تخبطت بركة من العرق داخل حذاء جيم الوردي المصنوع من الجلد، وذلك في حقول ميتيلوس القاحلة والحارة. نظر إلى ليبوفسكي، رفيقه الأفقر والأكثر بدانة، ليواسى نفسه. كان شعر ليبوفسكي البني الطويل يلتصق بفروة رأسه، وكان يتنفس بصعوبة شديدة تليق بمكانته بوصفه وريثاً ثالثاً لثروة في صناعة النبيذ، لا وريثاً ثانياً لإمبراطورية تجارية.
قال جيم أخيرًا: "أترى أنهم أرسلونا إلى هنا نوعاً من اختبار التحمل للخريجين الجدد؟"
أطلق ليبوفسكي ضحكة متهدجة محملة بروح الدعابة المعهودة في شخص غالباً ما ينقطع نَفَسُه.
"بل أرسلوا الأفضل للتعامل مع الأسوأ."
ضحك جيم.
"حسنًا، بغض النظر عن السبب. علينا إيجاد رئيس القرية لنعرف طبيعة الوضع أصلاً."
مرر يده خلال شعره الأسود والتفت حوله، مستغلاً ميزته في الطول ليرى أبعد مما يمكن للبشر تخيله. كان يوم أيلول حارقاً، لذا تفاجأ عندما رأى مزارعاً يغطيه الغبار وهو يحرث الحقل الفارغ على يمين الطريق.
صاح: "أنت يا هذا!"، مما دفع الرجل لرفع رأسه عما كان يفعله، إذ كان يغرس معوله في التراب البني الفاتح ليصنع خطوطاً دقيقة من تراب مقلوب أغمق قليلاً.
صاح جيم مرة أخرى حين لاحظ أنه لفت انتباه الرجل: "قُدنا إلى رئيس القرية!"
أسرع المزارع واقترب، مطالعاً الساحرين من رأسيهما حتى قدميهما. انتفخ الاثنان بلا وعي منهما وهما يدركان ما يراه المزارع. شابين محترمين من سلالة طيبة، يبلغان من العمر تسعة عشر عاماً تقريباً، يرتديان رداءَي سحرة سوداء، أحدهما طويل ورياضي، والآخر قصير وبدين. خلع المزارع قبعته المهترئة باحترام. علامة على انخفاض مكانته الاجتماعية. فما كان لأي نبيل حقيقي أن يقضي وقتاً طويلاً تحت الشمس يستدعي ارتداءها.
قال الرجل معتذراً: "أخشى ألا أستطيع ترك عملي يا سيديّ. لكن إن مشيتما في هذا الدرب فستجدان العجوز حانافريس الثالث بسهولة بالغة. إنه يعيش في المبنى الكبير الذي تحمل واجهته شعار القرية، وهو لا يفضل مغادرته."
نظر جيم إلى أسفل الطريق، فالقرية على بعد دقائق معدودة سعيًا على الأقدام. وفعلاً، سيكون العثور على رئيس القرية سهلاً بفضل وصف منزل الرجل. غير أن اقتراح القروي بدا قليل الأدب.
قال امتعاضاً: "حسنًا إذن. لكن لمَ أنت هنا تحرث إن كان هناك خطر؟ وأيضاً، حانافريس الثالث.. اسم غريب."
علق ليبوفسكي بتنهيدة: "أظننا في الجانب الآخر من المملكة."
بدأ فرك القبعات مع هذا التحقيق، وصاغ المزارع كلماته بمرارة.
"حسنًا يا سيديّ، إن متُّ على أيدي الوحوش فمتُّ عليها. وإن لم أبذر حقل فلن أجد ما آكله فأموت بالسوء ذاته. أما عن السير حانافريس الثالث، فقد سُمي هكذا تيمناً بجدته الجليلة حانافريس الأولى، التي فارقتنا بالأمس القريب، فليبارك السمائيون روحها."
سأل ليبوفسكي بحيرة: "إلى أين ذهبت؟"
نظر المزارع إلى السماء الزرقاء الصافية، حيث تحرق الشمس الثلاثة بأشعة واهنة.
استهل الرجل حديثه قائلًا: "حسنًا.. أرجو أن تكون قد ذهبت إلى الجنة. لكن قبل أن تفعل، سارت حتى أقرب جرف لدينا في هذه القرية.. عشرة رجال، رجال طوال، وليسوا قصار القامة.. وقفزت مباشرة إلى أسفل. لذا أظنها صعدت، ثم هبطت، ثم ربما صعدت قليلاً مرة أخرى. وعلى أي حال، كل ما أعرفه حقاً أنها رحلت."
حاول جيم التوضيح: "تعني فارقت الحياة؟"
لكن المزارع بدا محبطاً من قصفه بالأسئلة، فأجاب باختصار.
"نعم يا سيديّ. والآن إن لم تمانعا، فيجب أن أعود إلى عملي."
وهمّ بالمغادرة عائداً إلى معوله.
تمتم ليبوفسكي: "يا له من فظ!"، وأصدر صوتاً بلسانه هزّ له رأسه.
قرر جيم أن يكون نبيلًا وألا يؤاخذ الرجل الذي افتقر بوضوح إلى التعليم والوعي الذاتي. استدار نحو القرية وبدأ يسير.
قال متنهداً: "لننهِ هذا الأمر وحسب."
مضى ليبوفسكي معه صامتاً، مرجحاً توفير طاقته بعدم الكلام ليدخرها حين يحتفلون بنجاحهم بزجاجات النبيذ المخباة في غرفته بالهيئة. فما زالت غرف سكنهم متاحة لأسبوع آخر، وكان ينبغي أن يكون هذا وقت الاسترخاء بعد العام المنصرم لا السير في ميتيلوس من بين كل الأماكن. وباعتبارهما خريجين حديثين لبرنامج الهيئة السحري المرموق الممتد لعام واحد، بدا إرسال اثنين منهما لحماية قرية صغيرة تافهة إلى هذا الحد مبالغاً فيه لحماية مكان ضد أي وحش مثير للشفقة لدرجة الإزعاج.
ومع ذلك، لم يجد في نفسه رغبة حقيقية للشكوى فلم يُستهدفا وحدهما. فقد كانت الهيئة تعج بالفوضى هذا الصباح، ورأى أن جميع الطلاب المتخرجين حديثاً قد كُلفوا بإيجاز ببعض الأعمال الميدانية. تمرين حقيقي على جاهزية الهيئة لدعم المملكة في وقت الحاجة. وما تلك الحاجة؟ بصراحة لم يكن جيم يعلم بها ولا يكترث لها. كل ما عرفه أنه أيقظ بوحشية في الساعة التاسعة صباحاً غير المقدسة. تلقى إيجاز مهمة مكتوباً وتميمة ذهبية ذات عين منمنمة كان عليه ارتداؤها.
وتلقى الآخرون واحدة أيضاً.. ربما كانت هدية تخرج. وبعد تلقي التيمة، أُرسل جيم إلى هنا في الجزء الريفي من ميتيلوس. قريباً جداً من جبال هرَس التي يُستخرج من بطنها معظم ثروة المملكة. أُرسل ليبوفسكي معه بالإيجاز والتميمة ذاتها. وقد تبادلا نظرات مندهشة قبل أن يقررا أن الهدف واضح بوضوح استخدام تعاونهما المتفوق لحل المشكلة القائمة. بالطبع لم يقولا ذلك، ولم يُظهر أي منهما سعادته لرؤية الآخر.
فمن المؤكد أن أي مهمة ستصبح أقل كئابة بوجود صديق، وكان جيم ممتناً بالفعل لأنه لم يضطر لتحمل فظاظة المزارع بصمت وحدَه. ولم يرغب يوماً حقاً في رؤية سلسلة جبال هرَس. فقممها المسننة المحروقة بالنيران وذات التاريخ المرعب تطلق العنان لنفسها في السماء كفك مكسور الأسنان. لقد شكلت حوضاً يحيط بميتيلوس، وهي منطقة غير ساحرة البتة في روتو. موطن التعدين والزراعة وعامة الفلاحين.
ليست حقاً مكاناً ترسل السحرة لحمايته، لكن الحكاية البراقة لإنجازاتهما بعد التعليم لابد أن تبدأ من مكان ما. ستثير إعجاب أولئك الذين يعتقدون أن وجودهما علامة سماوية على الشهامة، لا مجرد صدفة محضة. وضع جيم يده على جيب صدره الداخلي ليتأكد من أن الإيجاز وكيس نقوده ما زالا هناك.
نصت الرسالة على: "إرسالك إلى قرية زراعية، مع الاشتباه بنشاط للوحوش. كن على حذر وارتدِ التيمة."
واضحة بما يكفي. القرية في خطر، وهو وريبوفسكي هنا لحمايتها. والتميمة ستكون مكافأتهما، وقد مُنِحتا لهما مبكراً لأن انتصارهما على ما يزعج القرية كان محتوماً كمهارته. ويفترض أنهم أرادوا منهما ارتداءها لإظهار أن المملكة والهيئة على استعداد لحماية الموارد البشرية الأساسية للمنطقة. كان قد أمّن التميمة حول رقبته بالفعل. وخيل إليه أن العين المرسومة ترمش من حين لآخر. لكن هذا لم يكن يهم حقاً، إذ إنه بدا رائعاً مع أي حلي، سواء ترمش أم لا.
علق ليبوفسكي عندما اقتربا من القرية الصغيرة لدرجة تمكنهما من تمييز التفاصيل: "تبدو مهجورة بعض الشيء. تشبه شوارع سريدينا صباح اليوم التالي لمهرجان النبيذ."
صحت كلماته؛ فلم تكن هناك روح واحدة في الأرجح. ضمت القرية نحو عشرين منزلاً ومزرعة متهالكة، تحيط جميعها بمبنى ضخم واحد.
أجاب جيم مشيراً إلى خربشات سخيفة رُسمت بطلاء أحمر غريب على بعض المنازل الحجرية: "حسنًا، ربما أقاموا مهرجاناً. انظر، هناك رسوم غرافيتي، وهي بالتأكيد نتيجة لبعض العربدة السكيرة."
كان الخط فظيعاً. ولم يستطع تمييز كلمة واحدة. اقترب ليبوفسكي من الرسوم وأمال رأسه.
"أظنها لهجة محلية؟ إنها صعبة بالفعل، لكن مع خط اليد أصبحت شبه مستحيلة. قد تقول: "الكارثة آتية وكلنا هلكى"، أو "الموت يأتي بجنحين بنيين ليسفك دماً أحمر"."
"كيف يُعقل ذلك؟ هاتان جملتان مختلفتان تماماً؟"
اكتفى ليبوفسكي بهز كتفيه.
سأل: "أستطيع البقاء لفك طلاسمها بينما تذهب أنت للحديث مع رئيس القرية؟ لقد صرت فضولياً بعض الشيء الآن."
أشار إلى رسمة أخرى.
"أعتقد أن تلك تقول: "مؤخرة السيدة"، لكنها قد تعني أيضاً: "اركضوا أيها الحمقى"."
تأفف جيم وكتف ذراعيه.
"حسنًأ، لكن الأمر يزداد غرابة.. ألم يكونوا يعلمون بقدومنا؟ أين حفل الاستقبال؟ لن نحضره بالطبع. فهؤلاء ليسوا النوع الذي نود مخالطته.. لكن النية هي ما يهم."
قال ليبوفسكي شارداً وهو يتابع تحليل الرسوم: "لا أعلم، ربما لديهم بعض الكحول الغريبة هنا، قد يكون احتساؤها ممتعاً."
نما في نفس جيم قلق طفيف، ليس على حياته، بل على التراجع الواضح في المملكة. ومع ذلك، حُسم تقسيم العمل. سيفك ليبوفسكي طلاسم الرسوم، وسيجد جيم، بوصفه الوسيم والأكثر جاذبية بينهما، رئيس القرية. وحتى من دون الشعار الكبير على واجهة المنزل الفسيح، كان واضحاً تماماً لجيم إلى أين يفترض به الذهاب. فالشخص الأعلى مكانة في أي تجمع بشري كان دائماً هو من ينتج أقل قدر من الطعام، ولم يكن المنزل يضم سوى حديقة أعشاب صغيرة.
سار بخطى واسعة ورشيقة نحو الباب وفتحه دون تكلف عناء الطرق. الطرق للفقراء. ولج الطابق الأرضي الذي تألف من موقد وطاولة وباب القبو. رف واحد. تفقد جيم المكان بحثاً عن أي ساكن فلم يجد أحداً.
قرر مرجحاً: "على الطابق الأول على الأرجح."
فعلى الأقل سيبدو ذلك الجزء أكثر راحة بالنظر إلى أنه يمكن للمرء المشي على الخشب بدلاً من التراب وحده. وجد سريعاً السلالم الضيقة الصاعدة وبدأ الصعود. صرير عالٍ يتردد مع كل خطوة جعله يشك قليلاً إن كانت السلالم مصممة لتحمل شخص بوزنه الفكري.. ولحسن الحظ، خرج جيم إلى الطابق الأول سالماً. وهناك وجد غرفة علوية ضيقة، مضاءة بخفت ويكاد سقفها يخلو من الارتفاع الكافي للوقوف.
خمسة أشخاص جثوا أمام مذبح، ظهورهم مسدودة ووجوههم محجوبة. ركعوا في صلاة أمام تمثال صغير لشخص مسمور على صليب وبدا وجهه الجنسي مبهماً في تكشيرة ألم. تنحنح جيم بصوت عالٍ، ولما لم يلتفت أحد، كررها بصوت أعلى.
"هرمم، هرمم، غررهرن!"
أصاب الصوت الذي أطلقه حين شرد في ريقه الشخص ذا الشعر الأكثر رمادية أخيراً ليلتفت. وراقب جيم وهو يصارع لاهثاً بحثاً عن الهواء دون أن يمد يد العون. استشاط جيم غضباً قليلاً، فالتقى بعيني العجوز الواهنتين الباهتتين. وعمدت عيناه الزرقاوان الأكثر إثارة بكثير إلى اختراق عيني العجوز البنيتين.
سأل أخيراً: "أأنت رئيس القرية؟"
أومأ العجوز برأسه، مرتجفاً بخفة شديدة وكأن عظامه ذاتها تهتز. وبدا وكأنما على وشك البكاء، بلا أي وقار.
تابع جيم استفساره: "حسنًا، أخبرني بما يجري. أين الحريق؟"
حاول المزاح، وبدأ يشعر بعدم ارتياح طفيف في الأجواء الخונة للمكان الصغير.
تلعثم نَفَسُه: "سنموت جميعاً.. لقد تنبأت جدتي بذلك"، ثم بكى ناظراً إلى أسفل بيأس.
فركع أفراد العائلة خلفه بعمق أكبر في الصلاة إن أمكن ذلك، وباتتتمتماتهم مسموعة.
صحح جيم للرجل المضطرب بوضوح بلطف: "عذراً، لا تحسبني في عدادهم. لن أموت. ربما تموت أنت، لكنني لن أفعل."
ثم تابع: "والآن، أتعطف وتخبرني بما يجعلك تظن أنك ميت؟ اسمك حامفريز، أليس كذلك؟"
تمتم الرجل: "حانافريس"، قبل أن يخمش عينيه بصمت وبطريقة جنونية أشد ما تكون.
وظهرت خدوش حمراء داكنة في وجهه. تراجع جيم قليلاً إلى الخلف، متسائلاً عما إذا كانت القرية تستحق العناء أصلاً من التهديد القادم. وبحالة زعيمها، فإن الجميع هنا قد تجاوزوا مرحلة العودة على الأرجح، بغض النظر عن الموت المحتوم.
صاح جيم وقد عاوده الغضب: "بحق السماء أيها الرجل! تمالك نفسك! أمامك ساحر متعلم أكاديمياً. وآخر بالخارج يفك طلاسم تلك الخربشات الحمراء المطلية على المنازل. لقد حُلت مشاكلك. اللعنة إن كنت أعلم لمَ أُرسلنا إلى هذه الحفرة التافهة، لكننا أُرسلنا. فقط أخبرني ما العلة!"
بدا أن الغضب الموجه إليه من أحد أسياده قد أهدأ الرجل قليلاً. وهو أمر روتيني على الأرجح إن كان يتصرف هكذا مراراً.
همس الرجل وأسنانها تصطك: "الكارثة.. جدتي.."
قاطع جيم: "هينيبرينيس الأولى؟"
ليحظى بإومأة حائرة لكن محمومة.
"لقد رأتها. ليس لدينا فرصة.."
سأل جيم: "رأت ماذا؟"
"الكارثة."
صحح جيم: "هذا لم يحدث منذ ألف عام تقريباً. وبما أنني لا أستغرق حالياً في الغرق بالوحوش التي تتدفق خارج سلسلة الجبال، أشك في أن جدتك رأت شيئاً على الإطلاق."
لكن حانافريس الثالث اكتفى بهز رأسه.
"رأتها في المستقبل، هلاكنا."
"ألهذا السبب لا يوجد أحد في القرية؟"
قال رئيس القرية بازدراء: "الكل يصلون، عدا ستريك، الأحمى. أتظن حراثة حقل محصود ستضمن دخوله للجنة، لا أعتقد ذلك."
فرك جيم صدغيه.
سأل جيم بضجر: "إن كنت واثقاً تماماً من هلاككم على أي حال، فلماذا طلبتم المساعدة؟"
لكن حانافريس الثالث اكتفى بهز رأسه مجدداً.
قال الرجل، ويبدو أنه استمد قدراً ضئيلاً من المتعة في ذلك إن كانت التموجات الخفيفة لشفتيه مؤشراً: "لم نطلب المساعدة؛ فالرؤى لم تخطئ أبداً. وستموتان هنا أيضاً."
صاح جيم مجدداً، وقد بلغ به التوتر مبلغه لنتف شعره: "يا رجل! إن كان شخص مثلي، يتمتع بدم نبي حقيقي، لم يوقظ الموهبة، فمن المؤكد أن عجوزاً عجفاء في قرية عشوائية في منتصف العدم لم تفعل بالتأكيد!"
نظر الرجل إلى الساحر بشفقة: "لم تخطئ قط."
قال جيم: "تعلم ماذا.. حسناً. كانت جدتك واهمة وأقنعتكم أنتم الحمقى بالمسايرة بطريقة ما. لم ترسلوا في طلبي. أنا متأكد من أن أحمق تلك الأكاديمية أرسلني إلى المكان الخطأ، المعتوه غير الكفء. أنا راحل-"
وقبل أن يتمكن جيم من إنهاء جملته، هز زلزال رهيب منزل رئيس القرية من أساساته. وانطلقت صرخة بشرية صاخبة، لكنها انقطعت في أقل من ثانية. ألقى جيم بنفسه على الأرض وغطى رأسه بيديه، وهي حركة معتادة منه حال حدوث الزلازل. مع ذلك، تبددت أي أفكار عن الزلازل من ذهنه حين أعقب الزلزال زئير يثلج الصدر، ليهز المنزل مرة أخرى من شدة مستوى الصوت وحده.
تمتم جيم لنفسه قلقاً على الصرخة البشرية التي قطعها التحطم: "هذا لا يبدو رفيع المستوى أبداً."
ونأمل أن يكون ليبوفسكي بخير. اكتفى حانابيبي الثالث بالأنين، متخبطاً على أربع لينضم إلى عائلته في الصلاة، مبقياً على صدق كلماته حول الاستسلام للحياة على ما يبدو. ولكونه غير متدين بشكل خاص، احتاج جيم إلى معرفة ما الذي يحدث بحالة جحيمية عوضاً عن الصلاة. لسوء الحظ، لم تكن هناك نوافذ في العلية، فركض إلى جانب السقف، وتشكّل سهم من طاقة السحر الأزرق فوق كتفه. انطلق المقذوف إلى الأمام وحفر ثقباً في الخشب.
أدخل جيم رأسه ليتفقد الوضع بالخارج. ووجد نفسه يواجه ساحة القرية، وهو ما توقعه تقريباً. وما لم يتوقعه، ولم يعجبه كثيراً، هو الكلوق الضخم الشبيه بالتننين الذي كان يتجول حول المنزل الذي كان فيه، ناظراً بفضول حول جميع الهياكل من صنع البشر التي طغى عليها تماماً ببدانته الهائلة. كان كائناً غير رشيق، بلون بني قذر؛ وضخماً وبشكل غريب وطفولي في طريقة شمه للأرض وتلصصه من النوافذ بعينين صفراوين جاحظتين.
تجمد جيم، وتراجع إلى الوراء كما لو تعرض لضربة، وظل متردداً لثانية بين الانضمام إلى عائلة الفلاحين في صلواتهم التي انقلبت صرخات أو الهرب خارج المنزل في الاتجاه المعاكس للوحش صائخاً كفتاة صغيرة.. بل كأرستقراطي وقور. كانت هناك لطخة دموي برداء أسود على الأرض بجوار الوحش، ورقاقة من الأحذية الجلدية الوردية ترقد بجانبها. وإن إمكانية الحداد على ليبوفسكي وأي قدرة على اختيار الفعل انتُزعت بسرعة من بين يديه.
استدار الوحش في دائرة بسرعة تتناقض مع حجمه. وتبع ذيله العملاق الحركة كالسوط. وبدأت الزوائد في تحطيم المنازل والأحياء التي تعيش داخلها مثل مزيج من العنب الخشبي والبشري الذي ينفجر عند الاصطدام. وامتلأ الهواء بالشظايا والأحشاء. أتاح لجيم الوقت بالكاست لموقعه درع الساحر قبل أن يكمل الوحش استدارته، تتبعه ذيله بنصف ثانية، متجهاً مباشرة نحو المنزل. وفي أسرع تشكيل تعويذة في حياته بالتأكيد، أحاطت بجيم درع سحرية زرقاء تتألف من عدة أشكال سداسية.
وبالطبع حدث كل شيء بسرعة لدرجة أنه لم يملك الوقت لمعالجته. وسمع فقط صوت طحن الخشب المتكسر. وتحطمت درعه كبيضة دجاج سيئة التشكيل، دافعة به إلى الهواء كمذنب بشري وسيم بشكل خاص. لو بقي جيم واعيًا بعد الاصطدام، لكان قادراً على تمييز منزله العائلي من ذروة القوس الذي صنعه عبر المجال الجوي غير المستخدم للمملكة في الغالب. لكنه لم يفعل، لذا ظل هذا المنظر الجميل بلا تقدير.
-/- عقد الناظر ليغ حاجبيه وداعب لحيته الرمادية الطويلة، مركّزاً على إحدى الصور المتحركة التي كانت تُعرض في عقله عبر تمائم مشاركة النظرات. بدا وكأنه يطير في الهواء. رأى أن من ارتداه قد تحطم بذيل أحد تلك التنانين المجنحة البنية المتحولة التي تتساقط من الجبال، ولكن بدا أن الساحر بدلاً من مجرد الموت في مكانه، تمكن من القفز إلى أعلى. وسواء كانوا أحياء أم لا، فهذا أمر قابل للنقاش، لكنه كان شيئاً مشوقاً لاحظه أحد أقسام ليغ العقلية.
قال من مكتب السرو الخاص به في زاوية كاتدرائية ملك السحر: "تم رصد التنين المجنح البني المتحول السابع عشر."
المكان الموثوق الوحيد الكبير بما يكفي لاستهاب جميع جهود جمع المعلومات المطلوبة، إلى جانب الطقوس. كان هناك العديد من هذه المكاتب، وكلها تحيط بالبالادين ألبون، الذي كان راكعاً في المنتصف بينما يصرخ سحرة مختلفون بالمعلومات في وجهه. وكان يحيط بالبالادين نجمة كبيرة ذات سبعة رؤوس مرسومة على الأرض بالطباشير والدم. وفي نهاية كل رأس يقف بصمت ودون حراك، أقوى السحرة الذين يمكن للمؤامرة جمعهم.
مجموعة لم ينتمي إليها ليغ. لكان ليغ البديل لو مات أي منهم أو فشل في الحضور. لكن أياً منهم لم يفعل. كان هذا أهم من أي فرد منهم. امتلأت الدائرة والنجمة بالرونيّات، وكلها تؤدي إلى المنتصف.
قالت الأسقفية من الزاوية التي نُفيت إليها، جالسة على كرسي مزخرف وتنقر بإصبعها على مسند الذراع: "بدأت التقارير تتباطأ."
أشار ليغ، وقد تداخل صوته مع كل الأصوات الأخرى التي كانت تثرثر على البالادين الذي كان في قمة التركيز: "تم رصد شيطان القذارة رقم خمسمائة وأربعة وستين."
وكلما مات عدد أكبر من حاملي التمائم، مغطين الجثث بالمنظر الذي قدمته التحفة، تمكن ليغ من تحرير المزيد والمزيد من عقله للتركيز على وضع جسده.
قال: "تراجعنا إلى ست تمائم عرض من أصل ثلاثة وأربعين."
قال ساحر آخر: "خمسة من أصل ثلاثين."
"صفر من أصل اثنين وثلاثين."
"اثنان من أصل سبعة وعشرين."
قالت الأسقفية: "واقعياً، أولئك الذين لا يُظهرون شيئاً مثيراً للاهتمام حتى الآن لن يبدؤوا فجأة في فعل ذلك. لقد بدأت الكارثة قبل ساعة بالفعل."
تحدث ليغ، وهو الأقدم بين السحرة القادرين حالياً على الكلام: "ابدؤوا الطقوس، دعونا لا نخاطر بوصول الوحوش إلى هنا بطريقة ما عبر الطائرات السريعة. دفاعاتنا أكثر فقراً من ذلك بكثير، ودائرة الطقوس هشة للغاية"، وأمر بذلك متبادلاً إيماءة مع الأسقف.
بدأ السحرة السبعة في الترتيل، وتوقف جميع المراقبين عن الكلام، مما سمح للممارسين بالتركيز. واملأت الغرفة كلمات مشوهة في ترنيمة غير متناسقة. كان لكل من السبعة كلماته الخاصة، واصطدمت بشكل رهيب. بدأ الذهب الساطع يتجاوز الخطوط البيضاء والحمراء على الأرض، ممتداً إلى الداخل من كل رأس. ببطء، ولكن بالتأكيد، تسللت الطاقة السحرية صعوداً، مستنفدة القنوات الحية وتوجيه التأثير أقرب فأقرب إلى جسد البالادين.
بدأ ليغ يولي اهتماماً ضئيلاً بالروابط التي كانت تربطه بالتمائم، متجاهلاً حقيقة أن إحداها كانت لا تزال تطير في الهواء. ولو أنه انتبه، لرأى التميمة تمر فوق قرى ومدن أكبر تدريجياً، والتي اصطفت في خط مستقيم شبه تام وصولاً إلى سريدينا. ومع ذلك، كان قلقاً جداً بحيث لم يلاحظ. فملك الزمن لا يمكن خداعه إلا مرة واحدة، وما كانوا يحاولونه اليوم هو أكبر خدعة على الإطلاق. وحيث إن الزمن سيد صارم ومصحح مفرط، فمن المرجح أن يمحو قدرة البشرية على استخدام سحر الزمن تماماً بعد هذه الطقوس.
لم يكن ذلك مهمًّا. كانت هذه المهمة الواحدة أهم من أي فرع واحد من فروع السحر. سيستخدم البالادين ألبون العلامة التي سيتم منحها له للقضاء على الكارثة مرة واحدة وإلى الأبد. سيقود البشرية ضد القوى المظلمة التي استقرت في جوف الأرض ويكسبهم إلى الأبد القدرة التي لا جدال فيها على التعدين بالعمق الذي يريدونه. مرت دقائق بدت كالساعات، وكانت كلاريس أول السحرة السبعة سقوطاً على الأرض.
لقد تقدم السحر الذهبي الجماعي نصف المسافة نحو ألبون. اتخذ هرامون، الذي كان بلا شك أقوى ساحر حاضر، خطوة واحدة نحو الشكل الساقط وبدأ في تغطية قناتيهما بسهولة واضحة. بدأ الذهب في التقدم بشكل أبطأ. ثم سقط شكل آخر. بايتانا، ثاني أقوى مستخدم للسحر حاضر. وقد وُضعت بجوار الرقم ستة لتولي الأمر إذا انهار الأخير. تردد صدى لحتة خافتة عبر الكاتدرائية، بينما حاول الرقم ستة تولي الأمر لنفسه ولـ بايتانا.
صمد بالكاد لعشر ثوانٍ قبل أن ينهار هو الآخر. بدأت سلسلة تفاعلات. وقف الناس في رعب، عاجزين عن إيقافه. بمجرد أن قام المشاركون بضخ المانا الخاصة بهم في الطقوس، لم يمكن استبدالهم، بل إزالتهم فقط. توقف تقدم التوهج الذهبي إلى زحف، على بعد متر بالكاد من ألبون، بينما سقط السحرة الواحد تلو الآخر. والوحيدان اللذان بقيا واقفين هما هرامون، إرادة الأرض وأكاش، سيد النار. كان ليغ يتوق للمساعدة، لكنه لم يستطع سوى المشاهدة بعجز بينما كان الساحران الأقوى يتمايلان في تركيز لا يلين ويخطوان خطوات ثابتة حول الدائرة.
حريصين على عدم الدهس على جثث رفاقهم الساقطين، دون توقف ترنيمتهم أبداً. إذا فشلت هذه الطقوس، فسوف يُحكم على البشرية مرة أخرى بالدفع بالدم لصد الغزو القادم، دون حل السبب الجذري للمشكلة حقاً والبقاء تحت حكم الأسرة الحاكمة بقبضة من حديد. ولحسن الحظ، واصل الساحران المتبقيان أدائهما الخالي من العيوب. وسرعان ما وصل التوهج الذهبي إلى قدمي ألبون العاريتين الشاحبتين، اللتين سحب سيفه العريض وأمسكه بقبضة معكوسة لتوجيه الطرف مباشرة نحو قلبه.
سيخترق السلاح جسد الرجل المعزز بسهولة. تشتت انتباه ليغ فجأة بأحد أجزاء عقله، الذي كان لا يزال يراقب التمائم. إذا حدث شيء عظيم حقاً، فلا يزال يستحق تشتيت انتباه ألبون لكسر من الثانية لإعطائه تلك المعلومات في طريقه إلى الوراء في الزمن. مع ذلك، لم تكن الصورة التي شتت انتباه ليغ صورة وحش خطير بشكل خاص يريد إعادة توجيهه، بل كانت بالأحرى لقطة للكاتدرائية التي تجري فيها الطقوس.
كما لو كانت.. من أعلى.. كما لو كانت من قبل طائر.. انفتحت عينا ليغ على مصراعيها وهو يدرك ما كان يراه. وحاول بيأس فصل الاتصال بالتميمة. فوت الأوان، وأدرك أنه من خلال حضور سحره، سيتم ربطه بالحواجز والسماح بالدخول إلى المبنى. فشل الناظر في قطع الرابط في الوقت المناسب. جسد يرتدي رداءً أسود وتلك الأحذية الوردية السخيفة اصطدم بأحد نوافذ الزجاج المعشق. حاول ليغ تشكيل تعويذة، أي تعويذة، لردع الجسم الطائر الموجه بخبث واضح نحوهم، لكن كل شيء حدث بسرعة كبيرة.
اتجهت أعين الجميع في اتجاه المقذوف البشري القادم، ولم يستطيعوا سوى النظر، مرعوبين، بينما اصطدم الجسد مباشرة بألبون، غير قادرين على الحركة ومضطرين للمشاهدة وهو يُقذف من منتصف الدائرة ليتم استبداله بالمتدخل، تماماً كما وصلت الرونيات الذهبية إلى نهايتها. صرخ معظم الحاضرين، عالقين في إيماءات تحويل تم إحباطها وقد جاءت كلها متأخرة جداً. كان يجب أن تستمر الطقوس. أي إزعاج كان سيمحو كل آمال في تكرارها مرة أخرى.
بينما قذف ألبون، طار نصله من قبضته، محلقاً في الهواء نحو هدف جديد. دار السيف في الهواء، مرة، مرتين، ثلاث مرات، قبل أن يهبط طرفه أولاً في صدر الشخص الذي طار للداخل، تماماً كما بدأت الشخصية في الدائرة في رفع يدها. اخترق السيف الجسد. سقطت اليد. سقط رأس المتدخل مرة أخرى على الحجر. تعرف ليغ للأسف على الوجه باعتباره ينتمي إلى أحد الطلاب بالكاد اجتازوا الاختبار النهائي قبل أيام قليلة.
في الواقع، سمحوا له بالاجتياز فقط بسبب درعه القوي نسبياً. قبل أن يتمكن ليغ من لعنة الملوك والتأسف لأن مصير البشرية بات الآن في أيدي أسوأ طالب مرره على الإطلاق، تحطم الواقع مثل مرآة مكسورة ومُحي الخط الزمني.