أوريليان الأخير الفصل 50 — ابحث عن بالم

اقرأ أوريليان الأخير الفصل 50 — ابحث عن بالم باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يكن توماس أوريلاين يأخذ إعلان كالين عن عزمه السفر إلى الأرخبيل على محمل الجدّ. بل بدا ظانّاً، كأهل مكتب البريد، أن محبلو المرور إلى هناك يعادل محاولة مفادرة العالم بأسره.

لكنه تجنب الدخول في جدال، وسمح لكالين بأن يصرّح بأنهما "سيبحثان الأمر"

حين ينعدد الخيار. وما زال بمقدور الساحرة المجيء. وظنّ توماس أنه إن حضرت بعد يومين، فربما استطاع إقناع الجماعة بضمّ كالين إليهم. إذ كانوا متوجهين جنوباً بعيداً، دون إمبراطورية أوسومون و خارج نطاقها. وقريبين من الساحل الشرقي للقارة، وإن لم يحدد توماس اسم المدينة بعينها. ولاءم ذلك احتياجات كالين بما يكفي، بيد أن...

قال بصوت خفيض بينما جذبه توماس ليقف وسط دائرة الحماية: "أفضّل ألا ألتقي بالآخرين. لا أريد أحداً سواه أن يعلم حقيقتي. لكني ينبغي ألا أمكث هنا إن لم أضطر، لذا أظن أن كان ذلك السبيل الأوحد..."

قال الفتى الأكبر سناً: "أنا كذلك لا أودّ تعريفك بالجميع خصيصاً. إن ظننت أنك تطيق الأمر، فأنا أوشك أن أحشرك في برميل أو صندوق وأزعم أنك متاع ثقيل اشتريته لنفسي."

هزّ رأسه كأن الفكرة سخيفة، غير أن كالين وجدها عبقرية.

"هذا ما يجب أن تفعله!"

"آه.. حسن..."

"سأكون ساكناً وهادئاً للغاية. ولن يدركوا قط! كما أن وزني خفيف."

ابتسم له توماس بارتباك.

"ربما؟ أظن أن وقوعنا في شرك متخفياً على هذا النحو سيغضب الجميع للغاية، بيد أن... قد يكون التدبير الأفضل في النهاية. سنعبر ببوابة كاملة عوضاً عن الإرسال، لذا لا سبب يدعوهم للاعتراض على اصطحابي أمتعة إضافية. دعني أقلق بشأن ذلك. أما الآن، فقد وعدتك بتعويذة! وعليك اتخاذ وضعية الإلقاء."

"تقصد أن أقف منتصباً هكذا فحسب؟"

بدا توماس مرتبكاً للحظة، ثم قال: "أفترض أن تلك مهارة تُكتسب مباشرة عن معلم عوضاً عن الكتب."

هل كنت أخطئ طوال هذا الوقت؟ أدرك كالين دوماً ارتكابه أخطاء جمّة، غير أن مجرد التفكير بأنه لا يقف في مكانه بالطريقة الصحيحة ظلّ أمراً محرخاً.

"أثمة طريقة خاصة...؟"

"لا، لا بأس! فالناس يقلعون عن استخدامها على أي حال. إنما تساعد المبتدئين الصغار على التركيز. وإن لم تكن تفعلها، فلا داعي للبدء الآن."

"علّمني إياها."

"الأمر ليس بالمه..."

قال كالين بحزم: "أريد معرفة كل ما تفعله. حرفياً كل شيء. أعلم أنني متأخر جداً في نقطة البداية. وأنني في الثانية عشرة. وأنني طاعن في السن..."

قاطعه توماس: "من أخبرك بهذا؟ يمكن للرؤوس البيضاء تعلم السحر إن أرادوا."

"لدي كتاب بعنوان التطورات النظرية للعصر الرابع، ويقول إن لم تبدأ بإلقاء تعويذات متسقة سليمًا قبل سنّي، فلن تبلغ شأناً يُذكر."

حدق توماس مطولاً من علٍ. وبدت ملامحه غامضة على نحو لم يستطع كالين تفسيره، لكنها أضفت عليه وقاراً أكبر بكثير من المعتاد.

وقال أخيراً: "أخبرني بعض المعلمين سابقاً بأن تعليمي مزرٍ، مقارنة بما ينبغي أن يكون عليه. وأنني لن أبلغ شأناً بسبب ذلك. لكن المرء لا حيلة له فيما يفتقر إليه، أليس كذلك؟ لذا لا جدوى من القلق حيال ضياع مستقبلك وأنت لم تتجاوز الثانية عشرة."

عقّب كالين: "قلتَ إنه توجب عليّ تعلم القراءة بأسرع وقت. لكني لم أبدأ حتى بلغت السابعة أو الثامنة. ثم..."

"كنتُ أحمقَ آنذاك. ظننت العالم بأسره يشبه الملاذ، وما هو كذلك قط. تعلّم القراءة إنجاز. وتعلّم الإلقاء بمفردك من الكتب إنجاز أعظم. فالأمر أصعب بكثير دون أن يدفعك أحد نحوه. وفي السنتين الأوليين بعد إجلائنا لم أستطع إجبار نفسي على الاكتراث بتجربة جديد إن لم يقف مدرس فوق رأسبي."

لم يستطع كالين تخيل ذلك. فكلما ازدادت الأمور صعوبة، رغب أكثر في التواري بين طيات كتبه.

أردف توماس: "ولكن، تلقيتُ تعليماً نظامياً شديد الهيكلية حتى بلغت التاسعة. عُرفت عائلتنا بعنايتها بالدراسة. كانت جدية ومنظمة، سيما حين يوسوس لهم أن لأحدهم إمكانات عالية. لم يظنوا ذلك بي، لكن نظراً لمنزلة أبي، ومهارة بعض إخوتي، تظاهروا جميعاً بالعكس لفترة. لذا، إن أردت معرفة كل شيء..."

قاطعه كالين: "أريد ذلك."

ابتسم توماس عريضاً: "إذن سأتظاهر بأنني أحد أولئك المعلمين القساة المصرين على الهيئة المثالية. هكذا. دعني أعدّل وقفتك."

كان مفروضاً بكالين أن يقف برخاوة في ركبتيه، ومستقيم الحوض، وبأصابع قدميه "وكأنها تخترق أسفل حذائه متجهة نحو الأرض."

وأن تكون أنفاسه موزونة وبطيئة.

"حين كنا صغاراً وكانوا يعلموننا هذا، بدا الخطأ جريمة بحق السحر ذاته. لكن ما يهم حقاً هو أنه إن أديت دوماً نمطاً محفوظاً من الحركات قبل الإلقاء، تصبح الطقوس إشارة لعقلك بأن الوقت قد حان للتخلي عن العالم المحيط بك والتركيز على مساراتك."

"أما زلت تفعلها؟"

"حين أشرع في أمر صعب أو جديد. أو حين أكون مكفهراً وأحتاج للإلقاء على أي حال."

مدّ توماس يده نحو كتفي كالين فعدلهما.

"وهنا يبدأ موقف وقوفنا في الاختلاف عن تلك التي تستخدمها عائلات كثيرة. الرأس مرفوع، والعيون للأمام، والمرفقان للداخل، واليدان مستعدتان، تلك هي العادة. لأن معظم الممارسين يتوقعون استخدام أعينهم للعثور على ما سيطلقون عليه التعويذة. أما أعيننا فلا تفعل سوى إعاقتنا، لذا نغمضها."

أغمض كالين عينيه.

قال توماس وهو يضغط برفق على هامة كالين حتى انحنى عنقه نحو صدره: "لقد مضى وقت طويل منذ دروسي الأولى."

وكانت ثياب الفتى الأكبر تنبعث منها رائحة غريبة عن قرب، كأنها حُفظت في صندوق عتيق فاحت بالعطور الثقيلة أيضاً.

"لقد اعتدت طريقتي في العمل، وبالكاد أفكر في كيف يختبر الآخرون سحرهم. أتشعر بمساراتك كأنها مبسوطة على صفحة أمامك أم كأنها داخل جسدك؟"

أثمة خيارات؟

قال كالين: "الثاني. لكن حين أركز على مساراتي، لا يعود لجسدي أهمية تُذكر. أشعر أنني توغلت داخل ذاتي، لكني لا أستطيع القول: 'آه، هذا المسار قرب ذراعي وذاك قرب ساقي'. سيكون ذلك غبياً."

"هذا جيد. مع أن كثيرين يشعرون حقاً بأن مساراً بعينه مرتبط بعضو معين. يعتقد بعض الممارسين أن هذه هي المثلى، لكن عائلتنا حاولت تخليص الجميع منها. يقولون إن الغاية المثلى للقرابات المكانية هي أن تدرك مساراتك كخطوط داخلك تتدفق نحو العالم من حولك."

"أستطيع فعل ذلك."

"دع ذراعيك تتدليان برخاوة على جانبي، واجعل كفيك مقوّستين قليلاً، ولا تشغل بالل بالتفكير في إعادة تخيل بنية المانا الخاصة بك الآن. فهذا مشروع يستغرق شهوراً إن أردت خوضه، لا صباحاً واحداً. لا أملك أياً من خرائطنا العائلية النووية لأريك إياها. بوسعي رسم خاصتي، لكني أظن أن بمقدورنا تحديد مسارك الابتدائي بمجرد الإحساس. لا يلزمنا فعل ذلك قبل تجربة التعويذة، لكن معرفة اسم مسارك الأقوى طقس عبور."

فكر كالين والحماسة تتأجج في صدره: هذا هو الأمر الذي لا يفك كتاب الساحرة الحديث عنه. للمسارات أسماء، وحين تعرفها تستطيع استخدام الملائمة منها لإلقاء تعويذاتك بشكل أفضل. قال توماس بعرض كلامه...

وبدت نبرته مترددة فجأة: "أفترض عفوياً أنك مكاني لأنني كذلك وغالبية إخوتي. ظنت العائلة أن إيفين سينجب ممارسي حظ إن تزوج أمناً، لكن سلالة أوريلاين أنقى مما أمّلوا. لذا، فأنت غالباً واحد منا، لكن إن كانت لك قرابة أخرى، فلن أقوى على تعليمك التعويذة التي أضمرها. سأعلمك شيئاً آخر بدلاً منها تعويضاً، فلا تحبط."

فتح كالين عينيه ورفع رأسه مندهشاً.

"لماذا لا تنجح؟ إنها مجرد تعويذة للمبتدئين، أليست كذلك؟"

أكد توماس: "الأولى. تلك التي يعلمونها لكل مبتدئي السحر المكاني. لكن المسارات التي نستخدمها معزولة."

عقد كالين حاجبيه متطلعاً إليه.

"ماذا تعني بذلك؟"

"أسمعت بالنظرية القائلة بأن الممارس هو من يستطيع مخاطبة الأنهار التي تنحت الكون؟ لا... أحزر أنك لم تسمع بها. نظرة وجهك تنطق! أعرف كيف تبدو، لكن تخيل أن كل موجود يُنحت بلا انقطاع ليكون حقيقة بفضل آلاف جداول السحر."

"سأحاول، لكن هذا ليس..."

"بعد مئة عام، ستعلّم عائلتنا أمراً مختلفاً على الأرجح. لكننا نفترض الآن أن مسارات الممارس ليست سوى نسخ لتلك الأنهار والجداول. وحين نشكلها وندفع المانا عبرها بسبل محددة، نستطيع نحت قواعد جديدة إلى حيز الوجود تماماً كما تفعل الأنهار التي نعكسها."

تحدثت لوتشا مرة عن اقتلاع الأرواح مما سمته "النمط الكوني"

بقرص القدر المقدس ونقلها. وإن بذل كالين جهداً كافياً، استطاع بالكاد تخيل آلاف الغرز التي تشكل نسيج سجادة وما يقابلها من آلاف أنهار السحر بالفكرة ذاتها.

"تماما كما تتبع الأنهار قنوات طبيعية محددة، تعمل مساراتنا بأفضل حالاتها حين نطلب منها أداء السحر ضمن قرابتنا. فهي تنحت وفق طبائعها آنذاك، كأنها تكتب قواعد تعرفها مسبقاً. وحين أقول إن مسارات السحر المكاني معزولة، أعني أنها منفصلة تماماً عن الأنواع الأخرى من السحر. ربما سمعت أن أوريلاين لا يفلحون في شيء سوى بواباتنا. حسن، هذا صحيح. حين أصوغ نمط تعويذة غير مكانية، يتوجب عليّ استخدام قدر هائل من السحر لجعلها تُلقى بفاعلية."

"آسف."

ابتسم توماس: "إنه أمر مزعج، لكني ظننت دوماً أن من يحتقروننا لأجله يغارون سراً. لأن بمقدورنا إلقاء تعويذات متسقة مع قرابات أخرى إن ضخمنا ما يكفي من القوة، بينما لا يكاد أي صنف آخر من الممارسين يستطيع فعل السحر المكاني بالمرة."

هتف كالين: "كنت أتساءل! لم ألمح قط أي تعويذات مكانية في أي من كتب الأخرى. وظننت أن آل أوريلاين ربما يحتفظون بمعارفهم بعيداً عن البقية، لكني تساءلت أيضاً عما إن كان سحراً بالغ الصعوبة فحسب."

"أقرب للمستحيل. يظن معظم أقاربي أن المسارات المكانية ليست معزولة فحسب، بل تحكم مستوى أسمى من السحر. راقتني تلك الفكرة أيضاً، إذ تفسر أموراً شتى. لكنني لا أرددها كثيراً. تبدو كأنك تختلق الأعذار حين تحاول إخبار أحدهم بعجزك عن أداء تعويذة أساسية لأن قوتك ملائمة لما هو أعظم."

ردّ كالين: "يبدو ذلك متعجرفاً حقاً. عليكم الاحتفاظ بهذا الرأي لأنفسكم."

قهقه توماس: "حسناً. أنزل رأسك ثانية، وأغمض عينيك. توسط نفسك داخل نواة..."

"توسط؟"

"ركز انتباهك بأسره على صميمها، النقطة التي تلتقي عندها كل مساراتك وتشتد كثافة. اجلب سحرك إلى هناك -فلنكتفِ بالنصف كي تستطيع إلقاء التعويذة الأولى بعدها- وافدعه عبرها، كأن النواة ذاتها نمط تعويذة صنعته."

قال كالين محبطاً ولكنه شرع في الحركات: "فعلت هذا من قبل. مرات عديدة حين كنت أحاول التحقق من قرابتي. لا ينجح."

سمع توماس يلتقط أنفاسه.

"ما تقصد بأنه لا ينجح؟"

"لا يحدث شيء. أخبرتني فتاة أعرفها بكيفية فعل هذا، وقالت إن شيئاً ما سيقع وتلك كانت طريقة تخمين قرابتي. لكن في كل مرة أفعلها، يختفي السحر ببساطة."

في هذه النواة على أي حال.

"كيف يختفي؟"

كان صوت توماس متأجج الحماسة. أراد كالين رفع رأسه مجدداً، لكنه حاول الحفاظ على وضعية سليمة.

"يتبدد."

"لكن ثمة طرقاً شتى ليتبدد بها! وعادة ما تكون واحدة من ثلاث. انتبه جيداً حين تلقي التعويذة هذه المرة. أيتلاشى السحر كأنه التُقط في يد أحدهم، أم تشعر كأنك قذفت به في البعيد، أم كأنه لا يذهب إلى أي مكان قط؟"

لا يذهب إلى أي مكان قط. لقد فعل كالين ذلك مراراً حتى إنه لم يكن بحاجة للإعادة ليتيقن. طالما كان الأمر مخيباً للآمال هكذا، لكن... بدا توماس كأنه يقول إنه التصرف الصحيح. أالمفترض أن يشعر المرء هكذا؟ كان يطبق كفيه بقبضتين. فأرخاهما مجددًا. لا سبب للتوتر حيال ذلك. لقد علمت يقيناً تقريباً أنه سحر مكاني. أخبرتك جنية بذلك، وظللت تفترض صحة الإجابة منذئذ. لكن اليقين التقريبي لا يماثل اليقين التام.

إن استطاع توماس إخباره بهذه البساطة، لكان قد حلّ أحد أقدم ألغاز كالين. جمع كالين السحر -قرابة نصف ما احتواه مساراته المشكلة للنواة المكانية، كما طلب توماس. ثم دفعه عبرها بالطريقة ذاتها التي فعلها مراراً من قبل، خلال تلك الأشهر الأخيرة في البيت. تجمع السحر في نواته، بقوة بلغت حداً جعله يشبه حرارة بيضاء ساطعة، ثم... تلاشى.

قال كالين ممسكاً عينيه مغمضتين والتفكير يشغله: "لا يشبه ذهابه إلى مكان ما. يبدو كأنه موجود ثم ينتفي تماماً. كأنني لم أفعل شيئاً قط."

قبضت أيدٍ على ذراعيه، فنظر أخيراً ليرى توماس ينحني فوقه مبتسماً بابتهاجة.

"نيرث! تلك علامة مؤكدة على امتلاكك قرابة مكانية!"

"حقا؟"

"نعم! ومسارك الأساسي هو الهاوية. والآخران الرئيسيان هما السهم والامتداد. يسمي معظم الممارسين مساراتهم أسماء سحرة أموات، لكن مساراتنا أشبه بهذا كله. أظنها إحدى أجمل ميزات عائلتنا."

قال توماس بحماسة: "الآن، أغمض عينيك! أغمض عينيك. أوسع مساراتك وأقواها سيكون الهاوية، وعليك امتلاك بضع غيره. يصعب تمييز الأصغر في البداية، فلا تقلق بشأنها. الألاث الأكبر ستظل أبداً الهاوية والسهم والامتداد."

انتقل ليقف خلف كالين الذي لم يغمض عينيه رغم الأمر. وتطلع من النافذة الصغيرة لغرفة السطح. كان السطح المجاور مغطى بالثلوج. لماذا يشعر قلبي بهذا الانقباض في صدري؟ امتلاك اسم حقيقي لمسار ليس بالأمر الجلل.

من خلفه، انحني توماس فوق كتفه وهمس: "حسناً، دعني أتظاهر بانتسابي للهاوية أيضاً... نعم. إن واصلت التركيز على نواتك، فتخيل نفسك في مركزها. انقل أكبر قدر من سحرك إلى هناك ثم ادفعه ببطء عبر مسارك الأكبر نحو الخارج."

وما زال كالين يحدق في ضوء الشمس المتلألئ على السطح الثلجي، ففعلها.

"بينما تتبع سحرك نحو الخارج على طول الهاوية، ربما تستشعر اثنان من مساراتك الأخرى تلتفان حوله أو تتقاطعان معه لعلّ. لا تهتم بالأصغر. ثمة بقعة على الأرجح لا تبعد كثيراً عن نواتك حيث يقترب الهاوية جداً من منحنى طبيعي في المسار الذي ينبغي أن يكون ثاني أو ثالث أكبرها. إنهما لا تتقاطعان هناك حقاً، لكني أظن أن رصد تلك البقعة سيكون أسهل للمبتدئ من محاولة فك تشابك الثلاثة الكبرى عن بعضها داخل النواة ذاتها."

أعرف تلك البقعة. اثنان من أوسع مساراته، بقعة غريبة بدا فيها وكأن أحدهما يلامس الآخر. عرفها كالين. استشعرها آلاف المرات من قبل. ولم يلزم تتبع الهاوية نحوها، بل مجرد التفكير فيها ليصير هناك. كان توماس يمد يده فوق كتف كالين نحو النافذة الآن، كأنه يتخيلها هو الآخر.

"ذلك المسار الآخر الذي سحبت منه كل سحرك يبدو جائعاً تقريباً الآن، أليس كذلك؟ كأنه يجذب..."

تسلل عبوس طفيف إلى صوته.

"نيرث، أنت... أتَشعر بشيء يجذب المحيط..."

قال كالين ولا زال مركزا عليها: "أعرف البقعة التي تقصدها. المسار المنحني. كيف يجذب السحر في الجوار حين يفرغ. شعرت به يفعل ذلك من قبل."

لم يكن كذلك في اللحظة الراهنة. لقد اجتذب ما يكفي من المانا لإشباعه، وها هو يغمر المسارات الأصغر بشرود بينما يتأمل البقعة التي وجهه توماس إليها.

"نعم. عمل جيد. ينبغي أن نركز على ذلك. ذاك المسار هو السهم. إنه في الواقع مساري الأكبر، لذا فهو المفضل لدي. وهو أيضاً ما ينبغي أن تستخدمه لتعويذتك المكانية الأولى."

"أحقاً؟"

"نعم. إنه الأفضل لها. تستخدم السهم وأي اثنين من مساراتك الأخرى تجدهما ملائمين. أه، وثمة أمر آخر جدير بالحديث عنه! تلك البقعة حيث يبدو السهم كأنه يود سرقة السحر من الهاوية صالحة دائماً لصياغة تقاطع بين الاثنين. إن نزعت السحر من مسار السهم لتزيده جوعاً فستشعر بالبقعة الصائبة تماماً لفعل ذلك. ماذا أيضاً...؟"

انتظر كالين بفارغ الصبر، مترقباً وميض إلهام آخر، لكن بعد ثوانٍ قال توماس: "أظن هذا يكفي للآن. علينا أداء التعويذة. النمط ليس عويصاً، لكن التقنية قد تبدو غريبة جداً نظراً لاعتيادك الإلقاء الخارجي."

"الإلقاء الخارجي؟"

"إلقاء تعويذات غير متسقة مع قرابتك. أغمض عينيك ثانية. استخدم جزءاً من السهم ومسارين آخرين لتشكيل سلسلة من ثلاث دوائر متداخلة."

"ثلاث دوائر... تقصد تلك المتراصة كالأبراج السماوية المرسومة على شعار عائلة أوريلاين؟"

"شعار عشيرتنا. تمثل الدوائر الثلاث التعويذة الأولى وأيضاً العوالم الثلاثة. الفضاء بين النجوم يمثل الهاوية. أما السهم فواضح بذاته. أبنَيتَه بعد؟"

"لا، قال كالين. آسف. أنا بطيء بعض الشيء في تشكيل الأنماط."

لا زال يبحث عن بقعة صالحة لرسم ذلك الشكل، بحيث لا يضطر للمساومة على المساحة مع باقي مساراته.

"أيصجّ إن كانت بعيدة عن نواتي؟ طالما بقيت مسار السهم؟"

"يفضل عادة الإلقاء بأقرب قدر مستطاع، لكن في سنك لا تمتد مساراتك لتلك المسافة على أي حال، لذا لا تقلق."

فكر كالين بينما ركيز على بقعة رحبة تحول فيها السهم إلى جدول لا نهر وحيث أمكن ربط جدولين صغيرين مجاورين به: لو قِيسَت المسارات بالأميال، فنواتي تبعد أميالاً عن هنا. نادراً ما عمل على أطرافه الخارجية هذه الأيام. لكنه لم يرغب بالفشل وأحدهم يراقب، وتأكد تماماً من قدرته على صنع الدوائر الثلاث هنا. جمعهما بأسرع ما استطاع.

"انتهيت."

"نظراً للوقت الذي استغرقه منك، ربما احتجنا للتحدث عن السعي للكمال. الآن. وعيناك مغمضتان، ركز على راحة يدك غير المهيمنة."

"على ماذا أركز فيها؟ إحساسها؟ مظهرها؟"

"كلاهما. وأعتذر مقدماً لأنك ستمقت هذا تماماً؛ فالجميع يفعل. عليك محاولة التركيز على مكان وجودها."

"في نهاية ذراعي؟"

"أقصد مكان وجودها بمفردها تماماً. كأنها غرض موجود بمعزل تام في الكون، غير متصل بأي شيء آخر."

"لا أفهم."

"أنا آسف."

"ألا تستطيع شرحه أفضل؟"

لقد أبلى بلاء حسناً حتى الآن.

"حين تجربه، سترى لمَ يتعذر عليّ ذلك. ابذل قصارى جهدك للتركيز على موقع راحة يدك. ولا حتى أصابعك أو ظهر يدك. راحة يدك فحسب. ثم، حين تظن أنك أمسكت بها، ستعكس إلقاء التعويذة."

وقبل أن يسأل كالين عما يعنيه ذلك، أضاف توماس: "أعني بدل إرسال السحر خارج مساراتك إلى العالم حولك، ألقه عبر نمط التعويذة عودة إلى مسار السهم، نحو نواتك."

ماذا؟ لا... لا يمكن أن يكون...

"يبدو ذلك تصرفاً خاطئاً للغاية."

"أراهن أنه كذلك. وبما أن هذه أول تعويذة تعلمتها، فقد شعرت بالرعب أول مرة حاولت فيها الإلقاء للخارج بدل الداخل. أعدك بأنها ستعمل في هذا الاتجاه."

"يبدو أنها ستؤلم."

شخر توماس بخفة: "لا تؤلم. لكنها تبدو مختلفة. ولن تكاد تلاحظ بمجرد سريان التعويذة. تذكر راحتك."

كيف لي التفكير براحة يدي وأنا على وشك فعل أمر يبدو مجنوناً؟ وليس كفي فحسب - بل أين تقع كفي. كأنها ليست جزءاً من جسدي حتى؟ لكن توماس درّبه لتوّه على ما عجز عن تعلمه بأي سبل أخرى. وكان الأمر يسيراً. ولم تكن تلك تعويذة ضخمة. إن تعلمها أصغر أطفال عائلة أوريلاين جميعاً، فهي إذن ضعيفة. وحتى إن ألقاها عودة عبر مساراته الخاصة فلن تفعل ما هو فادح السوء. أخذ كالين نفساً عميقاً.

قال توماس بهدوء: "تحتاج حقاً للتركيز على موقع راحتك. أكثر بكثير مما تظن."

أنا أركز. عقد كالين عينيه بإحكام أشد وألقى التعويذة نحو المسار ذاته الذي خلقها. و... ذهب عقله معها. كأن التعويذة كانت تحمله عبر مساراته الخاصة، بسرعة ويقين عجيبين حتى إنه لم يملك وقتاً للتفكير بأنه ربما عليه المقاومة. اختفى هو والتعويذة داخل نواته، ولأجزاء من ثانية، شعر كأنه التهم نفسه بطريقة ما. ثم رأى شعرلمستخبر راحته الخاصة، ثم الدماء بداخلها، ثم الخشب، والفرو، وشخصاً ربما، للأسفل، للأعلى، أزرق، أسود، ظلام، ظلام، ظلام.

ثم انقضى الأمر. كان واقفاً على يديه وركبتيه.

هتف توماس بمرح: "إن كنت ستتقيأ، فلا تفعلها على درع الصمت!"

لاهثاً قال كالين برعب: "ما هذا بحق الجحيم؟!"

"لست متأكداً أنها كانت تأملاً هادئاً لراحتك أراهن."

"ما المفترض أن تفعله تلك التعويذة؟!"

"تساعدك على تحديد موقع جسدك في الفضاء. بمجرد أن تتقنها. وهو ما يستغرق... سنة تقريباً عادة. لكن قبل ذلك، طالما استطعت العثور على راحتك فحسب، فهناك أمور أخرى يمكنك فعلها. التعويذة الثانية التي سنؤديها هي النفي من الراحة، وهي مفيدة حقاً للتخلص من شيء لا تريد أبداً أن يعثر عليك أو على أي شخص آخر مجدداً. والثالثة التي سأعلمك إياها هي من الراحة إلى الراحة، والتي تتيح لك فعل هذا."

قرفص أمام كالين الذي ما زال يترنح، ومد يديه. وفي يسراه دبوس ذهبي صغير على شكل سهم، بطرف من جوهرة زرقاء ضئيلة.

"راقب،"

قال توماس. وأمام عيني كالين، اختفى الدبوس من كف توماس اليسرى ليظهر مجدداً في اللحظة ذاتها على اليمنى. ومد يده نحوه.

"إنها تقاليد عائلية - صالحة - لمنح المبتدئين دبوساً علامة على أول تعويذة ناجحة لهم. أعلم أن هذه ليست الأولى حقاً، لكنها الأولى المتسقة. خذ هذه. آسف لأنها دبوس السهم وليست الهاوية. عادة ما تكون تلك دائرة ذهبية."

مد كالين يده نحو السهم الصغير.

"أيمكنني المحاولة مجدداً؟"

"كم أنت شجاع! أنا فخور."

قال كالين وهو ينهض: "لا تفخر بعد. لست واثقاً أنني لن أتقيأ المرة القادمة."

ابتسم توماس عريضاً: "من فضلك افعل مرة واحدة على الأقل. من أجلي. لقد كنت متقيئاً حين كنت أتعلم."

تمتم كالين لنفسه: "حسناً. لم تؤلم."

"أخبرتك."

"لكنها كانت مربكة جداً."

نهض توماس بدوره: "أنت رسمياً ممارس مكاني الآن. أهلاً بك! أنت هارب حالياً من الجميع حرفياً. لكن من الناحية المشرقة، فإن أسرار الكون التي تربك الآخرين ستكف يوماً ما عن إرباكك قليلاً!"

حدق به كالين: "تبدو مستمتاً بوقتك."

"أنا كذلك. لم أعلم أحداً شيئاً قط من قبل. كنت أعتمد على الذاكرة وحدها. لكن بقدر أقل من خيبة الأمل والسخرية التي يفضل أغلب معلمي رشها في دروسهم. كيف بليت؟"

"أبليت بلاء حسناً. طالما أن تعويذة إيجاد الجسد تلك ليست مزحة."

"ليست كذلك. تمتلك الحواس اللازمة لها، تصدق أم لا. إن واصلت التمرين فستتقنها، وعليها ستبني كل ما عداها. أمتأكد أن بحوزتك ما يكفي من السحر لتكرار الكرة؟"

"أجل."

تطلع كالين من النافذة مجدداً.

"توماس، كم مساراً يفترض أن أملك؟ كَممارس مكاني؟"

"آه، لا يوجد رقم محدد حقاً. ستظهر بضع مسارات جديدة كلما تقدمت في السن. وستدرك أنها كانت موجودة لأجلك دوماً، لكنك عجزت عن استشعارها من قبل. ثم بالطبع هناك إعادة التشعب إن كنت يوماً على عتبة الانتقال بين ساحر عالٍ وساحر. لكنها عملية مختلفة يقال فيها إن مساراتك تنبت فروعاً جديدة حقاً."

"إذن أي رقم منها مقبول؟"

قال توماس: "طالما استطعت الإلقاء، فهو مقبول في كتبي."

حوّض كالين عينيه نحوه.

أردف توماس: "أملك اثني عشر. إن كنت مهتماً، فهو رقم متوسط لساحر في عمري. وأنا أعلى بقليل من المتوسط فيما يتعلق بكمية القوة التي أستطيع استدعاءها دفعة واحدة، لكن لا شيء يلفت انتباه أحد."

قال كالين أخيرًا: "شكراً لك."

"على ماذا؟ إنه مجرد درس أول."

"قضيت أياما طوالاً - سنين طوالاً - عاجزاً عن فهم مساراتي قط. سمعت أنه ينبغي عليّ حفظها ورسم خريطة لها. ففعلت. واستطعت إلقاء التعويذات، ففعلت. أعرف المسارات، لكني في الوقت عينه لا أعرفها إطلاقاً. حقيقة أن لها أسماء وتعمل بطرق محددة وأن أحدها يؤدي السحر باختلاف طفيف عن الآخر... إنه لأمر مذهل."

"نيرث، لقد كنت سيئ الحظ بولادتك بهذا النوع الخاص من الممارسين. لا توجد كتب سحر مكاني كثيرة حولنا، لذا تعذر عليك التعلم بطبيعة الحال. وكل ما فعلته هو إخبارك بأبسط البقاع؛ ليس بالأمر العظيم."

"إنه عظيم بالنسبة لي. أتعلمني أسماء مساراتك الأخرى؟ وكيفية إيجادها من السهم والهاوية؟"

"نعم، إن رغبت. لكن ربما لا تملك ذات المسارات التي أملكها. وحقاً، طالما عرفت أسماء الثلاثة الرئيسية فستكون بخير لأجل معظم أعمال مستوى السحرة."

"أريد معرفتها جميعاً."

ابتسم توماس: "أنت تلميذ شغوف! حسناً. فقط لا تحبط إن لم تستطع إيجاد ذات المجموعة داخل بنيتك الخاصة. ودعني أجدد درعنا، إن كنا سنطيل المكوث في هذا. إنه يكاد ينفد."

"دعني أفعله،"

قال كالين.

"عليك توفير قوتك، لتركز على إيجاد راحتك."

وكان ينحني بالفعل نحو رون تفعيل الدرع.

أعاد كالين القول: "دعني أفعله. قلتَ إن الممارسين المكانيين مجبرون على استخدام المزيد من السحر لجعل التعويذات غير المتسقة تعمل. تلك ليست مشكلة بالنسبة لي. لدي مشاكل أخرى... لكن ليس تلك."

جمد إصبع توماس في منتصف الطريق نحو الرون.

"ماذا تقصد بذلك؟"

تقدّم كالين لينضم إليه وركع بجوار صف المحار المسحوق المتلألئ الذي صنع منه فتى أوريلاين رمال سحره. ودفع يد توماس جانباً بيده.

وقال لامساً الرون برفق: "أنا لست مهووساً بالكمال. حسناً... أنا كذلك. بحسب أغلب الناس. لكن ذلك فقط لعدم امتلاكي تعويذات كثيرة. كل ما أمكنني فعله هو السعي للكمال في تلك التي امتلكتها فحسب. مع ذلك، ليس هذا سبب بطئي. أنا بطيء لأن مساراتي مبعثرة للغاية. فثمة الكثير منها. بعضها يبدو غريباً أو محطماً. وحين أحاول العمل بواحدة، تلتف وتتشابك المسارات القريبة منها وتتشبث بها. إنها تمزق ما أفعله أحياناً، وأحياناً أخرى أفقد تتبع ما أحاول بناءه لأن الخيط الخاطئ يستدعي انتباهي فينهار كل شيء."

"نيرث، هذا لا..."

قال كالين: "لكن لا يمكنني النفاد من السحر. ليس هنا على القارة حيث تملكونه محيطا بكم طوال الوقت. حين أفرغ مساراتي، أعيد ملأها ببساطة. يستغرق الأمر دقيقة أو نحو ذلك. كأخذ نفس عميق طويل. ظننت الجميع يفعلون ذلك هكذا لدهور، لكني تعلمت أن الأمر ليس كذلك."

أتم صياغة رون التفعيل.

"هذا هو الوقت الذي استغرقته لصنع هذا الرون. إنه بسيط، أعرف. ومن المخجل عجزي عن فعله وحده. رأيت فتاة تقوي روناً بنقر قدمها عليه وهي عابرة، كأنها بالكاد تحتاج للتفكير فيه. الأمر يستغرق مني وقتاً. لكن هذا..."

دفع سحره إلى داخل الدرع. كان شيئاً جائعاً، مقارنة بدوائر التعويذات التي صنعها بنفسه سابقاً، لكنه غمره سريعاً. وتألق الضوء من الرمال، وسحب كالين يده.

"هذا هو الوقت الذي استغرقته لملء درعك. والآن..."

ركز للحظة، ثم قال: "والآن أملك من السحر ذات القدر الذي بدأت به."

كانت عينا توماس العسليتان تنتقلان من الدرع إلى كالين وعكس ذلك. وابتلع ريقه.

وقال بصوت أعلى من المعتاد: "هذا مثير للاهتمام حقاً. هذا... أرى."

"أتدرك؟"

سأل كالين.

"أتمنى لو يشرح لي أحدهم الأمر بأسره."

حدق في دبوس سهمه الجديد: "مجرد معرفة أسماء ثلاثة مسارات يجعلني أشعر بتحسن كبير. سأمتن حقاً لو علمتني مساراتك التسعة الأخرى. وكيفية إيجادها. لكي لا أشعر بهال هذا الضياع وأنا أصارع للعمل بها."

سأل توماس: "كم مساراً تقول إنك تملك بالفعل؟"

"أعليّ إحصاء تلك الزغبية الصغيرة؟"

"الزغبية؟"

نشر كالين ذراعيه على سعته قائلاً: "السهم والهاوية والامتداد هكذا. ثم توجد المتوسطة والصغيرة. وهนاك بعضها يشبه هذا."

انتزع خصلة شعر مجعدة من رأسه وحدق إليها بجهامة: "إنها مزعجة للغاية. يقولون إنك لا تصلح ساحراً ما لم ترسم خارطة لها جميعاً. وعليّ تخصيص وقت لإعادة حفظها أسبوعياً، لكي لا أنسى أشكال تلك الزغبية الصغيرة. أكرها بحشد. إن تفرعت مجدداً حين أصبح ساحراً، أظنني قد أصيح."

"ما زلت لا أستطيع الفهم تماماً. أتقول إنك تملك ثلاثين مساراً. أم خمسين. أم... ماذا؟"

قرر كالين بعد تفكير: "أعجب بنحو ثلاثة وتسعين منها."

وغطت الثلاثة وتسعين حتى تلك التي بالكاد تصلح للاستخدام في طقمه المكاني.

"لو أمكن لبقية البقية الاختفاء وتركيز وشأني، لسعدت حقاً."

هتف توماس بضعف: "ثلاثة وتسعون. لما صدقتك، لولا أنني شعرت بك تجتذب المانا المحيطة آنفا. حين كنت أقف خلفك مباشرة. ظننت أنني واهم..."

"ما تقصد بأنك شعرت بي؟ كيف فعلت ذلك؟"

سأل كالين.

"أيمكنك تعليمي إياها؟"

"ليس شيئاً يُعّلم. إنه مجرد أمر يلاحظه الممارسون. حين يجر شخص آخر أو يخرج كميات ضخمة من القوة عن قرب شديد، فإنه يغير التدفق إلى مساراتك الخاصة قليلاً."

"لم ألاحظ! ولقد كنت هنا في سيركون حول ممارسين آخرين بما يكفي لأفترض أنني لاحظت، أليس كذلك؟"

"ربما لم تفعل. يتوجب عليك الاقتراب حقاً إن لم يكن التغير حاداً في المحيط. ولكن أيضاً، إن استطعت حقاً إعادة ملء بنيتك المانوية بأسرع وقت، فهذا يعني أنك قد تعجز عن الملاحظة؟ ما لم تحاول فعل ذلك في ذات اللحظة مع ساحر في نفس الغرفة."

"لمَ لا؟"

"لأنك من يمتص كل السحر و..."

حدق في الدرع المتألق: "...يبصقه ثانية للخارج مباشرة. ينبغي أن يجتذب أحدهم السحر المحيط بقوة وأسرع منك لكي تدرك هيمنته على المنطقة."

استدار مفاجئاً لِيحدّق في كالين: "لمَ لا تملك معلماً حتى الآن؟"

"لهذا السبب أحاول الوصول إلى الأرخبيل. لأجد واحداً."

"لكن... أقسم بكل الملوك. لابد أنك نشأت في قلب العدم المطلق كي لا يلاحظك أحد."

قال كالين: "لم يكن هناك ممارسون آخرون حولي. هذا لا يعني أنه العدم. أيمكنني ببساطة... إن جذبت السحر ببطء أسيطر هادئاً للآخرين؟"

"أظن ذلك. آمل ذلك."

رفع توماس حاجبيه.

"وإلا فسيغدو الأمر كالسفر برفقة بوق."

أجاب كالين: "سأحاول ألا أبوق. أستستمر في السفر معي إذن؟ وستواصل تعليمي؟"

"أنت أخي. وقد قطعنا وعداً. سأعلمك بما أعرفه، لكن..."

ابتسم كالين: "يمكنك مناداتي بكالين. لكن حصرياً حين نكون بمفردنا تماماً أو خلف درع كهذا. لا ينبغي لاسمي أن يرد في أي مكان آخر الآن. أعلم أنك تفهم."