاً دائرواً.

"هاها! أنا أعشق الطيران فحسب. ألا تعشقينه يا ليورا؟"

تفاخرت ليورا وتحولت إلى هيئتها الكبيرة لتجاري جنود النمل بشكل أفضل: "بالطبع، أنا أعشق الطيران. أنا من اخترعته أساساً".

كما أدت التفافاً ودورات معدودة، لتُظهر فقط أن الطائر سيكون دائماً طياراً أفضل من النملة.

قالت لاوفي: "أوه، أنا غيورة! أتمنى لو امتلكت أجنحة بقوة أجنحتك. لكن لا وقت للضياع. لقد حان وقت الاستطلاع!"

"الاستطلاع؟ لأي غرض؟"

"من أجل الطعام، الأعداء، وأي تغييرات في الصحراء. نتحقق نحن الكشافة من كل شيء يومياً. أعتقد بمساعدتك أننا سنتمكن من الاستطلاع إلى مدى أبعد".

بالنظر إلى الأسفل، لاحظت ليورا أنّهما لم تكونا الوحيدتين هنا. خرجت الكثير من نملات الاستطلاع من الفتحات في الرمال وطرن كل واحدة في اتجاه مختلف.

حضّت لاوفي: "والآن، تعالِ، تعالِ! لدينا الكثير من الطيران لننجزه اليوم!"

أومأت ليورا ولحقت بها. لقد بدا الأمر غريباً بصراحة. لقد كنّ يسايرن مجرى النمل منذ وصولهنّ. ولم تكن ليورا كشّافة حتى، ومع ذلك ها هي تستطلع الآن لصالح مستعمرة النمل. من ناحية أخرى، إن غرق رينير في كتبه، فلن تكون ليورا قادرة على فعل حيال الأمر. لم تكن ترغب في الجلوس تحت الأرض لأسبوعين، لذا كان الاستطلاع نشاطاً مرغوباً أكثر بكثير. مع ذلك، أزعجها مدى كفاءة النمل في استغلالهم جميعاً.

فلا شكّ أنهم سيستخلصون الكثير من المعرفة السحرية من رينير. وستُستغل قدرات كاسبيان العلاجية بشكل جيد. وكذلك نسج خيوط سي. رغم عدم تأكدها من كيفية استفادة النمل من سموكي. شعرت ليورا بالتوتر. ماذا لو كان هدفهم تفريقهم والفتك بهم؟ لربما بالغت في التفكير فحسب لأن لقاءاتهم السابقة كانت غير ممتعة قطعيّاً. لكنّها شعرت بغصة ملحة لم تستطع التخلص منها، رغم النسيم العليل الذي داعب ريشها.