كان آكل العوالم بحاجة إلى إبصار أفضل. بعد أن تناثرت العوالم إثر كمينه الناجح، لم تعُد. كانت تتجنب المنطقة على الأرجح. سيخرج آكل العوالم ليصطادها، لكنه عجز عن الإبصار من عالم إلى عالم. كانت آثارها عبارة عن عوالم مصغرة ضخمة لدرجة عجز معها آكل العوالم عن إدراك حجمها. ما الإبصار أساساً؟ فكر آكل العوالم وهو يتأمل المفهوم. راح يغزل شبكاته بكسل أثناء تفكيره. تسارع عقله ببطء وأصبح أكثر دقة كلما امتدت الشبكات إلى الخارج. لأجرب. لوّح آكل العوالم بطرفه الأمامي حتى حجب جزءاً من رؤيته الخاصة. بدا أن هناك جزءاً معيناً من وجهه مسؤول عن الإبصار. لا أستطيع رؤية شكل ذلك. أنا بحاجة إلى إيجاد مثيل لي. تمردت غريزة آكل العوالم على العثور على مفترس آخر مثله. فقد كانت تلك المخلوقات تهديدات تلتهم آكل العوالم فور سنوح الفرصة. إلا أن عقل آكل العوالم كان واثقاً من قدرته على الانتصار على مفترس آخر. استغرق الأمر بضع دقائق فقط للعثور على مفترس آخر، جالس هناك في شبكته، ينتظر اقتراب آكل العوالم ليقضّ عليه. قطع آكل العوالم مرابضه ولف المفترس الآخر في شبكته الخاصة. هزيمة مهينة للغاية. ثم أخذ يدرس المفترس الآخر عن قرب، مدققاً في وجهه الخالي من التعبيرات. هي تلك الكرات الصغيرة، فكر آكل العوالم وهو ينخس عينيه. كرات صغيرة يمر من خلالها الضوء. جرّب آكل العوالم نسج عيون لعدة أيام. اكتشف أن الكرة قادرة على التقاط صورة وإسقاطها على سطح، مقلوبة ومعكوسة. كانت العيون كرات، لذا ترتب على ذلك أن العيون تؤدي شيئاً من هذا القبيل. بعد بضعة أيام، نَسَج آكل العوالم عيناً خارجية من خيوطه. كاد آكل العوالم يفقد وعيه من التدفق المفاجئ للمعلومات الذي استهلك عقله بالكامل لمجرد فرزه. ضباب ساطع وغامر. لم يتبق لدى آكل العوالم سوى الحد الأدنى للنسيج. فنسج شبكة، محاولةً خلق المزيد من العقل لاحتواء العين وفرز شلال الأحاسيس المنبعث منها، كي لا يضطر عقل آكل العوالم إلى تحمل ذلك العبء. في النهاية، صفا الإبصار، وجرى تفسيره ونقله إلى جسد آكل العوالم. اتسع العالم بوضوح يخطف الأنفاس. كان العالم الذي يقف عليه آكل العوالم عالماً لحائياً، لكنه حين رفع بصره، استطاع رؤية عوالم أوراق خضراء، تتأرجح في الريح، وتتصل بعوالم لحائية أخرى لتشكل حاجزاً أخضر وأزرق بدا وكأنه يمتد إلى ما لا نهاية. كان الأمر أكبر من أن يتحمله عقل آكل العوالم تقريباً. نظر آكل العوالم إلى أسفل فرأى رماد فريسته متثوراً عبر... عالم الأرض الذي... يربط كل العوالم اللحائية ببعضها. أكل هذا عالم واحد إذن؟ لم تكن العوالم تطفو عبر لجة غامضة. بل كان كل شيء يقف على السطح ذاته لعالم واحد ويتقاسم معه مستوى الوجود ذاته. كان آكل العوالم ببساطة... صغيراً جداً جداً. لست متأكداً كيف أُشعُر حيال ذلك، فكر عقل آكل العوالم. كان الإحساس أمراً جديداً على آكل العوالم. إذ كان يتحرك طوال الوقت بدافع الغريزة والجوع ونوبات الخوف المفاجئة. الذهول، والفضول، والإحباط، ورعبة اكتشاف مدى صغر المرء حقاً... كلها أمور جديدة. ربما، كالإبصار، هو شكل من أشكال الإدراك الذي يحتاج ببساطة إلى مزيد من العقل للمعالجة؟ لم يسبق لاكتساب المزيد من العقل أن أساء إليّ، فكر آكل العوالم، وهو ينسج شبكة من العقل. ما الذي أفعله بحق الجحيم؟ خطر هذه الفكرة ببال آكل العوالم. فرمق مؤخرته بعينه الخارجية. تمازجت اللعنة والبركة مع مياصما فريسته في مؤخرة آكل العوالم لتخرج على هيئة خيوط مياصما معقدة وعابرة تمتد إلى الخلف، إلى الخلف... وجدت عين آكل العوالم الخارجية نفسها تنظر إلى عقله الخاص، شبكة معقدة ومترابطة من مياصما اللعنة والبركة. قوى متضادة تتصارع فيما بينها، وتتألّق بهياكل مياصمية بالغة الرقة تتشعب وتلتحم، وتومض تشغيلاً وإطفاء بالمليارات في أنماط فاتنة. النمط الذي يظهر هناك، أهو الفكر الذي أفكّر به الآن؟ الفكر الذي أفكّر به الآن؟ أأنا أفكّر الآن؟ أأفكّر الآن؟ الآن؟ الآن؟ ...آه. أدار آكل العوالم بصره بعيداً عن الأنماط. إن استخدام عقله لدراسة عقله كان يتسبب في نوع من الحلقة التي تعطل ذلك العقل ذاته. حسنناً، يمكنني الإبصار بما يكفي لرصد العوالم التي أصطادها عن بعد... لكن أياً منها ليس قريباً بما يكفي للرؤية. ماذا الآن؟ لم يتطلب الأمر سوى لحظة للتفكير في الأمر. أنا بحاجة إلى رؤية بلا عائق، فكر آكل العوالم، وهو يرفع بصره نحو مظلة الأوراق. مخاطر لا توصف تنتظر في ذلك العالم. مفترسون آخرون، ووحوش تلتهم المفترسين بالعشرات. لكن من هناك، يستطيع آكل العوالم إيجاد غصن عالٍ ورؤية ما يتجاوز العوالم اللحائية فحسب. استطاعت العين الخارجية التحرك إلى حد ما، لكنها كانت متصلة بقية عقله، ولم تستطيع التمدد بلا نهاية، لذا توجب على جسد آكل العوالم الحقيقي القيام بالرحلة. لنبدأ. قهر آكل العوالم العوالم العليا في اليوم التالي، مفترساً وحوشاً متعددة تلتهم المفترسين، ومعثراً على غصن ناتئ فوق البقية، مما سمح له أخيراً بالحصول على رؤية بلا عائق لهذا "العالم الحقيقي" الذي وجد نفسه فيه. رائع. لم يمتلك الكلمة، لكن الشعور اجتاحه. امتدت المظلة الخضراء إلى الأبد في كل اتجاه. وامتدت سماء زرقاء من الأفق إلى الأفق. كانت هناك دائرة متأججة في السماء تضيء النهار، وتصب حرارتها على آكل العوالم لتجعله يرغب في الزحف نحو مكان لطيف وبارد. أأملك طريقة لحماية جسدي من الحرارة؟ والأفضل من ذلك، هل يمكنني حماية جسدي من التعرض للأذى؟ عمل عقل آكل العوالم ومؤخرته على إيجاد حل لتلك الأسئلة بينما كان جسده وعقل-عينه يدرسان الأفق. في الأبعد، ظهر بناء رمادي غريب، يبدو أنه مبني من الحجر. زوايا مسطحة، ويتصاعد منه الدخان. غريب. غير متوقع. في غير محله. غير... طبيعي. كان ذلك مفهوماً دخيلاً، مستنداً إلى تفكير مبسط من دماغ ناضج. ما ينبغي أن ينتمي وما لا ينبغي أن ينتمي. كيف لي أن أعرف ما هو طبيعي وما هو ليس كذلك؟ مع ذلك، كان الاختلاف الوحيد وسط الخضرة التي لا تنتهي في كل اتجاه. ربما تختبئ بعض العوالم هناك. امتلكت وحوش المفترسين المكسوة بالريش كمية مقبولة من المياصما في أجسادها، لكنها بالكاد كانت تكفي لإرواء ظمأ آكل العوالم. كان آكل العوالم يتوق إلى العوالم. بدا التغير المفرد في التضاريس مكاناً واضحاً بما يكفي للعثور على شيء لأكله. لأجرب شيئاً. قذف آكل العوالم إحدى شبكاته الخاصة نحو وجهته. اشتد النسيم فطوح بآكل العوالم عن الغصن، ليهبط تماماً حيث أرسل شبكته، والتي تذابت فور إتمام مهمتها. نجح الأمر. يمكنني امتطاء الريح. مهلاً. لماذا أتخبط من غصن إلى غصن بينما بوسعي امتطاء الريح فعلاً؟ أي شكل ستتخذه تلك الشبكة؟ وما يزيد على ذلك... كانت السماء مقاطعة للوحوش المكسوة بالريش. كانت تنقض ذهاباً وإياباً، وتجوب عيونها بلا انقطاع بحثاً عن مفترس أو فريسة مكشوفين. التواجد في الهواء معها... لم يبدو فكرة جيدة. على الأقل... ليس بعد، فكر عقل المفترس. لكن يمكنني تخيل مستقبل لا يكون فيه الأمر كذلك. يمكنني تخيل الأمور. ممتاز. ذات يوم ستكون السماء ساحة صيدي أيضاً. استمر آكل العوالم في التقدم نحو البناء الرمادي الغريب وغير الطبيعي الذي يتصاعد منه الدخان، بينما كانت الرياح تهب مصادفة في الاتجاه الذي أراده تماماً.
**ويليام أوه** توجّه ويل وماريبيل لوث جواً نحو معقل كاري أنفار. أياً كان هذا الكيان فهو فيما يبدو يصطاد على الأرض، لذا بدا الطيران الخيار الأضمن. ومجال الرؤية أفضل أيضاً. قال لوث: "الطيور أقل ممّا أتذكّر." سأل ويل: "أَتظنّ أن هذا الكيان يصطاد الطيور أيضاً؟" "من الغريب عادةً أن يصطاد الكائن فرائس متباينة الأحجام تفاوتاً كبيراً. الذئاب لا تصطاد البراغيث، ولا تصطاد التنانين كذلك. يجب أن تكون فريسة الكائن بحجمٍ مقاربٍ عادةً لكي يستفيد المفترس من أكلها. إذا كان هذا الكيان يصطاد الطيور والتنانين، فربما لا تنطبق عليه قواعد الحجم العادية. أو ربما هو نوع من الكائنات القارتة بالترشيح. على أي حال، وجود فرائس متباينة الأحجام تفاوتاً كبيراً يوحي بطريقة صيد غير مألوفة. علينا أن نبقي أعيننا مفتوحة على أفواه عملاقة، أو... فخاخ." ارتجف لوث ترقباً عند كلمة فخاخ. هتف ويل بصوت عالٍ: "قارت بالترشيح؟" متخيلاً وحشاً يتألف بالكامل من فم عابر للأبعاد بحجم قلعة يعبر الغابت مبتلعاً كل ما هو حيّ بينما يترك الباقي دون مساس، ليبصق الرماد بعد ذلك. نظرية جيدة كسواها، لكنني سأُرجئ الحكم حتى أحصل على دليل أقوى، هكذا فكر ويل وهو يحك رأس ستيف البلّوري. على الرغم من كون ستيف ثعباناً، لم يكن يكره الطيران، بل طفق يتفرّس في الغابة أسفله بانبهار. التفت رأس ستيف نحو ماريبيل التي كانت تحلق أسفلهم، وخرج لسانه البلّوري من فمه بخفة مستطعمًا الهواء. تبدّد الإحساس المعتاد بالبلّور الدافئ المحيط بجذعه وحلّ مكانه الهواء البارد حين أفلت ستيف وهوى غائصاً باتجاه ماريبيل. بين ويل والجاذبية، كان ويل الأسرع بكثير. كان بإمكانه انتزاع ستيف من الهواء قبل أن يقطع حتى بضع بوصات، لكن... لنَرَ كيف سيجري هذا، هكذا فكر ويل عاقداً ذراعيه بينما كان ستيف يتلوى هابطاً عبر الهواء ليحطّ على جناح ماريبيل. أطلقت ماريبيل صرخة "آك!" بصوتها التنّيني حين استقرّ شيء ما على جناحها، ممّا جعلها تنتفض وتهزّ جناحها كطبلة. طار ستيف منطلقاً نحو السماء متلوياً بحماس، ويبدو كأنه يحاول الإمساك بالهواء. أظنّ أن عليّ الإمساك به قبل أن... بطء سقوط ستيف إذ تجمع الهواء تحت حلقات جسمه. وبعد لحظة، كان ستيف يتلوى بسعادة في الهواء بجانبهم. حلق ويل مقترباً إلى جانب طيران ستيف المتلوّي وتفرّس في بطن الثعبان. كانت هياكل ماريبيل المياسمية المنبعثة من جناحها مطبوعة بخفة على جانب ستيف السفلي، مانحة جسدها الضخم قوة الرفع. يا للهول. صنع ويل بلّورات قابلة لإعادة الكتابة للتدرب على التحكم المياسمي، لكنها كانت بدائية، وتتطلب جهداً كبيراً، وحجمها صغير نوعاً ما، كما أنها لا تقدم تغذية راجعة. ربما يمكنني التجربة بمنح ستيف مهنة. قال ويل معجباً بطيران ستيف: "أنت موضوع اختبار مثالي أليس كذلك؟" تلوى ستيف بسعادة عند الثناء، محلقاً في الهواء بينما أخذ الأثر ينظم نفسه ببطء على طول بطن ستيف. مع ذلك، لم يستطيع الطيران بسرعة ويل ومن معه، لذا حين تعب ستيف التّف حول عنق ويل وعاد ليتأمل ببساطة المشهد الطبيعي المنساب تحتهما. وما إن استقر ستيف بأمان حول ويل حتى تلاشى ببطء أثر المياصم "الجاذبة للهواء" على بطنه، وكأنه أُفرغ من نظامه عندما لم يعد قيد الاستخدام. مثير للاهتمام. أتراها يحافظ عليه إن أراد أو يمكنه اختيار الاحتفاظ بشيء ما أو ربما ببساطة توقف عن التفكير فيه مما جعله يتلاشى. مهما كان حماس ويل لاصطحاب ستيف إلى البيت والتجربة، كان ستيف فريداً من نوعه، لذا لا مغزى من إخضاعه لمعاملة قاسية. سأضطر إلى إحضار رفيق أو رفيقة بلّورية لك لكي أتمكن من إجراء تجارب غير أخلاقية على أطفالكما، هكذا فكر ويل وهو يحك ذقن ستيف. خرج لسان ستيف خاطفاً ولمس إصبع ويل، ولمح ويل وميضاً بنمط شبكة الدروع المقاومة يسري على لسان ستيف قبل أن يختفي. مدهش. وصلا إلى معقل كاري بعد رحلة جوية قصيرة. كان المعقل أصغر حتى من بلدة ويل المتواضعة. حصن حجري مفرد يعيش جميع متسلقيه متزاحمين في داخله، مع معمل تقطير ومشرة خشب في الخارج ممّا يشي بمنتجاتهما الأساسية: الخشب والعصارة السحرية. هبطا خارج البوابة وأعلنا عن حضورهما، كما هو متوقع من سيد يزور إقليم سيد آخر. "ويليام أوه، هنا لزيارة السيد كاري أنفار!" ... لم يكن هناك أي صوت أو حركات من بيت البوابة فوقهما. رغم أن ويل كان متأكداً من سماعه أنفاسهم. "ويليام أوه، هنا لزيارة كاري أنفار." "ماذا لو كان الشخص الحقيقي؟ أربما يكون هذا جيداً؟ إن كان ويليام أوه حقاً..." "أتريد الموت، فلتكن ضيفي." هس صوت آخر داخل بيت البوابة، ظنّاً أن ويل لا يستطيع سماع كل كلمة يقولونها. هس صوت آخر: "يا جبان، سأفعلها أنا." وبعد لحظة، ظهر وجه رجل عبر شق السهم في الجدار. "أثبت أنك ويليام أوه حقاً! ولماذا أنت رفقة التنين الذي هاجم؟" ألقى ويل نظرة سريعة على لوث وهزّ كتفيه. فتّش ويل وأخرج خاتم ختمه وقذف به إلى أعلى نحو بيت البوابة. كان عبارة عن نقش لثعبان يأكل ذيله. تساءل المتسلق بحدة: "بحق الجحيم ما المفترض أن أفعله بهذا؟" صاح ويل للأعلى: "هذا خاتم ختمي!" "كيف لي أن أعرف ذلك؟! افعل شيئاً لا يستطيع فعله سوى ويليام أوه الحقيقي!" صعد ويل جانب الجدار وقرفص حتى أصبح هو والمتسلق وجهاً لوجه. قال ويل: "لقد شاهدتني بالحرف أطير هنا. السماح لي بالدخول إلى المعقل مجرد إجراء شكلي. لذا انهِ الأمر بينما لا أزال ألتزم بالشكليات." "ح-حسناً." عاد ويل نازلاً من على الجدار وانتظر بينما فتحت البوابة ببطء. قالت ماريبيل: "لماذا تكبد عناء انتظار هؤلاء الضعفاء ليفتحوا لنا البوابة؟ أنت تعرض نفسك حرفياً لمن هو أضعف منك. يمكنك ببساطة تحطيم البوابة. أو تخطيها." قال لوث: "نحن ننتظر الحراس ليفتحوا البوابة لنثبت لمن في الداخل أننا سنلتزم بالعقد الاجتماعي." سألَت ماريبيل أثناء مشيهما عبر البوابة: "ما هذا؟" قال لوث: "اتفاق ضمني بين أعضاء المجتمع على اتباع قواعد سلوكية معينة مقابل فوائد اجتماعية." لخّص ويل: "لا نهاجمهم في طريق الدخول، وهم غير مسموح لهم بمهاجمتنا بمجرد أن نكون في الداخل." سألت ماريبيل: "من قال ذلك؟" قال لوث: "العقد الاجتماعي." قالت ماريبيل متذمرة: "هذا سخيف. ما الذي يمنعهم من مهاجمتكم بمجرد دخولكم للداخل، أيقوى سحرية؟" قال لوث: "إذا خرقوا العقد الاجتماعي، فلن يعودوا يتمتعون بحمايته. إذا تعرّضنا للهجوم بعد الدخول بسلام، فيمكن للمعتدين أن يتعرضوا للهجوم من معاقل أخرى دون إنذار حسب رغبتها." تذمرت ماريبيل: "هذا معقد." قال ويل وهو يمسح بلدة الحصن: "ليس حقاً." قال لوث وهي تنقر على جمجمتها: "إنه أمر بشري. لديهم خلل ما في أدمغتهم يجعلهم يتعاونون مع الغرباء. أعتقد أنه شكل من أشكال التزاوج الداخلي الانتقائي. مثل الكلاب. والسبب الوحيد لنجاح الأمر هو أن البشر جميعهم لديهم نفس العيب العقلي. استغرق مني الأمر وقتاً لأفهم ذلك." سأل ويل: "...أين الجميع؟" توقف لوث وتفحص الشوارع. كانت بلدة حدودية صغيرة، لكن المفترض أن يكون الجميع هنا من أصحاب المهن المتقدمة، طاعنين في السن وصلبين كالمسامير. توقع ويل أن يكون هناك صالون بأبواب مفتوحة ورائحة حساء، بينما يجلس بعض البحارة القدامى على شرفاتهم بين نوبات العمل الشاق، ينحتون الخشب السحرى على شكل الفتاة التي تركوه خلفهم في الوطن، آملين أن تدب فيها الحياة. وربما بعض حركة المشاة. لم يكن هناك شيء من ذلك. استطاع ويل سماع دقات القلوب والتنفس الخافت داخل تلك المباني. لكن لم يكن كميناً. استطاع ويل رؤية الخوف يقطر من النوافذ الخشنة الصنع. كانوا يختبئون من شيء ما. ولم يكونوا يعرفون ماهيته.