استغرقت رحلة العربة وقتاً طويلاً لأن السائق انحرف إلى الشارع الذي شهد الاحتجاجات. اعتذر الرجل بصوته الخشن الذي يكاد يناسب عربته الأكثر خشونة. لكن الرحلات كلها تبلغ غاياتها في النهاية، وترجل جيم من العربة، رامياً ببعض القطع النحاسية للسائق الذي التقط راكباً آخر وانطلق هارباً على الفور وهو يجلد حصانه. كان صوت السياط ممتعاً للأذن، وفكر جيم برهةً فيما إذا كان عليه شراء واحد لنفسه.
هزّ جيم رأسه بعد تفكير قصير ورفع نظره نحو حرم الأكاديمية. سورٌ يحيط بالعقار بأسره، وله مدخلان فقط. بوابة مقوسة كبيرة، مفتوحة حالياً لكنها تُغلق ليلاً. تنفس الساحر الشاب الصعداء ودخل الحرم، ملاحظاً أنه يبدو على حاله دائماً. مسارات من الحصى الهندسيّ تتلوى على عشب أخضر، تتخللها أشجار الفاكهة والجوز والصنوبر. يفضي كل مسار إلى مبنى مختلف، إلى جزء مختلف من الأرجاء. كان المنظر جميلاً على نحو ما، لكن جيم ضجر منه منذ زمن طويل.
يبدو على حاله دائماً، وبعد مرور عام، شعر بملل تامّ ومطبق. ما جدوى الحفاظ على بيئة طبيعية محددة بالسحر إن لم يغيرها أحد قط؟ سلك اليوم مساراً حصوياً لم يطأه من قبل. زار في الماضي قاعات المحاضرات الرئيسية المخصصة للدروس الإلزامية، وساحة القتال. اتجه اليوم صوب المبنى الذي يعرف أن المدير يقيم ويعمل فيه. إنه أشبه باستراحة للأساتذة، تقع في منتصف الحرم الجامعي مباشرةً. برج كبير من الحجر الرمادي البسيط يخترق السماء.
وتحته بناء مربّع ضخم يذكر بالكنائس. مبنى غريب. كلما اقترب، لاحظ خلو الباب من أي أستاذ، مما يعني أنه سيضطر على الأرجح الدخول ليتأكد أوجود المدير أم لا. كان سببه في البحث عن الرجل تحديداً أن منصب الأستاذية في الأكاديمية وإن كان محترماً، إلا أنه ليس منصباً سياسياً. أما المدير، فإلى جانب كونه ساحراً عظيماً، فهو يعضو في مجلس المدينة ويملك صلاحيات طارئة ونفوذاً في الجيش.
مشى جيم نحو الباب ووضع يده على مقبض حديدي ضخم وهمّ بالضغط عليه لأسفل قبل أن يُقاطَع بفظاظة.
سألت الفتاة المنتظرة هناك: "ماذا تفعل؟"
كانت ترتدي رداءً أزرق، وهو أمر مقبول نظراً لعدم بدء المحاضرات بعد. وشعرها مصبوغ بالأزرق أيضاً، أو لعلّه لونه الطبيعي. اسمها ديو ووترفلاور، وهي مزعجة.
سرد بصوت متعب وقد ضجر سلفاً من وجود الفتاة المهووسة بآداب الأرستقراطيين: "ماذا تريدين يا ديو؟"
لم يمضِ حتى خمس ثوانٍ.
قالت بابتسامة ساخرة: "أريدك أن تنتظر هنا باحترام حتى يأتي أستاذ ويسمح لنا بالدخول، أو يجيب أحدهم على طرقاتي. لك أن تتخيل استيعابي إن عجز عقلك عن إدراك أدنى قواعد اللياقة البشرية. أظن أن مشاركتك الصفية كانت منعدمة تماماً خلال دروس الإتكة وأنت طفل؟"
ردّ جيم بنبرة لاذعة مماثلة: "خلافاً لتملقك المثير للشفقة، لدي أمور مهمة حقيقية أُنجزها هنا. وأجزم أنك هنا فحسب لمضايقة الموظفين واستجداء السماح لك بأخذ كل المواد الاختيارية رغم علمك بمخالفة ذلك للقواعد."
تذكر من رؤاه كيف نجحت ديو بطريقة ما في التسلل إلى ثلاث مواد اختيارية خلال الفصل الدراسي، رغم أن درجات امتحان بداية الفصل كانت تبيح لها اثنتين تقريباً حتى تجتاز السحر القتالي الأول. احمرّ وجه الفتاة وحدقت فيه مكتوفة الأيدي.
أنفت قائلة: "على الأقل لست هنا لأتأكد من إمكانية نجاحي من دون أخذ أي مواد اختيارية. لقد انحطّ المستوى حقاً بسماحهم لأمثالك بالدخول."
تمتم جيم لنفسه ببعض الارتباك وشيء يسير من الأسى: "أمثالي."
هو عادةً من يصف الآخرين بعبارة «أمثالك»...
عائلة ووترفلاور سلالة من السحرة نجت عبر عدة عصور حتى الآن. فبعد أحدث عصور النار، حوّلوا تركيزهم فوراً من سحر النار إلى سحر الماء. وكانوا هم من اقترحوا وأنشأوا البحيرة الاصطناعية المحيطة بالمدينة. مراهقون في جوهرهم. يراهنون على أن الكارثة القادمة ستشمل وحوشاً تميل إلى جانب النار، طمعاً في مزيد من الهيبة لكونهم مفيدين في الدفاع والاخضاع. إن وُجدت من الأساس، فجلّ غاية عصر النار ذاك كان إحراق سلسلة جبال هروست حتى تنفحم.
أصبحت هذه الأيام مجرد مجموعة من الصخور السوداء المسننة، وقد احترق كل حي فيها إلى رماد ظاهراً وباطناً. النار الملّعونة تضمن عدم نمو شيء، ويستطيع العمال استخراج الخام بلا خطر. رأى ذلك في المستقبل حين أُرسل إلى تلك القرية. أسنان سوداء مسننة تخمش طريقاً في السماء خلفها، تغطي الأفق وتحيط بمعظم ميتيلوس.
"أمثالي. تقرين أولئك الذين استيقظوا على سلالة. أوافقك، الأكاديمية مخصصة لعائلات السحرة المثيرة للشفقة التي لم تطور قط أي موهبة فريدة."
سألت ديو ببرود: "أي سلالة؟ القدرة السحرية على نيل حسومات على الواردات من إيزينجرد لأنك تتظاهر بتصديق هراء النيران الخاص بهم؟"
أجاب جيم وهو ينظر مظاهراً إلى أظافره متسائلاً عما إذا كان عليه تقليمها: "الرؤى التنبؤية في الواقع."
لقد بدت أطول قليلاً. غادر مسقط رأسه قبل أربعة أيام وكان على الطريق منذ فترة. ولم يمنح نفسه وقتاً للعناية الشخصية بمظهرها الملائم.
سألت ديو وقد تبدلت مندهشة لا مستاءة: "تحاول إقناعي بأنك عراف؟"
كان جيم يزدريها بالفعل لكونها أقصر قامة منه، لكنه أمال رأسه الآن بدوره.
أجاب متعالياً: "نعم، لذا ربّما عليك إعادة النظر بجدية في الكفّ عن مضايقتي، قبل أن أخبر أحدهم بأنك ستصابين بالجنون بعد بضع سنوات فيقوموا بحجزك."
حدقت به ديو بعينيها الزرقاوين الصافيتين، وقد بدا عليها الحسد جلياً.
قالت بنبرة محايدة مع حاجبر يختل دلالة على تأثرها بادعائه: "أرفض حتى مجرد مجاراة هذا الاحتمال."
تمتم جيم زافراً وهو يهز رأسه: "المرحلة الأولى من الحزن... الإنكار."
وضع يده على مقبض الباب مجدداً، وهو أمر لم تحاول ديو منعه، وضغط عليه لأسفل. لم يفتح. كان موصداً، أو محصناً بالتعاويذ، أو ما شابه.
سخرت الفتاة من جواره: "هذا ما جنته يداك. والآن اهرب بعيداً. أجزم أن ثمة قطعة نحاسية يمكن كسبها في تجارة ما بالحرم."
تَفَوَّهَ جيم بزفرة، واستدار ليصير مخدع الأساتذة خلفه، واستند إلى الجدار مستمتاً بالظل.
قال: "أظنني سأنتظر."
"حسناً!"
"حسناً."
"على الرحب والسعة!"
"لا مانع لدي."
"لا مانع من القبول."
"شكراً لك."
كفا عن التلاسن، حاسبين أن الأمر لا يستحق عناء الظفر بالكلمة الأخيرة. وبعد دقيقة أو نحو ذلك، رفعت ديو كفّها إلى مستوى الصدر، ووجهتها لأعلى وبدأت تدوّر المانا. تشكلت قطرة ماء صغيرة فوق يدها وبدأت تتراكم تدريجياً بكتلة أكبر. ينقسم السحر إلى مستويين. السحر المنظم، ويتألف من التعاويذ والطقوس والمآسير، وكلها تتطلب خطوات و إشارات واضحة لتؤتي ثمارها. أما السحر غير المنظم، فيتألف ببساطة من استحضار مانا المرء وإحداث تأثير في العالم.
والتأثير الذي يمكن للمرء إحداثه في العالم بهذه الطريقة محدود للغاية، ولهذا يُستخدم الفرع بأسره في الغالب تمريناً أساسياً للسحر المنظم. لنفترض أن ديو أرادت إلقاء رمح الماء. يمكنها ترديد التعاويذ، والتلويح بذراعيها بشكل ملائم، وترك الصيغة المجربة والمختبرة تتحكم بمانا الخاص بها لتشكل رمح ماء تطلقه بعد ذلك على عدو. لكن الصيغ لا تستطيع حمل المستخدم كلياً ومطلقاً. فإن لم تكن لدى ديو أي فكرة عن كيفية خلق الماء، أو تحريكه، أو إبعاده بالتحريك الذهني، فلن يرجح نجاحها في إلقاء تعويذتها.
لهذا وُجدت تمارين التشكيل. إن دربت نفسها على القدرة على استدعاء الماء بطريقة غير منظمة، والتحكم به بطريقة غير منظمة، والاحتفاظ بشكله بطريقة غير منظمة، وأخيراً لا آخراً، رفضه بعنف بطريقة غير منظمة، فعندها ستكون قادرة على الأرجح على استخدام تعويذة رمح الماء. وبما أن رمح الماء يتطلب إتقان ثلاثة تمارين تشكيل على الأقل — الاستدعاء، التشكيل، الإبعاد — فإنه يُصنَّف كتعويذة حلقة ثالثة.
فضلاً عن ذلك، يوجد فرق بين خلق الماء وسحبه من الجو. كان جيم يضع كل هذا في حسابه لسبب بسيط واحد. لقد طورت دماء عرافته قدرته السحرية. ورغم أنه لن يُضيع يوماً فرصة للكسل أثناء الانتظار، فإن إحراج ديو ونسبها الأرستقراطي مبرر كافٍ. لم يكن بمقدوره تنفيذ أي شيء مبهر، لكن التمرينات التي تعلمها جاءت الآن بستة أشهر من التدريب الإضافي. مما يعني، لو أنه اختار الصحيح...
سأل باستهتار: "سحب أم خلق؟"
فتلقى نظرة حانقة إذ فقدت كرة الماء الصغيرة في يد الفتاة شكلها وهوت، محدثة رذاذاً خفيفاً.
قالت وهي تزمجر قبل أن تعود للتركيز: "الخلق."
الخلق أصعب من سحب الماء من الجو. لم يستطع جيم سوى فعل الأخير، فقد كان أحد تمارين التشكيل الضرورية لتعلم تعويذة جمع الماء، وهي واحدة من الأساسيات الأربع. كما أن تمارينه الأساسية الأربع الأخرى لم تكن مبهرة للغاية أيضاً. لكن هناك تمرينين تشكيليين كان يجيدهما تماماً. وهو أمر مفهوم، بالنظر إلى أن السحر القتالي الأول لا يُجتاز إلا بتعلم التعويذتين المرتبطتين بهذين التمرينين.
لكن موهبة جيم كانت تكمن في تعويذة الدرع أكثر من تعويذة قذيفة السحر. لمح ديو بطرف عينه بينما رفعت يدها هي الأخرى على غرار ما فعلت. كان يلمس مراقبتها له كالصقر، مترقبة ما سيُظهره ومستعدة للكلمات التي ستستخدمها لإهانته إن لم يرتقِ إلى معاييرها. جذب الساحر الشاب مانا الخاص به، فتجمعت فوق كفّه. تدفق تيار مزرق، كالَدخان، والتوى من راحته قبل أن ينطبق في شكل خاتم متوهج.
ثم ثانٍ، متداخل داخل الأول. لقد بلغ حده تقريباً. لكن بضربة أخيرة واحدة، جعلهما يدوران في اتجاهين متعاكسين. إنه أحد أبسط تمارين التشكيل المتاحة، ولكنه يعالج قذف المانا، وتشغيل المانا، والتحكم بالمانا في آن واحد. استدار ليمنح ديو نظرة مغرورة، ملاحظاً بسعادة كيف أنها أسقطت كرة الماء مرة أخرى وكانت تفرّس في راحته كأنها مدت له إصبعها الأوسط للتو.
سألت بخشونة وعبوس: "كيف فعلت ذلك؟"
كان يعلم من ذاكرته عن امتحان بداية الفصل أنها لا تزال عالقة في مرحلة خلق الخاتمين لكنها تعجز عن التلاعب بهما بالشكل الملائم بعد. لقد نظرت إليه وإلى ليبوفسكي بنظرة شديدة الرضا عن النفس حين أفلحت في ذلك. ولم تبدُ الآن سعيدة البتة. أوقف جيم التمرين، متخذاً بابتهاج عن مستوى التركيز المكاد يكون مؤلماً والمطلوب له.
قال: "ميزات رؤية المستقبل،"
وكتّف ذراعيه بينما كانت الفتاة ذات الشعر الأزرق تحلل هيئته بنظرة متأملة.
قالت نبرة فجأة من خلفهم، متسببة في انتفاض الطالبين والتفافهما ليروا أن أستاذاً فتح الباب بكسل دون أن يلحظه أي منهما: "حسناً، يسرني رؤية تلميذين يعرفان كيف يستغلان حقاً لحظات الانتظار الصغيرة التي تفرضها الحياة علينا."
سألت نائبة المديرة بينما تعدل نظارتها المدورة وتمنحهما نظرة صارمة: "مع ذلك، علي أن أسأل، ماذا تفعلون هنا؟"
كانت معروفة بصرامتها وعدم تقبلها للهزل، ولحسن الحظ لم يكلف جيم نفسه عناء حضور أي من حصصها التي قيل إنها تتمحور حول تمارين التشكيل. في الواقع، لم يأخذ أي مواد اختيارية قط... على أي حال، كان يعلم أن التوجه إلى صلب الموضوع أفضل أمامها.
بدأ مانحاً المرأة نظرة معبرة، قبل أن يرمش بعينيه بسرعة صوب ديو وكأنه يلمح إلى تفضيله إجراء تلك المحادثة على انفراد: "المديرة المساعدة فيكتور، كنت أسعى لمقابلة المدير لي لأناقش معه استيقاظ سلالتي الكامنة."
بقت المديرة منيعة على التأثر.
"هل هناك سبب يمنعك من الانتظار حتى بعد غد؟ موعد امتحانات الترتيب حينها."
حسناً، لقد أخبر ديو على أي حال، وقرر جيم المضي بلا مهادنة.
"راودتني رؤية تنبؤية، نائبة المديرة. أردت نقل معلومات قد تهم في إنقاذ الأرواح إلى المدير، وأنا أعلم مكانته في الشؤون السياسية والعسكرية."
وحياته الخاصة بالدرجة الأولى. رمشت الأستاذة فيكتور ببطء في وجهه، قبل أن ينعقد حاجباها بمزيد من الصرامة المفاجئة، إن كان ذلك ممكنة. تراجعت وطلبت منه بلا مراسم دخول المبنى.
قالت قبل أن تستدير وتمضي: "لنكن سريعين، إنه في مكتبه الآن."
نظرة إلى الوراء.
"تعال إذن،"
قالت. تبع جيم خطاها، مستداراً ليرى ديو تحلق غضباً من الباب المفتوح، بقبضات مقبوضة ووجه محمر. أخرج لسانه لها قبل أن يُغلق الباب فوراً في وجهها، زاجاً به بحسم وفورية في الحرم الداخلي لأساقفة الأكاديمية. بصراحة، كان أقل إبهاراً مما تخيله. مجرد مساحة واسعة مفتوحة تنتشر فيها المكاتب. صحيح أن المقاعد بدت مريحة، وأكوام الورق البارزة نحو الهواء بدت مرعبة، لكنها تشبه مكاتب أعمال عائلته، غير أنها أقل حيوية.
ما عداه والأستاذة فيكتور، لم يكن هناك أحد.
قالت نائبة المديرة دون أن تلتفت وهي تقودهما نحو درج حلزوني: "يفضل الأساتذة الانتقال الآني في يوم الامتحان."
تأمل جيم قائلاً: "أظن أنه لا جدوى تذكر حقاً. لا حصص، والامتحان مُعدّ مسبقاً، وإدارة التسجيل وجمع الرسوم أدنى شأناً من ساحر بأي مهارة."
التفتت الأستاذة فيكتور برأسها لتمنحه ابتسامة شحيحة وهما يبدآن صعود درج البرع.
"نعم، رغم أننا نكلف عموماً بعض هذه المهام للأساتذة الجدد حتى يتسنى لهم رؤية كيفية عمل الأكاديمية."
استدارت مجدداً، مانحة جيم فرصة للتقطيب. كيف يعقل أنه حتى بعد أن يصبح الساحر بارعاً لدرجة تؤهله ليصبح أستاذاً في أكاديمية سريدينا، فإنه لا يزال مضطراً للقيام بالأعمال الورقية الإدارية؟ سيفعل بعض ذلك لعمل عائلته حين يتخرج وكان على الأساتذة الجدد فعله كمقدمة. أيبقى مكان في العالم آمن؟ وصلا إلى قمة البرج، حيث كان في انتظارهما مدخل صغير. أُضيء بمجامر مشتعلة دائماً من لهيب أزرق، وفُرشت بساطة مريحة على الأرض.
توفرت أريكة وبعض المقاعد وطاولة صغيرة. كان جيم على وشك الجلوس متوقعاً فترة انتظار على الأقل. بيد أن فيكتور سارت ببساطة نحو الباب المهيب المؤدي على الأرجح إلى مكتب المدير وراحت تطرقه بقبضتها.
صاحت: "لي!"
أشياء مهمة!
أجاب صوت رجلي مسنّ من الداخل: "ثانية واحدة!"
تلت ذلك أصوات: قرع قدور حديدية، ثغاء معاع، وتحطيم خزف. تراجع جيم خطوة للوراء، ممتعضاً ومتبلداً بعض الشيء حيال ما يدور خلف الباب المغلق. بيد أنه لم يكن بحاجة للتساؤل أكثر إذ انفتح الباب،كاشفاً عن... غرفة عادية تماماً؟ مكتب بلوكي كبير، يجلس خلفه رجل مسن ذو لحية رمادية مستطيلة يرتدي رداء أرجوانياً. وأمامه مقعدان وثيران، والغرفة مغلقة كلياً برفّي كتب عملاقين يبدوان حاملين ملفات إثر ملفات من المواد، تتخللها أحياناً قطع أثرية سحرية مصنوعة من الحديد الأسود.
عجلات تدور في مكانها من تلقاء نفسها، نماذج عناكب صغيرة ترقص وسيف أو سيفان يجمعان الغبار على رف خشبي.
سأل المدير وهو يتفرس في الاثنين اللذين دخلا مكتبه: "ما المشكلة إذن؟"
نظرت الأستاذة فيكتور إلى جيم كأنها تحثه على شرح نفسه.
شرح باختصار: "راودتني رؤية تنبؤية على متن السفينة المتجهة إلى الأكاديمية، وهناك وفيات محتملة يمكن تلافيها،"
مما جعل المدير يهمهم متأملاً ويميل بظهره على مقعده.
سأل المدير: "ما اسم عائلتك يا بني؟"
أجاب جيم بلا قليل من الفخر: "سافانت، أيها المدير سيدي."
قطب المدير جبينه، محولاً الأجواء إلى مزيد من الجدية.
فحث قائلاً: "قد تستغرق هذه المحادثة وقتاً. ربما يمكنك إنهاء الاستعدادات للغد يا فيكتور؟"
لم تبدُ الأستاذة فيكتور منزعجة من الطرد الواضح فغادرت الغرفة ببساطة، تاركة الرجلين بمفردهما. تمتم المدير قبل أن يرفع يده مستدعياً أحد الكتب على الرف الأيسر. لقد اصطدم بكفه بصفعة مرضية. كان مجلداً كبيراً، محدثاً صوتاً ضخماً آخر حين أُسقط على الطاولة. مرر المدير إصبعاً متوهجاً على طول العمود الفقري، مما دفع الكتاب ليفتح تلقائياً.
همهم الرجل: "تجار ريشيان."
تحدث جيم بشيء من الفخر: "أربعمائة عام ومستمرة."
لم تصمد الكثير من عائلات التجار طويلاً. فسلّيل أحمق واحد يتولى العمل قد يفلسه في عقد أو يقود لاستيلاء منافس عليه. إنها تجارة شرسة، والمخرج الوحيد هو شراء المرء لنفسه مكاناً في الأرستقراطية. مع ذلك، بدا ذلك أصعب مما يبدو، وتاريخياً في روتو، لا يحصل المرء على وضع نبيل سوى بعرض عسكري جيد أثناء الكلَم.
"يقول هنا إن عائلتك تأسست على يد شخص يُدعى تريفلين سافانت. وكانت لديه رؤى تنبؤية استخدمها لجني الكثير من المال كذلك؟ شراء القمح عند قدوم مجاعة، وما شابه؟"
قال جيم: "نعم."
تريفلين، جده الأكبر لستة أجيال، استاب لسبب ما تنفيذ سلسلة من الصفقات الناجحة التي خلقت ثروة العائلة كقاعدة لأعمالهم الحالية.
"أرى ذلك، ربما ثمة صحة في القصة إذن. أعذرني، لكن القدرة على التنبؤ بالمستقبل بأي تفصيل أو قدرة جديرة بالذكر نادرة. لكنها تبدو أرجح ظهوراً بالوراثة. ربما عليك أخذ المادة الاختيارية للتنجيم، وليست الأمر نفسه تماماً، لكن مرجح امتلاكك استعداداً مسبقاً للمادة،"
اقترح المدير. أرخى جيم فكرة أخذ مادة اختيارية تمر في رأسه. في الأصل، لم يكن يتمتع بامتياز أخذ مادة اختيارية بأي حال. تحدد امتحانات بداية الفصل مدى كفاءتك كطالب، حتى تتمكن الأكاديمية من معرفة حرية السماح لك بها. إنهم لا يريدون لشخص ما أن تشتته المواد الاختيارية عن اجتياز السحر القتالي الأول، وهي الحصة الأهم. ورغم إمكانية ذلك، لم يشعر جيم حقاً برغبة في تحمل عبء إضافي.
قد يتمكن الدرك، أو حتى المدير، من حل قضية محفظته المسروقة.
قال مع ذلك بواجبه: "شكراً على الاقتراح، أيها المدير."
"والآن، لم لا تخبرني بما رأيته؟"
سأل الرجل، مائلاً للأمام ووضع رأسه على يديه، مثبتاً عينيه على الصبي.
تمتم جيم مستحضراً كل الوقت المقضي في حضور الحصص، والقراءة في غرفته، والشرب مع ليبوفسكي وزيارت الفوانيس الحمراء: "أمور كثيرة غير ذات صلة في الواقع. بعض توجهات السوق التي لاحظتها، المرسوم الملكي بإرسال كل سجناء العمل إلى سلسلة جبال هروست لحفر مزيد من الخامات، إنتاج مزيد من الأسلحة. سرقة مبلغ ضخم من المال من البنك الملكي، أمور تافهة في جوهرها."
"أمر واحد مهم، بل مرعب. في الرؤية، كنت أنا نفسي، ورأيت الحدث بعينيّ الخاصتين. كنت قد تخرجت لتوّي، أي بعد نصف عام، وكُلّفت بمهمة من الأكاديمية. أُرسلت إلى قرية في ميتيلوس للدفاع عنها. كانت قريبة من سلسلة جبال هروست. لا أعرف الاسم، أو ربما لم يكن لها اسم. لكن... نوع من التنانين البنية هاجم القرية. كان ضخماً، بحجم هذا البرج. بمجرد هبوطه، دمر نصف المنازل،"
تردد، قبل أن يبلع كبرياءه للحظة.
"أنا الذي في الرؤية لم تكن لدي فرصة حقيقية. نجوت بطريقة ما، أو ربما ما رأيته كان رؤية منفصلة؟ لقد بدت مختلفة عن البقية."
قال المدير ببطء: "التنين. أرايت أي وحوش أخرى، أي تنانين أخرى؟"
هز جيم رأسه.
"راودني شعور بأنه حادث معزول. لكن إن لم يفعل شيء، فستُمحى تلك القرية في ميتيلوس من الوجود."
تحرّى المدير: "والرؤية الأخرى، تلك التي قلت إنها بدت مختلفة؟"
"كانت غائمة، لكن كان هناك سبعة أشخاص يرتدون أردية سوداء في دائرة طقوس كبيرة. أكبر من هذه الغرفة. خمسة منهم كانوا قد انهاروا بالفعل على الأرض، والاثنان الآخران كانا يتجولان. سحر ذهبي يسطع خلال رسومات الطباشير، وكل الخطوط تشير إلى رجل جالس في المنتصف. كان يوجه سيفاً نحو قلبه. سيف ذهبي، بفراء أحمر عند المقبض. يراودني شعور بأني أعرفه من مكان ما، ولكن ليس من أين..."
تلاشى صوت جيم، ناظراً إلى المدير الذي كان يحدق به بهدوء، بلا حراك ولامليمتر. بدا كأن الرجل توقف عن التنفس، هكذا كان هادئاً. لعله يسيطر على الأمر إذن. ما شأن تننين ودائرة عبدة لطائفة بقدرة أكاديمية سريدينا السحرية، ناهيك عن المدينة وجيشها؟ تنفس جيم الصعداء بارتياح.
قال الصبي: "شكراً لك أيها المدير، إخبار شخص ما يزيح حقاً عبئاً عن صدري. وبما أنني هنا على أي حال، ربما يمكنني ذكر أن محفظتي سُرقَت على السفينة؟ هل من سبل لاستعادتها، أو معرفة الفاعل؟ طردهم، وكل ذلك."
قال المدير متنهداً: "لكل ما قد يعنيه الأمر... أعتذر بعمق."
انتفخ جيم متصنعاً اللامبالاة.
"حسناً، إنه مال في النهاية، وثمة المزيد منه. لا داعي للاعتزال،"
قال بكرم. لقد كان القرار صائباً بالمجيء إلى هنا؛ وأخيراً، يؤخذ أمر السرقة بجدية.
قال المدير بحزن: "الأمر هو، ثمة أشياء لا يُسمح لأحد بمعرفتها."
عقد جيم حاجبيه.
"ماذا، حقيقة وقوع السرقة حتى بين الطلاب؟ مع عدد طلاب ميتيلوس الذين نقبلم، أنا متأكد تماماً من أن الجميع يشتبهون بحدوثها بين الحين والآخر."
نهض المدير من مقعده زافراً، ليملأ الغرفة صوت احتكاك الخشب بالحجر. منح جيم نظرة حزينة.
قال: "نحن بحاجة لكل ميزة يمكننا الحصول عليها."
تمتم جيم معاقداً حاجبيه: "انتظر... هل سرقتم—"
قاطعت كلماته شمس خضراء متوهجة تشع بالسحر انبثقت فوق كتف المدير. وقبل أن يتسنى لجيم رد الفعل، انطلقت صوب رأسه وجعلته يرتد للخلف. هوى على الأرض ميتاً.