قد لا يكون الأمر واضحاً للوهلة الأولى، لكن جيم أدرك في الأيام التالية أن المدير قد سدَّ عليه بوجه أساس إمكانية الوصول إلى كواتزيل، وذلك بإخفاء دور المرشد وراء ما يُسمى عملية التأهيل. وكأن جيم لم يكن مسبقاً الطالب الأكثر تأهيليّة في الأكاديمية. صار طلب المشورة من الليتش بشأن موضوع الحريق أمراً مؤجلاً إذن إلى المستقبل، حين يُبهر جيم طاقم الأكاديمية حتماً بمهارته وموهبته.
وحتى ذلك الحين، وجب عليه استغلال تلك الأيام الأولى البسيطة في الأكاديمية للتدرب بأقصى ما يستطيع، مع تقرير كيفية التعامل مع هاري.
قال جيم من مكان انحنائه في الساحة الرملية للكولوسيوم، وقد غاصت ذراعه في الأرض حتى المرفق: "المشكلة أنه لا يعلم شيئاً".
قالت كاتنيس من جانبه: "حين تستطيع غمر ذراعك بالكامل، تبدأ التعويذة في أن تصبح قابلة للتنفيذ وتتمكن من الاختفاء تماماً في الأرض. أو هكذا قال الكتاب".
توقفت برهة، والتفتت مستثبتة خلو المكان منهما، فكانا وحدهما، ولم تكن الحصص قائمة.
"أما بالنسبة إلى هاري. فنحن بحاجة إليه من أجل أليس على أي حال، لكني أوافق على أن طرح المسألة الأخرى في الوقت عينه قد يربكه".
أصدر جيم خوارة: "لقد قلت ذلك مسبقاً"، وهو ينتزع ذراعه بقوة من الرمال بعدما فشل تمرين التشكيل.
تنهدت كاتنيس بعنف وسحبت قلنسوتها نزولاً على وجهها.
"أعلم، ولهذا قلت إنني أوافقك الرأي".
قال جيم وهو يستند إلى الوراء ناظراً إلى السماء التي تقترب ببطء من العتمة: "لا بأس، فمن الطبيعي أن توافقوني الرأي. كان ذلك شاقاً، وأنا بحاجة إلى استراحة".
تذمرت كاتنيس بهدوء: "لقد فعلتها مرتين حرفياً"، قبل أن تهز رأسها.
"على أي حال، أرى أن الحل الأبسط لمشكلتنا الأخرى هو إبلاغ السلطات، ولأجل ذلك سنحتاج إلى مساعدة هاري. الفعل الذي ارتكبوه، والتعويذة التي أطلقوها... يستحيل أن يكون لأحد مصلحة في السماح بحدوث ذلك".
حسم جيم أمره وهو ينهض وينفض الغبار عن نفسه: "إذن سنذهب الليلة".
سألت كاتنيس بجبين معقود: "ألم ترغب في التدرب على تعويذة الاختفاء في الأرض؟".
رمقها جيم بنظرة غريبة، متسائلاً عما إذا كانت الفتاة بحاجة إلى فحص عينيها إضافة إلى سائر عيوبها.
قال ببطء وكأنه يكلم طفلاً: "لقد فعلت للتو".
وقفت كاتنيس أمامه ناظرة إليه ببلادة، قبل أن تستدير ببساطة وتبدأ في السير ببطء نحو المخرج. -/- أصبح إطلاع هاري، الذي يمكن الاستعانة به لمواجهة أليس، أمراً روتينياً. كان جيم يعرف تماماً ما يقوله، ومتى يقوله، وكيف يقوله ليجعل الرجل ينضم إلى صفه.
"عليك بطبيعة الحال أن تكون ممتناً لتلقي مثل هذه الفرصة لخدمة قضيتي، أعني قضية الشعب".
"قد تكون مهاراتك ناقصة في جوانب عديدة، لكني أظن أنك شخص موثوق به نوعاً ما إجمالاً".
"لا شكراً، لست مهتماً بمصافحة الأيدي، فقط حاول ألا تموت كالأبله".
وغيرها من العبارات المبتذلة المماثلة سقطت من شفتي جيم كطعنات سياف محترف في بطن غوبلن. لم يمر وقت طويل بعد مغادرته وكاتنيس مكتب المحقق، وكانت الفتاة ترمقه بعينين واسعتين طوال الطريق.
سألت وليست واعية بوضوح للطبقة الخفية في الموقف للتو: "كيف وافق على ذلك إن كنت تحدثه بهذه الطريقة؟".
أجاب جيم ببساطة وهو يقلب عينيه: "إ إنه يريد إنقاذ الناس، لذا فهو سهل التلاعب، إنه يرقص على راحة يدي".
هزت كاتنيس رأسها.
وسألت: "والآن؟".
تجهم جيم.
"انقطاع مؤسف نوعاً ما في قدرتنا على فعل أي شيء إلى أن يرى هاري أننا جادون ويصبح الليتش متاحاً. مجرد حصص وما شابه، فلا بد لأحدهم أن يريهم كيف تُم الأمور بعد كل شيء".
أشارت كاتنيس عند التقاطع حيث توقفا: "لكنك لست ذاهباً إلى السكن، ولا إلى المكتبة".
نظر جيم إلى قدميه، ثم إلى الطريق الذي يسلكانه. يمين، يسار، استقامة، يسار.
"أنا ذاهب إلى الفانوس الأحمر، فأنا أستحق مكافأة على مدى ضجر هذا اليوم".
"..."
-/- قال المحقق كثيف اللحية في زقاق مجهول خلف مهاجع النوم، بعد نحو شهر من لقائهما الأول: "جوهر خطتنا سيكون جاسوس إيزينغيرد الذي أخبرتني عنه".
سأل جيم: "ديکوروس؟ وما علاقته بأي شيء؟".
تنهد هاري مستنداً إلى الجدار الذي يقف إلى جواره.
تمتم بغموض: "اسمع، أعرف أنني تعاملت مع الطائفة بسهولة بالغة من منظورك. لكن ما أخبرتني به للتو يتضمن دولاً أخرى، وحرباً، وإبادة جماعية".
هز رأسه.
"لا يساعد الأمر أن الجهاز السري يتلقى العشرات من البلاغات أسبوعياً حول عزم إيزينغيرد إطلاق اللهب عبر القناة والقضاء علينا جميعاً".
قاطعت كاتنيس: "إذن ينبغي أن يكون لديهم تدبير مضاد جاهز، أليس كذلك؟".
تذمر هاري قبل أن يبصق جانباً: "لهذا السبب تفعل الإمبراطورية ذلك غالباً بالتزامن مع اندلاع الكارثة. إلهاء أقصى. عاهرة بلا قلب، لا أستطيع تصديق أن الشائعات كانت صحيحة برمتها".
سألت كاتنيس بفضول: "شائعات؟".
قال هاري، وهو ما جعل جيم يمتنع عن الإيماء: "تحكم بقسوة حديدية وتعتبر حياة البشر مجرد رقم آخر يمكنها التلاعب به لصالحها، ولن أسهب في التفاصيل الدموية".
بدا أن المرأة تسيطر على الأمور جيداً، ومؤسف أنهما في صفين مختلفين.
تابع هاري: "بغض النظر، كلما كانت القوة التي تريد حشدها أكبر، احتياجك للبرهان أعظم. يمكننا إرسال رسالة مجهولة، اللعنة، يمكنني حتى تسليم نفسي والقسم بحياتي، لكن بالكاد يزعج أحد نفسه معنا ما لم نُحضر أدلة دامغة. ففي النهاية، لدى الأقسام المعنية جواسيسها الخاصة. لماذا يثقون بنا؟".
متمت كاتنيس بصوت خفيض وعبست بجبينها: "لهذا السبب تعاملت مع الطائفة بمفردك إذن".
وافق هاري بإيماءة: "بالضبط، إن امتلكت القوة، فمن الأفضل إنجاز الأمر بدلاً من عناء تنظيم عدد غفير من المشككين".
سأل جيم: "إذن ماذا، علينا اختفاص ديکوروس واستجوابه؟".
تمتم هاري قبل أن يلتفت إلى جيم: "يبدو أنه خيارنا الوحيد. قلت إن هناك جواسيس في ميتيلوس أيضاً. لا تعرف متى وأين، أصحبح؟".
هز جيم رأسه. لقد كان هاري هو من أخبره بأنه سمع همسات عن وجود إيزينغيردي في جانب ميتيلوسان من البحيرة الكبرى، وهذا كل ما عرفه.
قال المحقق بخشونة قبل أن يمد يده نحو جيم: "إذن فهو أثرنا الوحيد".
أودع جيم بهدوء صرة من العملات الذهبية في اليد المنتظرة. بدا أن مسكن المحقق يتعرض للاحتراق في كل محاولة ضد الطائفة، لذا كان دائماً يعتمد على مساهمة جيم لتأمين المأوى.
متمت كاتنيس مشيرة إلى الفتى ذهبي الشعر الذي كان يرتجف رعباً من كل ظل بينما يتسلل حول الأكاديمية: "كيف سنفعل ذلك، إنه يبدو... مريباً".
سأل هاري جيم: "أقلتَ إنه يمكنك حمله على الموافقة على تبادل للمعلومات؟".
أومأ الطالب وهو يعقد ذراعيه.
وأسهب: "كاريزماتي لا تعرف الحدود، ويمكنني جعله يلتقينا في مكان عام. لكني أشك في أنه سيتبعنا إلى أي مكان منعزل".
أشار المحقق: "قد يحضر معه دعماً أيضاً".
قال جيم: "هذا أيضاً، فهو جبان في النهاية. إذن جوهر الاختفاص ينبغي أن يكون إرباكه بأعدادنا وجره سريعاً إلى مكان أكثر أماناً".
حسم هاري أمره: "شعره الذهبي مميز تماماً، يمكن تتبعه بحمامة وهو في طريقه إلى مكان اللقاء ثم كمين له في أي زقاق يسلكه. وإن لم ينجح ذلك، نلتقي به، وتلهيه أنت حتى أقبض على دعمه، ثم نجرهم جميعاً. ثلاثة بثمن واحد إن سارت الأمور على ما يرام، مع أن تلك الطريقة أكثر خطورة".
قال جيم: "سأحتاج إلى إنشاء اتصال بتحفظ. اترك الأمر لي".
-/- تعثر جيم بديکوروس حين تقاطع الاثنان في الممر أمام إحدى الحصص التي كان الفتى يحضرها. طقوس أو ما شابه.
عبس الفتى ذهبي الشعر، رامياً جيم بنظرة غاضبة من فوق كتفه بعدما استعاد توازنه: "احذر، يا علامة، يا لك من منحرف مقرف!".
حرك المعتني من جهته حاجبيه بإيحاء نحو الفتى، فتلقى عبوساً مقززاً رداً على جهوده. ثم توقف ديکوروس، واندست يده في جيبه لتستخرج رقعة من الرق. عرف جيم ما كتب فيها. فقد كتبها هو في النهاية. هل أنت جاسوس؟ أنا أيضاً، هاها! حين رأى جيم أن الفتى قد قرأ الرسالة، استدار وركض مبتعداً في المبنى الكبير حيث تقع معظم غرف الدراسات. انعطف في الزوايا وقفز فوق السلالم، متجهاً نحو الأجزاء الأقل ارتياداً في الأكاديمية.
تلك التي خلت حالياً من أي حصص لأسباب متنوعة مثل استقالة الأساتذة، أو اعتقالهم لممارستهم الفاحشة مع الطالب الخطأ. سمع وقع خطوات من خلفه تضرب أرضية الحجر البارد ولم يتوقف إلا حين بلغ الطريق المسدود المخطط له.
هس ديکوروس محاصراً جيم وبيده لهب ذهبي: "أيها النذل، ما حكاية هذا".
قال جيم، محاولاً إعادة تمثيل الحوار السابق: "كنت أراقبك وأنت تحقق مع المدير. لذا كنت أفكر في أن لدينا عدواً مشتركاً. لدي بعض المعلومات التي ترغب غالباً في سماعها، وكنت أتساءل عما إذا كنت مهتماً بالتبادل".
توقف ديکوروس، عاقداً حاجبيه كأنه يدرس الأمر. ثم هز كتفيه.
وقال: "بلا".
وعلى عكس المرة السابقة، لم تقاطعه الرخامة الموجودة في رقبته في الواقع. أدرك جيم متأخراً أنه نظراً لعدم إمساكه بالفتى متلبساً، لم يُكشف وجود الرخامة، مما يعني أنها لن تكشف عن نفسها الآن.
قال: "تباً".
حين طارت كرة النار الذهبية بحجم حصان نحوه فجأة مصفرة بصوت أعلى من منشد بعد زجاجة نبيذ كاملة. ضم جيم يديه غريزياً أمام صدره، بينما أسقط كل ما يملكه في درعه. كانت الحرارة... لا تُطاق. تشبث النار الذهبي بدرعه السداسي كفلاح بصرة نقود أسياده، وأشعت درجات حرارة أكثر مما تمتلكه كاتنيس على الأرجح من خلايا دماغية.
سَمِع جيم ديکوروس يصيح فوق جحيم الغضب الذي يفصل بينهما: "ما رأيك أن تموت أنت بدلاً من ذلك!".
صاح جيم رداً عليه، متراجعاً خطوة تلو الأخرى حتى اصطدم ظهره بالجدار الذي حاصر نفسه أمامه: "أي نوع من الجواسيس أنت، هذا أقل أمر يتسم بالخفاء رأيته في حياتي!".
انبعثت صرخات فجأة من الجانب الآخر للنار، وقبل أن ينفد ماجيك جيم، تبددت النار في الهواء، كاشفة عن ديکوروس وهو مكوم على الأرض فوق البلاط الحجري للأكاديمية. كان الفتى ينظر بارتباك إلى خنجر تلقاه على ما يبدو مباشرة في رقبوته، بدلاً من رشقات الدم الهاربة من الجلد الشاحب والمتناثرة على الجدران. نظر جيم إلى كاتنيس التي كانت واقفة خلف ديکوروس بملامح مذهولة.
صاح بينما كان الجاسوس يهبط على ركبتيه: "ما الذي فعلته؟ كنتُ أسيطر على الموقف".
صرخت كاتنيس رداً عليه بعينين واسعتين: "كـ كنت أود وضع الخنجر على رقبته لكنه تقدم خطوة فجأة!".
هس جيم بإحباط وهو يقترب جانباً من الفتى الذي كان يعتصم برقبته على الأرض وهو يهز الأحمق: "احتجنا إلى استجوابه بشأن إطلاق لهب الموت على الساحل! أخبرنا عن خطة الإمبراطورية!".
وصرخ في وجه الإيزينغيردي: "من أين تخطط لإطلاق اللهب!".
نظر ديکوروس إلى جيم بعينين نصف مغمضتين، والدم يسيل من فمه.
تلفظ الفتى قبل أن تغمض عيناه تماماً: "غلورک، بْلوب، بْلوب".
صرخ جيم في وجه الجاسوس، ممسكاً إياه من ياقة رداءه وهزه مجدداً: "أين تلك البلدة؟ لم أسمع بها قط!".
قالت كاتنيس بهدوء وهي تنظر خلفهما بعينين ضيقتين: "لقد مات".
ثم كفّت أذنيها بيد واحدة بينما كانت تسكّت جيم بالأخرى.
وقالت أخيراً: "لا أسمع أحداً يقترب".
تمتم جيم بعدم رضا: "لقد اخترت هذا المكان لعزلته. بالطبع لا يوجد أحد هنا".
أكدت كاتنيس الأمر بركل جثة الفتى على الأرض في أضلعها: "حسناً، لو لم يكن منعزلاً هكذا لربما لم يظن هذا الأحمق أنه يستطيع قتلك والانصراف هكذا فحسب".
تمتم جيم: "لقد كانت مشكلة دائماً. أنا بارع جداً فيما أفعله".
انضم صوت ثالث فجأة إلى المحادثة: "أيها الفتى".
أدار الطالبان رأسيهما بسرعة لينظرا إلى صدر الجثة حيث كان الصوت المكتوم يصدر منه.
تذكر جيم: "الرخامة!".
وسحب بسرعة رداء ديکوروس الملطخ بالدماء كاشفاً عن حلية القلادة الذهبية.
وضيّق عينيه نحوها: "اكشف عن أسرارك وإلا!".
سألت الرخامة: "قلتَ إن الإمبراطورية تطلق لهب الموت؟".
سأل جيم وهو يقلب عينيه: "أأنت أصم أم جامد؟".
تمتمت الرخامة: "هذا... لم يكن جزءاً من الصفقة. كان من المفترض أن يكون رادعاً، لا شيئاً يُستخدم فعلاً!".
ضيقتا كاتنيس عينيها وسألتا: "من أنت بالضبط؟".
قالت الرخامة: "يسمونني الأول".
تجمدت كاتنيس ناظرة إلى الرخامة.
"لا تقصد؟".
توهجت الرخامة أكثر باصفرار ذهبي ساطع: "نجل، إمبراطور إيزينغيرد الأول. الرجل الذي هرب، الساحر الذي رفض إلقاء التعويذة".