الساحر الأحمق العالق في حلقة زمنية الفصل 36 — الغباء صنيعة الأغبياء

اقرأ الساحر الأحمق العالق في حلقة زمنية الفصل 36 — الغباء صنيعة الأغبياء باللغة العربية على مانجا تايم.

عاد جيم إلى مهاجع النوم إثر نقاشه مع ديكوروس، أو بالأحرى مع الكائن القابع خلف ذلك اللوح الرخامي. وما إن بلغ المكان حتى انقضّ عليه المعالج السليط، وجره عنوة إلى الجناح الطبي ليقيده إلى السرير. لم يمانع جيم حقاً، فقد كان يوماً طويلاً ومجهداً، وهو بحاجة إلى قسط من الراحة. كانت الجرعات التي أُجبر على تجرّعها مقيتة، لكنها فعّالة، فاستيقظ في الصباح التالي بذهن صافٍ إلى حدّ كبير.

بدت بعض قراراته وما تفوّه به بالأمس غريبة وملتبسة في باطن الأمر، لكن إن وُجد شخص يثق في كفاءته للدفاع عن مصالح، فهو نفسه لا غير.

تمتم المعالج ذو اللحية الخشنة وهو يفك قيود جيم من السرير: "يمكنك الانصراف الآن، وإياك والتسلل خارجاً مرة أخرى".

تذمّر جيم بمرارة، ولا زالت نقمة القسم تشغل بملك: "لست في وضع يسمح لي بتخطي الحصص".

ظنّ المعالج قوله مبعثاً لشيء آخر فابتسم بأسى: "اسمع يا بني، أمامك مستقبل زاهر، لكن عليك أن تتماثل للشفاء حين تصاب، ثم تلقي بنفسك مجدداً في أتون المعركة. خذها نصيحة ممن رأى جمعاً من الشباب يحترقون سريان كالشمع قبل أن يتحولوا إلى مشاعل".

أومأ جيم برأسه شارد الذهن ثم استدار، ليجعل عباءته ترفرف في الهواء بدرامية.

وهمس بنبرة مشبعة بالأسى قبل أن يغادر الغرفة تاركاً وراءه معالجاً منتصف العمر بنظرات شاردة: "أن تتفوق، أن تتجاوز، أن تصبح... أكثر. أحياناً، لا يُمنح المرء خياراً".

تمتم راندوفيتش مع نفسه قبل أن يعود إلى مكتبه لاستكمال بعض الأوراق: "سيبلغ شأواً بعيداً، ذلك الفتى. إن لم يحوّل نفسه إلى لطخة على الرصيف بسبب غياب تفكيره النقدي".

-/- لم يكن الوقت يرحم حتى بعد مغادرة الجناح الطبي، فلم يكاد جيم يبلغ المهاجع لينظف بدنه ويبدل ثيابه، حتى حان موعد حصة السحر القتالي اثنين. تجاوز كاتنيس في طريقه إلى السحر القتالي واحد، لكنها تفادت النظر إليه وابتعدت عن طريقه كما ينبغي. من الأفضل عدم الاختلاط بأمثالها علناً، فلديه سمعة عليه صونها. وهناك، أمام البناء الأسود المربع الضخم الخاص بالسحر القتالي اثنين — إذ لم تكن له رغبة في أخذ استراحة لذا ضرب بأوامر سايروس بالراحة عرض الحائط — اصطدم بالنظرات المستغربة للطلاب السنة الثانية المتجمعين في الانتظار ريثما تطل الأستاذة كواتزيل.

سأله فتى طويل ذو بشرة سمراء حين انضم إلى المجموعة وكتف ذراعيه بانتظار البداية: "أليس الوقت مبكراً لترفيه الصفوف؟"

فأجابه جيم باختصار: "للأسف، تلك هي ضريبة المواهب العظيمة"، ليقابل ببعض الضحكات المكتومة من الطلاب الأكبر سناً.

لم يدرك حقاً ما المضحك في الأمر، لكنه جارهم فيه.

فسخر منه أحدهم، وهو فتى طويل وضخم البنية يبدو وكأنه ينتمي إلى الفرسان، ممن يتعلمون لكم الأشجار أو ما شكل ذلك، أو هكذا ظن جيم أنهم يتعلمون في تلك الأكاديمية الأخرى: "لا فكرة لديك عما ينتظرك".

لم يملك جيم سوى أن يقلب عينيه بملل: "يحرك أصابعه ويأتي لقتلك، أمر عظيم حقاً. إن كان هذا ما يرعبك إلى هذا الحد فربما كان الأجدر بك أن تكون في روضة الأطفال لا الأكاديمية".

هتف الفتى الضخم بغتة ووجهه يزبرك تقاطيعه متقدماً نحوه: "قلها في وجهي".

نظر إليه جيم كما لو كان ينظر إلى أبله، وهو كذلك فعلاً.

هتف الفتى الأسمر الذي سبقه بالحديث وهو يخطو خطوة للأمام ممدداً يده نحو جيم: "لقد قالها للتو ايها الأحمق. لقد قمت ببحثك، وهذا جيد، رغم أن من أفشى السر سينال عقابه على بثه. انا شون بالمناسبة".

أمعن جيم النظر في اليد ليتأكد من نظافتها نسبياً، قبل أن يمد يده ويصافحه.

وعرفه بنفسه: "جيموثي سافانت. لابد أنك سمعت بي".

رد شون بسخرية ما لسبب ما: "لم أنل هذا الشرف بعد"، ثم تابع قائلاً: "إذن، بما أنك تعرف ما يحدق بك، ألديك خطط؟"

أجاب جيم شون وبطريقته بقية طلاب السنة الثانية المحيطين: "سأعول عليكم لتكونوا دروعي البشرية. سأقوم بانسحاب سريع لأطيل الوقت قبل كل إنجاز بغية ضمان علامة أعلى لنا. شكرا لدعمكم".

حدق به شون بنظرة جامدة، قبل أن يرمي رأسه للخلف مستغرقاً في الضحك. لكن الضحك خبا سريعاً على وقع صوت جديد قاطع تجمع الطلاب. صوت بهيج، وأجش.

صاح البروفيسور كواتزيل وهو يلوح أمام قاعة الدرس: "أهذا طلابي الأعزاء يتبادلون أطراف الحديث ويتعرفون إلى بعضهم. يثلج هذا صدري حقاً، لو كان لي صدر أصلاً، هههههه".

صمت الطلاب على الفور واتجهوا بخطى حثيثة لولوج قاعة الدرس الوهمية، رامقين البروفيسور بنظرات حذرة، بينما رفض البعض حتى مجرد النظر إليه.

ربت اللوتش على كتف جيم مردداً بلا مبالاة: "ستنال عقوبة الاحتجاز لقلة أدبك مع من يكبرونك سناً. سمعت أنك حضرت درس البروفيسور سينسي، وقد نعتك بالأبله المطلق، لذا أنا متأكد من وجود الكثير من النواقص التي يمكننا معالجتها معاً في الوقت القادم. تعال بعد الغداء لتكون قد استرددت بعض طاقتك"، ختم كلامه ثم ولج قاعة الدرس، وتبعه جيم عن كثب.

وما تلا ذلك كان المعتاد في حصة السحر القتالي اثنين، الكثير من الانفجارات، وقليل من البكاء، ولم تُسجل و لو علامة واحدة فوق حد البشاعة المطلقة باستثناء علامة جيم الرائعة بالمطلق. تمكن بعض الطلاب من الهبوط بفترة الهروب قليلاً عبر الغوص في الأرض، وهي تعويذة عزم جيم على تعلمها. ولو لمجرد إغاظة البروفيسور الذي اضطر لسحب الطلاب المتوارين كالفجل، وهي مهمة نالت بوضوح من أعصابه بدليل الشتائم المتفرقة.

-/- انتهت حصة السحر القتالي اثنين أخيرًا، الحصة التي طورت وعيه الخارجي بالمانا بسرعة بسبب الحاجة الماسة والمطلقة للتحذير قبل ثوانٍ إضافية. وكانت تلك إشارة لانطلاق جيم نحو المقصف لتناول الغداء، بعد أن نسي تناول الطعام طوال اليوم. توقف أمام خيارات الطعام، وقراراً منه بأنه ما دام جسده سيعيد ضبط نفسه مع كل دورة زمنية، فليسلم لشهوته ويأكل ما طاب له. هكذا، كدّس صحنه بضعف الكمية المعتادة، مركزاً على المعكرونة والجبن بشكل خاص، طعام الأبطال.

وأثناء تناوله الطعام على طاولته، باغتته بلا استئذان موجة جديدة من الثرثرة غير المترحّب بها والتي كان يستطيع الاستغناء عنها.

تمتم جيم وهو يأكل حين جلس أحده قبالته: "لن أقول لك شيئاً عن السحر القتالي اثنين، ووترفلاور".

رد إيفرغرين بنبرة جامدة: "أأبدو مثل الفتاة إلى هذا الحد؟"

بينما ظل تابعه الدائم، هيروس، صامتاً.

رفع جيم بصره، وتفرّج على ما لم يكن قبل قليل سوى ظلّ وهزّ رأسه: "عذراً، لقد كانت تزعجني في الآونة الأخيرة. لا تقوى على تقبّل المركز الثاني، أو بالأحرى، السادس".

وأطلق ضحكة خبيثة.

قال الفتى ذو الشعر البني وهو يهز كتفيه: "تُلقى على عاتقها توقعات كثيرة".

فعارضه جيم: "كلنا ذلك الشخص".

توقف إيفرغرين، وتململت حدقتا عينيه الخضراوين باتجاه رفيقه الصامت.

ثم تمتم أخيراً: "أظن هذا صحيحاً. على أي حال، أردت سؤالك عن السحر القتالي اثنين. سمعت أنك ذهبت اليوم والجميع يرفض الإفصاح".

تذمر جيم: "وماذا أجني بالمقابل؟"

قال إيفرغرين وهو يستنشق بجهد: "انطباعاً إيجابياً، على سبيل المثال. أنت بحاجة لكل ما تستطيع الحصول عليه من هذا".

أراد جيم أن يقول إن الانطباعات الإيجابية لن تعود بالزمن إلى الوراء، لكنه لم يستطع.

وعوضاً عن ذلك لجأ إلى القول: "لا تهمني مواقفك. امنحني شيئاً ملموساً أو ارحل، فلست في مزاج جيد".

بادر هيروس بالسؤال فجأة: "ما الذي حدث؟"

رمق جيم الفتى بنظرة شرسة، قبل أن يتنهد: "لدي احتجاز مع كواتزيل بعد هذه الوجبة. أمر متعلق بقلة الاحترام للطلاب الأكبر سناً، وما شابه".

رد إيفرغرين بجمود: "أرى أنك تدمر العلاقات حتى قبل أن نتمكن من الوصول".

قال جيم: "سأدمر أي علاقات أرغب في تدميرها. والآن، هاتِ بشيء مفيد أو اغرب عن وجهي".

قال إيفرغرين أخيراً وهو يقلب عينيه بملل: "حسناً. رأيتك تفلح في إطلاق ثلاثة مقذوفات من المانا في الاختبارات، لكنك لم تظهر قدرتك على الإطلاق المتزامن. هناك الكثير من الكتب في المكتبة حول كيفية صعود الساحر إلى الدائرة الثالثة، لكن إليك طريقة نستخدمها في الأوساط العسكرية ولا تحظى بانتشار واسع لسبب ما".

احمر وجهه والتفت محيطاً ليتأكد من عدم اهتمام أحد بهم، ثم تمتم بوعيد: "تبدو غبية لذا لن أفعلها سوى مرة واحدة، لذا انتبه جيداً".

حدق جيم في الفتى بنظرة حائرة بينما رفع إيفرغرين يداً إلى رأسه وأخرى إلى بطنه. وشرع الفتى ينقر على رأسه بينما يدلك بطنه بحركات دائرية. ثم توقف ورمق جيم بنظرة ذات مغزى.

أفلتت من لسان جيم كلمات عفوية جعلت وجه الفتى يحمر أكثر: "أأنت غبي لعين؟"

"عليك أن تعود عقلك على أداء فعلين منفصلين في الوقت ذاته. واستخدام جسدك كجسر هو أسهل الطرق. افعل أفعالاً مختلفة بيدك الاخرى. يساعد ذلك، أقسم لك".

حثّه جيم: "لم أرك تطلق تعويذتين في آن واحد".

قاطعهم هيروس مجدداً: "إنه على وشك بلوغها إن الحق للحق".

قرر جيم في النهاية: "حسناً. سأمنح طريقتك فرصة، وإن لم يكن لشيء سوى لإزاحتك عن طريقي. أما عن السحر القتالي اثنين، فهو يقع في بناء كبير مسحور ليتغير إلى بيئات مختلفة. قد يكون غابة، جبلاً، بحيرة، لك أن تتخيل. البيئة يحددها اللوتش باستخدام الحساب بالأصابع. والعوامل الأخرى هي نوع السحر المستخدم، جودته، والوقت الممنوح للطلاب للاستعداد قبل القتال. بعدها يأتي ببساطة لينقض عليك ويقتلك، لكنك لا تموت واقعياً، فالأمر برمته مجرد وهم. كرر ذلك مئة مرة وتلك هي حصتك".

أصخى إيفرغرين السمع وعقد حاجبيه، بينما صاح الأشقر بجانبه مندهشاً: "رأيت ذلك البناء، هل هذا مجال وهم ضخم؟!"

وسأل إيفرغرين: "ألا تُدرس تعويذات؟"

هز جيم رأسه: "هو فقط يلاحقك. ومهمتك هي النجاة، والغاية هي تعلم التعويذات التي تظن أنها ستساعدك على بلوغ ذلك بمفردك. يبدو أن الاختباء في الأرض خيار شائع، فهو يثير جنون كواتزيل على الأقل، وهذا بحد ذاته مضحك".

تمتم إيفرغرين: "شكراً"، قبل أن ينهض ويستدير.

وقال من فوق كتفه قبل أن ينصرف برفقة كلبه: "أراك الأسبوع القادم".

حدق جيم في أثرهما مغادرين. في الماضي ربما كان ليفعل المستحيل لنيل رضا إيفرغرين. فعائلة عسكرية نافذة كهذه كانت لتعني العالم بأسره في صعود عائلة سافانت إلى طبقة الأرستقراطية. أما الآن؟ فكل ما أراده هو إتمام عقوبة الاحتجاز هذه والخلاص. -/- كان جيم ينتظر خارج كوخ اللوتش حين تذكر الحركة التي أراها إيفرغرين إياه. فقطّب حاجبيه. لابد أنها كانت مزحة. أليس كذلك؟ رفع يده ببطء نحو رأسه وشرع ينقر عليه بإيقاع محدد.

ثم وضع يده الأخرى على بطنه وحاول رسم دائرة، لكنه شرع بغير قصد ينقر على بطنه هو الآخر. انعقد جبينه حين أدرك أن الأمر لم يكن بالسهولة التي تبدو عليها. وانقضت دقائق وهو يتحسن بسرعة، منجحاً نوعاً من النقر الدائري على بطنه، وهو الوضع الذي وجده اللوتش عليه. فما كان من الأخير إلا أن حدق في جيم بمحجري عينيه الفارغتين ورأس مائل.

قال أخيراً: "أأنت غبي لعين؟"

احمر وجه جيم وتوقف عن تلك الحركة البلهاء.

فهتف: "اصمت! أنت الغبي!"