أيها السيد الرامي الموقر لا شك أن تكليفك بتشييد حصن جميل إلى جوار إقليمي أمر يبعث على الإعجاب، لكنه لن يفعل سوى زيادة عدد السكان الذين يتعين علي مراعاة شؤونهم. أعلم أنك تنوي مبادلة إيميلي وحصنها بطقم البلاط المشتعل، لكن ذلك لا يكفي بأي حال لتبرير منحي إياك أثرا بالغ الخطورة. كما تعلم، أنا سيد جديد يكافح كي يثبت قدميه. لا أحتاج إلى مبان حجرية وحقول بقدر حاجتي إلى مواقع للموارد. لدي أتباع مكرسون لتوليد النفوذ، لكن ما يدرونه لا يزال متواضعا. وسيمر أشهرا قبل أن أستطيع تحمل كلفة أول موقع موارد لي. سآخذ حصن إيميلي بامتنان، لكنني سأحتاج أيضا إلى ثلاثمئة ألف من النفوذ. افعل ذلك، وسيكون طقم البلاط المشتعل لك.
ويليام أوه
"أدرك تماماً أن بيتي صومعة في الطابق الثامن الميت أليس كذلك؟ لأنني أكرَه السياسة." قال غول. "التالي." "ممن مفترض أن أطلب المساعدة إذن؟" انتقل ويل لربط صندوق البلاستيك التالي الذي جلبه غول من طابقه. وُجد العشرات من الأسلاك النحاسية داخل أغلفة غريبة ومشرقة الصنع، من مادة لم يصادفها ويل سوى مرّات معدودة، وغالباً في الطابق الثامن. أسمّاها غول "بلاستيك". تطابق كل صندوق مع أحد الأنابيب الواردة من الكبسولة التي وجدها ويل في الطابق الحادي عشر. وقد حُقنت هياكل صاعقة ميازمية على السطح الخارجي للصندوق ضمن عظم عملاق لتوليد الطاقة اللازمة سلبيّاً. استمدّت الكبسولة طاقتها ممّا أسماه غول "الكهرباء"، وهي تطبيق للبرق المُحكَم الذي أتقنته فيما يبدو الحضارة الممتدة من الطابق السابع إلى التاسع. ألقى ويل نظرة على الجثة المحنطة القابعة جواره لتأمل الأسلاك. كان غول أقدم الأسياد الذين عرفهم ويل، وامتلك فهماً عميقاً للأموات الأحياء والطابق الثامن خصوصاً. أهو بقية متبقية من تلك السلسلة؟ يعني هذا تجاوزه ثمانية آلاف عام من العمر على الأقل. لكنه بدا عاجزاً عن معرفة ويل كباقي الخالدين، لذا ربما اقترب عمر غول من الألف فحسب، وأمضى بضع مئات السنين مكبّاً على دراسة تكنولوجيا الطابق الثامن. لكفاه ذلك وقتاً لاختراق طلاسمها بالتأكيد. "تقول إنك تكره السياسة، ثم تجبر فوايد على العمل بّواباً لديك." "رأيت ذلك حقاً، أليس كذلك؟" سال غول ممسكاً بخرقة لمسح الشحم عن يديه قبل العودة إلى صندوق البلاستيك العجيب المسمى "حاسوب". ظهرت خلف الآلة كتلة أخرى من عظم عملاق جُهّزت بعناية لتحويل التغيرات الجوية في الشحنة إلى برق. "أبحث عن بعض النصيحة فحسب. ما أسوأ خطوة ممكنة قد أقدم عليها في هذا الوضع؟" سال ويل. "ممم... أسوأ خطوة ممكنة؟ ربما ترقية إيميلي إلى مرتبة سيّد. سيثير ذلك غضب الجميع. ستتوزع ولاءاتها في اتجاهات شتى، وستحصل على منافس دائم يصعب جداً التنبؤ بتصرفاته." تمثّل رد فعل ويل الأول في إثارة غضب الجميع ثم الإبحار وسط الفوضى لاقتناص أي ميزة. نجح ذلك بما يكفي في المعارك المباشرة، لكنه بدا فكرة سيئة في هذا الموقف. "لمَ لا تبيعه المجموعة وحسب؟" سال غول. بعد تسوية أزمة دودة النورم، بعث ويل عيوناً لاستقصاء منبت البلاط المحترق. واكتشف بيسر بالغ أن فابرون كان عبداً مجرماً في حصن باكتون، وكُلف بتنظيف كتلة الزجاج الهائلة التي شكّلت قيادة كينكيد المفعمة بالجن. لم يكن الرابط صعب الإدراك. شكّلت الأشباح السبعة للبلاط المحترق اندماجاً لمئات من الجِنّ الموتى الضاضنين له، ولعلّ هذا سبّب تصرف فابرون المناهض بلا رُشد وحالة هلعه في حضرتي ويل. المجموعة ملعونة. يذكرني هذا بشيء. تفكّر ويل. صُنعت مجموعة تجمّع العائلة من رماد مئات الهجناء من أفاعٍ خالدة. وخدمته المجموعة بفعالية. كأنما خُصّت لتفصيلها على مقاس ويليام أوه. يبدو أن المجموعات تتطلب كميات وفيرة من المخلوقات ذاتها مجتمعة ومقتولة. كلا، لابد من ثمة أمر آخر، وإلا لأسس كل سيّد في البرج مزارع لصناعة المجموعات. لكنت صنعت مجموعة حين صطدت عند حفرة الشرب في الطابق الرابع عشر. فقد غصّت بآلاف الوحوش المتشابهة هنالك في النهاية. الضغينة؟ المشاعر؟ قصة؟ راودت ويل فكرة مظلمة وهو يرمق مستوطنة عمالقة الكريستال على الجانب الآخر من الجبل. أكنتُ لأحصل على مجموعة لو جُمع عمالقة الكريستال وقتلهم شيء ما؟ قمع ويل الفكرة فور طريانها، متنفساً بعمق ومستعرضاً مفتاح ذاكرته لضمان خلو عقله من أي تأثيرات. تجاوز ذلك الحدّ. وحتى لو تيقن من صحة مساره، فهناك أمور يُفضل عدم تفحصها. فضلًا عن أن عظم العملاق يمثل مورداً كافياً بحق. لم يمُت أيّ منهم بعد، لكن العمالقة أنفسهم حملوا معهم قدراً لا بأس به من العظام حين فرّوا من الطابق الحادي عشر. ولم يشعروا بأي حرج حيال استخدام عظام أسلافهم بعد مماتهم. شكّل ذلك جزءاً من ثقافتهم. نوى ويل شراء أي عظام عملاق يستطيع الظفر بها من عائلة المتوفى. "إن بعته المجموعة، سأثير غضب كاري، وربما أكول." أجاب ويل بعد إرجاع أفكاره إلى مجرى الحديث. "لا يمكنك إرضاء الجميع." ردّ غول رافعاً صندوق أسلاك جديداً. "من الجيد أحياناً معرفة أعدائك." يا للهول. إنها لفكرة جيدة. بدفعة ذهنية طفيفة، دمج قبضة التايتان الأسلاك النحاسية مع تلك النافرة من الأنابيب. "...وانتهينا." قال غول حين تحول الصندوق المشرق بلون أحمر إلى الأخضر. "ضع يدك اليسرى داخل الآلة الآن لنعايرها." "أتمنى ألا ينتهي الأمر بفقدان يدي مجدداً." قال ويل مشمراً عن ساعده. "لا ضمانات." قال غول. حشر ويل ذراعه داخل الصندوق الصغير المتصل بـ"حاسوب" غول. "حاول ألا تتحرك." قال غول. خدرت يد ويل قليلاً، لكنه لم يشعر باختلاف حين سحبها. ولم تُزرع أي هياكل ميازمية في عظامه أيضاً. نزع غول الصفيحة المعدنية عن صندوق المعايرة المرتجل وأعاد تثبيتها حول صفائح متتابعة أحاطت بالبيضة الكريستالية. "." قال غول ضاغطاً على لوحة المفاتيح. أصدر ركام المربعات المعدنية طئيراً خافتاً شعر به ويل بكيانه أكثر ممّا سمعه. اختلج ستيف الصغير في منتصف الصفيف. "يا للهول. كدت أجزم أن الأمر لن ينجح." تمعّن غول. صار الكريستال ليناً كاللحم تحت تأثير الصفيف. وبدا أن ذلك أعاد إشعال دورة حياة الأفعى الكريستالية. انشقت البيضة الكريستالية وخرج الصغير إلى الهواء، متذوقاً الأجواء بلسانه الكريستالي. رغم حداثة ففقسه، بلغ طول الصغير ستة أقدام على الأقل. وانطبعت نظراته على مقلتي ويل ليبدأ بالزحف نحوه بعزم في عينيه الكريستاليتين. "بريانا، أتسمحين بجلب بعض حشرات الستيك؟" سال ويل بينما اقترب الثعبان المتلألئ. "لم أخمن إمكانية إطعام هذا الكائن قريباً هكذا." "في الطريق." قالت بريانا مؤمئة. بقي ويل ساكناً مع اقتراب الصغير وتجاوزه حدود الصفيف. ولم يعد جسد المخلوق كريستالاً هامداً حين عبر الحاجز، بل احتفظ بقدرته على الحركة حتى بعد مفارقته الصفيف. ارتفع الثعبان حتى خصر ويل، دارساً إياه لهيهة قبل الشروع في الالتفاف حول ساقه، باعثاً بقشعريرة سرت في عمود ويل الفقري قبل استقراره في النهاية برأس مسدل فوق كتفه وملتصق بعنقه. "هذا الكائن بارد!" همس ويل بينما جاهد غول لكبح ضحكاته. "يبدو أنه يعجبك." قالت بريانا مقتربة بحذر ومربتة على الثعبان الكريستالي. رمق الصغير بريانا لطيهة قبل العودة إلى سباته. "حشرة ستيك؟" ترنّمت بريانا مستدرجة الصغير بعيداً عن ويل. راقبا بفتنة ابتلاع الصغير للحشرة السمين، بينما انزلقت حشرة الستيك على طول معدة الصغير شبه الشفافة. وعند انتهائه من الطعام، عاد الصغير إلى ويل، سارقاً حرارة جسده، ببرودة قطعة حقيقية من الصخر. "أظنه يحبّك!" قالت بريانا بابتسامة بريئة. تنهد ويل. "سأزيله اللحظة التي يتبرز فيها علي." قال. "لو تبرز كريستالاً، فلن يفسد ملابسك أليس كذلك؟" سال غول. "...سنرى." قال ويل بأكبر قدر من الشؤم استطاعه وسط كتلة كريستالية تمتص الحرارة من عنقه. أهو وحش أم حيوان طرأت عليه تعديلات بتجارب سحرية؟ لم يبد عدوانياً بلا عقل كالأوحاش، لكنه انبثق من مبيض أحدهم، لذا... فما الهاوية هذا إذن؟ "لدي نظرية." تدخل لوث للمرة الأولى منذ أمد. "هاه؟" "عاش عمالقة الكريستال وماتوا داخل ستيف لأجيال، أليس كذلك؟" "بلى؟" "لا بد أن ستيف هضم عدداً ليس بقلّ منهم. إن تعرض الجسد لسمّ أو مهيج لفترة طويلة، فقد يحاول عزل المهيج. أتساءل هنا إن كان ستيف عجز عن معالجة جميع عمالقة الكريستال الذين ماتوا في أحشائه فحول جسده الفضلات إلى بيوضه. أظن أنه ألقى بمعظم هذه الفضلات على الصغير الهزيل في البطن، مبلوراً إياه على مدى مئات السنين. ليغدو كائناً هامداً في النهاية. إلى أن أحييته بالتقنيات ذاتها التي خلقت عمالقة الكريستال." "يا للهول." تمتم ويل، ناظراً إلى رأس الأفعى الشبيه بالجواهر المستقر على كتفه. "ما المفترض أن أفعله به؟" هزّ لوث كتفيه. عظيم. لا تزال تجاربهما الأخرى قائمة، فحولا انتباههما مجدداً إلى عظام العملاق. تمكنا خلال زيارة غول من إنجاز أمرين إضافيين: أولاً، استطاعا استخدام الآلة لصناعة عصيّ سحرية وأغراض مسحورة كمحركات الدفع المشغلة بالشحنة والمطابقة لتلك التي تنتجها معقل زودياك... مما قد يثير غضب زودياك. كان الإنتاج الكمّي بعيد المنال، لكن القدرة وحدها على تصنيعها عند الطلب شكلت إنجازاً كبيراً. وثمّة أمر آخر تمثل في صنع مكعب تمرين ويل. وهو مكعب سداسي من الكريستال الصافي يفوق حجم رأس إنسان بمرتين على قاعدة فولاذية. اعتاد ويل فور زعزعة الهياكل الميازمية أثناء صنعها أن تختفي في ومضة، مما جعل معرفة سبب الخلل مسألة تخمين. مكن المكعب ويل من وضع أطراف أصابعه على الكريستال، وبدء تشكيل هياكل ميازمية، ثم وقف التركيز متى شاء لدراستها. احتفظ المكعب بالهيكل تماماً كما كان حين أوقف تركيزه، وأتاح له استئناف العمل من حيث انتهى، مفسحاً له المجال لمراجعة وتعديل عمليته الخاصة في منتصف الاستخدام. سرّع ذلك تطوير قدرته الجديدة جذرياً، إلى جانب السماح له بتجربة تعاويذ طفيفة رآها من قبل. حين وصلت كاري إنفار، كانت قدرة ويل الجديدة شبه مكتملة. اقتاد ويل السيّد الآخر إلى البراري، محلقاً عالياً في الغيوم حيث لا توجد آذان حادة تلتقط حديثهما. "ما الذي ترتديه؟" سالت كاري. "إنه ثعبان مصنوع من كريستال حي. إنه يحبني ويتبرز كريستالاً." "بالتأكيد يفعل." قالت كاري بادية بشيء من الضجر. "أدرس بيع مجموعة البلاط المحترق إلى الرامي." قال ويل منتقلاً مباشرة إلى صلب العمل. رفشت كاري جفنيها. "أدعوتني إلى هنا لتقديم عرض مضاد؟" "ليس تماماً. أود منك أن تكوني عدوّتي لبعض الوقت." توترت كاري. "وضّحي." "أشتبه بشدة في أن المجموعة ملعونة، وأن مالكها سيُدفَع لمهاجمتي. وإن كنت محقاً فستدفع المجموعة تابع الرامي لاحقاً لخيانته وملاحقتي." "حبة سم، هاه؟ وماذا لو كنت خاطئاً؟" "حسناً، سأكون خاطئاً حينها." قال ويل. "أود أن نتبنى موقفاً متخاصماً إلى حد ما تجاه بعضنا. بلا دماء بالطبع. سأعيرك بعض المختصين كبادرة سلام، شريطة معاملتهم حسناً." "أنا أصغي." "وقد تحوسين في المستقبل نقطة محورية للمؤامرات ضدي." "آه... أدرك غايتك. تود أن تكون عدوي على الورق تحسباً لمحاولة أحدهم التحالف معي لمهاجمتك... فأخبرك." "هذا صحيح تقريباً." قال ويل. "الأسياد المحيطون بي مباشرة حياديون أو في وضع جيد. وستغدين الشخص الأول الذي يتبادر إلى الأذهان بامتلاك القوة والدوافع معاً." "هذا قدر هائل من الثقة التي تمنحها لي، وأثمن غالباً من حَفنة مختصين. ما ضمانتك؟" "ضمانة؟" سسال ويل. "ما الذي يمنعني من التحول فعلاً إلى عدوّك والعمل ضدك؟" سالت كاري. "أتظنين أنك قادرة على الانتصار؟" سسال ويل بذهول حقيقي. "أوهوه، جرأة هذا الفتى!" ضحكت كاري محركة إصبعها بوجه ويل. "كلانا يملك فصولاً متقدمة الآن، فلا تظن الأمر شبيهاً بالمرة السابقة." "كلا، لم أبلغ في خطتي مبلغ ابتكار ضمانة." اعترف ويل، "لكن إن تعرّض الرامي للخيانة من التابع الذي تعهد إليه بالمجموعة، فستدينين لي بصنيع جميل لفصيلتك." "وستسترد المجموعة أيضاً." قالت كاري ضاربة ذقنها. "حسناً. أظنني أستطيع كرهك تمثيلاً مقابل هذا الثمن. وإن عُرِض عليّ مخطط لقتلك، فسأتعامل معه بحسب الظروف." "هذا عادل." قال ويل بابتسامة. "بالمناسبة، لو قدمت عرضاً مضاداً، فماذا ليكن؟" سال ويل. "لمَ؟" سالت كاري. "لأنه سيساعدني في رفع سعر الرامي."