لم يستهوِ جِيم قطُّ ارتياد الأكاديمية. ربما عدَّها آخرون امتيازاً، أو فرصةً، بل وربما فرصة العُمر. أمَّا هو، وقد ضَمِن مستقبله بالفعل بفضل عائلة ثرية مرموقة، فلم يَرَهَا سِوى واجب مُملّ. ولهذا السبب، أتقن خلال شهور دراسته فَنَّ تسريع الوقت. هكذا تحوَّل ارتشافه للخمر، وقراءته للكتب غير المُقررة، وعلاقاته العابرة إلى استراتيجية بقاء لا مجرد رذيلة. ومن ثمار هذا التسريع الزمني أن جاء اجتماع الأوروروبوروس الأسود المُرتقب سريعاً.
ارتدى قناعاً ليُخفي وجهه الوسيم وانطلق في المدينة لا طلباً للمتعة، بل لبناء شبكة علاقات. ألقى نظرة أخيرَة على سريره، حيث يُخفي خاتم عائلته وكيس نقوده. ونظراً للسرقة المُستشْرية في المدينة، وحقيقة أنه يُمضي في جزءٍ مجهول منها، قرر ترك مُمتعَتاته الثمينة خلفه. وفوق ذلك، وعلى الرغم من الإعلان عن الاجتماع بوصفه لقاءً تعارفياً غير رسمي بين شباب موهوبين، فقد شعر برغبة في رفع قلنسوة ردائه والتصرف بغموض.
كان هنالك أمر ما في كون المرء غريباً وسيماً يُخفي وجهه. أومأ لنظيرته في المرآة، راضياً عن هيئته، الغامضة، والقوية، والجذابة، ثم استدار ليغادر الغرفة. وحينها تجمَّد، وتوقف لبرهة أخيرة ويده على مقبض الباب. كان هنالك أمرٌ واحد فقط لا يَتَطلع إليه في هذا الاجتماع. وهو حضور ليبوفسكي فيه على الأرجح. لم يَعتذر الفتى بعد، وقد تخلى جِيم عنه بصراحة. وليست تلك بخسارة تُذكر. فهو لا يُريد لهذا الأحمق أن يُفسد عليه متعة التجمع، وأن يقترب منه متذللاً طالباً الصفح بينما هو يلتقي بأناس جُدد.
لم يُدرك تماماً سبب دعوة ليبوفسكي من بين كل الناس، لكنه افترض أن الفتى، إن لم يكن لشيء آخر، ينتمي لعائلة ثرية. ثم إن امرأة بجمال أليس يُسمح لها بارتكاب الأخطاء أحياناً. فتح الباب وغادر مسكنه، وأغلقه خلفه تاركاً المفتاح في مكتب الاستقبال. كان المُجتمع مُقرراً في الحي الميتولوسي الشرقي من سريدينا. ضرورة مؤسفة لمن أراد إبقاء الأمور طي الكتمان. وإلى كون الحي سيئاً، سيُعقد الاجتماع في قبو كنيسة مهجورة.
لم يَبقَ الكثيرون مِمَّن يعبدون مَلِك التحول. موقع بريء تماماً، ولكنه مُقبض بالقدر الكافي لصناعة أجواء لطيفة تناسب جماعة شبه سرية. لا أن جِيم درى ما هي سمات الجماعة السرية لتكون كذلك، فبعد كاريزماته وكتلته الاجتماعية اللتين صعَّبتا جانب السرية، لم يُدعَ قط. سيكون إخفاء تورطه في أي أمر بالغ الصعوبة مع هذا الكم من الأعيُن المُتربصة بكل تحركاته. ولهذا سرَّته دعوة أليس.
لقد دعته لا لاستحقاقه كونه وُلد عالماً، بل لاستحقاقه كونه ساحراً مذهلاً. ولهذا لم تعلم أن أرادت لِاجتماعها أن يظل سرياً، فمن المرجح أنها ما كان ينبغي لها دعوته. مع أنه بالطبع، بذل قصارى جهده كي لا ينكشف. بينما كان يجوب الشوارع، غابت الشمس ببطء. سلك الأزقة الجانبية. فقد عزز ظهوره في حصة القتال من ثقته بنفسه. وجعله تعامله السابق مع شتى اللصوص وقطاع الطرق أشعر بالأمان لسلوك الشوارع الأقل ارتياداً.
وفوق هذا، وبالنظر إلى سياق ما يفعله الليلة، بدا الأمر مُلائماً للغاية. وما إن اقترب كثيراً من غايته حتى لاحظ أنه لم يعد يمشى وحده. كانت هناك شخصية أخرى، يرجح أنها في عمره، تمشي بمحاذاة، ولكن بعيداً بالقدر الذي لا يثير أي ظن بالتتبع المُتعمد. كانت أطول منه بقليل، وتمشي بذات الثقة. غير أن رداءها لم يكن أسود، بل بنياً وأقل ثمناً بما لا يقل عن مئة ضعف. أدار بصره عنها تظاهراً، رافضاً حتى الارتباط مرئياً بمن ترتدي خرقاً...
غير أن إقراره بوجود الشخصية، مهما كان سلبياً، بدا تشجيعاً كافياً لتقترب منه أكثر على دروب الحصى، مما أدى ضمناً إلى الإيحاء بأنهما وصلا إلى مكان الاجتماع معاً. وقف أمام المبنى المُتداعي رجل تفحصهما صعوداً وهبوطاً لدى اقترابهما. كان يشبه إلى حد بعيد أحد قطاع الطرق الذين حاولوا سرقة جِيم في أحد الأيام، غير أن ذلك مُستحيل، فطرد الاحتمال من ذهنه.
سأل الرجل بأدب: "أأنتما هنا لاجتماع الأوروروبوروس الأسود؟"
كاد جِيم أن يلقنه درساً، ظانّاً أن الشخصين جاءا معاً هكذا، لاسيما وأن انحدارهما من طبقتين اجتماعيتين مُختلفين كان واضحاً جلياً. ومع هذا القدر من الوقاحة، كأن الرجل بصق في وجهه.
غير أن ثورته القادمة انقطعت لأن صاحبة الرداء البني انساقت ببساطة مع الافتراض وتحدثت مقاطعة إياه: قالت صوت أنثوي وهي تمد يدها لتُناوله رسالة الدعوة: "نعم، دعوتني فلانة تُدعى أليس".
وبينما كان الرجل بسيط الملبس يفحص الرسالة، سحبت الفتاة قلنسوتها لتكشف عن شعر بني متوسط الطول ومُشعث، لابد أنه تطلب جُهداً كبيراً ليبلغ هذا المستوى من الاشمئزاز لا مجرد القبول. لثانية، ظن جِيم أنه عرفها، لكنه قرر أن من الأفضل عدم الاختلاط بهؤلاء الناس كثيراً، حتى في ذهنه، فطرد تلك الفكرة. بدا له أنه رأى ظلاً أو ظلين يعبران أسطح المنازل الرمادية ذات الطابقين المُحيطة بالساحة حين أدار بصره بعيداً عن المُحاورة، التي عرَّفت الفتاة فيها نفسها بكاتنيس، لكنه عاد فركَّز بصره على المدخل مجدداً بعد سُمِح للفتاة بالدخول.
قدَّم جِيم مذكرته للرجل بالمثل، وبدل انتظار أي إذن بالدخول، تجاوز احتجاجاته مُسرعاً ودخل المبنى. تلك كانت الفجوة بينه وبين كاتنيس. هي تحتاج الإذن بانتظار، بينما جِيم يأخذه وحسب. تلك إحدى إشكاليات ما يُفترض أنه هجاء الأكاديمية. مهما عَلَّم المرء فلاحاً من سحر، فلن يكتسب أبداً الموقف المُلائم ليتوافق مع مكانته المُكتسبة حديثاً. بدا جلياً أن الرجل الذي تجاوزه يتمتع بتنشئة مُلائمة، إذ لم يُعنَ بتتبع جِيم وترك وشأنه.
ومن ثَمَّ، كانت طريقة دخوله الكنيسة تلك دليلاً كافياً على استحقاقه التواجد هناك. كان جوّ الكنيسة الداخلي، على قدر ما بدا من تداعي خارجها بألواحها المُتقادمة وأحجارها المُتشققة، مُميزاً بشكل مُفاجئ. اتجهت عدة مقاعد نحو تمثال لشكل بشري بلا يد في المقدمة، وتناثرت حولها شموع غير مُضاءة. بيد أن الاجتماع لم يبدو واقعاً في هذا الطابق من المبنى، وهو ما تمكن جِيم من استنتاجه لغياب البشر.
رأى على الأرض، وسط المقاعد، حفرة سوداء في الأرض يُنيرها ضوء القمر المُتسلل عبر النوافذ، بالقدر الكافي لكشف درج خشبي مُهترئ. صدقاً، ربما كان المكان يبالغ قليلاً في محاكاة أجواء الجماعة السرية. مع أن جِيم وافق بطبيعة الحال وقدَّر الجهد المبذول لجعل التجربة مُستساغة له. في نهاية المطاف، لو التقيا في قصر، لما عدا كونه أقل هجاء من منزل عائلته، مما سيجعل الأمر برمته باعثاً على السخرية قليلاً.
اقترب من السدرج، فرأى الشخصية التي سببته بالدخول تختفي في القاع، وبدأ هبوطه، ويده لجانبه تلامس الحجر فقط ليتمكن من الإمساك بنفسه إن سقط. لم تكن الدرجات طويلة إلى تلك الحد، لكنها أفضت إلى ممر ضيق، سمع في نهايته أصواتاً ورأى ضوءاً خافتاً بدا منبعثاً من دائرة مشاعل مُتراقصة. وما إن اجتاز ما تبقى من الممر، وأصداؤه تتناهى بغرابة، حتى بلغ موقع الاجتماع. قاعة بيضاء، أكبر بكثير مما توقع، مصنوعة مما بدا كأحجار بناء جديدة.
كانت مُعتناة بها على نحو غريب، مما ألمح لاحتمال عجيب بأن هذه القاعة أحدث من الكنيسة التي تعلوها. تجمَّع هنا عدة أشخاص، كثير منهم يرتدون القلنسوات، وآخرون بلا قلنسوات. على نحو مُفاجئ، تعرَّف جِيم على بعض طلاب الأكاديمية. حتى وإن كان مَن رأى أغلبهم يكبرونه سناً، وربما في سنتهم الثانية والثالثة. قرر هو نفسه إبقاء قلنسوته. فقد منحته مظهراً غامضاً ومُبهرأ. اقترب من مُنظمة هذا الحدث، أليس.
كانت الجميلة سوداء الشعر تقف بجوار رجلين طاعنين في السن بدأ شعرهما بالشيب. شعر جِيم بنفور فوري تجاههما لسبب ما. فقرر حينها وهناك، أن يتقدم نحوهما ويناقش المُظمة حول شكل هيكل الاجتماع. سَيُقدران رأيه. اقترب مُتعمداً، ونجح بالكاد في التقاط طرف المُحادثة الأخيرة التي خاضتها تلك المجموعة، شيئاً عن بوابة.
حيّا المرأة التي التفتت وابتسمت له: "مرحباً، أليس".
سألت بنبرة غريبة في صوتها: "أأنت الطالب الذي كاد يقتل قطاع الطرق في الزقاق، أليس كذلك؟"
فكشر الرجلان اللذان كانا ينصتان للمحادثة عن وجهيهما بغرابة.
تنحنح جِيم: "نعم. لقد كانوا محظوظين بوجودك حقاً".
أطلقت أليس ضحكة: "نعم، نعم، لقد كانوا كذلك. حسناً، كما ترون، لدينا تجمع مُشوق هنا. بعض الطلاب، وبعض التجار، وبعض النبلاء. لم لا تذهب وتختلط بهم؟ سنبدأ النقاش الأوسع بعد دقائق عندما يصل مزيد من الناس. والآن، إن عذرتني، فلدي ما أفعله"، وقالت ذلك وتوجهت لخلف الغرفة الدائرية حيث أُقيم منصة صغيرة بجوار ما بدا طاولة تحمل شموعاً طقسية ومجموعة أدوات سحرية أخرى بالإضافة لبعض زجاجات النبيذ والماء.
وقف جِيم هناك، مُهتزاً حتى الجوهر لحقيقة أن كاريزماته لم تفلح في إبقاء أليس هنا، وإن كانت المُضيفة تتحمل مسؤوليات بطبيعة الحال. وغادر الرفيقان الآخران دون تكبد عناء التحدث إلى جِيم. وهكذا تُرك واقفاً وحيداً هناك، إلى أن انضمت إليه ببطء الشخصية ذات الرداء البني التي وصل معها.
سألت الفتاة بارتباك ولهجة ميتولوسية واضحة: "مهلاً، أنا كاتنيس، هل أنت طالب أيضاً؟"
عقد جِيم ذراعيه وقطّب جبينه. حسناً، التحدث إلى فتاة أخرى سيُظهر لأليس أن لديه خيارات، بغض النظر عن أصولها المُؤسفة. التفت إلى كاتنيس.
"نعم، أنا كذلك، وأفترض أنكِ كذلك أيضاً، ومن هنا جاء السؤال؟"
أومأت كاتنيس بارتباك: "نعم. كان الامتحان مجنوناً، أليس كذلك؟"
أدار جِيم عينيه: "ليس حقاً. أعني، من يكترث؟ لقد صاروا اليوم يسمحون للجميع بالدخول. المعايير مُريعة".
وأغفل بذكاء اعتباره الشخص الذي يحدثه أحد المستفيدين من تلك المعايير المُريعة.
اقترحت كاتنيس: "أعني، الأمر واضح لماذا، أليست كذلك؟"
حدق بها جِيم بلا مبالاة: "حسناً، على قدر ما يؤلمني قول ذلك. أعتقد حقاً أنهم يحاولون رفع شأن الفلاحين الميتولوسيين لأدوار مجتمعية أعلى بالسماح لمزيد منهم بالتخرج بما يتجاوز استحقاقهم صراحة. نوع من برامج التمدد".
مالت كاتنيس برأسها: "ظننت أن السبب هو توقعهم غزواً من إزينجيرد؟"
تهكم جِيم: "غزو من إزينجيرد؟ هذا سخيف، فهم يعتمدون علينا تماماً في التجارة والغذاء، لو خاضوا حرباً معنا لماتوا جوعاً في أسبوع".
"حسناً، ليس إن كانوا غزاة. يمكنهم ببساطة الإغارة على مزارعنا. لديهم هذه المشكلة برمتها في كونهم جزيرة ونفاد مساحتهم. ومع ثقافتهم، ليس بالغريب لجوءهم لأخذ أراضٍ تخص آخرين لتوفير مساحة لشعبهم".
أكد جِيم: "نعم، الثقافة السابقة. لم تكن هناك أي غارات منذ مئات السنين، وهذا هو السبب الوحيد لتحملنا لهم حقاً".
"لم يعودوا بحاجة لذلك، لهذا توقفوا. جلبت إمبراطورتهم الدفء للأرض وسمحت لهم بخلق زراعتهم الخاصة. لكن الأمور تتغير، لا سيما مع طفرتهم السكانية الأخيرة".
تنهد جِيم وأحجم عن الرد. الطرح بحد ذاته كان سخيفاً للغاية. لدى عائلته روابط واسعة بإزينجيرد؛ وإن علم أحد بتخطيطهم لغزو فسيكون هو. بدا بالأحرى أنهم يُفرغون جُزرهم من السكان، بعد أن أقاموا بؤرة استيطانية في البحر بين البلدين حيث نفَوا كل سجنائهم وجعلوهم يقاتلون حتى الموت. قتل المجرمين مع استخلاص بعض القيمة الترفيهية، تلك كانت حلّاً للتضخم السكاني الذي يمكنه تقبله. ثم، على الرغم من تاريخ الغارات على السواحل عبر القارة، لم تكن إزينجيرد تفعل ذلك لفترة طويلة ولن تربح أي نوع من الصراع المسلح مع فرسان ريش العبقريين ومشاتهم الميتولوسيين الموثوقين.
ومع ذلك، وقبل أن تتسنى له فرصة الرد، صعدت أليس إلى المنصة ووجهت حديثها للجمهور من الناس الذين التفتت رؤوسهم نحوها.
أعلنت أليس للحضور حين هدأ الجميع: "نحن نعيش في زمن مضطرب!"
وتساءلت ساخرة: "تُعاني إزينجيرد أزمة سكانية طاحنة، وجبال هروست تهمس بأغنيتها القديمة، وشوفو تقنن مُلاحقة السحرة بمستوى لم يسبق له مثيل، وماسيه تُجهز قواتها لما يبدو أكثر من مجرد مناوشة حدودية مع زانزهينج. ماذا فعلت روتو في كل اللحظات التاريخية السابقة حيث بدا مستقبل القارّة غير مأمون؟"
تمتم الناس فيما بينهم لكنهم لم يجيبوا.
"سمحوا لمزيد من الناس بدخول أكاديميات القتال. جندوا في ميتولوس وعصروا الأموال من ريش. أراكم راضين عن هذا التطور؟"
سرَت تمتمات عدم رضا في الحشود.
"لقد دفعت ريش ما يكفي، وفقدت ميتولوس أكثر مما يتحمل. ومع ذلك، إن كانت جبال هروست ستثور حقاً وتصاعد التوتر مع إزينجيرد، فما هو مسار العمل الأفضل؟ أننسى المناطق، والانقسام الطبقي، ألستنا جميعاً مواطنين روتويين في النهاية؟"
صرخ أحدهم من بين الحشود: "لا، لسنا كذلك! الموت لأبناء الملوك!"
أومأت أليس بسرعة جعلت المرء يظن للحظة أن اللحظة كانت مُدبرة: "رفضت العائلة المالكة الاندماج بعد ما يقرب من ألفية من حكمنا. يحبون تجنيد حاشية من خارج البلاد. تنوع الأفكار، كما يقولون. يا للسخرية!"
بصقت كلماتها: "إنهم يفعلون ذلك فقط لخلق بلاط غير مّوال للبلد الذي يحكمونه. وخلال كل هذا، بينما يسلبوننا قُوانا المُستحقة لتقرير مصيرنا بأننا، فنحن من نُرسل للمسلخ. سواء الآن دفاعاً ضد إزينجيرد، والخضوع المُحتمل لجبال هروست، أو في إرسال قوات للصراع بين ماسيه وزانزهينج، أو كمُحررين لشوفو. نحن من سيعاني، لا هم".
سرت المزيد من أصوات الموافقة في الحشود.
"في هذه الأوقات المضطربة جُمِعتم هنا اليوم للنقاش. الأسئلة التي تُواجهنا اليوم هي: هل نريد أن نُرسل للمعركة، ونُثقل بضرائب أحدث، وتُسحب مؤسساتنا لمستواها مجرد ملاءمة سياسية لعائلة مالكة بعيدة؟"
طلبت منه التقدم للغرفة.
"أنت مجموعة تُمثل سحرة موهوبين، وتجاراً أغنياء، وأبناء نبلاء أقوياء. لعل الوقت قد حان للنظر في كيفية كوننا من يبدأ التأثير على مستقبل المملكة؟"
أنهت أليس حديثها وابتعدت عن المنصة، مُشيرة للجميع بأن النقاش قد بدأ. تصفيق خافت انبعث من الحشود، وانضم إليه جِيم دفعاً بالعادة أكثر من أي شيء آخر. لقد اتفق على أن الوقت قد حان لكي تُظهر العائلة المالكة مكانتها كغرباء ما زالوا في هذا البلد، وأن أشخاصاً مثله -سحرة وأغنياء- بدأوا يحظون بقول أكثر نشاطاً في إدارة الدولة. غير أن أليس كانت مُضللة بوضوح في بعض الجوانب.
فلم تحدث الكارثة منذ أكثر من خمسمائة عام، وكان يشك بجد في حدوثها مجدداً. وبالمثل، ربما كانت عائلته واحدة ممن امتلكوا القول الفصل تجاه موقف إزينجيرد، ولم يلاحظا أي نزعات حربية. لقد سلّموا ما يكفي من الغذاء بسعر رخيص بما يكفي للبلد الجزيري لكي لا يموتوا جوعاً، فما هي المشكلة بالضبط إذن؟
تخلص: "كارثة. ما زالت الحكايات الخرافية تُحسب في الخطاب السياسية لليوم؟"
بدا أن جارته، كاتنيس، أخذت سؤاله البلاغي على محمل الجد.
"في كل مرة ظن فيها أحدهم أن الكارثة دُمرت حقاً، عادت مجددة، أكبر وأبشع من أي وقت مضى".
لم يستطع جِيم بطبيعة الحال إمسك فمه أمام الاستفزاز فانخرط مع الفتاة في نقاش، مُضيفاً لأصوات الحشود المُرتفعة مع بدء الناس نقاشاتهم الخاصة عما يعتقدون حدوثه في المملكة وما يجب فعله بشأنه. مع ذلك، لم يدم هذا الوضع طويلاً، فما لبيث أن هدأتالقاعة مجدداً بعد خطاب أليس؛ ولم يكن ذلك لأن أحدهم صعد المنصة. بل لأن خطوات متسرعة وعالية جداً صدرت فجأة من الممر المُوصل للكنيسة.
تمتم الناس فيما بينهم بفضول والتفتوا نحو مدخل الغرفة ومخرجها الوحيد. كان هذا أمراً جاداً. من ذا الذي يركض هنا؟ بدا الأمر مهيناً قليلاً بالنظر لمكانة الحاضرين. وفي هذه الأثناء، تراجع جِيم الذي اكتسب عبر رؤاه المُختلفة للموت حساسية ملحوظة للخطر، قليلاً من المدخل باتجاه أليس التي كانت تنظر للباب بحذر هي الأخرى. فإن عرف أحدهم سبيلاً للاختفاء سريعاً، فستكون مُنظمة الفعالية.
وإذ لا يريد التورط في وضع هكذا، متمرد حقاً في الواقع ومعادي للمؤسسة بحسم، عرف جِيم أنه إن لم يكن الوافدون الجدد حميدين، فهو يريد الاختفاء. أُرسل إلى سريدينا لصناعة حلفاء، لا لصناعة أعداء. وبالنظر لعلمه بأن بمهاراته يستطيع اجتياز امتحان التخرج بسهولة، صار ذلك في الواقع أحد أهدافه الرئيسية في المدينة. شعر بجسده يرتخي حين ظهر الشخص الرائض في النور. لم يكن سوى الحارس الذي كان يفحص دعوات الناس بمقدمة الكنيسة في وقت سابق من الليلة.
بدا مُشعثاً، مُتعرقاً قليلاً، ورُسم وجهه بكشرة عذاب. مع ذلك لم يعنِ الأمر الكثير، فهكذا يبدو الفلاحون عادة. كان على الرجل حقاً تعلم بعض اللياقة بدل الركض هكذا وسط تجمع أسياده دون استباق. من الأفضل أن يكون الخبر الذي يجلبه بهذه العجالة جيداً.
سألت أليس: "ما معنى هذا يا ألفريد؟"
توقف ألفريد المذكور مكانه، وقف لثانية، فتح فمه كمن سيُتكلم، ليفظ بلوحة دم ضخمة قبل أن ينهار على وجهه للأرض، كاشفاً عن قطعة ضخمة من اللحم مفقودة من ظهره. أشخاص صامتون سلخوا أنفسهم فجأة من ظُلمة الممر، مُرتدين ملابس داكنة مُماثلة للحاضرين. رجل واحد فقط لم يكن قد رفع قلنسوته، وتعرَّف عليه جِيم للأسف. كان الناظر ليج. سرت قشعريرة في عمود جِيم الفقري.
أعلن الناظر بهدوء: "لتآمركم ضد مملكة روتو، أنتم جميعاً قيد الاعتقال بانتظار التحقيق. أنزلوا قلنسواتكم وتعالوا معنا بهدوء".
استدار جِيم بطبيعة الحال وهرول إلى النفق المفتوح الآن والذي لم يكن موجوداً من قبل، حيث اختفت أليس وמתامرونها بالفعل. قد لا تكون لديه أدنى فكرة عما يفضي إليه، لكن الذهاب مع أليس والآخرين كان بالتأكيد أُمن من البقاء في القاعة الكبيرة مع الناظر القاتل وأتباعه. ركضت مجموعة المتآمرين المُتشكلة حديثاً، بالإضافة إلى جِيم، في ممر مظلم ضيق وغير مستوٍ. لقد نسي جِيم على عجل أنه يستطيع استدعاء الضوء، لكن أليس تذكرت بامتنان، مما يعني وجود كرة حمراء من الضوء ترشد طريقهم وتضمن عدم تعثر أحد.
فكّر جِيم لثانية إن كانت العملية برمتها فخاً عسلياً من الناظر وأليس لاستدراج المثليين المتمردين مثله لموضع مساومة. ثم هز رأسه. وجه الناظر المنحني والأشيب، والقتل تحت حاجبيه الكثيفين. وبالمقابل، أليس الجميلة، سوداء الشعر وفاتحة البشرة. لم يكن هنالك عالم يعمل فيه هذان الاثنان معاً. لقد وثق بأليس. وحتى أثناء ركضهما، ألقت المرأة نظرة قلقة للخلف نحو جِيم لضمان مواكبته.
لقد دفء قلبها. أما متآمروها ذوو القلنسوات، فبدوا بوضوح من معدن أضعف وهرولوا طاعة بمسكنة. بعد دقيقة أو نحو ذلك من الركض، بدأ جِيم يفقد أنفاسه. ولحسن الحظ، أضاء النفق إلى حد ما، مُشيراً لاقترابهما من مكان يصله ضوء القمر. حيّت المجموعة حفرة يُنيرها ضوء الفضة السماوي الليلي، واندفعوا فجأة إلى فناء واسع ومفتوح لقصر. للأسف، لم يحظَ جِيم بوقت للإعجاب بالأشجار المقصوصة بمهارة ونافورة الطيور الخيالية، لأنه بحلول الوقت الذي أعاد فيه توجيه نفسه، وجد نفسه مجدداً يواجه الناظر.
بصقت أليس بقسوة وهي تحدق في الرجل الذي كان يمرر ببطء يده في لحيتها: "أوجدتم مسكننا؟"
أجاب العجوز بوقار: "لستم بمثل هذا الخفاء الذي تظنونه".
وسألت بفضول: "وحتى إنكم وضعتم حاجز انتقال آني طوال الطريق من الكنيسة إلى هنا. إن كنتم تعلمون هذا القدر، فلم لا تقتربون منا مبكراً؟"
أليس تستطيع الانتقال الآني؟ تساءل جِيم. يعني ذلك أنها ساحرة دائرة سادسة على الأقل!
أجاب الناظر ليج بنبرة ملولة: "كنت فقط أنتظر لأرى كم شبكة يمكنكم إلقاؤها".
أكد هذا لجِيم ببساطة أن ليج لابد أنه جزء من منظمة شريرة. لماذا كانوا يجمعون الناس الذين يطرحون الأسئلة فقط؟ ما الذي كان يحدث؟
قالت أليس باقتضاب مظلم: "حسناً، لقد ارتكبتم خطأ بلقائنا هنا وحدكم".
"قد يسمونك النجم الحادي عشر، لكنك هنا مجرد عجوز فاقد للعدد يُمسك مرساة أبعاد".
صفقت يديها ببعضهما، مما خلق صوتاً مدوياً أعلى بكثير من الفعل. فتحت يديها، كاشفة عن نجمة حمراء ساطعة تحلق بينهما. غرق الفناء بأسره في ضوء أحمر مريض. وفي هذه الأثناء، سحب متآمروها أسلحة من تحت ردائهم، كاشفين عن حملهم خناجر طوال الوقت.
هز الناظر رأسه ببساطة ونقر بلسانه: "الشباب هذه الأيام، لا يعيرون انتباه قط لتشكيل".
أخبر بلطف: "دعوني أوريكم كيف يبدو المستعر الأعظم الحقيقي".
صفق هو أيضاً يديه معاً، لكن الأثر اختلف جذرياً. وعند نقطة التقاء الكفين المُتقدمتين، اشتعلت شرارة خضراء، قبل أن تتوسع بلا رحمة نحو الخارج. اختفى العالم في ضوء أخضر. رفع جِيم درعه غريزياً، لكنه لم يشعر حتى بكسره، بقدر ما اختفى ببساطة عند ملامسة الضوء الأخضر. ترمش لاستعادة عينيه، فوجد بصره مائلاً.
وميض سؤال "هاه؟"
عبر ذهنه لكنه لم يغادر فمه. رأى زوجاً من الأرجل تقف على العشب، والعالم يدور. كسا القدمين زوج عصري من أحذية الجلد الوردي. دورة أخرى. أدرك جِيم أن الأرجل لم تكن متصلة بشيء. دورة أخرى، رأى أن الشخصيات الأخرى ذات القلنسوات قد اختفت جميعاً، ولم تترك خلفها سوى أرجلها ورؤوسها الساقطة للأرض. أليس وحدها ظلت على قيد الحياة، تجثو على الأرض تحت درع أحمر وأذرع متقاطعة. وفي دائرة حول الناظر ليج، اختفى كل شيء بارتفاع جذعه.
النافورة، والأشجار، والناس. فقط المنزل والجدران المحيطة بالفناء ظلت سالمة. شيء أبيض تحرك في الهواء نحو جِيم، دائرة متوسعة. اضطراب في الهواء. كانت فكرته الأخيرة قبل أن تفجر الموجة الصدمية الثانية رأسه المفصول كعنبة مفرطة النضج هي أن تشكيل الناظر لابد كان مبدعاً بحق إن استطاع توطين هذا الكم الهائل من القوة الانفجارية. أخذه الموت.