شطر لويس شجرة المانا إلى نصفين من على مسافة تزيد على ميل. وما كان أدهش من سرعة الهجوم إلا عبثيته. انطلق سيف رقيق كورقة الشجر وبطول لا يبرز معالمه أحد ليخترق الأفق في لمح البصر، مثيراً رياحاً عاتية في أعقابه وقاطعاً كل ما تصادف وجوده في طريقه بسوء حظ: غيوم، وبَرَد، وقاعات مينوتاور، وجذع شجرة المانا. رأى سيمون من قبل شعاع كاسفال بالكاد يترك أثر احتراق على القشرة العتيقة، بيد أن سيف لويس قطعها كالزبد متجاهلاً كل صلابة ومقاومة.
وبدا الأمر كأن الفضاء نفسه انشق لنصفين ليفسح المجال لنظيره كي يعبر ويقطع كل ما يعترض طريقه. واختفى النضال ما إن أنهى حركته الهلالية بصوت خافت سبق الفوضى الآتية. وكاد سيمون يحلف أن الزمن تجمد لثانية بينما حبس العالم أنفاسه، ليعود فيأخذ مجراه وسط صوت صرير عالٍ. مالت شجرة المانا على جانبها بينما انزلق نصفها العلوي عن سفلاها. وجه لويس ضربته بميل طفيف عوضاً عن الأفقية البحتة، وبدأ جزء ضخم من الشجرة ينهار جراء انعدام الدعم.
وشرع شكلها الهائل يهوي باتجاه يسار قاعات مينوتاور مخلّفاً هسيراً مروعاً. وتحطمت أغصان بطول شوارع ويسبرماير على أرض الغابة والمستنقعات في الأسفل وسط اصطدامات عنيفة. أتُرى... أهذا ما يستطيع أصحاب قمة العرش فعله في مستوى مرتفع هكذا؟! تساءل سيمون، متأرجحاً بين الرهبة وعدم التصديق. فحتى نداءات أتباعه الطنانة في خلفية عقده أو منظر كاسفال وهو يحوم حول شجرة المانا المشطورة فشلا في إعادته إلى الواقع.
وما نوربيل وثالاس إلا مجرد بداية... لمح وميض فولاذ في طرف بصرة، طائراً مباشرة نحوه. استدعى سيمون درعه المسنن على عجالة وفي اللحظة المناسبة لاعتراض المقذوف، وهو ما أنقذ حياته. حطم رمح ذهبي حمايته باعثاً بالأسواط في كل الاتجاهات. وتبع ذلك سيف طيار موجه مباشرة نحو رأس سيمون ليتشتت بفعلة فاعل نجى منها لحسن الحظ. ثم أتى آخر، وآخر، وآخر! قصف حقيقي من مختلف الأسلحة الحادة — من سيوف إلى أسلحة عمودية — طار من منطاد لويس الهوائي صوب سيمون بسرعة هائلة.
ولرجح إطاحته عن صهوة جواده لولا ميزة صانع الحروب التي تمنع الإطاحة القسرية، ورغم إصداره الفوري لأوامره لفراده الوهمي بالفرار، واصلت الهجمات ضربه بدقة مميتة. لا بد أن لويس — ولا بد أن هذا من فعل لويس — كان لا يزال قادراً على رؤيته من مسافة بعيدة. أصاب أحد الرماح جواد سيمون الوهمي مباشرة، ممزقاً رأسه ومبدداً إياه. ووجد سيمون نفسه يهوي نحو حتفه لثانية قبل أن يستعمل سريعاً سيادة قلعة الشياطين للانتقال الآني إلى داخل حرم قاعات مينوتاور.
وكاد ينزلق على قطع الحطام لدى وصوله، إذ انهار جزء من السقف جراء هجوم لويس. ولحسن الحظ، نجا معظم أتباعه الباقون. تراجع دوشار إلى هنا برفقة الفاكهة، هيكتور، وشبكة كاساندرا. وكانت المفاجأة الحقيقية هي الملهمة، التي ظهرت حية رغم جرح كبير عبر صدرها. وبدت منزعجة أكثر من كونها متأجمة.
قال سيمون مندهشاً: "أنت حية".
حدقت به الملهمة بحنق: "لست ممن يسقطون بسهولة".
اقترح دوشار وعبوس عميق يرتسم على وجهه: "تستطيع معظم أشجار المانا التعافي من جذع، وقوة أستاريون تحسن مضيفنا على الأرجح. مع ذلك، أيمكنني السؤال عما ضربنا؟ أهو نوع جديد من الأسلحة؟"
"ضربنا لويس".
تسبب النطق باسمه وحده في شحوب وجه دوشار وانتصاب رأس هيكتور هلعاً. لم تكن بقية المجموعة على دراية كافية بسمعة ولي العهد لتدرك تماماً مدى الخطر الذي تحيق بهم، لكنهما كانا يدركان.
"لا وقت للضيع. سيصل إلى هنا قريباً جداً، لذا علينا الإخلاء الآن".
"الإخلاء؟"
هفت الملهمة باحتقار.
"لا يمكنني الذهاب إلى أي مكان، أيها الجبان! لن أتخلى عن غابتي لصنّاع الحطب!"
أشار دوشار قائلاً: "رغم أنني لا أؤمن بأننا ند للمارشال، قد يكون شيطاننا الأسير قصة أخرى. قد لا يكون الإخلاء خيارنا الوحيد".
"لا يبدو أستاريون بكامل قوته في مضيفه الحالي. ولن تكون الملهمة ندا لـ..."
تجمد سيمون لدى ملاحظته أن كاساندرا وشبكتها قد توقفتا عن التعويذ، بينما كانت حبيبته تحدق به بنظرة عارفة.
"لا".
قال هيكتور بصوت أجش، وكان معارضاً للفكرة تماماً كسيمون نفسه: "أنا مستعد للمحاولة. ماذا لو بدأت ترتديكم كمعطف؟"
عَبست كاساندرا لثانية، لكن عزيمتها ظلت صلبة.
وهي تحدق بالملهمة بتعاطف: "لا أود التخلي عن الخشب المظلم يا أخي. ولا أريد تركها لمصيرها الموت. ليس بعد كل ما مرّت به".
أجابت الملهمة باسترخاص: "لا حاجة لي بشفقتك".
"لكنك بحاجة لمساعدتي".
لم تكن لدى الملهمة إجابة على ذلك. ولا لدى سيمون أيضاً. كان قتال لويس أشبه بانتحار بمساعدة، سيما بعد رؤيته يقطع شجرة مانا بأكملها إلى نصفين من مسافة تزيد على ميل قبل أن يكاد يقتل سيمون. وأخبرته كل غريزة في جسده بأن قواتهم المجتمعة لن تزيد عن إبطاء المذبحة في أفضل الأحوال؛ زاد الطين بلة بقاء كاسفال طليقاً. لكن دوشار كان محقاً. لقد كان أستاريون ندا للجيل الأول من مستخدمي الفئة النبيلة، وقد عزز الاستحواذ من قبل شيطان فلكي أمثال إيول ليصبحوا تهديداً حقيقياً.
قد يمنح هذا الاتحاد كاساندرا القوة لصد لويس، أو على الأقل إجباره على الاستماع إليهم. أتراهم قادرين حتى على الهرب؟ لقد حرص سيمون على بناء نفق هروب أسفل قاعات مينوتاور للفرار من المنطقة عند الحاجة الملحة، لكنهم كانوا على أقدامهم ولدى لويس مناطيد. قد يكون الفرار في اللحظة الأخيرة أمراً يفوق طاقتهم. بإمكانه نقل مجموعة إلى جدار الرعب كملجأ أخير أيضاً. كانت أوفيميا لا تزال تسيطر على القلعة وحزب الحرب يحاصرها، لكن التعامل مع الإمبراطورة الأرملة ومحاولة التفاوض معها قد يفوق مواجهة لويس في العراء.
هنالك... هنالك طريقة أخرى للهرب من هذا. كنت أدرك أن هذا العرش لم يكن مستداماً منذ البداية، والقليل يمكن فعله لإنقاذ هذا الوضع. بإمكانى ببساطة... اتخاذ الطريق الأسهل. نبذ سيمون هذه الفكرة على الفور وأعاد تركيزه. لا. لا يمكنك أبداً معرفة أين يقود المستقبل. لا يمكنني اتخاذ الطريق الأسهل. سيكون ذلك إهداراً للعرش ومحض جبن. نظر سيمون إلى حبيبته، التي كانت قد اتخذت قرارها بالفعل.
تعاطف كاساندرا في غير محله مع ملهمة الحجر لن يمكنها من الرحيل، وقد يفتح باباً أمام إمكانيات جديدة. خمن أنه يستطيع على الأقل معرفة ما إذا كان بمكانه التحكم بشيطان فلكي باستخدام العلامات والطقوس المناسبة... ورؤية أي نوع من القوة يمارسونها عند إطلاق العنان لهم بالكامل. وبإمكانه التأكد مما إذا كان بمكانهم الصمود أمام أقوى أعضاء منزل ماغنوس أم لا.
وافق سيمون متردداً: "حسناً إذن. لكن احذري، أرجوك. إن ثبت أن الشيطان أقوى من اللازم ولم يستطع العقد التحكم به..."
طمأنته كاساندرا: "يمكنك ببساطة استنزاف مانا الخاص بي من خلال علامتي".
فكر سيمون بعبوس: إن بقيت بعد الاندماج. التفت إلى الملهمة وصلب عزيمته. لنأمل أن ينجح هذا.
"أستاريون، مينوتاور الأرجاء الفلكية. اترك وعاءك الحالي و..."
سرت ومضة ألم عبر صدره وأسكتته. إذ تعرض للطعن من الظهر مسبقاً من قِبل فويفر في عرش سابق، تعرف سيمون على الفور على شعور سيف يخترق صدره من الخلف منزلقاً عبر الضلوع. قطع النصل درعه وقلبه بسهولة تامة، ثم خرج من الجانب الآخر. ولم يكشف عن شكله سوى الدماء التي تغطي حافته غير المرئية. شعر سيمون بقوة مقدسة تشبه كريستون البالادين تسري فيه، مبددة الظلام الذي منحه قوته، ومضعفة لميزاته، مستهدفة كل نقاط ضعف فئته بسلاح مختار بعناية لغرض استغلال كل منها.
كان هذا هو السيف الذي قتل والده.
سمع سيمون صوتاً مألوفاً يهمس خلفه، وتعرف عليه فوراً على أنه لصوت السير ريتشارد من لور: "كان ذلك من أجل ابني. ستيموت خططك هنا معك أيها السيد المهيمن".
ضرر فائق الفاعلية. منع الشفاء، استنزاف، إبطاء —
كان الضربة ستودي بحياته فوراً لولا أنه تجرع مرارتها من قبل —
تراجع الضرر فائق الفاعلية بفعل لقب المغدور. وانتقلت العلل بفعل لقب المفتون —
خفّض اللقب الأول الضرر الذي تلقاه، ونقل الثاني العِلل إلى الملهمة ضمن اتفاق «خطبتهم».
استمد سيمون فوراً من قوة حياة أتباعه الوحوش الباقين ليبقي نفسه حياً، فبدل خاتم شتاء الملعون بخاتم عاصفة رعدية ملعونة ليمنح نفسه مناعة ضد البرق، ثم قبض على السيف بإحكام بيده.
— رعد الجحيم!
صعق نفسه ومهاجمه معاً، مما جعله عرضة لهجوم مرتد. كان هكتور أسرعهم استجابة، إذ اندفع فأسه نحو العدو من خلف ظهر سيمون بدقة مميتة. سحب السير رشار سيفه بسرعة من جسد سيمون رغم الصعقة التي تلقاها وتصدى بهجوم هكتور، وأدت الضربة إلى تبديد خفائه. كيف تسلل إلى هنا دون أن يلاحظه أحد؟ لعن سيمون في سرّه. أساعده شبك العنكبوت على التسلل إلى الحرم كخطة بديلة؟ أأنذراه هو ولويس؟
— سيمون!
هعت كاساندرا والساحرات اللائي معها إلى جانبه فوراً وبدأن بإلقاء تعاويذ عليه لاستعادة عافيته.
— شفاء جحيمي.
— أنا بخير!
طمأنها سيمون، وهو يكزّ على أسنانه ويشير إلى رشار اللوري.
— اقتلوه واستدعوا أستريون!
دفعها عقدها، فألقت الملهمة تعاويذ فجّرت جذوراً ضخمة من الأرض في محاولة لإمساكه وسحقه. تحرك السير رشار بسرعة فاقت سرعة ابنه فقطع كل ما اقترب منه أكثر مما ينبغي. استعد دوشار وكاساندرا وبقية الساحرات لصعقه حيث يقف. تحطم كاسفال داخل الحرم قبل أن يتمكنوا من ذلك. حطّم رأسه الهائل الجدار المقابل لعرش سيمون بزمجرة، ناثراً الحجارة في كل الاتجاهات. أمسك سيمون بكاساندرا وسحبها إلى مكان آمن بينما استدعت الملهمة جداراً من الشوك لتحتمي به هي ودوشار القريب منها.
وتناثر الحطام على الجميع، وأصيبت إحدى ساحرات كاساندرا في رأسها فسقطت فاقدة وعيها بينما رفع رشار درعاً ليحمي نفسه. مع ذلك، بدا التنين الوحشي أقل مشاكلهم شأناً. وقف فوق رأس كاساندرا رجل يرتدي درعاً يتألف من صفيحة صدر قانيّة، وواقيات كتفين فولاذية، وساقيّات، وطوق رقبة، وقفازات جلدية، وأحذية. كان زياً بسيطاً للغاية بالنسبة لفئة قوية مثل المحارب، لكن مرتديه نجح في جعل مظهره مخيفاً.
— سيمون، كم يسرني رؤيتك مجدداً.
بدأت أتساءل إن كنت قد هلكت أو غادرْت القارة برمتها. ابتسم لويس لشقيقه بتلميح من التسلية، كأنه يشارك نكتة خاصة لا يستطيع أحد غيره فهمها.
— من ملامح وجهك، أستنتج أن شبراَم لم يخبرك بقدومي.
طرف سيمون بعينيه.
— كيف...
— ردة فعلِك قبل قليل.
فرقع لويس أصابعه بسرعة.
— ترسانة لا متناهية، عاصفة الشفرات.
تجسدت مئات، إن لم تكن آلاف السيوف الطائرة فوق لويس ثم انقضت على كل الحاضرين كقابل مطر من السهام. لم يكن هناك وقت للتعافي أو الاستجابة لمثل هذا الهجوم في مدى قريب. لم يرفع سيمون درعه بالسرعة الكافية وتلقى وطأة القصف مباشرة. بددت النصال تعويذات تعزيزه بمجرد ملامستها واخترقت درعه في عشرات المواضع، مسددة الطعنات إليه في كل النقاط الحيوية. ارتدت عنه بضع نصال غير سحرية بفضل الجوهر الراسخ، لكن معظمها ضرب بقوة أكبر من قبضات ثالاس.
وحدها عملية استنزافه المحمومة لعدد أتباعه المتناقص أبقته حياً لبضع ثوانٍ إضافية. لم يحظَ حلفاؤه بمثل هذا الحظ. اخترقت السيوف جمجمة كاساندرا، ممزقة رأسها عن كتفيها قبل أن تدرك حتى ما حدث. تطايرات قطع من جمجمتها ودماغها على درع سيمون واملأت قلبه بالأسى. أما عضوات مجموعتها الأضعف فقطّعن إرباً في منتصف إلقائهن للتعاويذ. حاول دوشار صنع درع من الطاقة حول نفسه، لكن السيوف اخترقت الحاجز السحري كأنه مصنوع من ورقة وقضت عليه في لحظة.
نجح السير رشار اللوري في صدّ بضعة مقذوفات بسيفه ودرعه، لكن لويس كثّف القصف في اتجاهه ببساطة. انزلت شفرة من حراسة الفارس العجوز وأصابته في كتفه، وعندها انهار دفاعه وتحول درعه إلى وسادة إبر. خلافا لسيمون، لم تكن لديه طريقة للتعافي من هذه الجراح الرهيبة. نجا هكتور والملهمة وحدهما، الأول لأن تشريحه غير الميت سمح له بمواصلة التقدم رغم وجود عشرات السيوف المغروسة في لحمه، والأخرى بفضل جدارها السميك من الشوك المستدعى.
وردّ اثنان منهما أيضاً. قفز هكتور نحو لويس بزمجرة من الغضب والأسى اللذين لا يموتان، رافعاً فأسه، بينما ألقت الملهمة صعقة أرضية هائلة القوة.
— جدار درعي.
لوّح لويس بيده بكسل، مستحضراً دروعاً سحرية طافية في طريق الهجمات. اعترضتها جميعاً، ورغم أن فأسه ترك شقوقاً حيث انغرس، فإنه فشل في اختراق الدفاع. ظهر سيف منحني جديد بالأسلوب الفابلي الشرقي في يد لويس اليسرى.
— قطع مكاني.
لوّح لويس بسيفه وقطع الواقع نفسه. انشق المكان على طول الخط الذي تبعه نصه، وانفصم نسيج المادة والوجود ذاته. شُطرت الملهمة، وهكتور، والجدران، والهواء نفسه بدقة، وسقطت أجزاؤها على الأرض بصوت مكتوم. كافح سيمون حتى ليفهم ما حدث للتو. كاساندرا ماتت، والجميع ماتوا، وقريباً ستجعله السيوف المغروسة في لحمه ينضم إليهم. لم تكن لهم أي فرصة دون أستريون. كانت الهوة في القوة شاسعة بقدر ما كانت عندما زار سيمون عرعر إليوس ماينوس.
— طالما وجدت الأمر غريباً في أن شبراَم لم يستطيع قط العثور عليك، مهما طلبْت لوريان، تأمل لويس وهو يقفز عن رأس كاساندرا.
ولم يلقِ حتى نظرة واحدة على كل أولئك الذين قتلهم بل خطا فوق أجزاء أجسادهم.
— ألم يكن هذا الخائن يوافيك بجميع تحركاتنا ويعيق التحقيقات بعيداً عن هذا المكان، ألست مخطئاً؟
لقد وضعت دائماً إيماناً أكثر من اللازم في بصيرة السيد الأكبر. عبس سيمون من تحت خوذته، وضغطت أصابع غير مرئية على حلقه. كان جسده بارداً ولم يبقَ حياً إلا بفضل بئر مستنزفة بسرعة من قوة الحياة المسروقة. سينفد منه الأتباع لاستنزافهم في غضون دقيقة.
— عَم...
تتحدث؟ سيمون بدمدمة من شفتيه الملطختين بالدماء.
— أنت حقاً تعتبرني أبله.
بما أنني طالما احترمت ذكاءك، فقد ظننت أنك ستعادلني الشعور. هزّ لويس كتفيه.
— أياً كانت قدرة السيد الأكبر التي تتيح لك رؤية المستقبل بوضوح، فلها شقوق في علمها المطلق، وإلا لكنت تنبأت هذه اللحظة.
إنه لأمر مخزٍ حقاً أنك خنت لوريان. إنها تهتم لأمرك حقاً، أتعلم؟
— أنا لم أخُن...
إنديميون... سعق سيمون دماً وسقط على قدميه. حياته... تتلاشى.
— كل هذا...
من أجل الصلاح الأعظم...
— لو كنت تهتم للصلاح الأعظم يا سيمون، لانضممت إلى صفوفنا منذ اللحظة التي نلت فيها قوة السيد الأكبر.
لكنا أخضعنا أوفيميا لتتصرف بتعقل ورفعنا راية إنديميون فوق شجرة العالم بحلول الآن. ألقى لويس نظرة على جثة الملهمة. عرف سيمون أنها ستتعافي من هذا طالما ظلت شجرة المانا حية، لكنه شك في أن لويس سيمنحها الوقت للقيام بذلك.
— أكانت تلك خطتك؟
أن تصبح بستاني عجوز وتُربي جيشاً من الوحوش لهزيمتنا متى ما استنفدنا قوانا؟
— هناك المزيد...
أسياد شيطان آخرون... غبش بصر سيمون.
— يجب أن تسمع...
دمار أويو... مجرد البداية... كان آخر ما رآه ابتسامة رفيعة خبيثة من الترقب ترتسم على شفتي لويس.
— جيد، قال.
شق سيفه عنق سيمون بضربة غير مؤلمة وأسقط رأسه متدحرجاً عن كتفيه.
استقبله العرش القرمزيّ مجدداً كصديق قديم. استقبله الظلام بالمدح والتشجيع، فقد خطا أخيراً خطواته الأولى على درب سيّد العوالم. أمضى عاماً يُدمر حياة الآلاف، ويغزو إقليماً كاملاً، ويُجبر شيطاناً متمارداً على الإجابة عن أسئلته. لم يعبأ العرش القرمزيّ بالحزن والذنب اللذين اعتصراه، ولا بحقيقة أنّه فقد امرأة أخرى يحبّها، وأنسباء يقدرهم، والكثير غير ذلك. كلّ ما عناه الأمر هو انتصار الظلام.
هذا هو العهد الثاني عشر من عهودك المئة. لقد نلت لقب سيمون البستاني.
البستاني: أمضيت عاماً ترعى زهرة ذابلة وأوضحت لها مكانتها. تحسّنت صِلتك بعنصر الخشب من ضعيفة إلى قوية.
حقّقت الكثير في عام، وخسرته كله في يوم. يا لها من مفارقة قاتمة. أثقلت معرفة أن سيمون قد فقد كاساندرا بالطريقة ذاتها التي فقد بها آنا يوماً ما، لكن... ربما لم يكن الثقل بالقدر الذي توقّعه. جهّز نفسه ذهنياً لتلك الاحتمالية، وبقيت كلمات كاساندرا الحكيمة طازجة في عقله. شعر بالذنب والأسى، لكنّه سيضطرّ لتعلم التعايش معهما. فمصير العالم نفسه يتوقف على ذلك. شهد الدمار الذي سيلحقه أبراقساس، وعلم بالتهديد الذي يتربّص بالعالم إن لم يفعل شيئاً.
لا يمكن للشخص الواحد سوى فعل القليل، حتى سيّد العوالم. بقيت أمور كثيرة لتُنجز. كان عليه تحديد مواقع الشياطين الفلكية، وإيجاد سيلة للتعامل معهم نهائياً، وضمان نجاة أحبائه ومعظم الحضارة من الكارثة القادمة. فكّر سيمون فيما سيفعله بعد ذلك. بوسعه محاولة معرفة المزيد عن المذنب عبر التغلغل في الكنيسة، أو الانضمام إلى أحد الأحزاب في البلاط. السبیل الوحيد لانتصار الصالح العام هو إبقاء إنديميون متماسكة، واحتج إلى حلفاء لتحقيق ذلك.
لكن... لكن الطريقة التي كاد بها السير ريتشارد أن يقتله عبر استهداف نقاط ضعف سيمون كافية لتجعله يتوقف متمكثاً. فإما أن الوحي الأبيض قد استعاد النصل الذي استخدموه لقتل بالزام ماغنوس، أو أنهم قادرون على صنع أكثر من نصل. فكرة تسلله إلى حفل في إنديميون ليقطع قاتل جنيّ عهده باكرةً أقلقت سيمون. كيف دخل السير ريتشارد إلى قاعات مينوتور أصلاً دون أن يُكتشف؟ كان سيحتاج إلى مصباح أو مساعدة للوصول إلى المكان على الإطلاق.
هل استفاد من مساعدة شبكة العنكبوت، متسللاً مثلما فعلت سيلك؟ أم أن عملاء ناجين من تمرد ماغفوليا الفاشل زوّدوه بالمعلومات المطلوبة؟ ذُكر أن السير ريتشارد قد هلك غالباً في إنزال الوحي الأبيض الفاشل، رغم أن جثته لم تُعثر قطّ. أكانت تلك معلومات زائفة؟ تمهيداً لمؤامرة أخرى يدبرها العراف؟ وكيف علم لويس بالهجوم على ماغفوليا حين كان من المفترض أن يحاصر فرايتوول؟ أتوصلته معلومات سرية؟
بدا الأمر مستبعداً للغاية أن يهاجم هو والسير ريتشارد معاً في أسوأ توقيت ممكن. أفوح من هذا كله رائحة قوة خفية تدفعهما إلى الأمام، لا سيما أن حلفاء العراف ركّزوا على التغلغل في أتباع حزب الحرب. كلّما فكر في مؤامرة الجن والوحي الأبيض، زادا إزعاجاً لسيمون. لقد نجحت تلك الجماعات بطريقة ما في التغلغل بعمق داخل إنديميون وعقدت العزم على زعزعة استقرار الإمبراطورية. ستواصل مؤامرتهم إثارة المشاكل لسيمون حتى يكتشف مداها وعمقها ومواردها.
سيصبح التغلغل في الأحزاب الإمبراطورية أو استخدام مواردها أسهل بكثير متى ما تعلم تماماً كيفية التعامل معها ومنعها من قطع عهوده باكرةً. آن الأوان لبلوغ عمق مؤامرة الجن، واجتثاثها من جذورها.