يوم الرابع والعشرين. الثالث من أيّار (السبت). واصلت القراءة قليلاً قبل أن أغطّ في النوم نحو الساعة الثانية فجراً، غير أنّ تلك المعلومة الأولى أبت أن تفارق ذهني. بدا إدراج ذلك المقتطف في التقويم أمراً غريباً. أُخبرتُ بأنّ الإمبراطورية تحكم سيطرتها على المعلومات المدوّنة فيه، ولم يبدو ذلك ممّا يرغب الناس في التفكير فيه. حمل اسم المؤلّف، روجر غير الحكيم، رنيناً ينذر بالسوء.
عجزت عن إيجاد أيّ تفاصيل أُخرى عنه في التقويم، لكنّني قد أبحث عنه ذات يوم إن عثرت على مكتبة. حسناً، كان عليّ نفض شعوري بالقلق والاستعداد لبناء كوخ! كان اليوم موعد البدء برصّ الجذوع. تمنيت لو توافر لي مجراف أمامي على جرّاري، لكان ذلك قد وفّر جُلّ الجهد يقيناً! لكن هيهات، لم يكن بحوزتي. ما يعني وجوب الاعتماد على قوة العضلات العتيقة. لحسن الحظّ، صرت أشدّ بأساً بكثير ممّا كنت عليه قبل نقل إلى هنا.
كما شكّلت دفعة القوة الهائلة من مباركة بيلتاين عوناً هائلىً. لدى وصولي إلى حدود الأرض، استقبلني أرنبا القتل المفضّلان لديّ. قفز سبوت نحوي مطقحاً عند قدميّ ما بدا عرسماً أو ابن عرس، شيئاً طويلاً نحيلاً على أيّ حال، ثم رفع بصره إليّ كمن يرجو ثناءً. باستثناء حنجرة محطّمة، كان فروه في حالة مثالية. ودون أن يُترك خلف الركب، طرح باك ثعلباً صغيراً عند قدميّ. وبدا في حالة شبيهة بحالة ابن العرس.
نطق نظير نظرتهما: "انظر إليّ! أبليت بلاءً حسناً، امنحني لُطفاً الآن!".
لبيّت طلبهما بطبيعة الحال. كانا أرنبي قتل شديدي التعلّق، ويؤديان عملاً فائق الروعة في المزرعة. لم أبالِ بحملهما تصنيفاً رسمياً كقائدي قطيع، أو أيّ لقب مكافئ لحيوان غير قطيع. كانا ينظمان بقية الحيوانات ويحفظان المزرعة خالية من الآفات. لم نفقد طائراً واحداً لمفترس حتى الآن، وهو أمر مذهل للغاية حقاً. إثر جرعات حكّ ممتعة، التقطت ضحيتي الأرنبين الأخيرتين وحملتهما إلى كولين فور بلوغي الكوخ.
اكتفى بهزّ رأسه مبتسماً بملء فيه، وسلخهما سريعاً بينما ساعدت إيميلي في إنجاز أشغال الصباح. وما إن تمّ ذلك، وتنعّم الأرنبان بوليمة الفتات الدامي من فريستهما الأخيرة، عارية من الفراء، حتى استعدّ كولين وأنا للعمل. طوال الأسبوعين الماضيين، جمع كولين وأنا حجارة ورصفناها حول المحيط الخارجي لكوخي كي ترتكز عليها الجذوع وتبقى بمنأى عن الأرض. ومع أنّني نويت العيش فيه حتى نهاية موسم الزراعة هذا، فقد عزمت على حفر قبو واستخدام البناء مستودعاً للشتاء.
وضع الخشب مباشرة على الأرض يؤدي إلى تعفّن الجذع السفلي على مدار العامين المقبلين. وستساعد الحجارة في درء ذلك. وضعت حجارة كوخي أقرب إلى الطرف الشرقي لأرضنا، حيث سننشئ ساحة حظيرة ومستودع عُدّة حقيقيين تحسُّباً لإمكانية إخراج جرّاري إلى العراء يوماً. مهما بلغ بنا المطف، ينبغي أن يتيسّر لي تشييد منزل أفسح يحلّ محلّ كوخ إيميلي وكولين، لذا تعذّر عليّ ازدحام تلك المساحة.
كنّا قد حزّزنا جميع الجذوع مسبقاً كذلك. ومع نصال منشارنا المذهلة، لم يتطلّب ذلك جهداً يُذكر. اقترح التقويم حزّاً على شكل حرف V في الجذوع. كانت تلك الطريقة الأسرع والأسهل لتفريغ الجذوع بحيث تتداخل بإحكام وتبقى ثابتة، بيد أنّه نظراً لاحتياجنا المسبق لقصّ جذوع مربّعة بسبب الحجم الهائل للأشجار التي نستعملها، فقد أنجزنا قطوع ذيل الحمامة التي سمحت للجذوع بالالتحام بإحكام شديد حقيقة.
استغرقنا ذلك وقتاً إضافياً، لكنّنا وفّرنا وقتاً جمّاً بفضل المناشير والأزاميل المذهلة التي توافرت لنا. لصنع ذيل الحمامة، قصَصنا أطراف الجذوع لهيئة شبه منحرف بزوايا متعاكسة في كلّ جذع تالٍ. وهنا تكمن أهمية قطعنا وتجهيزنا المسبق للجذوع. متى ما تداخلت الأطراف، ستبرز فجوة ببوصة واحدة في معظم المواضع بين طبقات الجذوع حيث سنضع الحشو، ثم نلطخه في مكانه لملء الفراغات. كنّا قادرين تماماً على تنفيذ قطوع دقيقة بالقدر الذي ينتفي معه الحاجة للحشو أو اللطخ، لكنّ التقويم أفاد بأنّ ذلك قد يفضي إلى تسلل الرطوبة بين الجذوع مسببة التعفّن، تماماً كما لو وضعت الجذوع على أرض عارية.
بغياب المعدات الحديثة لتجميع الكوخ، غدا العمل أيسر بكثير مقارنة بالفترة ذاتها على الأرض. قطّع نصل منشار السحري الخشب كالزبدة، ولم يثلم. وقاسَت واجهة مستخدمي الأمور وأسقطت خطّاً في بصري للحفاظ على قطوع مستقيمة في كلّ مرة. لم أمارس قدراً كبيراً من أعمال النجارة أو تحسين المنازل في وطني، لكن حين كنت أفعل، كان الأمر فوضوياً دوماً. أستعدّ للقياس، فأدرك ضياع متر القياس وقلمي، ثم يطجبي المطاف للبحث عن مكان وجودهما قبل أن أكرر العملية مرات أُخرى.
بحلول نهاية المشروع، تجد ستة أقلام وثلاثة أمتار قياس منثورة بين منشاري وأيّ مشروع حاولت إنجازه. استغرقني الأمر بضع ساعات لقصّ بضع رفوف فحسب. ومع تتبّع واجهة المستخدم للأمور، لم أضطر للتوقف قط بغية إيجاد شيء. تراءى لي خطّ موضع قطع المنشار كأنّ ليزراً قد خطّه. نظراً لكون كلّ شيء مقصوصاً سلفاً، ورصفنا الجذوع بالترتيب الذي سنحتاج إليه، بدا يسيراً تجميع جزء معتدب من الكوخ بسرعة.
خصّصنا ثلاثة أيام لبناء الكوخ قبل الشروع في زراعة الذرة، بيد أنّني تيقّنت بحلول الظهيرة من إمكانية تشييد الهيكل في يومين فحسب. ومن المرجح استغراق إنجاز الحشو وقتاً أطول، غير أنّني وثقت من نومي فيه بحدّ أقصى يوم الإثنين. أو كما يجدر بي تسميته، ديد ليون. لا زلت أكابد أيام الأسبوع. مع دورة أسبوعية من سبعة أيام، لم أُجبر على تغيير عمليتي العقلية للأيام. لو كانت دورة الأسبوع عشرة أيام، لاعتقدت أنني تكيّفت بيسر أكبر.
مع القطوع الدقيقة، تداخلت جذوعنا كافة تماماً كما خططنا. لا زلنا بحاجة لحشو الطين لجعل الأمور محكمة الإغلاق، لكنّه تداخل بصورة أفضل بكثير من أيّ من الأكواخ الخشبية القديمة التي عاينتها في وطني باقتصار الأمر على تلك الفجوة الضئيلة ذات البوصة الواحدة. في الجبال الواقعة شمال وادي الكنز، لا تزال توجد بعض الأكواخ الخشبية القديمة المتروكة والمتهالكة الآن. يتيسّر لك رؤية كلا جانبيها بسهولة الآن بعد أن تآكل الحشو.
تلاقت جذوعنا بانحراف لا يتجاوز بضعة مليمترات في أيّ من القطوع. بحلول الظهيرة، رصَصنا الجذوع حتى مستوى رأسي. واجه كولين، الذي نال بدوره علاوة قوته رغم عدم حصوله على صفّ بعد، صعوبة يسيرة فحسب في رفع الجذوع بارتفاع كافٍ بحلول تلك اللحظة. فقد بلغت زنة الجذوع قرابة أربعمائة رطل بعد كل شيء. صرت الآن أقوى بكثير واستطعت معالجتها بمفردي تقريباً، لكنّها ظلت طويلة وعسيرة المراس، لذا اكتنف الخطورة محاولة إنجازها وحدي ولم أرغب في تمزيق عضلة.
لم أرد تعرضه للأذى جراء إسقاط جذع، لذا توقفنا لتناول غداء من الفاصوليا وخبز الذرة، إلى جانب سلطة أُعدّت من اللفت والفجل وبعض النباتات البرية كبراعم الهندباء وخردل الثوم ومرق خلّي أعدّته إيميلي. بدأ المرق يروق لي، لكنّه بدا حاداً أكثر مما تعودت. حتى في وطني، فضلت الرانش أو شيئاً قشديّ القوام على التتبيلة الخلّية. وبينما تناولنا الطعام، بحثت كيف يبني أغلب الناس هذه الأكواخ إن غابت عنهم القوة أو المهارات اللازمة لرفع الجذوع فوق رؤوسهم بيسر.
اقترح التقويم طريقتين. تمثلت الأولى في صنع منحدر من جذوع أخرى ثم دحرجة الجذوع صعوداً إلى مكانها. كانت جذوعنا مربعة، لذا تعذر دحرجتها صعوداً بيسر. وتلخصت الطريقة الثانية في استخدام الحبال والبكرات. نصبنا إطاراً على شكل حرف A واستخدمنا البكرات لرفع الجذوع ووضعها في مكانها. لعدّ ذلك فكرة رائعة لو فكرنا بها مسبقاً. باهظ التكلفة طلب الحبال والبكرات من المتجر وجلبها إلينا، وسيهدر بضعة أيام إن توجهنا مشياً إلى البلدة لجلبها بأنفسنا.
استقرّ رأينا على طريقة المنحدر، ورغم جذوعنا المربعة، فقد أدت الغرض بصورة جيدة نوعاً ما. جعلت كولين يقف في المنتصف، بين جذعي المنحدر، ليثبته بإحكام كي لا ينزلق هبوطاً بينما رفعت كلا الطرفين. لم تكن مثالية، لكنّها أتاحت لنا إقامة الجدران الأربعة بأسرها مع حلول أوائل المساء. بفضل سهولة قطع الخشب بالحجم المثالي حين تواجدنا عند السفح، قررت إضافة سقف مائل لمنحي مساحة رأسية أرحب قليلاً.
لم يكن ضرورياً البتة، لكنني ارتأيت أنّه سيساعد في تبديد شعوري برهاب الأماكن المغلقة في المساحة الضيقة نسبياً. تطلب الأمر ثلاثة عشر جذعاً بطولها الكامل إضافياً فحسب، لذا لم يشكل جهداً إضافياً طائلاً. قصرت الجذوع الأخرى كلما اقتربت الذروة من الاكتمال. كما حلّ السقف المسنّم مشكلة وقت وموارد واجهناها أثناء التخطيط للكوخ. تمثلت المعضلة الكبرى في غياب أخشاب تسقيف مقصوصة مسبقاً لأسقفي.
في الوقت الحاضر، سنستخدم مشمّع قماش اشتراه كولين في البلدة ريثما كنت أؤدي التدريبات. حوى التقويم مقترحات عدة لكيفية تسقيف الكوخ بصورة صحيحة، لكنّها تطلبت إما مهارات أو تخطيطاً مسبقاً. كان الأبسط مجرد قطع الأخشاب لتستقر فوق جذوع الجملون وسمرتها في مكانها. ثم أستطيع إما شراء مادة شبيهة بورق القطران من النقابة، وهي باهظة التكلفة للغاية، أو صنع ألواح خشبية مثلما استخدم بناة صف الحرفيين لبناء كافة الأكواخ الخشبية هنا في الأقاليم.
بيد أنّ تلك العملية تعذرت عليّ في غضون فترة وجيزة. لا سيما وأني لست مضطراً لامتلاك مهارة لصنع الألواح الخشبية، لكن بلا مهارة تطلّب الأمر مدة تصل إلى ثمانية عشر شهراً لمعالجتها بالشكل السليم. امتلك الحرفيون مهارات بناء اختزلت الوقت اللازم لمعالجة الأخشاب. كما حاز حرفيو المستوى العشرين قدرات تنشئ تلقائياً ألواح أبواب ونوافذ بعد قطعهم كافة جذوع الأبواب والنوافذ. كان الأمر رائعاً حقاً.
أطلعني التقويم كذلك على عملية صنع ألواح لحاء من أشجار التوليب. لم تكن لدي أدنى فكرة عما تكون شجرة التوليب إلى أن قرأت عنها في التقويم. ذكر أنّ شجرة التوليب تعدّ عضواً في عائلة الماغنوليا، شجرة أدركت نموها في الجنوب الشرقي الأمريكي على الأرض. وقع موقعنا عند الطرف الشمالي الأقصى لنطاق الشجرة، لكنها شاعت للغاية على بعد بضع مئات من الأميال إلى جنوبنا. بوسعها النمو لتتجاوز مائة وخمسين قدماً، وبدت مثالية للبناء.
تسنّى لجذوعها بلوغ ستة أقدام قطراً، وغالباً ما غابت الفروع لمسافة مائة قدم في شجرة ناضجة. الأرجح أن الكوخ الذي تعيش فيه إيميلي وكولين شُيّد من أشجار التوليب. يقص العمال أشجار التوليب في الربيع، ثم يتسنى لهم قطع وقشر لحاء الشجرة بقطع هائلة. ومن ثم يُسطّح اللحاء ويُجفّف. وبوسع حرفي ذي المهارة الملائمة تشكيلها باتقان ومنحها بنية واستقراراً إضافيين. إثر القراءة عن ذلك، تحريت عن شراء الألواح من المتجر، لكنّهم باعوها بأكملها لهذا العام.
سيقيني مشمع قماشي المطر طوال الصيف والخريف، وما كان ينبغي لي النوم في الكوخ الخشبي بحلول الشتاء، لذا فإنّ قراءتي بأسرها حول الطرق السليمة لتغطية كوخي بدت ممتعة، لكنها عديمة النفع في نهاية المطاف حتى الشتاء. جعل سقف القماش الجملونات ضرورية قطعاً لضمان سيلان المياه قبالة سقف قماشي. لو تركت مسطحاً، لربما أفضت عاصفة مطرية ضخمة لانهياره فوقي. في تمام السادسة، أعلنا توقفاً عن بناء اليوم، واغتسل كولين وأنا قبل أن نساعد إيميلي في أداء الأعمال، بمؤازرة أرنبينا القتل الفاتنين.
وبينما راقبتهما يسوقان الأوز والبط نحو المنزل، حيث تؤويان للمساء، عجزت عن كبح تأملي بأنّ الأرنبين أثارتا رعبا شديداً قبل بضع أسابيع فحسب. أما الآن، فأحببتهما بقدر حبّي لأيّ كلب امتلكته قط. وكانا يقيناً أنفع بكثير من أيّ كلب ملكته طوال حياتي. ___________________________________________________________________________ ينقسم المستوى الأول لصف الحرفيين إلى ثلاثة صفوف فرعية، مثلما هو الحال مع سائر الصفوف تقريباً.
تتيح امتيازات الصف الأساسية في الغالب إعداداً أسرع للمواد، كالسماح للأخشاب المقصوصة بالعلاج بمعدل أسرع، أو استهلاك مواد أقل. الصفوف الفرعية الثلاثة هي:
نجّار: يركّز هؤلاء الحرفيون على الهيكل الإنشائي للمباني الخشبية أساساً. حرفي أخشاب: يركّز هؤلاء الحرفيون على اللمسات التزيينية، إلى جانب الأرضيات، وإطارات النوافذ والأبواب، والأبواب، والرفوف البارزة فوق المواقد. صانع خزائن: يصنع صانعو الخزائن الخزائن، فضلاً عن الأثاث وغيرها من القطع الصغيرة القابلة للتحريك.
بوسع أي حرفي كفء تجميع أي جزء من مبنى خشبي، بدءاً من الهيكل العظمي وحتى الخزائن، غير أنهم يتخصصون ويتلقون مهارات وعلاوات في أحد تلك الأجزاء الثلاثة المختلفة للمنزل. مقتطف من دليل الإمبراطورية للفئات الصادر عن الأكاديمية الملكية للأبحاث. مؤلفون متعددون. هذا الكتاب متاح في متجر نقابة التجارة.