ظلّ كالين يدرس يومين كاملين. لم يكن الأمر محبطاً كما خشي. اعتاد قديماً أن يتوق إلى إلقاء التعاويذ، فكانت قراءتها وإتقان أنماطها طوال أيام تبدو له عذاباً. عذاباً لا بدّ منه ويقدره، لكنه مع ذلك… اختلاف كبير وُجِد في كتاب تطورات جديدة في سحر الرياح السريعة. بدا كل سطر في الكتاب كأنه يحوي عوالم من المعلومات المذهلة التي تطلبت منه الجلوس والتفكر. على سبيل المثال، حملت بعض مساراته أسماءً.
حتى الآن، بنى كالين نمط مساره حيثما استاب وكيفما تمكن داخل الفوضى المتشابكة التي مثلت بنيته السحرية الخاصة. لكن السحرة بدوا في أفضل حالاتهم عندما استعملوا خيوطاً محددة تشترك فيها غالبية الممارسين ممن تقاسموا الانتماء نفسه. أصيب كالين بذهول مطبق. صحيح أن زيفني عرضت عليه مرة نسخة أساسية من البنية التي استعملتها، وأوحت كلماتُها بأنها لم تكن ملكاً لها وحدها، بل تشابهت مع بنية كل القوارير في عشيرتها.
ومع ذلك، لم يتخيل كالين يوماً شيئاً مماثلاً لنفسه.
لكن كتاب سحر الرياح السريعة ضم عبارات مثل: "لإلقاء أكثر فعالية، وازن التيارات الخارجية لمت ونور داخل نفسك وابنِ النمط على أساسهما".
أيّ منهما مت وأيّهما نور؟
تساءل، دافعاً السحر بجنون عبر الحلقات الملتوية والروافد الدقيقة لمساراته، كأن أحدهما قد يصرخ فجأة: "أنا! مرحباً! أنا تيار نور!".
تضمنت ثلاث تعاويذ في الكتاب توصيات بمسارات رُسِمَت فعلاً على خرائط نووية يصعب قراءة أنواعها. استُخدِمَت ألوان عديدة من الحبر وتفاوتات في سماكة الخطوط لرسم شبكة دائرية أنيقة من المسارات حتى اضطر كالين إلى التحديق فيها ساعات ليفهمها كلها. استُخدِمت الخريطة نفسها في كل مرة، مع إبراز مناطق مختلفة للإشارة إلى أن المسار الموصى به قد يوجد في ذلك الموقع العام. إن فهم كالين صحيح، فالخريطة كانت حرفياً رسماً تخطيطياً لنواة رياح إتشون باتو ذاته.
ولهذا السبب قد لا توجد المسارات الأصغر التي اقترح استخدامها في تلك التعاويذ، أو قد لا تقع في المكان نفسه تماماً لدى الممارسين الآخرين. لماذا يحظى السحر باتو بنواة تبدو مطرزة بهذا الجمال؟ هذا ليس عدلاً. بصقت بومة صغيرة تعيش تحت طروف النزل شيئاً على حافة النافذة البارحة. كانت نوى كالين تشبه ذلك أكثر. لكنه أمضى سنة تقريباً في رسم مساراته وإعادة رسمها على الأقل. كانت معقدة، لكنه عرف شكلها.
وبما أنه افتقر على ما يبدو إلى خرائط المسارات الرئيسية التي كان ينبغي له دراستها حالياً بصفته ساحر رياح ناشئاً، فسيعتمد على ما توفر لديه. سيختار شيئاً في موقع صحيح إلى حد ما ويأمل الأفضل. حتى وإن لم تكن مثالية، لظلّت أفضل من الإلقاء خارج الانتماء، إن فهم بعض ما تضمّنه الكتاب فهماً صحيحاً. من بين التعاويذ الثلاث ذات الخرائط، استخدمت واحدة فقط مشترياته الأخرى من متجر بارلي وبناته، وبما أنه تشوق لتجربة الأعلام، اختار تلك التعاويذ.
أخبر ياردا، وهما يصعدان إلى العربة التي طلبتها لرحلتهما إلى الجيب: "آذان الشرق. إنها تعוيذة تحمل إليك الصوت على الريح من بعيد".
كان منتصف الليل، والأنوار الوحيدة في هذا الجزء من المدينة هي القواندي المعلقة من الأعمدة المجاورة لمقعد السائق. تخبطت العثّ والحشرات الليلية الأخرى بالزجاج. كانت عربة مكشوفة، واسعة بما يكفي لأربعة ركاب عاديين، رغم أن ياردا استأثرت بمقعد بأكمله وحدها.
سألت ياردا بفضول: "إلى أي مدى؟".
كان هذا أحد الأمور الرائعة بخصوص ابنة عم كالين. خلافا لمعظم البالغين الذين قابلهم، لم ترَ سبباً لتعنيفه على تعلم تعويذة تلائم أكثر التجسس على محادثات الآخرين. وتأكد أنه حين يتقنها، ستسعد بالمثل بسماع أي نميمة يجمعها عبر استخدامها.
"تقول: (حتى مسيرة ساعة). لكني لا أعرف سرعة تلك المسيرة، لذا فهي ليست دقيقة جداً".
أخرج كالين بلورته الشمسية وكتابه من مخلاته بينما أصدر العجوز الذي يقود العربة صوتاً بلسانه، وشرع الحصنان الأجردان الكبيران في العمل.
"أتمانعين أن أقرأ في الطريق إلى هناك؟".
ألوت ياردا بيدها إيذاناً بالموافقة، فهوى بعمق في النص مجدداً، عاضاً شفته السفلى وهو يحاول فك رموز أنماط إلقاء تعويذة بمستوى سحر. عدّل وشد المسارات وهو يقرأ. جرب تقنية تدفق مانا ظن أنها تشبه تلك التي أشار إليها السحر باتو عرضاً بوصفها بالغة الفعالية لممارسي الرياح. ربما سهلت العملية قليلاً إن استخدمها أثناء التلاعب بخيوط قوته؟ ربما كان الحماس وحده ما جعل الأمر يبدو كذلك، لكنه أحب أن يتخيل أنه حقق نجاحاً ضئيلاً بالفعل.
أحتاج إلى المزيد من الكتب، فكر وهو يعمل. احتج إلى كتاب يحوي خرائط المبتدئين لممارسي الرياح. وآخر يضم تقنيات التدفق. أحتاج إلى الكثير من الكتب الإضافية. # توقعات كالين لزيارته الأولى لجيب عائلة ممارسين كانت عالية. بالكاد احتُسِبت ذكرياته المبهمة عن جيب أوريلين، فقد كان صغيراً جداً ومارداً، وظن أنه كان تحت تأثير نوع من التعاويذ أو الجرى أيضاً. تخيل أن جيب أكريس سيعج بالمنازل الفاخرة وقاعات المعرفة.
وبالتأكيد ستوجد مبانٍ بحجم كنائس ميناء غرانزليب. وسيُضعي ممارسون من كل الأعمار أيامهم في إلقاء التعاويذ في الشوارع مباشرة. لم يكن الأمر هكذا تماماً. شكّل الطريق المؤدي من المدينة إلى الجيب خطاً مستقيماً وعريضاً. كان طيناً متماسكاً ومضغوطاً، وتحركت العربة فوقه باهتزاز أقل حتى مما حدث في شوارع المدينة المرصوفة بالحصى. وعلى الجانبين لم يكن هناك ما يرى سوى حقول محصودة حديثاً تضيئها ضوء القمر.
ووجود الكثير من الأبقار أيضاً، التي نامت أحياناً في منتصف الطريق معترضة سبيل الخيول. ثم، في ساعة الغبش قبل شروق الشمس، وصلا إلى الجيب ذاته. وأخيراً وضع كالين كتابه جانباً ليتطلع حوله بخيبة أمل عميقة.
"إنه مجرد بلدة".
اعترافاً، بدت بلدة ثرية. بدا النور الساطع خلف بعض النوافذ هو النور الصافي والنظيف ذاته الذي استخدمه متجر الكتب. رُصِفَت الشوارع بأناقة، وطُلِيت المنازل المرتفعة بألوان الجواهر الغنية الشائعة في المناطق الجيدة بميناء غرانزليب. لكن لم يكن هناك حتى سور دراماتيكي يحيط بالمكان لإبعاد الغرباء. أين حُفظت الأسرار الغامضة؟ والأهم من ذلك…
سأل السائق: "أتعرف أين تقع المكتبة؟".
هز العجوز رأسه. تمنى كالين أن يُظهر ضوء النهار المكان بصورة أكثر إبهاراً، وهو يقفز من العربة ومخلاه معلق على كتفه. أوقف السائق العربة أمام مبنى طويل ومنخفض ذي سقف من القرميد. طُلي باللون الأبيض، وتجمعت مجموعة صغيرة من الناس في باحة جانبية قرب باب مقعر ثقيل. رقَد رجل في عربة يد بدا أن زوجتين مرهقتين دفعتاه إلى هناك بينما كانتا نائمتين على الأرض بمحاذاة عجلات العربة.
وحين مر كالين وياردا، التقط رائحة كريهة ومخنققة تنبعث من ساق الرجل المضمدة. إلى هنا أتى المرء إن أمل رؤية معالج من أكريس في أيام الرحمة. وبينما وقف الجميع بانتظار طلوع الفجر وانفتاح الباب، صادقت ياردا المرضى الآخرين المنتظرين. بلغ عددهم نحو عشرة أشخاص. وقفوا في صمت قاتم حين وصل كالين وياردا لأول مرة، لكن رؤية ياردا أثارت نظرات فضولية حتى من أولئك الذين هم في أمسّ الحاجة إلى العلاج.
وكعادتها، استجابت للنظرات بابتسامات وقلق صريح على الجميع. جعله هذا يشعر بأنه شخص فظّ. في حين تمنى لجميع هؤلاء كل خير في الظروف العادية، وجد نفسه الآن في موقف غريب يحكم فيه عليهم كمنافسين على وقت الساحر نايغل ورعايته. ماذا لو لم تحصل ياردا على المساعدة بسبب تلك المرأة التي تغطي البثور وجهها؟ بدا ذلك الصبي المحموم وكأنه على شفير الموت. والرجل المصاب الساق… الأمر بخصوص المعالجين الممتازين هو أن أحدهم يحتاج إليهم بشدة دائماً.
هذا ما قالته ليلي أكريس، لكن كالين لم يتمل عميقاً فيما تعنيه. كما أنه قرأ سيغريزمو، المجلد الثاني عشر، وحتى إن لم يفهم معظمه، فقد ظن أنه ما كان ينبغي لياردا الدخول في محادثة وثيقة وحماسية إلى هذا الحد مع بعض هؤلاء الناس. لم تكن بحاجة إلى طاعون قاري يُضاف إلى كل شيء آخر. كان كالين أعلم. فقد مات جسده بواحد من قبل. حاول التفكير في طريقة يخبرها بها بالابتعاد عن الصبي المحموم دون قول شيء يبدو غريباً ومريعاً لكل الحاضرين الآخرين.
لكن لحسن الحظ انفتح الباب، وخرج اثنان يرتديان رداءين رماديين للتحدث إلى المرضى والمصابين. كان أحدهما صبياً والأخرى فتاة، وكلاهما أكبر من كالين ببضع سنوات.
قال الصبي بصوت متكلف بدا سخيفاً من شخص في عمره: "حسناً، حسناً، فلبيقَ الجميع واقفين أو... آخ... مستلقين على مسافة ذراع واحد على الأقل بعضهم عن بعض".
ليبدُ مزعجاً بالقدر الذي يريده، قرر كالين وهو يراقب الجميع ينفصلون تماماً كما فكر هو نفسه في وجوب حدوثه. طاف الصبي والفتاة يسألان الجميع عن أسمائهم ويجمعان معلومات عن أمراضهم. لم يكّتِبا شيئاً، لكنهما بدا وكأنهما يقومان بعمل جيد في تذكر التفاصيل. وصل المزيد من المرضى لتشكيل المجموعة، وأغمض كالين، الواقف جانباً مع ياردا، عينيه مبعداً نفسه عن الحدق بهم. ومع شروق الشمس، اختفى الصبي إلى الداخل، وبعد لحظة، جاء رجلان بجهاز من القماش الخشن والأعمدة استخدماه لحمل الرجل المصاب إلى داخل المبنى.
عاد الصبي وتشاور مع الفتاة. كانا ينظران كلاهما إلى ياردا. وبدوا مرتبكين بوضوح بعدما أجريا مقابلة معها. بدت أصحّ صحة من كثير من المنتظرين الآخرين، لكن طولها الهائل وحقيقة أن كلاً منها وكالين أقسم أن ساحراً شخصها مسبقاً وأرسلها عبر العالم بحثاً عن العلاج بدا وكأنه حيرّهما.
قالت الفتاة بصوت عالٍ بعد الانتهاء من الحديث مع شريكها: "السيدة ياردا! يمكنك الدخول أنت أيضاً!".
قفز قلب كالين. نعم! كانت الشخصية الثانية. لابد أن هذا يعني أنها ستحظى برؤية معالج جيد جداً، أليس كذلك؟ هرول خلفها بحماس ليرده الصبي الذي صُدم من فكرة تجرؤه على مرافققة مريض.
وعوضاً عن ذلك، أُرسِل كالين لي "يلعب في الباحة".
كانت إهانة غير مبررة لدرجة أنه بالكاد منع نفسه من مجادلة الساحر الشاف. تسلل عائداً إلى العربة. أوقفها السائق أمام اسطبل على الجانب الآخر من المبنى. وحين اقترب كالين كان يفك سروج الخيول.
أبلغ العجوز: "إنها في الداخل".
كان السائق سينتظرهما طوال اليوم إن لزم الأمر، لذا بدا من اللباقة إبقاؤه على اطلاع.
"لا أعرف كم ستستغرق من الوقت".
"وقت طويل".
سحب غصناً كان يمضغه من بين أسنانه.
"امرأة ضخمة، ضخمة هكذا — سيجعلون كل الطلاب هنا يرونها. لتطوير عقولهم".
قطب كالين جبينه.
"أقُدتَ أناساً إلى هنا من قبل؟".
قال السائق: "مرات قليلة. وأتيت مرة أو مرتين بنفسي أيضاً".
أخال أنه لا يزال على قيد الحياة على الأقل. لكنه لم يحب فكرة أن تكون ياردا نوعاً من التجربة التعليمية للممارسين الصغار. أراد لها الحصول على المساعدة التي تحتاجها ممن يعرفون ما يفعلون. مع عدم وجود ما يفعله، وعدم وجود أي نية للعب في الباحة، طاف كالين في الجيب أملاً في العثور على المكتبة. واكتشاف أنها ترحب بالزوار في أيام الرحمة. عرف أن هناك مكتبة كبيرة ينبغي أن توجد.
قرأ عنها وسمع بها. حملت بعض كتبه القديمة أختاماً تشير إلى أنها أتت في الأصل من مكتبات عائلات الممارسين. أراد رؤية واحدة دوماً. ومع بدء اليوم حقاً، بدأ الجيب يعج بالناس، وبدا أكثر شبهاً بالمكان السحر الذي أمل كالين العثور عليه. لم تكن الأردية هي الزي القياسي، لكن وُجِد عدد كافٍ ممن ارتدوها لجعل الشوارع تبدو مختلفة بشكل ملحوظ عما كانت عليه في ميناء غرانزليب. وبدأ كالين يرصد علامات السحر في أماكن ما كان يتوقع عادة رؤيتها فيها.
انفتح باب حين اقترب منه رجل، رغم عدم وجود أحد على الجانب الآخر. وفي منطقة عشبية، أصدرت صخور ملساء كبيرة بدا أنها مخصصة للجلوس دفئاً ممتعاً. وأصدرت نافورة في مؤخرة منزل أزرق أصوات قرقعة معقدة بأضعاف ما ظن كالين أن النوافذ يجب أن تصدره، استناداً إلى تجاربه المحدودة مع القليل منها التي رآها منذ وصوله إلى القارة. وقف يتأمل النافورة بفضول من خلف قضبان بوابة حديدية حتى خرج رجل بدين يرتدي أردية سوداء ليجلس بجوارها في مقعد مبطن.
نادى بينما استدار كالين للمغادرة: "أتعجبك حديقتي؟".
أسند قدميه على مقعد خشبي وأخذ قضمة من نوع من الفطائر.
"إنها لطيفة. كنت استمع إلى النافورة".
قال الرجل من خلال ملء فمه: "مسحورة".
ونفض الفتات من ردائه.
"لا أعرفك. أتكون متدرباً جديداً لأحدهم؟".
قال كالين: "لا. أنا هنا مع صديقة احتجت إلى رؤية معالج".
"آه، صحيح. إنه يوم الرحمة للعامة، أليس كذلك؟".
هز كالين رأسه. نظر الرجل إلى فطرته ثم عاد بنظره إلى كالين.
"أتارد بعض الإفطار؟".
# لسبب ما، توقع كالين أن يناوله الممارس الطعام عبر القضبان الحديدية. ربما لأن حديقة الفناء بدت فاخرة، ولم يشعر بأنه يندمج مع المكان جيداً. لكن الرجل ذو الرداء الأسود نهض من مقعده ومشى ليفتح له البوابة.
قال مصافحاً كالين بيد يغطيها الفتات: "كوب".
قرر كالين: "نيرث"، ممتلئاً بقليل من الألم لشدة قبضة الرجل.
سأل الرجل بفضول: "تيريسوايثان؟".
"نعم!".
حاول كالين ألا يشعر بفخر مفرط بنفسه. تبع كوباً إلى الداخل، متفحصاً أرضية البلاط المزخرف وأواني الطين الكبيرة المليئة بالنباتات المزهرة والأعشاب. وبعد دقيقتين وجد نفسه مستقراً على صخرة مدفأة سحرياً قرب النافورة، يأكل فطيرة بيض وجبن ويحاول تحديد إن كان يعجبه الشراب الساخن الذي قدمه له كوب في كوب مصنوع من الفضة والزجاج. كان شيئاً يدعى القهوة مع قدر كبير من الكريمة والتوابل فيها.
لم يبدُ على الممارس رغبة في الحديث. أسند قدميه من جديد وأكل إفطاره مستمعاً إلى نافورته. وما إن توقف كالين عن الشعور بالقلق حيال الصحبة والمكان، حتى تبدت طريقة لطيفة لقضاء وجبة. لكنه عجز بعد ذلك عن معرفة كيف يعتذر عن الانصراف. فإذا لم يتكلم الرجل على الإطلاق بدا مقاطعته أمراً فظاً. وأخيراً، التوى قليلاً أكثر من اللزوم، فانتبه له كوب.
"أليست الصخرة مريحة؟".
قال كالين آلياً: "إنها صخرة جيدة".
هخر كوب.
"شكراً للإفطار. يا سيدي. لقد أعجبني كثيراً. أتمانع إرشادي إلى الطريق للمكتبة؟".
رفع الممارس حاجبيه.
"مكتبة أكريس؟".
هز كالين رأسه.
"ما الذي يجعلك تعتقد أن لدينا واحدة؟".
سأل كالين مفاجئاً: "أليس لديكم؟ لأنني ظننت فقط أنكم تفعلون إذ سمعت أن الكثير من عائلات الممارسين تمتلكها، وظننت ربما لأنه يوم الرحمة سيسمح لي أحدهم بالدخول لرؤيتها...".
"احترق مبنى المكتبة قبل قرابة مائة عام. كان في ذلك الاتجاه".
وألوى بيده الممتلئة ليشير خلفه.
"أتى على عشرة منازل والمدرسة. أصبحت النار شديدة السخونة لدرجة أن معظم التعاويذ على اللفائف والكتب لم تحتملها. ضاعت أجيال من المعرفة".
اتسعت عيناها كالين.
"على أي حال، أصبح أحدهم ذكياً بعد ذلك وقرر ألا نملك مكتبة مخصصة بعد الآن. وعوضاً عن ذلك، لدينا مئتا مجموعة صغيرة في منازل خاصة، وأمين مكتبة يتتبعها كلها. يُفترض أن بناء المجتمع يعني أن يطرق الناس بابك كل يوم لتصفح كتبك، لكني لا أستطيع القول إني أحب التجول في الجيب بثلاثة اتجاهات مختلفة عندما أحاول بحث موضوع ما".
بدا الأمر استثنائياً لكالين بقدر المكتبة التي تخيلها.
"أتسمح بالاحتفاظ ببعض كتب المكتبة؟".
قال كوب مشيراً برأسه نحو المنزل: "الداخل فحسب وعلى اليمين".
حدّق كالين في الباب بشوق.
قال الرجل بجفاء: "يمكنك الذهاب والنظرة. لكنني مغادر بعد ساعة، فلا تستقر".
لم يحتاج كالين دعوة أخرى. وثب من الصخرة واندفع بحماس إلى الأمام. لم تكن الغرفة التي أرشده إليها الممارس مكاناً كبيراً. بل بلغت حجماً يكفي فقط لاستيعاب الطاولة المربعة وأربعة كراسي في وسطها بوضع مريح. لكنها عوضت ذلك بكونها محشوة من الأرض إلى السقوف برفوف الكتب. الجدار الوحيد الذي لم يُغطَّ حمل نافذة طويلة وضيقة غطاها ستارة سميكة داكنة. أبعدها كالين ل يحصل على النور.
أطلّت على الفناء، حيث جلس كوب لا يزال بجوار نافورته. ليس لدي سوى ساعة، فكر. كيف أحقق أقصى استفادة منها؟ استقر على انتهاج المنهجية. وضعت ساعة رملية في وسط الطاولة. قلبها لكيلا يفقد تتبع الوقت. وخلال النصف ساعة الأولى، ركز على قراءة كل عنوان على كعب كل كتاب حمل واحداً. تعلق معظمها بالنباتات. وتناول عدة منها تسميم الناس بالنباتات، وهو أمر أكثر إثارة للاهتمام لكنه غير مفيد له.
وفي كل مرة بدا فيها أن كتاباً قد يحوي مجموعة عامة من التعاويذ، سحبه من الرنف وتصفحه بأسرع ما يمكن دون المخاطرة بإتلاف الصفحات. كان يبحث عن أي شيء يساعده في معرفة أسماء المسارات أو أي شيء عن الرياح. ومع تناثر الرمال، غير تكتيكه. الآن وبعدما ألقى نظرة على الأقل على كل كتاب ذي عنوان واضح، سينظر داخل تلك التي خلت منه. سيبدأ بالأكثر كلفة في المظهر. اختار مجلداً أسود ضخماً لدرجة اضطر فيها إلى حمله بكلتا ذراعيه وفحص صفحة العنوان.
معالجة التربة لمواسم النمو الخصبة — أفضل الطرق والممارسات. لا أصدق أن أحدهم ملأ هذا العدد من الصفحات في هذا الموضوع الواحد. أعاد الكتاب إلى مكانه بثقل، ومد يده نحو آخر لفت انتباهه. كان كتاباً نحيلًا بغلاف بلون أزرق لافت. وعوضاً عن عنوان على الكعب، حمل سلسلة من الرونات الذهبية الداكنة وأعمال الزخرفة الأنيقة، وظن كالين أنه جزء من مجموعة كبيرة، نظراً لوجود كتب مجلدة بشكل مشابه متناثرة في أنحاء الرفوف.
خطفه، ملاحظاً أولاً مدى نعومة الجلد، ثم قلب ليرى الغلاف. تنهد حين رأى أنه ممتلئ بتعويذات العناية بالنباتات أيضاً. أعاده إلى الرنف، وخطا ليأخذ كتاباً أزرق آخر، احترازاً من احتمال اختلافهما. لمفاجأته وسروره، اختلفا. أشار هذا الكتاب إلى أنه سحر العناصر الأولية الأول - كتاب الحجارة. وحمل مؤلفاً مختلفاً تماماً عن الكتاب الأزرق الآخر. فربما لم يكونا مجموعة بعد كل شيء؟ لكنهما تطابقا بوضوح.
فضولاً، طاف كالين يسحبهما من الرفوف ويقرا الأغلفة الأمامية واحداً تلو الآخر. حين وجد سحر العناصر الأولية الأول - كتاب المياه، أوقف بحثه ليتصفح بين صفحاته. سيكون مثيراً للاهتمام العثور على نسخة حقيقية من استدعاء قطرة ليتسنى له مقارنة الملاحظات التي دونها بتعليمات الإلقاء الرسمية. قلب الورق الكريمي الأبيض الناعم بعناية. كان كتاباً مفيداً، رُبَّمَا قُصِدَ به السحرة الذين يتعلمون تعاويذ خارج انتمائهم.
سحرة مبتدئون مثله. كانت التعاويذ بسيطة إلى حد ما مقارنة بكتابه السحري الجديد. فكر: قد يكون كتاب الرياح موجوداً هنا في مكان ما. سيكون ذلك الشيء المثالي. تصفح الصفحات بسرعة أكبر، وبلغ النهاية في ومضة. لكن أصابعه سكنت قبل إغلاقه. على الجانب الداخلي للغلاف الخلفي، وجدت زخرفة بحجم يد كالين المبسوطة تقريباً. كانت صورة مرسومة بذهب متلألئ — كوكبة من النجوم شكلت سلسلة من الدوائر المترابطة، اخترقها سهم كبير.
وتحتها اسم مألوف. أوريلين. شعر كالين بقشعريرة. لبرهة، حدق في الصورة، ثم أغلق الكتاب بعناية وأعاده حيث وجده. تفقد الغرفة، عادّاً. وُجِدت ستة عشر من الكتب الزرقاء المتطابقة. بدا ذلك كثيراً. أتحمل كلها العلامة نفسها؟ سحب آخر من الرف وتفقد داخل الغلاف الخلفي. ها هي مرة أخرى. أوريلين. وقف على أطراف أصابعه وتمطى ليأخذ ثالثاً. مجدداً. وآخر. وآخر. حملتها كلها. عناوين مختلفة، ومؤلفون مختلفون.
لكنها حملت جميعها العلامة الذهبية مع الاسم في الخلف. لابد أنها طُلِبَت خصيصاً أو أعيد تجليدها لتتطابق بحيث تبدو رائعة جنباً إلى جنب على الرفوف. فكر كالين: من الواضح أنها جاءت من جيب أوريلين. هذا منطقي. إنه يبعد بلداً واحداً فقط، وربما تركوا وراءهم مكتبة كبيرة حين هربوا جميعاً. وربما ذهبت عائلة أكريس وأخذت بعض الكتب. أو اشترتها ممن فعلوا ذلك. وربما باعها أوريلين الأربعة المقيمون في ميناء غرانزليب تحت حماية الكنائس.
لكنه ظل يرى الأمر غريباً لوجود هذا العدد الكبير منها هنا في هذه الغرفة الصغيرة الواحدة. كأن كالين أحيط بشيء مهدد. وُجِد بالفعل كتاب لمسحري الرياح. لكنه لم يشعر الآن بالارتياح لقراءته في مكان قد يدخل فيه أحدهم ويراه. كانت حبات الرمال الأخيرة تتسرب عبر الزجاج بسرعة. متنفساً بسرعة أكبر بقليل، خطف كتاباً غير منتمي لأوريلين حمل صورة زهور على الغلاف، وجلس في المقعد ليحدق في صفحاته الأولى دون أن يراها حقاً.
لماذا يملكون هذا العدد الكبير من كتب أوريلين؟ إن كان هناك مئتا مكتبة كهذه في الجيب، وكلها تملك عدداً مشابهاً... أهي مجرد صدفة، أم كانت العائلات أصدقاء؟ وإذا كانوا أصدقاء فلماذا يعيش أوريلين في كنيسة كلايوينج عوضاً عن هنا مع هؤلاء الممارسين الآخرين؟ ماذا يعني هذا بالنسبة لي؟ لاشيء. عرف أن الإجابة ينبغي أن تكون لا شيء. كره كونه خائفاً جداً لدرجة عجز حتى عن فتح الكتاب الذي أراد قراءته خوفاً من الارتباط بعائلة لا يعرفها.
حين دخل كوب ليقول إن الوقت حان ليرحل كالين، شكره بأدب وغادر متنهداً بارتياح. ترنمت النافورة خلفه حين أغلق البوابة الحديدية. # خبا حماس كالين لاستكشاف جيب أكريس. وقرر التسكع قرب المبنى الأبيض حيث عمل المعالجونو ليصبح مستعداً للمغادرة فور انتهاء ياردا. كان صف المنتظري عند الباب الجانب للمساعدة آخذاً في النمو. أصابت ليلي حين نصحتهم بالحضور قبل الفجر. توجه عائداً إلى باحة الاسطبل وجلس في عربته ليبعد نفسه عن الطريق.
اختفى السائق. حاول التأمل، لكن الأمر لم يكن جيداً عند القلق. لذا عمل على مساراته قليلاً آخر. بحذر، بحذر شديد وازن الخيوط في المنطقة التي اختارها لبناء نمط التعويذة. لم يكن قريباً من الصحة بعد، لكنه أراد محاولة الإلقاء عبر النمط على أي حال. فقط لرؤية نوع الشيء الذي قد يحدث. توافر الكثير من المانا الآن بعدما أصبح في القارة. استطاع كالين استخدام ما شاء من السحر. بطبيعة الحال، خطر بباله أن الشيء الذي قد يحدث قد يكون كارثياً.
أو ملحوظاً على الأقل. فخبرته أخبرته أن إجبار السحر على العبور عبر أنماط غير صحيحة تماماً لم يكن يفعل شيئاً على الإطلاق عادة. لا سيما إن لم يُستَخدَم الكثير من القوة. لكنه بدا أقل تهوراً مما كان عليه من قبل. ربما لو ابتعد عن الجيب، تمكن من المحاولة؟ يبدو ذلك جيداً حقاً. لم يكن مقعد العربة مريحاً للغاية. ورائحة الاسطبل بدت خفيفة. لم يرغب كالين في طرق الأبواب وسؤال السماح له بالدخول إلى مكتبات مليئة بالكتب التي تحمل اسم أوريلين على الغلاف.
استطاع المشي نزولاً عبر الطريق حتى يبتعد الجيب ويمارس بعض السحر في حقل جميل مع بقرات جميلة لن تعبأ بذلك على الإطلاق. لم يكن الأمر كأنه سيتيه. وُجِد طريق واحد فقط بين هنا وميناء غرانزليب. وما دام لم يبتعد عن مرأى البصر، لاستطاعت العربة التقاطه مجدداً في رحلة عودته. إذ اتخذ قراره، دس كتابه في مخلاه مرة أخرى وذهب ليسأل أحدهما إن كان سيخبر ياردا بأنه يخطط لملاقاتها على الطريق بدلاً من الانتظار.
لم يفاجأ باكتشاف أن حشد الناس خارج الباب المقعر قد نما كبيراً خلال الساعات التي قضاها في التدرب، لكنه تفاجأ باكتشاف أن مجموعة جديدة تماماً من الناس انتظرت الآن قرب طاولة أُعِدَّت عند باب آخر في الطرف البعيد من المبنى الطويل. حاول كالين ولم ينجح في جذب انتباه الفتاة التي استجوبت المرضى، ورغم أن الصبي المتكلف رآه يلوح بالتأكيد، استدار وتجاهل كالين تماماً.
اعترف لنفسه بشيء من الإحراج: "إنهم مشجولون نوعاً ما".
مشجولون جداً عن إيصال رسالة بسيطة. أملاً في العثور على شخص أقل انشغالاً بعمله، توجه نحو المجموعة الجديدة المنتظرة قرب الطاولة. كانت أصغر بكثير، إذ ضمت نحو اثني عشر طفلاً تراوحت أعمارهم بين أصغر منه ببضع سنوات وأكبر منه ببضع سنوات. بدا عليهم الضجر، ولم يظهر أي أثر لما فعلوه هنا سوى الطاولة الفارغة. اقترب كالين من صبي طويل ذي نمش كان يداعب فتاة ذات نمش مماثل في عمر الثامنة تقريباً بطريقة جعلته متأكداً من أنهما شقيقان.
وقال: "عذراً. أتعرف إن كان هناك شخص هنا يمكنه حمل رسالة إلى مريض داخل المبنى؟".
توقف الصبي عن فعل شد شعر شقيقته، ونظرا كلاهما إلى كالين.
أخبرته الفتاة: "أنت تتحدث بغرابة".
"أنا لست من سيركون. أنا زائر فحسب".
قال الصبي، شاداً الشعر على أي حال حتى صاحت شقيقته وضربت يده: "لم يخرج أحد من المستشفى إلى هنا بعد. لقد مر أكثر من ساعة".
"حسناً. شكراً لك على أي حال".
استدار كالين للمغادرة.
قالت الفتاة: "عليك البقاء. والحصول على المال".
سأل كالين مستديراً باهتمام: "المال؟".
أصبح المال أهم بكثير بالنسبة له الآن بعدما رأى أسعار الكتب.
قال الصبي: "الأمر سهل. يخرجون لوحة زجاجية تحمل الكثير من العلامات السحرية. تضع يدك على أحد الطرفين ويضع أحد الأكراسيين يده على الطرف الآخر، ثم تشعر بالدفء لدقيقة، وينتهي الأمر".
قالت فتاة أكبر: "إنها ليست لوحة زجاجية".
"بلى إنها كذلك! فعلتها الشهر الماضي".
قالت الفتاة وهي تُملّس تنورتها الثقيلة: "أنا متأكدة من أنها ليست لوحة زجاجية. إنها مصنوعة على الأرجح من نوع ما من البلور المسحور. ينبغي أن أعرف. أنا هنا لإجراء الاختبار لأنه مطلوب لدخول الشتاء. ليس من أجل المال".
قال الصبي بسخرية: "إذن تريدين أن تصبحي أكريس بنفسك. يا للروعة. لكني رأيت اللوحة بالفعل، وكانت مصنوعة من الزجاج".
حوّل انتباهه إلى كالين مجدداً.
"يمكنك فعل ذلك مرة واحدة فقط. لكنهم يعطونك نصف فضة وواحدة من هذه".
مد معصمه، فرأى كالين شريطاً جلدياً ضيقاً حوله. وختم اسم غوراد لوم عليه.
سأل مندهشاً: "تضع يدك على لوحة مع ممارس فيعطونك مالاً وسواراً؟ لماذا؟".
قال غوراد بثقة: "يفعل الأكريسي شيئاً سحرياً لك عبر اللوحة. ويمكنه معرفة أن أمك هي أمك وأبوك هو أبوك. ثم يكتبون كل ذلك مع مكان سكنك ويعطونك السوار لكيلا تحصل على المزيد من المال لفعل ذلك مرة أخرى".
قالت الفتاة التي أرادت الانضمام إلى الجيب بنبرة متعالية: "قد يكون أبوك أي شخص تحت الشمس وسيظل يعطونك السوار. ما لم يكن إيفن أوريلين".
تحول الهواء نفسه إلى جليد داخل صدر كالين. كان من الجيد أنه تلقى صدمة واحدة تتعلق بأوريلين اليوم، وإلا لما استطاع التفاعل جيداً على الإطلاق. وعلى أي حال، تأكد من أنه كان شاحب الجسد واسع العينين. لكنه نجح في التحدث على الأقل.
قال ببطء: "هذا مثير للاهتمام. لكنني بحاجة حقاً إلى إيجاد شخص يساعدني في إيصال رسالة إلى صديقتي. في المستشفى. لذا ربما أعود لأخذ المال لاحقاً".
هز غوراد رأسه.
"احرص على فعل ذلك. إنه سهل. لهذا أحضرت أختي. الشيء السيئ الوحيد هو أن السوار لا ينفك، لذا لا يمكنك فعلها مرتين".
تمتمت الفتاة: "هذا لأنهم لا يحتاجون إلى استطلاعك مرتين. ليس الأمر كأن والديك سيتغيران".
قال كالين: "سأعود بالتأكيد. ربما أراكم لاحقاً. إن كنتم لا تزالون تنتظرون".
ضامّاً قبضتيه حول حزام حقيبته، أجبر نفسه على المشي مبتعداً عوضاً عن الركض كما رغب باستماتة. شق طريقه عبر حشد المرضى واتجه مباشرة نحو فتاة أكريس التي عملت لصالح المستشفى.
قاطعاً بفظاظة بينها وبين امرأة تعاني سعالاً، قال: "أخبِري ياردا سترونغباك أن ابن عمها قرر المشي عائداً إلى المدينة. سأقابلها على الطريق. أو في النزل".
ثم، قبل أن تستطيع الفتاة رفضه أو توبيخه، استدار وغادر. ابتعد ماشياً عن المستشفى وعبر الشوارع المرصوفة الجميلة مع كل تلك السحورات الصغيرة الغريبة حوله إن عرف أين يبحث. مر بممارسين يرتدون أردية ومنازل تيقن أنها امتلأت بكتب السحر المفيد. واصل المسير. ورغم ما قوله للأطفال الآخرين، لم يعد أبداً.