مرّت أيّام قليلة على انتهاء حصة السحر القتالي اثنان الأولى لجيم، وها هو يهيم في الحرم الجامعي بنظرة شاردة. مَن أنا؟ أين أنا؟ لِمَ أنا؟ دارت هذه الأفكار في رأسه كعجارت في البراري. كان الأستاذ كواتزيل مسخاً، لا في جسده فحسب، بل في معاييره التربوية أيضاً. مُحي جيم وأقرانه وسُحقوا وتلاشوا في جبال وغابات وبحيرات ومستنقعات ومروج ومدن وقرى، وفي قبو كبير مرّةً واحدة. هذا كل ما في الأمر.
لا تعاويذ ولا تكتيكات، بل قتال ضروس متواصل، إن كان يُسمى قتالاً. في النهاية، نال جيم تقدير متميزة جداً، والذي ربما اختصر عبارة ممتاز للغاية، لكنّه ورغم نجاحه لم يستطع منع نفسه من الشعور بالضياع. ضياع وقلق طفيف. فبعد ترفيعه متجاوزاً السحر القتالي واحد، لم يحصل على الضوء الأخضر لحضور السحر القتالي اثنان فحسب، بل ولانتقاء مادّة اختيارية أيضاً. مع ذلك، لم يحضر أولى الحصص التي كان بإمكانه حضورها، فقد صادفت اليوم التالي لحصة السحر القتالي اثنان، حين كان لا يزال يعاني من صدمة نفسية حادة.
اليوم فرصته الثانية، وشعر أن عليه اغتنامها هذه المرة. إن كانت رؤاه المستقبلية صحيحة، فستنضم ووترفلاور إليهم في السحر القتالي اثنان عما قريب، وإن سعت الفتاة وعرفت أنه لم يستغل مقعد المادة الاختيارية بعد، فلن ينتهي إزعاجها أبداً. لا كأنه يهتم برأيها، أو أيّ شيء من هذا القبيل. وبعد أن عزم جيم على تحصين نفسه وتراجع دافعه للبقاء ملتزماً بقضية تطوير قدراته المرعبة أصلاً، التقى بشخص لم يتوقع رؤيته مجدداً، مهما تمنّى ذلك بإخلاص.
كانت أليس جميلة كاليوم الذي دافعت فيه عنه في وجه المدير الشرير، وتلوّح له بوقاحة من زقاق جانبي حين غادر أراضي الأكاديمية متوجهاً نحو الفانوس الأحمر. تلف كعادتها بعباءة حمراء زاهية تتناقض بجمال مع عينيها الخضراوين المبهجتين وشعرها الأسود الحالك.
صاحت به: "أهلاً أيها الصديق!"
مما جعل جيم يتوقف قبل أن يصطدم ببنصة لبيع الوجبات الخفيفة أمام بوابات الأكاديمية. لقد توقف عن الانتباه إلى طريقه بمجرد أن ظهرت في مرماه. خلّص جيم نفسه من تكتّل الطلاب الكثيف الداخلين والخارجين من الأكاديمية، وتوجّه نحو حيث كانت الفتاة لا تزال تلوّح له. لم يبدُ أن أحداً غيره يراها، وهو أمر غريب بعض الشيء، لكنها كانت مختبئة تماماً، وكانت سريدينا تزخر بالكثير من الأزقة الخلفية المتفرعة التي لم تُنظّف بانتظام كافٍ لتستحق الاستخدام.
حيّاها جيم مقتحباً مساحتها: "أليس"، مما وسّع حدقتي الفتاة.
تمتمت متفكرة قبل أن تهز رأسها: "لا أذكر أنني عرّفت نفسي".
ثم هزت رأسها مجدداً ومدت يدها نحو جيم. نظر السافانت إلى اليد الباهضة الرقيقة بحيرة، قبل أن يتناولها بإحدى يديه، واضعاً إبهامه فوق أصابعها، ثم انحنى ليقبلها. نساء البيوت العريقة لا يصافحن أحداً، لذا تيقّن أنها استخدمت نوعاً إقليمياً آخر لتقديم اليد لم يتعرّف عليه فوراً.
عرّف جيم بنفسه: "التحيات، جيم بابيليون سافانت في خدمتك".
قالت الفتاة بغمزة: "أليس، أليس وحدي الآن".
ضيق جيم عينيه وأومأ بجدية. أميرة هاربـة من زواج مدبّر، تبحث عن الحب الحقيقي في عاصمة مملكة مزدهرة. خزن تلك المعلومات لوقت لاحق.
أخبرته أليس مظاهرةً أنها امرأة تعرف كيف تصل إلى صلب الموضوع: "أردت شكرك على تحذيرك. استطعتُ إيجاد المُخبِر بيننا".
انتفخ صدر جيم وتباهى قائلاً: "على الرحب والسعة. سيكون يوماً حزيناً للمملكة حقاً إن سقطت امرأة رفيعة مثلك في شباك مؤامرة دنيئة كتلك التي يحوكها المدير".
أخبرته الفتاة: "أعدنا توزيع الدعوات بعد إعادة النظر في قائمة المشاركين. أثبت اجتماع مفاجئ نهاية هذا الأسبوع نجاحه الباهر".
"حال المملكة التي لا تسمح للناس بالتجمع بحريّة للتعبير عن آرائهم هو أمر مقيت حقاً".
قالت أليس بميل في رأسها ووضع إصبع سبابتها على ذقنها: "مع ذلك، أردت أن أسالك، كيف علمت أننا مخترقون؟"
تردد جيم ثانيةً، مفكراً في قدراته التنبؤية. آخر شخص أخبره كان المدير، الذي قتله فوراً. لكن شيئاً ما أخبره أنه يستطيع الوثوق بأليس. فالمدير كان يتعقّبها بعد كل شيء، مما يعني أنهما في الصف نفسه، أليس كذلك؟ إضافة إلى ذلك، كان امتلاك قدرة سحرية كهذه أمراً بالغ القيمة، لا سيما إن كانت تتوارثها العائلة، كما هي الحال مع جيم.
أخبر جيم المرأة أمامه في النهاية: "يسري دم العرافة في عائلتي. أحلم بالمستقبل أحياناً".
لبرهة، بدا أن عينيها تلمعان باللون الأحمر، قبل أن تبتسم بسلام.
أثنت مطبقة كفيها وذايبةً، ثم بدا عليها الجدية: "هذا مذهل! أيعني ذلك بأي صدفة أنك تعرف ما سيحدث في المستقبل؟ بعد خمسة أشهر مثلاً؟"
فكّر جيم في كيف أرسلت الأكاديمية جميع طلابها إلى القرى. تساءل للحظة عن حال بقية الطلاب، قبل أن يثلج دمُه. اتسعت عيناه وتسارعت أنفاسه. وضعت أليس يداً ثابتة على كتفه، بينما ضغط إبهامها برفق على عنقه، وتسابقت أفكار جيم بوتيرة متسارعة. تورّط المدير في طقس ما، فأرسل جميع سحرة الدائرة الثانية في الأكاديمية إلى قرى عشوائية. بدا جلياً ارتباط الأمرين. أكان يريد التخلص من المنافسة؟
لا، بل إبعاد القادرين على ردعه عن طريقه.
تمتم جيم في النهاية: "المدير وفصيله ليسوا كما يبدون. إنهم يخططون لإرسال جميع سحرة الدائرة الثانية في الأكاديمية إلى حتفهم بينما يُكملون طقساً ما".
سألت أليس بحِدّة، مما جعله يهز رأسه: "أي نوع من الطقوس، وأين؟"
"لا أعلم. هذه كل المعلومات التي أمتلكها. أعرف فقط أن اجتماعكم كان ليصبح أحد ضحايا جهوده لإسكات الناس".
لو لم يكن الأمر فعلاً وضيعاً، لقضم جيم أظافره. ضيقت أليس عينيها وأفلتته.
"موهبة التنبؤ قيّمة. أيعلم أحد غيرك؟"
هز جيم رأسه.
اعترف في النهاية: "إن علم المدير بقدرتي على رؤية المستقبل، فسيقتلني. نقضي على عدة أحياء في مدينتنا في معركتنا قبل أن يغمرني بتعزيزات، هرامون وپايتانا".
نظرت إليه أليس بحاجب مرفوع وأومأت ببطء.
"الأوروبوروس الأسود، منظمتنا. نريد ببساطة تجنب هذا الصراع. هذه الهمسات، عن إيزنجيرد، وعن جبال هروست. تغيير مناهج الأكاديمية. التخرج المستعجل للفرسان وتموضعهم في الحصون بميتيلوس".
تمتم جيم: "دعاية يوم القيامة. إيزنجيرد شريك تجاري قيّم لديه ما يخسره أكثر مما يربحه بمهاجمة سلّته الغذائية، والجبال فحم مقرمش؛ لا يُحتمل أن يعيش أي شيء هناك. إنهم يريدون عذراً. أنا لا أعرف لِمَ فحسب".
بالنظر إلى أنه في خططهم أُرسل ليموت في قرية ما، فربما لم يريدوا شيئاً جيداً. أكانت المملكة لتنجو دونه؟
أقرت أليس أخيراً: "لدينا مخرج. فرار جميع التجار والأثرياء والنبلاء المقتدرين من المدينة الآن سيثير هلعهم فحسب. لهذا بدأنا بجمعهم، لا سيما السحرة".
قالت بصوت منخفض، ملوّحة برأسها برفق للإشارة إلى الأسفل: "سيكون لدينا تعويذة بوابة جاهزة. تحتاج فقط لبعض الطاقة يوم التفعيل. حين تبدأ الفوضى، نذهب إلى هناك، ونرحل. إلى ريتش الجنوبية، نحو الحدود".
أدرك جيم فجأة: "أنتِ تحضرين لعملية إجلاء".
تمتمت أليس بهدوء: "كل هذا الحديث، أكان صحيحاً أم لا، هناك ما يحاك في الخفاء ومعظمنا لا يريد أي علاقة به".
سأل جيم فجأة بعينين ضيقتين: "ما الذي تجنينه من هذا؟"
دائماً ما كانت هناك غاية. تجاهل نفيها المزدوج.
سألت أليس: "أتريد معرفة الحقيقة؟"
أومأ جيم.
قالت أليس بهدوء: "إن ساعدنا في إجلاء جميع الشخصيات المهمة، فسيدينون لنا بالفضل. والأهم بالقدر نفسه، حين يُكشف مخطط العائلة المالكة وفصائل السحرة، يستطيع هؤلاء النافذون شن مقاومة. الشرط المسبق بالطبع هو أن يكونوا أحياء بالقدر الكافي لفعل ذلك".
تعويذة البوابة سحر متقدّم؛ أغلب نبلاء العاصمة وتجارها الأثرياء لا يستطيعون تحمل تكلفة استئجار ساحر يعرف كيف يستخدمه أصلاً. إن استطاعوا إيجاد مثل هذا الساحر في المقام الأول. امتلاك قوم أليس إمكانية الوصول إليها يعني أنهم متصلون جيداً. حتى إن لم تصرح المرأة بذلك، كان جيم أذكياء بالقدر الكافي لينظر فيما وراء الظاهر. أقوى فصائل المدينة كانت تخطط لشيء تتطلب تنفيذه اختلاق حالة طوارئ.
عذر الأحكام العرفية كان بالغ الأهمية لدرجة أنهم نشروا شاعات لا تخص إيزنجيرد فحسب، بل جبال هروست أيضاً. لم يكن الجميع مشاركين في لعبتهم، لكن إن اجتمع أحدهم ونال امتنان كل شخص مهم غير متورّط في المؤامرة، فسيخلقون أساساً فصيلاً جديداً بالكامل. كانت أليس شخصية مهمة بوضوح، أو أنها مثّلت شخصاً مهمّاً على الأقل. لقد قُطع دابرهم على يد المدير بسبب تسريب سابق، لكن إن لم يحدث ذلك، فربما ينمو هذا الفصيل ليصبح قوياً بما يكفي لفعل شيء في المستقبل.
لكن الأهم من ذلك كله... كان جيم يبحث عن سيلة لتجنب التجنيد في تلك المهمة البليدة للقرية. كان يعرف اليوم الذي سترسله فيه الأكاديمية. إن تسلل قبل ذلك اليوم بيوم؟ سيبحثون عنه؛ كان أثمن من أن يتجاهلوه. احتاج إلى طريقة للخروج من المدينة، إلى ريتش.
قال جيم بحسم: "أريد الذهاب عبر البوابة".
ابتسامة خيمت على وجه أليس.
قالت بيسر: "يمكنك الانضمام. هل ستأتيك المزيد من الرؤى حتى ذلك الحين؟"
تردد جيم قبل أن يهز رأسه. بدت رؤاه محفزة كلما ماتت نسخة مستقبلية منه. ولم يكن يخطط للموت.
"لم أرَ سوى القليل طوال حياتي. لا أتوقع أن تبدأ بالحدوث بغزارة الآن".
أومأت أليس متفكرة: "بغض النظر، ربما يكون أفضل ألا تنضم إلى الاجتماعات. فأنت تعرف الهدف الحقيقي لمجموعتنا الآن. لا تخبر أحداً، علينا ضم البقية وفق شروطهم الخاصة".
أومأ جيم بجدية. كان يعرف قيمة السرية.
وعد قائلاً: "شفتاي مطبقتان".
"جيد، سألتقيك بين حين وآخر لأتحقق مما إذا كانت لديك رؤية أخرى. أعلم أن العرافين لا يستطيعون إجبار أنفسهم على رؤية المستقبل، لكن ربما يحالفنا الحظ ونتجنب هذه الفوضى برمتها بصورة أفضل بمساعدتك".
أومأ جيم بجدية.
سألت أليس فجأة: "أكنت متوجهاً إلى مكان ما؟ يمكنني مرافقتك".
تجمد جيم وتردد. كان على وشك الذهاب إلى الحي الأحمر، وليس المكان الذي تصحب إليه امرأة مثل أليس بالضرورة. سعّل بحرج في كفه.
قال في النهاية: "في الواقع، أظن أنه من الأفضل أن أتوجه إلى الحصّة باكراً اليوم؛ لقد استغرقت هذه المحادثة وقتاً أطول ممّا ظننت".
قالت أليس قبل أن تتردد: "حسناً، أراك قريباً".
فجأة، مالت نحوه، ووقفت على أطراف أصابعها وطبعت قبلة على وجنته. ثم استدارت واختفت في الزقاق، تاركةً جيماً متجمداً خلفها. ارتفعت يد جيم لتلمس وجنته قبل أن ترتسم ابتسامة على وجهه. نظر إلى يده، وتحديداً الخاتم الذي يحمل شعار عائلته. عملة ذهبية ضد السواد.
تمتم في النهاية: "أعلم أنه من المتوقع ألا تقاوم النساء سحري. لكنه لطيف مع ذلك".
استدار وعاد أدراجه نحو الأكاديمية.