ثاني عشر أبريل. استدرت لأتفقد حال ليث، وانتابني شعور غامر باليأس. بدا لي هذا المأوى محراباً آمناً منذ وطأت قدماي أرض تالام. بغض النظر عما يدور في الخارج، كنا نبني هنا مجتمعاً أحبّه وأرعاه. والآن، انتُهك، وأُوذي أهلي. أخبرتني الواجهة أن ساعةً أخرى تفصلنا عن الفجر. استطعت تبين حجم الخلل الذي أصاب المأوى فور أن وضح النهار. كان علي الآن الاطمئنان على ليث وسيموس. استدرت فرأيت لوركان يضع يده على رأس ليث.
—أصحيح أن ليث سيعيش يا لوركان؟— لم يرفع لوركان بصره عمّا يفعله، وأجاب: —سيعيش. لكنه فقد عينه—. هوى قلبي. —يا للهول...— كان هذا ذنبي. حتى مع علمي بأني لست مقاتلاً حقيقياً، إلا أنني كنت في المستوى السادس والعشرين. كان حريّاً بي أن أكون هناك لمساعدة أهلي، لا أن أختبئ في غرفتي. بدأت يدا لوركان تشعان توهجاً أخضر خافتاً، وأطلق ليث أنيناً خافتاً. تملّكني القلق والشلل. لحسن الحظ، ناداني سيموس في تلك اللحظة.
—السيد جاكوبسن، أتحتاج إلى مساعدة؟— نظرت إليه فاحمرّت وجنتاي خجلاً على الفور. كان هنا رجلان جريحبان. أسرعت نحوه وسألته: —ما الذي يمكنني فعله للمساعدة؟— تجهم وشرع يشير إلى ساقيه: —تكسر شيء ما في أضلعي. ولا أستطيع الانحناء لخلع درعي—. نظرت إلى الأسفل، فكان درع الفخذ الأيسر مبعجاً بشدة. سألت: —أمن الآمن خلع ذلك القطع المبعج؟— فتح سيموس عينيه ونظر إلى الأسفل مستنداً إلى الطاولة.
—نعم، لا أظنه اخترق جلدي. لكن عظم فخذي قد يكون مكسوراً—. —حسناً— قلت. أخذت نفساً عميقاً، ثم شرعت في فك الأبازيم المعدنية التي تحكم ربط قطعتي الدرع الأمامية والخلفية. مع انطلاق آخر أبزيم، أصدر أنّة ألم عميقة ثم تنهد. —أبخير أنت؟— سألت. —لا، لستُ بخير البتة، ولكن نأمل أن يتمكن ذلك الكاهن هناك —مشيراً إلى لوركان— من إصلاحي قليلاً—. التفت لوركان نحوهما وقال: —يمكنني تثبيتك، لكن ليث استنزف معظم طاقتي.
كان ينزف في دماغه. الرمح الذي أصاب عينه كاد يودى بحياته. تطلبت تلك الإصابة قدراً كبيراً من الطاقة لشفائها—. يا للهول... بدا وكأنّه كان على شفير الموت. —أجل— قال سيموس. —كان طريح الأرض حين وجدته. لولا تيسكم اللعين لكنت في عداد الموتى—. —ماذا؟— قلت وبصوت ينم عن الحيرة. ضحك سيموس. —لم أره بنفسي، لكن ليث كان واقعاً، وكان ذلك التيس اللعين يقف فوقه. وكانت الدماء تغطي قرنيه، بينما يفترش رمح غول ميت الأرض على بعد أقدام قليلة—.
—يا للغرابة— قلت. —يبدو أنني لا أستطيع وضعه في القدر الآن—. أثار ذلك ضحكة سيموس الذي تجهم ألمه فوراً. —لا، أظن أنك لا تستطيع. لكن يجدر بك الذهاب للاطمئنان عليه. آخر عهدي به أنه كان يطارد وحشاً. بمجرد أن حملت ليث، انطلق هارباً—. —إلى أين ذهبتم؟— سألْتُ. —مختني— قال سيموس. كان يتنفس بضحالة ويُصدر أنات أثناء كلامه، لكنه بدا حريصاً على الاسترسال. —إنه مقاوم للنيران ومحصّن.
لم يستطيع ذلك الشامان إسقاطه—. —ما أصاب ساقك؟— سألْتُ. —قرر أربعة أو خمسة منهم منازلتي بمفردهم. لم يفلحوا، لكن أحدهم كان يحمل مطرقة حرب. فتركت فيّ هذه البصمة—. وأشار إلى ساقي. —فهمت— قلت. كان لوركان يقترب، فتراجعت للوراء. وضع يديه على سيموس، فرأيت توهجاً أخضر ضعيفاً بينما أغلق عينيه. لم أتمالك نفسي فسألته: —هل يساعد إغلاق العينين على التركيز؟— أومأ برأسه وقال: —لديك قدرة تشخيصية—.
قالها تعليقاً لا سؤالاً. —تعمل قدرتي بشكل مختلف، فحين أفعلها، أستطيع رؤية الداخل الجسدي. وقد وجدت أن إغلاق عيني يساعدني. ما زلت أرى كل شيء، لكن دون مشتتات—. أبقى يديه على سيموس عش ثوانٍ أخرى حتى خبا التهوج. نظر إلى سيموس وقال: —لديك ضلعان مكسوران، وفخذك متصدع. لكن لا توجد شرايين تالفة. لا أمتلك الطاقة لشفائك الآن، لكني ثبتُّ فخذك كي لا يتشظى ويحدث ضرراً أكبر—. أومأ سيموس برأسه ثم كبح ألمه.
—أيمكننا نقله وليث؟— سألْتُ. أومأ لوركان. —حسناً، أبحاجة ليث إلى مزيد من الشفاء؟— خطر لي أن أسأل قبل نقله. —لا— قال لوركان، —لكنه لن يستيقظ لساعات طويل، وربما ليس قبل الغد. وحينها سيحتاج إلى الكثير من الماء، وبقدر ما يستطيع من طعام—. أومأْتُ. —حسناً، سأحمل ليث إلى سريري. ثم ننقل سيموس إلى غرفة كولين القديمة—. اعترض سيموس. —سأنام في مقصورتي—. —لعمرك لن تفعل— قلت. —لا ندري إن كنا قد قضينا عليهم جميعاً.
هذا المكان آمن—. بدا سيموس مرتاباً، لكنه كفّ عن الاعتراض. حسناً، لم يفعل حتى انحنيت لحمله وصعود الدرج به... وحين انتهيت من إيواء الجريحين في الأسرة، كانت الشمس قد علت الأفق. كانت رائحة الخشب المحترق تفوح في المأوى حين توجهت للانضمام إلى روبرت وتيج. كان الرجلان يقفان بجوار جثة وحش يتدلى منها أرنبَا قتل ملطخان بالدماء يقفان بزهو فوقها. اقتربت، فنظر إليّ روبرت ضاحكاً: —انظر إلى هذين!
كانا يزمجران في وجوهنا كلما حاولنا تحريك هذا الوحش—. لم أتمالك نفسي. وأطلقت ضحكة قصيرة. حين انحنيت لأربت على أرنبي القتل، قفزا عن الوحش ووثبا نحوي، متمالحين بساقيّ. كانا يلطخانني بالدماء، لكنني لم أبدِ اعتراضاً وأنا أمرر يدي عليهما، متأكداً من خلوهما من الإصابات. كان الأرنبان حبلى بوضوح وستلدان صغارهما في أي لحظة. بعد أن داعبتهما قليلاً، قفزا مجدداً نحو الوحش، ناظرين إليّ بتوقع.
أدركت ما يريدان، فقلت: —سأحضر لكما كولين. شكراً لحمايتكما الجلد—. نظر إليّ تيج بغرابة. —هذان ليسا قائدين، لكنهما يتصرفان كأنهما كذلك—. أومأْتُ. —أجل، يصران دوماً على أنهما ليسا كذلك، لكنني أظنهما أذكى مما ينبغي—. أخذت نفساً عميقاً، ثم نظرت إلى تيج. —آسف لشتمي في وجهك قبل قليل. ما الوضع هنا؟ وكيف حدث هذا؟— كانت نظرة تيج حادة، وحدّق في عيني قبل أن يقول: —ما كان لهكذا مجموعة ضخمة أن تتواجد على مقربة منا.
كان معهما شامانان، وعشرون وحشاً وراكباً. لم يُطلقوا أياً من التعاويذ الموضوعة في المنطقة. كان ينبغي أن نمتلك إنذاراً وافراً—. نظر روبرت إلى الأسفل وقال: —سأحتاج إلى تفقد أحجار التعاويذ، لكن يا جون، عليك رفع مستواك واكتساب المهارة. بوسعي شحنها ومعرفة إن كانت مكسورة، لكنني لا أملك القدرة على اكتشاف إن كان أحد عبث بها ليتركها سليمة. هذا ليس دربي—. أومأْتُ. —سأفعل ذلك إذن.
أتدرب كل يوم بالقدرة الوحيدة التي أملكها الآن—. كبح روبرت ألمه وقال: —علينا منحك مهارة تعطيل التعاويذ أيضاً. إنها إحدى لفائف المهارات القليلة المتاحة لكل الفئات. لن تظهر في متجر النقابة، لكن الحاكم لا بد أن يمتلك واحدة تستطيع استخدامها. سيتعين عليك الذهاب إلى البلدة لمناقشة هذا على أي حال—. لم أكن على علم بذلك. كنت أتفقد متجر النقابة كل يوم، مترقباً ظهور المهارات والفئات الجديدة، لكن الحرب كانت تؤخر ذلك.
إن توجب علي العودة إلى البلدة، فسأستفسر عن كل شيء. أعدت أفكاري إلى المهمة الماثلة. —أاطمأننتم على أي من الحيوانات الأخرى؟— —أجل— قال روبرت. —المعيز والخيول بخير. لقد تحررت خيول العمل، فهي تكره الوحوش. ولا تزال كلها هنا. بعضها جريح، لكنها ستعيش طالما نجح لوركان في تطهير جراحها قريباً. أما فرسا الركوب فقد انطلقتا هرباً حين انفلتت خيول الجر. لا أعرف أين هما، لكنهما لستم هنا—.
أخذ نفساً عميقاً، ثم أردف: —الإوز مات، وكذلك العديد من إناث الخنازير ومعظم الصغار—. تجهمت وجهي. —الخنازير خسارة فادحة—. نظر إليّ تيج بطرف عينه. —وماذا عن الإوز؟— —إنهم أغبياء— قلت. —سنحضر المزيد من البط في المرة القادمة—. هز تيج رأسه وحسب. —أتهدّثْتَ مع آيدن بشأن أبقاره؟— سألْتُ. لم أرَ الصبي منذ غادر المنزل لتفقد قطيعه في ذات اللحظة التي خرجت فيها لتفقد الأوضاع. نظر روبرت إلى الأسفل.
—قال إنهم قتلوا ستة من أبقاره، وكلها عجلات حوامل—. كانت تلك خسارة مؤسفة. —سأجده، وأكلمه بشأن التعويض إذن— قلت. نظر إليّ روبرت بطرف عينه، كما يفعله غالباً حين يحتار أو تثيره كلمات أقولها. —تلك ليست مسؤوليتك، أتدري—. —لا أبالي— قلت بحزم. —هذه أرضي، وأنا أتحمل مسؤولية أي شيء يقع هنا—. أخذت نفساً عميقاً، ثم سألت عن الأمر التالي في الأهمية. —وماذا عن مخازن الذرة؟— أجاب تيج.
—احترق أحدها. وغدا تلفاً تاماً على الأرجح. بينما لا يزال الآخر سليماً، لكنه المخزن الذي كنت تطعم منه—. —تباً— قلت. لا يكفي لزراعة الحقول الستة بالذرة وإطعام الحيوانات معاً. سأتحقق مما يملكه متجر النقابة، لكن بذورهم شحيحة بسبب الحرب—. —ألا يبدو غريباً أن تمتلك مجموعة منشقة شامانين اثنين؟— سألْتُ. —نعم— قال تيج. وحين لم يُضف تعليقاً آخر، نظرت إلى روبرت الذي استطرد: —على ما أستطيع تقديره، كان عددهم يقل عن خمسين شامان في البداية عند الهجوم.
قضينا على سبعة أو ثمانية منهم حينها. تشير تقارير الاستخبارات إلى مقتل عشرة آخرين في غارات. بصراحة، جلّ ما في هذا الهجوم لا منطق فيه. توقيتهم كان سيئاً، ومنذ ذلك الحين وهم يجوبون عبثاً بلا وجهة. لا بد أن شيئاً آخر يحدث وراء تلك الجبال—. نظرت إلى الخلف، وقلت: —حسناً، هذا ليس أمراً يمكننا حله الآن. لننظف الأرجح، ثم سأتوجه إلى البلدة بعد يوم أو يومين. علينا حسم ما سنزرعه قريباً—.
سرنا نحن الثلاثة باتجاه مخازن الذرة. كان أحدهما تالفاً تماماً بالفعل. أما الآخر فلم يكن يحوي ما يكفي لزراعة المساحات الست. ومع وجود أربعة خنازير فقط لنطعمها الآن، يمكننا تدبر أمرنا، لكن سيتعين علي زراعة شيئين أو ثلاثة لم أكن أنوي زراعتها أصلاً. سأتحقق من متجر النقابة لاحقاً اليوم. ستحتاج الحظيرة على الأرجح إلى هدم كامل ثم إعادة بناء. فقد احترق جُجلها. لحسن الحظ، ومع دفء الطقس، لم يكن أي من الحيوانات يمكث فيها بعد الآن.
احترق أحد مساكن العمال، بينما تضرر الآخر بشدة. وحين صادفنا جيرالد، شعرت كأنني أنظر إلى وحش شيطاني من الأساطير. كانت إحدى وجنتيه مشققتين، على الأرجح بالرمح ذاته الذي كاد يودي بحياة ليث. وقد غطته الدماء، وأخذ ينبش الأرض بقدمه فور اقترابنا منه ومن قطيعه الصغير. شعرت بالأسف لكوني حملت مشاعر سلبية نحوه يوماً. لقد أنقذ رجلاً وحافظ على قطيعه —الذي لم يكن أباً له حتى— سالماً.
رفعت يدي وقلت بلطف: —يا جيرالد، كنت ولداً طيباً الليلة. أنا فخور بك—. من الواضح أنه لم يفهَم كلماتي، لكن النبرة اللينة بدت كأنها هدأت من روعه. ومع اقترابي منه، بدا وكأنه قرر الاستسلام. مسحت على جسر أنفه مصدراً أصواتاً مهدئة. سيتعين علينا فحص وجنته غداً. كان لوركان قد استنفد طاقته لهذه الليلة. وما زلت بعيداً جداً عن القدرة على شفاء الحيوانات، لذا لم تكن طاقتي الضخمة تفيد شيئاً الآن.
—حسناً يا صاح— قلت بينما سمح لي بملاعبته. —يبدو أنه سيتعين علي تركك تضاجع هذه الإناث في المرة القادمة، أليس كذلك؟— أطلق جيرالد ثغاءً سعيداً إزاء ذلك. حبذا ألا يتحول هذا الرفيق إلى قائد قطيع أيضاً...