العالم المتحرك ملّ لاندر توريطه في مشاريع إجهاد المنزل المتنوعة لجورن، لذا ما إن ظهر الشفق في السماء بعد صباحين، حتى ظهر في غرفة كالين متطوعاً ليكون دابّةَ حمل.
قال متأوهاً، وهو يرمي نفسه فوق فراش كالين الذي أخلاه لتوّه: "أريد يوماً واحداً للراحة فقط! أرجوك أخبرهم أنك تحتاج إلى ابن عمك القويّ الضخم لحمل الأشياء إلى صخرتك".
اعترف كالين، وهو يشدّ قميصاً مرقوعاً وملطخاً فوق رأسه: "لا مانع لديّ من المساعدة".
فلو ارتدى ملابسه الجيدة إلى الغابة لتلفت حتماً.
"يمكنني أخذ مؤونة أكثر بكثير إن كنت ستأتي".
"نجل! أنا رجل مفيد للغاية. لا يمكنك تدبر أمرك من دوني".
تمدّد لاندر بعرض سرير كالين. كانت أطرافه طويلة للغاية هذه الأيام. ولا بد أنه سيبلغ قامة آبائهم، مع أنه إن لم يمتلئ جسمه لاحقاً، فسيبدو كجرادة عملاقة.
"لا أظنك ستسمح لي بأخذ غطسة أثناء حزمك لأغراضك أيضاً؟"
ضحك كالين.
"إنها أول النهار، يا كسول! اذهب إلى المؤونة وأحضر لي بعض الطعام. أظنني سأغيب لأسبوع تقريباً هذه المرة".
أنّ لاندر.
"أنا مجرد خادم في هذا البيت مؤخراً".
بعد ساعة، وبعد أن امتلأت الحقائب بالكتب واللوازم السحرية والطعام، ودّعوا العائلة وانطلقوا نحو الغابات. كان لاندر عالي المعنويات.
"أترى سيخرجون للبحث عني إن لم أرجع إلى البيت؟ يمكنني دائماً القول إنني اضطررت للبقاء لحمايتك من الوحوش آكلة المشعوذين".
"أظنهم سيتركونك تبقى الأسبوع، لكنهم سيملأون آذاننا بالخل حين نعود إلى البيت".
قال لاندر بتملّي: "قد تستحق الأمر"، واثباً فوق غصن ساقط بحماسة فائقة للحاجة.
قفزت الحقيبة الهائلة على ظهره بجنون، وحاول كالين أن يتذكر إن كانت أي أشياء قابلة للكسر مخبأة فيها.
وقال: "إن كنت مكانك، فلست متأكداً من أنني سأختار هذا الأسبوع لأهجر العائلة. العمل الذي أؤديه مهم، لكن مراقبته ستكون مميتة في مللها. لما لا تختار شفقاً أخطط فيه لشيء ممتع؟"
تحرفت ابتسامة لاندر بتشكك.
"كالين، لا أعلم إن كنت تدرك هذا، لكن تقريباً كل ما تفعله كمشعوذ مميت الملل بالنسبة لي. تقضي ساعات في رسم الرموز وتمرين القوافي الغريبة والتمتمة فوق كتبك. وكل هذا ينتهي بتكسير الإبر أو إشعال النيران أو ذلك الشيء الغريب الذي فعلته واستدعيت به الذباب-"
"لقد كانت تعويذة صعبة بحق! وفذّة للغاية. لست متأكدًا حتى من أي فرع من السحر تنتمي. لتكثيف روائح العفن-"
"كانت مقرفة"، قال لاندر، مجعداً أنفه.
"أرجوك لا تفعلها أبداً أمام فتاة جميلة".
أشعل ذكر الفتيات الجميلات حماسة ابن عم كالين في أحد مواضيعه المفضلة حديثاً — فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عاما ذات شعر أحمر ساطع ونمش تُدعى دولانا زارت القرية مؤخراً قادمة من بايتون. جاءت لحضور زفاف أحد أقاربها، وربما لم تنطق بعشر كلمات أمام لاندر، لكنه ظل يحتفظ بذكرى زيارتها عزيزة على قلبه على أي حال. استمع كالين إلى هذيان ابن عمه، موافقاً بإيثار على أن دولانا هي قمة الأنوثة.
في الحقيقة، لم يعرها كالين اهتماماً يُذكر، إذ كان يتدرب عقلياً على تعويذة مخصصة لسحب الشوائب طوال مراسم الزفاف تقريباً. بعد ساعات قليلة، حين بلغوا الصخرة أخيراً، استخرجوا شطائر لحم الخنزير المقدد من الحقيبة وتشاركوا الغداء. ساعد لاندر كالين في المهمة المضنية المتمثلة في كشط فضلات الطيور عن مخطاطاته الرونية المتنوعة، مشيراً إلى أن هذا تماماً ما يعنيه حين يقول إن قوى كالين السحرية مميتة الملل.
ثم ودّعوا بعضهما. لوّح كالين بينما اختفى لاندر بين الأشجار. وحين غاب ابن عمه عن الأنظار، تمطّى ونظر إلى الشفق.
قال، ضيق عينيه نحوه: "حسنًا، سنفعل شيئاً ما هذه المرة".
# في اليوم الأول، ركّز كالين على تعويذة الريح. لقد حفظ عن ظهر قلب النمط والقصيدة منذ أمد بعيد، ولم يبق سوى التطبيق. مراراً وتكراراً وتكراراً... شعر كالين بأن الفعل الأساسي للعمل السحري جميل — سحبه للداخل ودفعه للخارج مجدداً. كان شيئاً بين الشعور الجسدي والشعور العاطفي. كان كمثل أخذ نفس عميق وعميق مفعم بأعذب هواء في العالم، وكان أيضاً الرضا الخاص الذي يتأتى من إطلاقه مجدداً.
السماح للسحر بالسباق عبر مساراته، أو دفعه للتحرك أسرع إن تطلب الأمر ذلك، كان ممتعاً أيضاً. وكالعادة، صار الأمر صعباً ومحبطاً عند تشكيله. على الأقل أتقن كالين هذا النمط أخيراً. استغرق الأمر بضع دقائق لإتمامه، مما يعني أنه اضطر لتلاوة الجزء اللفظي من التعويذة ببطء غير طبيعي للتأكد من توافق مقاطع معينة مع وتيرة تشكل النمط بالشكل المفترض. لكنه وقف وسط صخرته، ونفذها بشكل صحيح.
كل جدول دقيق من بنيته المانا التي دعاها لتشكيل النمط ضُبط بدقة. وكل كلمة كانت في مكانها. تجمّع السحر وتدفّق فيه طائعاً. وبأخذ في التدفق أسرع فأسرع عبر النمط الداخلي الذي كان يبنيه، ثم، حين بلغ السطر الأخير من التعويذة، توقف كل شيء تماماً. لا. ليس مجدداً. ليس هذه المرة. كافح كالين الجمود المفاجئ، لكنه لم يعلم حتى كيف يكافح بالطريقة الصحيحة. استطاع إبقاء النمط في مكانه لبعض الوقت.
استطاع نطق المقطع التالي. لكن سحره —الذي عادة ما يكون سريع الحركة ومطيعاً— أخذ يغلق نفسه في مكانه.
تساءل بيأس بينما بدأ النمط يتداعى وفقدت التعويذة استقرارها: "لماذا؟"
لقد واجه أعمالاً سحرية كان يجب أن يقدر على إنجازها ثم فشلت من قبل، لكن ذلك كان دائماً بسبب خطأ ارتكبه. أو أحياناً لأنه حاول الإلقاء حين لم يمتلك ما يكفي من السحر المتاح للسحب منه. كان شعور التجمّد البشع هذا مختلفاً. تجاوزت التعويذة نقطة إمكانية استعادتها، فسبّ كالين باحباط وتركها تتفتت إلى قطع. فوراً، بدأ سحره يتصرف بشكل طبيعي مجدداً، واستطاع تحريكه عبر مساراته بسهولة.
لا بد من وجود شيء فاته، لكنه أمضى شهوراً يفكر في الأمر ولم يستطع تبينه. وحين حضر الشفق، لم يستطع التفرغ للجلوس والتفكير. لقد أنجز كل التفكير، وحان وقت العمل. بعد استراحة قصيرة، حاول مجدداً. أسرع. ثم مجدداً. أبطأ. تحدث بصوت أعلى. تخطي تقاطعات عشوائية في النمط تحسباً لوجود خطأ في النسخة المرسومة في الكتاب. حاول كل شيء. ثم حاول كل شيء مجدداً.
قال لنفسه: "سأفلح في الأمر. سأفلح إن لم استسلم".
لكنه لم يفعل. ومع مرور الأيام، تحول إحباط كالين إلى ما يشبه اليأس. # باستثناء القطعة الذهبية ورمز أرليدي غليمونت، كان أغلى ما يملكه كالين زجاجة من طلاء السحرة الفضي. لقد كانت مادة حقيقية، غير مخففة، ومن الدرجة الكيميائية، مستوردة من القارة ومختومة في زجاجة زجاجية طويلة محفورة بالكامل بدوائر الحفظ. كان الطلاء ضرورياً للمصفوفة في غرفة نوم كالين، لكنه تردد في طلبها من والديه.
هل يمكنني سكب الفضة السائلة على الأرضية بأكملها؟ كان طلباً عسيراً، حتى وإن كان جورن وشيلبا مدللين إلى حد ما. خشي كالين أن يكونا قد وافقا فقط لأنهما شعرا بالذنب لإخباره بأنه لا يستطيع حضور بطولة التدريب. وأمل ألا يكون الأمر كذلك، لأنه اعتبر رأيهما في تلك المسألة اقتراحاً لا قاعدة. على أي حال، استخدم كالين نصف الطلاء للمصفوفة وقليلاً إضافياً للتجريب على سحر الخشب المغناطيسي الخاص به.
وكانت لديه النية كاملة لجعل ما بقي منه يدوم لأعوام. لذا، وبعلّة شعور يشبه الألم الجسدي تماماً، وجد نفسه واقفاً فوق صخرته، في اليوم الثالث من الشفق، يخلط طلاء الفضة القوي بالمواد السوداء والحمراء الأرخص ثمناً والتي يمكن العثور عليها في بايتون. تشابك شعر كالين. وأوجعته قدماه من الوقوف على الحجارة لساعات متواصلة. وشك في أنه كان ينبعث منه عطر الإبط.
تمتم وهو يهز الزجاجة بغضب: "تعويذات غبية. زيفني الغبي. ريح غبية، غبية".
وبدافع الدعاء المفاجئ، سأل فيلا ومقلاعها الجبار عما إذا كان بإمكانهما فعل أي شيء لخلط الأطلاء. ثم هز الزجاجة بقوة أكبر. كانت هناك كتابات على زجاجات الطلاء الثلاث تحذر من خلطها مع أطلاء من مصادر أخرى، نظراً لاحتمال تعارض المكونات السحرية. ولم يكلفوا أنفسهم عناء إخبارك بعدم خلطها مع أصناف مختلفة تماماً من طلاء السحرة، فأي أحمق قد يظن أن هذه فكرة سديدة؟
صرخ كالين في وجه الزجاجة بصوت عالٍ لدرجة أنه أفزع شحروراً من شجرة قريبة: "فقير لم يستحم أو يحظَ بليلة نوم هانئة منذ أيام!"
كانت الأطلاء تلتفّ حول بعضها ببطء شديد.
"أرجوك، أرجوك افعل".
بدأ صوتا يصبح أجش من تكرار تعويذة الريح. وانخفضت قدرته على التركيز عند الإلقاء بشدة. استنشق السحر ودفع به للخارج مرات عديدة لدرجة أنه بدأ يشعر بالفراغ. أو لعلّه نسي طعام الغداء فحسب؟ أخيراً، ومعاناته من الحالة المحرومة من النوم والمشحونة بالسحر والتي لا ينبغي لأحد أن يتخذ قرارات مهمة فيها أبداً، توصل كالين إلى خطة. إن لم تنجُ طريقة الإلقاء الجسيمية لزيفني، ولم تنجُ تعويذة ريح برو، فسيبتكر كالين تعويذته الخاصة.
كانت هناك الكثير من المشكلات المتعلقة بهذه الفكرة والتي كان يعيها لكنه اختار تجاهلها. أهمها حقيقة أن الممارسين في المستويات الأدنى لا يستطيعون ابتكار تعويذات بالفعل. يمكنهم التخبط في أشياء تعمل، لا سيما للفنون القديمة جداً مثل السحر حيث تتفق القواعد الأساسية وكانت الأنماط مستخدمة لآلاف السنين. فبمقدور سحر الخشب المغناطيسي لكالين أن يُصنع من نمط روني منقول من عملة أوريلين، بعد كل شيء.
وربما أعيد توظيفه عدة مرات على مر السنين، وانتهى به الأمر إلى ضرب المزيج الصحيح تماماً من العناصر لاستخراج سحر قديم نادر الاستخدام في هذه الأيام، أو مستخدم بكثرة ولكن في سياق يختلف فيه تأثيره النهائي. الشيء في السحر هو أنه حرب ضد الطبيعة. يتطلب الأمر قوة كبيرة وفهماً لدفع الطبيعة بقوة وبطريقة صحيحة تماماً لخلق شيء جديد. لهذا السبب صنع بعض السحرة في ذروة مستواهم تعويذات وكتبوها.
لم يكن ذلك لأن التعويذات كانت مفيدة. فعادة ما كانوا يفعلون أشياء يمكن لتعويذة راسخة القيام بها بشكل أفضل وأسهل. لكن ابتكار تعويذة جديدة كان وسيلة لإثبات نظائرك بأنك بلغت مستوى من الإتقان يتجاوز مستوى السحرة العاديين. وكانت التعويذات اللفظية التي تعتمد على أنماط ضئيلة تعتبر مثيرة للإعجاب بشكل خاص، نظراً لأنك تدفع الطبيعة بمساعدة أقل. ازدادت الأعمال السحرية رسوخاً في نسيج الواقع بمرور الوقت واستخدام المزيد من الناس لها.
وكلما زاد رسوخها، أصبحت عادة أسهل وأسهل في الاستخدام. أما التعويذات الجديدة، حتى تلك ذات التأثيرات الضعيفة، فكانت أصعب في الاستخدام. وتطلبت طاقة أكبر.
قال كالين لزجاجة الطلاء التي بدأت تندمج أخيرًا: "لهذا أنت هنا".
وكان يلهث من جهد هزها. كان الشفق في ذروته حالياً. تساأل كالين فجأة عما سيحدث لو استخدم مصفوفة تجميع —واحدة كبيرة— هنا فوق صخرته؟ لم يعتقد أنه فقد صوابه بالكامل. أنا لا أبتكر تعويذة جديدة من الصفر. أنا أجمع بين تقنيتين أو ثلاث تقنيات مختلفة في واحدة فقط. ربما كان هناك سبب لعدم توضيح أي من كتبه لكيفية فعل ذلك، لكنهم لم يخبروه أبداً بعدم فعله. إذا بنى نمط تعويذة الريح لبرو حول نواته الأساسية، وتلّتى التعويذة في الوقت نفسه الذي استخدم فيه تقنية الإلقاء الجسيمي، ووقف في وسط مصفوفة التجميع مستقياً المزيد من الطاقة...
حسناً، سيحدث أمر ما. لم يعد كالين يهتم بما سيكون عليه الأمر في هذه المرحلة طالما أنه توقف عن الحصول على الكثير من لا شيء لقاء جهوده. حين خلط الطلاء أخيراً، بدا وكأنه طين لامع. لكنه كان طيناً متماسكاً لامعاً على الأقل. لقد حدد بالفعل نمط المصفوفة بخيوط القياس. وكل ما عليه فعله الآن هو طلائه. وأمل أن يكفيه. قبض كالين على حقيبته المليئة بالفرش المُعتنى بها بعناية وشرع في العمل.
استغرق المشروع ساعات. كان قد خطط لطلاء المصفوفة على مدار يومين، لكنه أدرك بعد فترة أن طلاءه كان يتخثر ببطء. وإن أخذ وقتاً للنوم، فلن يتمكن أبداً من وضعه قبل أن يتحول إلى شيء سميك يصعب بسطه. عمل بسرعة وبشوض، وكان ممتناً لأنه قرر إجراء القياسات مقدماً. كان محبطاً رؤية رونه تبدو هكذا بالفوضى، لكن الخطوط العريضة ونقاط التقاطع لنمط النجمة كانت واضحة ودقيقة على الأقل.
حين انتهى، بعد الفجر مباشرة، حشر كالين معظم رغيف خبز في فمه وانهار على فراشه. تذمر من الضرورة، لكنه كان أكثر تعباً من تفعيل دائرة تسفئة بسيطة في تلك اللحظة. وربما أغمي عليه إن حاول شيئاً معقداً ومستهلكاً للطاقة مثل ما يدور بخلده. منهكاً، موجعاً، وتنبعث منه رائحة طلاء نفاذة، أذن لنفسه أخيراً بالنوم. حلم أن شخصاً مهمّاً كان غاضباً منه. كلاهما وقف في مكان مرعب، حيث كانت السماء سوداء بلا نجوم، والأرض لم تكن سوى رمل.
قال كالين: "لم أكن أعني ذلك".
لم يكن متأكداً مما كان يعتذر عنه.
كرر الشخص، وصوته غاضب بهدوء: "لم أكن أعني ذلك. لكنني فعلت ذلك على أي حال".
سأل كالين: "من أنت؟"
مهما نظر، لم يستطع رؤية وجه الشخص الغاضب أو جسده. رمش وظن أنه وحيد. ثم رمش مرة أخرى وأدرك أن الشخص الآخر كان هناك.
ترددت الكلمات من حوله كأنها تأتي من كل اتجاه في آن واحد: "أنت على وشك تخريب كل شيء".
انتهى الحلم الغريب عند هذا الحد. أو على الأقل لم يستطع كالين تذكر المزيد منه حين استيقظ بعد ساعات، على الشعور المزعج لقطرة مطر باردة تتساقط على طرف أنفه. بانزعاج، حدق في السماء. تكالبت غيوم رمادية قاتمة فوق رأسه، لكن المطر لم يكن منصباً. بعد. حسناً، يمكنني الانتظار فقط. لن تمضي بضع ساعات أخرى— جعله الإدراك المفاجئ يتدافع على قدميه. الطلاء! أجرى جفافه؟ إن لم يجف، فإن المطر سيهدم عمله كله.
أسرع نحو المصفوفة. كان نمط النجمة ضخماً، ممتداً على أكثر من نصف سطح الصخرة، مما جعله يبدو رائعاً إلى حد ما على الرغم من لون الطلاء القبيح. وبك بالكاد يجرؤ على التنفس، مدّ كالين يده ولمس أحد الخطوط برفق بإصبعه. وحين سحبه، التصق به طلاء ذو قوام صمغي مزعج. كان أشبه بالمخاط منه بالطلاء المبلل، لكنه لم يكن جافاً بالتأكيد. حدق كالين فيه برعب.
قال بهدوء: "تباً. تباً. روث خنازير. ماذا أفعل؟"
لم يستطيع تغطية المصفوفة بأي من المواد التي يمتلكها هنا. لم يستطيع جعله يجف أسرع، ولم يستطيع قطع المطر عن الهبوط بالتأكيد. كل قطرة ماء تصطدم بالطلاء ستؤدي ببطء إلى تدهور النمط حتى لا يعمل على الإطلاق. استخدمه. استخدمه بأفضل ما يمكنك حتى لا يذهب هباء. لقد كان الخيار الوحيد. قفز كالين على قدميه وركض إلى الفجوة المنحوتة في أعلى درج الصخرة. بفضل مساعدة لاندر، كانت ممتلئة تماماً بالمؤن.
بعد لحظة من العذاب، التقط الكتب السبعة التي أحبها أقل بقليل من البقية وأحد جرة التسجيل الخاصة به وأسرع عائداً إلى المصفوفة. وضع كتاباً في كل من الإعدادات المخصصة للكواشف، مع الجرة في الثامن. من الناحية الفنية، كانت كتب الممارسين أشياء سحرية، نظراً لكونها مسحورة دائماً بطريقة أو بأخرى، سواء كان ذلك لزيادة المتانة أو الحفاظ على الحبر. ولم تكن أي من كتب كالين تحمل تعویذات قوية للغاية عليها، وما كان يحميها بلا شك سيتحمر حين يفعل هذا، ولهذا السبب لم يلجأ قط إلى تمكين مصفوفة غرفته بهذه الطريقة من قبل.
تمني لو أنه جلب كمية هائلة من أزراره المسحورة لاستخدامها بدلاً من ذلك، لكنه لم يكن يعلم أنه سيقوم بذلك حين غادر المنزل. ولم يكن هناك وقت للتخمين الثاني الآن. متأرجحاً بجنون على أطراف أصابعه لتجنب الطلاء المبلل، أسقط كالين الكتاب الأخير في مكانه، ثم قفز فوق الخطوط والروني ليأخذ مكانه في وسط المصفوفة. كان هناك الكثير من السحر الجوي بالفعل، لكنه أراد أكثر من الكثير.
اعتقد أن البيئة لو كانت مشبعة أكثر، لتمكن من إلقاء العمل متتالياً. وربما تمكن من دفع السحر عبر نواته ثم سحبه مجدداً قبل أن ينهار نمط التعويذة. لقد خطط للتدرب، لكن لم يعد هناك وقت الآن. رعد الرعد، وأغمض كالين عينيه. شعور بالتوتر سرى فيه، لكنه دفع شكوكه جانباً. بدأ في بناء النمط الداخلي —ليس بالطريقة التي يتبعها عادة، بل حول كتلة النواة التشابكية التي قرر اعتبارها رئيسية لأنها أكبر وأكثر تعقيداً.
ربما تدرّب كالين على النمط ألف مرة، لكنه لم يفعل ذلك بهذه الطريقة المعينة، في هذا المكان داخل حيث شعر أن سحره أكثر كثافة وأكثر جوهرية من أي مكان آخر. كان الأمر صعباً، كما علم أنه سيكون. لكن على الرغم من افتراضه أن العمل في مثل هذه المنطقة المشابكة سيكون شبه مستحيل، لسبب ما... الأمر ليس بالغ الصعوبة. إنه على حد ما أستطيع فعله، لكنه ليس متجاوزاً له. من حوله، كان السحر يبنى.
كانت المصفوفة تعمل كما ينبغي، جارة الطاقة نحو كالين ليتمكن من جمعها بالسرعة ذاتها التي تمكن بها خلال ذروة الشفق الهائل الذي جلب أرليدي وزميفي إلى الجزيرة. بعد دقتين، أنهى النمط. ومثبتاً المسار الذي سلكه لإتمامه في ذهنه، سمح له بالانهيار. استعاد إيقاعه الآن. ويمكنه البدء حقاً.
قال بهدوء: "لتحريك الهواء".
لم تكن التسمية جزءاً من التعويذة، لكن نطقها بصوت عالٍ بدا وكأنه قطع وعداً. أخذ كالين لحظة لإلقاء نظرة على العالم حول صخرته. كانت السماء تظلم، والريح تشتد.
فكر، محارباً موجة مريرة من خيبة الأمل: "قد لا ألاحظ حتى إن نجح".
قال زيفني إن تأثير دفع السحر عبر نواتك كان طفيفاً. ولم تكن التعويذات مبهرجة تماماً بحد ذاتها. وشك في أن الجمع بين الاثنين سيؤدي إلى شيء يبدو أكثر وضوحاً من عاصفة فعلية. لكن لا مفر من ذلك. عليّ الأمل وحسب.
أخذ نفساً عميقاً وبدأ الترنيمة بالسطر الأول، المهين نوعاً ما: "قبيلة خفيفة مع بزوغ الفجر..."
تثبّت التقاطع الأول للنمط عند "قبلة"، والثاني فوراً بعده عند "بزوغ".
كان يعمل. بمقدوره فعل هذا.
"قبلة خفيفة مع بزوغ الفجر، خفقة جناح، وعضة دخان أنـ..."
أنا شعرت بك. السطر التالي كان أنا شعرت بك. لكن كالين لم يستطع قوله بعد لأن سحره كان يتباطأ دون إذنه مجدداً. قبل أن ينتصف من النمط حتى! لم يفعل ذلك من قبل. هذا سيء.
"لقد شعرت بـ—"
أجبر كالين التقاطع التالي، دافعاً سحره عبر قنواته بكل قواه. أنت، فكر، متمسكاً بيأس بالنقطة الحرجة التالية. لكن لم يكن هناك ما يمكن العمل به الآن. لقد كان الأمر وكأن سحره قد تصلب ليصير ملاطاً. ماذا أفعل؟ أبقى كالين النمط في مكانه. كان قميصه مبللاً بنصفه، وكانت قطرات المطر التي كانت تدمر ببطء فرصته في إتمام التعويذة عالية كطبل. استطاع... سحب المزيد من الطاقة. كانت تتراكم وتتراكم من حوله، وتوخز ضد أعصابه، متشوقة للدخول.
وما إذا كان يستطيع إمساك النمط في الوقت ذاته كان مقامرة، لكن ربما؟ سمح كالين للسحر المنتظر بالدخول، وكأن الفعل كسر جموداً، كانت مساراته تحت سيطرته مرة أخرى.
"—ك!"
صرخ كالين بحماسة مفرطة للغاية، لكن العمل صمد. ربما كانت هذه هي النهاية. هذه هي طريقة اختراق السكون المزعج. بدأ يسحب السحر أسرع، صابّاً إياه في النمط، محاولاً إبقاء كل شيء يتدفق ويتحرك كما ينبغي. كان سحب الطاقة وبناء التعويذة في آن واحد بدلاً من فعل واحد تلو الآخر أشبه بمحاولة التلاعب بدزينة بيض في وقت واحد.
"لقد سمعتُك. لقد شممتُك بينما تحرّك الهواء. أبديّ، لا ينتهي، عواء وحيد. عُوَاءً عبر الرمل والبحر. عُوَاءً لأجلي. عُوَاءً".
أطلق كالين زفرة حادة. كانت عيناه مغلقتين بإحكام شديد من شدة التركيز. لقد انتهى. لقد أتمّ النمط. لكنه كان خاطئاً. تعذّر إطلاق التعويذة البسيطة. ظلت محبوسة في جوفه كالمرة السابقة. ساكنة وتأبى التجلي إلى حيز الوجود. لقد صبّ في العمل السحري قدراً من الطاقة يفوق المعتاد بكثير، وبينما لم تكن مساراته قادرة على التألم حرفياً كما لو تعرضت لإصابة جسدية، إلا أن الأمر بدا قريباً جداً من ذلك.
أخذ يتنفس بصعوبة وهو يفكر. كان الخيار الوحيد المتاح له هو جذب المزيد من الطاقة وتوجيهها نحو النمط ونواته. بدا الأمر فكرة سيئة، لكنها كانت الوحيدة لديه. لذا فعل ذلك حتى ابتلّ تماماً وأصابه الدوار. وما إن اقتربت الطاقة من نواته حتى توقف فجأة. كانت تتراكم وتتراكم على حواف كالين، وتتدفق في مسارات قليلة الاستخدام، وتصطدم بكل شيء... حتى سكنت تلك الأجزاء منه وتجمدت مثل بحر شتوي.
فكر بيأس: "عليّ دفع الطاقة عبرها. إن لم يكن عبر التعويذة، فمن خلال النواة ذاتها. سيكون الأمر أقل تحديداً. وأقل صعوبة. أشبه بدفعة قوية. لكن إطلاقاً من النواة مع تثبيت نمط التعويذة في مكانه... ينبغي أن يصنع فارقاً. هذا ما خططت له".
لكنه عجز عن تحريك أي شيء. ماذا سيحدث لو واصل ضخ الطاقة في بنية المانا المتجمدة الخاصة به؟ إلى أين ستذهب حين تنفد المساحة تماماً؟ توقف. عليك التوقف. ظن كالين أن شكوكه هي ما يتحدث، لكنه لمريد التوقف. كان يريد الانتهاء من هذا، ولن ينتهي إن توقف. سيكون عليه المحاولة ألف مرة أخرى، أو عشرة آلاف، بينما تثقله خياراته، ويقترب موعد البطولة، ويُلاحق الأوريلينيون، وتتقدم فانا في السن.
فانا. تذكر كالين فجأة كيف كان ينفخ هواء خفيفاً على وجنتيها ليشرح لها ما هي الريح وكيف تعمل. كان هناك شيء ما... شيء لم يفكر فيه... لا تفعل هذا. ماذا أخبر فانا عن الريح؟ كان شيئاً بسيطاً وواضحاً لأنها كانت مجرد طفلة.
تمتم: "لا يمكنها التوقف عن الحركة أبداً. لأنها إن فعلت، فلن تعد الريح بعد الآن".
كان هناك شيء ما. حقيقة ما لم يستطع الإمساك بها تماماً. فتح كالين عينيه، رامشاً ليبعد قطرات الماء التي تساقطت عليهما. نظر حوله. لم تكن العاصفة الصيفية عنيفة، لكن الأشجار المحيطة بصخرته كانت تتمايل. وهنا وهناك، كانت إبر الصنوبر والأوراق تنفصل عن أغصانها. وفوقه، كانت الغيوم تتدافع عبر السماء. شعر بالاستنارة. وشعر في الوقت ذاته بالانزعاج من تلك الاستنارة. الريح تتحرك. لم تكن تلك بمعجزة.
لقد عرف ذلك دائماً. فلماذا بدا معرفة الأمر مهمة في هذه اللحظة؟ بدا جلياً لكالين فجأة أن سحره يجب ألا يتجمد أثناء تعويذة رياح. وأنه لا يمكنه ذلك. حين يُطلق تعويذة رياح، مفترض فيه أن يكون أكثر حيوية من أي وقت مضى. لا. كان الشعور قوياً لدرجة أن كالين سمعه بوضوح كلمة نُطقت جهراً. ضيق عينيه. فتّش في عقله.
"ذلك الرفض ليس مني".
على الأقل، لم يكن صادراً عن وعيه. لم يدرك تماماً ما كان يجري، لكن كان هناك شيء أراد تجربته. توغل داخل نفسه وتفحص تقاطعات نمط التعويذة. والمدهش أنه ما زال صامداً... ربما لأن سحره كان يتقمص هيئة صخرة في تلك اللحظة. أقام كالين صلبه. حدق في الأشجار المتمايلة. ثم بحركة بدت مألوفة بشكل غريب رغم أنه لم يفعله من قبل، رفع يده ومررها في الهواء بحركة ساحبة، راسماً شكلاً. لم يتعرف عليه كالين.
أما الجزء منه الذي قال "لا"
فقد تعرف عليه، ومع معرفته، تداعى ذلك الجزء حتى لم يَبقَ سوى كالين ويقينه المكتشف حديثاً. وفهم. كان هذا الشكل شبيهاً بنواته الخاصة، لكنه كان مصغراً بشكل ما، ومجرداً حتى جوهره الخالص. وحين أنهى رسم الشكل، أتته الكلمات. تفجرت كأنها كانت دائماً بداخله، تنتظر التحرر فحسب.
قال: "الريح تتحرك. وأنا كذلك".
دوى سحر كالين معلناً الحياة. كل ما حدث بعد ذلك جرى بسرعة عجز عن اللحاق بها. مثل نهر ينفجر متحرراً من سد، تدفقت الطاقة عبره. لقد بُعثت كلها في لحظة واحدة، وانتُزع منه أي تحكم كان ليملكه قبل أن يدرك حتى حاجته إلى السيطرة عليها. لقد كان يدفع بكل تلك الطاقة — قدراً مفرطاً منها — نحو نمط التعويذة ونواته. واخترقت التعويذة بسهولة قبضة تخترق زجاجاً. صرخ كالين رعباً حين امتصت نواته الطاقة بأكملها.
اخرج! عليّ دفعها للخارج، وإلا فسوف تمزقني إرباً! لكن قبل أن يتحول الفكر إلى فعل، ساء أمر آخر. شيء هائل، مروع، ودخيل أحكم قبضته على كالين. ليس جسده، بل هو ذاته. سحره. روحه. وكل ما يمثله. ثم حاول التسلق إلى الداخل. لأقل من نفس، شعر كالين بألم بدا وكأنها يلتهم الكون بأسره. لكن كيانه — وكل ما فيه مما كان الوحش يستميت للإمساك به — رفض البشاعة بالمطلق. خيل لكالين أنه سمع الكائن يعوي بألم وهو يتشبث به للحظة.
ثم توهج الموضع الذي اعتبره نواته الكامنة الثانية، واختفى الوحش. لم يمتلك كالين وقتاً للاحتفال. شيئاً ما قد تمزق بداخله للتو. وسواء أكان ذلك ناجماً عن انفجار سحره الخاص أم هجوم البشاعة، فلم يكن يعلم. لم يكن يعلم حتى ما هو الشيء المتمزق. لقد شعر بالتمزق وحده وأدرك أن شيئاً بالغ الأهمية لكيانه قد انفرط لتوّه. أصابه الذعر فأخذ يفتش في داخله، محاولة العثور على موضع التلف وإصلاحه.
لكن عبثاً. بدا أنه عاجز حتى عن إيجاد بنية المانا الخاصة به في تلك اللحظة. غرق كالين في الظلام.
هل ما زلت أنا؟ هل ما زلت على قيد الحياة؟ تساءل كالين. ثم حسم أمره وأقر بأنه حيّ. يجب أن أفتح عينيّ إذن. احتاج إلى تفقد جسده ليرى بنفسه حجم الضرر الذي لحق به. كان واثقاً من أنه مرعب كالكوابيس. بعد ما بدا وكأنه دهور، نجح أخيرًا في التفتت حوله. ثم أغلق عينيه وفتحهما مجددًا. مرات عدة. أين ذهبت صخرتي؟ على فكرة، أين ذهبت بقية الجزيرة؟ كان كالين واقفًا في غرفة دراسة مبعثرة تخص ممارسًا للفنون السحرية.
كانت جميلة. آلاف الكتب السحرية، واللفائف، والتحف الغامضة تصطف على رفوف الخشب الداكن. وغطى الأرضية بساط سميك مزخرف بغنى. وتقبع تحت نافذة كبيرة ذات إطار مقسم مكتبً مليء بمحابر الأوراق وحزم الورق والأجهزة المعدنية الغريبة. ووراء تلك النافذة كان هناك عالم رطب وأخضر لا يمت لهيمارلاند بصلة قط. مشى كالين نحو النافذة ليتفحص المنظر. النباتات التي تنمو في ضوء شمس الظهيرة المتقطع كانت غنّة وصحية وخاطئة تمامًا.
وسحابة من الحشرات تتألق كالجليد الجديد تحوم فوق بركة مليئة بالطحالب اللزجة. لا توجد أشجار صنوبر. لا جبال. لا محيط. وبينما كان كالين يهمهم شاخصًا، غارقًا في قلقه المتزايد، قفزت سمكة برتقالية ضخمة خارج البركة وطارت بأجنحة حرشفية لتنقض على حيوان صغير فروي كان يجري عبر غصن شجرة قريب. ترنح كالين إلى الخلف بعيدًا عن الزجاج، مصطدماً بكرسي... غير أنه بدلاً من الاصطدام بالكرسي، مر عبره كأنه غير موجود على الإطلاق.
ماذا؟ حدق كالين في قطعة الأثاث. أكان نوعًا من السراب؟ لقد قرأ عن ذلك. وأدرك أن الأمر ممكن باستخدام سحر الضوء المتقدم، لكن الكرسي بدا حقيقيًا للغاية. راح كالين يتقدم ويتراجع عبره بضع مرات، محاولًا تحليل الموقف عوضًا عن الهلع. لم يكن مصابًا، هذا واضح. وبدا جسده بحالة جيدة. سراب الكرسي كان أمرًا غير متوقع، لكنه ليس بالضرورة مهددًا. السمكة الطائرة آكلة اللحوم كانت مهددة، لكنها في الخارج.
وبما أن كالين استنتج للتو أنه لم يطأ مكاناً قريبًا من تلك البركة، فلن تستطيع إلحاق الأذى به هي الأخرى. اقترب كالين من المكتب الممتلئ بكل تلك الأشياء السحرية المثيرة للاهتمام ليكتشف أنه مجرد سراب هو الآخر. مرت يده خلاله مباشرة. وراح لعتبات دقائق يجوب الغرفة، يطعن الأشياء ويركلها. لا شيء صلب! وعندما داس بقوة وثبات على الأرض، اخترقت قدمه الفراغ بلا أي مقاومة. اهدأ. خذ نفسًا عميقًا.
فكر مليًا. عليك العودة إلى المنزل. حاول كالين أخذ نفس عميق لتهدئة أعصابه، فتدهورت الأمور على الفور وبشكل هائل. استطاع القيام بحركة تشبه التنفس. في الواقع، كان يفعلها تلقائيًا منذ وصوله إلى هذا المكان. لكن الآن وقد بات يركز عليها، لم يكن هناك أي شعور بالهواء يندفع إلى صدره. لم يكن يتنفس. كان يتنفس افتراضياً. وبتفكير متأنٍ... مد كالين يده وأدخلها عبر المكتب مجددًا. أكان المكتب سرابًا حقًا؟
أم أن كالين عجز عن التفاعل مع أي شيء فحسب؟ حتى الأرض تحت قدميه تعذر الشعور بها بالشكل الصحيح. بدا الأمر أشبه بأنه يقف عليها فقط لأنه افترض أنه ينبغي عليه ذلك. سمع كالين بابًا يُفتح ويُغلق، وحين فعل، أدرك أنه لا يسمع كعادته المعتادة. بدا الأمر أشبه بأنه صار واعيًا بوجود الصوت فحسب. رجل في منتصف العمر يرتدي ثيابًا بيضاء طويلة دخل الغرفة. كانت له أذنان كبيرتان وشعر بني مشطوط بعناية.
ربما كان هو من فعل هذا بكالين، لكن إن كان الأمر كذلك، فسيحصل على أجوبة على الأقل. انحنى كالين على عجالة. كانت تلك محاولته الأولى على الإطلاق للانحناء، لكنه شعر بضرورة ذلك، فهو بحاجة ماسة للمساعدة وهذا الرجل لا بد أنه ممارس قوي إن كانت هذه غرفة دراسته.
"عذرًا، ايها السيد. أيمكنك من فضلك إخباري أين أنا وما الذي يجري؟ لست متأكدًا كيف وصلت إلى هنا".
التقط الرجل كتابًا من على الرف. ثم مشى باتجاه كالين مباشرة، ودون حتى أن يلتفت بعيدًا عن الكتاب الذي في يده، واصل المشي مخترقًا إياه مباشرة. استقام كالين من انحنائه.
"أتسمعني؟"
قال: "أيها السيد؟ أرجوك؟"
وحين لم يلق أي استجابة، مشى مباشرة نحو الرجل الغامض ذي الثياب وصرخ في أذنه.
"مهلاً، ميغيمون"، قال صوت من غرفة أخرى، "ماذا تفعل هناك؟"
"ماذا؟"
أجاب الرجل بنبرة تائهة.
"أنا أقرأ كتاب لاجوليان الثاني عشر. لماذا؟ أأنفد الشاي مرة أخرى؟"
وبعد لحظات، ظهرت مخلوقة قصيرة عند مدخل الباب. ظن كالين أنها أنثى، لكن هذا الافتراض استند بالأساس إلى حقيقة أنها كانت ترتدع تاجًا من زهور قبيحة تنضح سائلاً في شعرها الطويل الأخضر الداكن. وكان جلدها أخضر شاحبًا. وذراعاها وساقاها نحيلتان، وارتدت قميصًا رماديًا بلا ظهر. ويفترض أن ذلك لكي تتحرك جناحها الشفاف الكبير بحرية. كل هذا كان مقلقًا بدرجة كافية، لكن عيني المخلوقة كانتا الجزء الأكثر إزعاجًا فيها.
فقد استقرتا في رأسها في الموضع المألوف، وأخذتا شكل عيني إنسان. لكنهما كانتا لامعتين ومتقرحتين وبلا بؤبؤين. كعيني حشرة. وما إن دخلت الغرفة، حتى استقرت هاتان العينان على كالين. وانحنت زاويتا فمها في ابتسامة عريضة للغاية. وقبل أن يتمكن كالين من تقرير ما إذا كان سيحاول التحدث إليها أو الهرب منها، دارت عبر السجاد بقدميها الصغيرتين العاريتين كراقصة احتفالات.
"خدوش، لقد عدت!"
صاحت بفرح وهي تبسط ذراعيها على مصراعيهما.
"امنح الأم لوتشا عناقًا!"
قفز كالين مبتعدًا عنها، متلفتًا حوله بحثًا عن أي شخص قد يدعى خدوش.
"أنت... أأنت تحدثينني؟"
سألت أخيراً، عندما لم تغير المخلوقة الخضراء ذات حجم الطفولة وضعيتها. وما زالت ذراعاها ممدودتين للعناق، قطبت لوتشا جبينها.
"خدوش، أتعلمت الكلام بالفعل؟ واو، لقد كان ذلك سريعًا! أكان شخص آخر يطعمك؟ أنا لا يعجبني هذا. أنت قطتي الصغيرة. أخبر أمك من كان لنتمكن من التعامل معهم".
آه، خدوش هو قط. لم يكن كالين متأكدًا مما إذا كان مشتاقًا للراحة أم منزعجًا.
"إن كنت تحدثينني، فأنا لست خدوشًا. أنا كالين. أنا هنا بطريقتي الصدفة، وأريد حقًا، حقًا أن أعود إلى المنزل. أرجوك. سيدتي".
سقطت ذراعتا المرأة الخضراء إلى جانبيها. ولمحت نحو المكتب، حيث كان الرجل يعبث في درج كأنه لم يسمع ولو كلمة واحدة مما قالاه. ثم انحنت أقرب إلى كالين، ولمع ومض من الضوء ذهابًا وإيابًا عبر عينيها.
"ممم... لست بارعة في تمييز الكيانات الأسترالية كما كنت من قبل. أنا أفضل في السمع مقارنة بالرؤية. أي نوع من الأرواح أنت، كاليين؟ شيطان صغير؟ شبح لصاعد؟ ملك منبوذ؟ كائن فوضوي مبهم؟ أنا لا أصدر أحكامًا! لكني ملزمة تعاقديًا بحماية ذلك الأبله هناك الذي لا يستطيع حتى إدراك المستوى الذي تقف عليه، لذا أحتاج إلى معرفة ما إذا كنت للأكل أم للاستخدام أم للدردشة الودية".
حسنًا، فكر كالين. إنها على الأقل شخص يمكنه التواصل معه.
"أيمكنك رؤيتي إذن؟ وسماعي؟ لست أيًا من تلك الأشياء التي سميتها. أنا مجرد كالين. أنا صبي عادي. من هيمارلاند. أنا... أنا أحب الدردشة الودية".
كانت الدردشة الودية أفضل بكثير، وبكثير، من الخيارين الآخرين.
"هيمارلاند؟ أين...؟"
رفعت جفنيها وتحركت بشكل جانبي، ثم عبرت وجهها الأخضر نظرة إدراك.
"أتقصد الجزيرة؟ زمردة البحر الشمالي وكل ذلك؟"
"نعم!"
صرخ كالين، وقد خف خوفه إن لم ينس بالكامل وسط شعوره بالارتياح. وخطا خطوة أقرب إليها.
"أتعرفينها! أيمكنك مساعدتي في العودة؟ كنت أتعاويذ سحراً، وارتكبت خطأ، وانتهى بي المطاف هنا".
ارتسمت على وجه لوتشا تعبيرات غريبة للغاية الآن. مضغت شفتها السفلى بأسنان مدببة، ثم دارت على أطراف أصابعها كراقصة مرة أخرى وتوجهت نحو رف الكتب. تسلقت عليه، متجاهلة زفرة ضيق الرجل ذي الثياب البيضاء، وحدقت للحظة في قرص ذهبي كبير مغطى بالرون. قفزت إلى أسفل بعد ثانية واحدة فقط وعادت إلى كالين. دارت حوله في دائرة، وحاول كالين الثبات بينما كانت تفحصه عن قرب. تمنى أن يجلب له السلوك الجيّد طريق العودة إلى المنزل بشكل أسرع.
الضوء — أكان سحرًا؟
— ومض فوق عيني لوتشا مرارًا وتكرارًا.
وعندما توقفت أخيرًا، وقفت لفترة وهي تحدق فيه فقط، مائلة برأسها بحيث استقرت ذقنها على يدها.
"مهلاً"، قالت: "أي نوع من التعاويذ كنت تلقيه لتورط نفسك بهذا السوء؟ لأن هذا شيء آخر حقًا".
"تعويذة رياح بسيطة".
"رياح؟"
أشرق وجهها فورًا، وقفزت نحوه. تفاداها.
"إنه أنت!"
غرّدت بفرح، وهي تركض نحوه مرة أخرى.
"لقد كدت تقتل نفسك مجددًا! وهذه المرة فعلت ذلك بطريقة مثيرة للغاية! هذا رائع. تعال وامنح الأم لوتشا عناقًا!"