۹ إبريل، الثامن عشر (الجمعة) استقبلتني سماء رماديّة نذيرة شؤم حين استيقظت في يومي التاسع على أرض تالم. كان الهواء عليلاً، ولا يوحي بأن الحرارة ستدبّ فيه كما كانت في الأيام الفائتة. يذكر التقويم أن متوسط الحرارة العليا في مثل هذا الوقت من السنة يبلغ سبعين درجة، لذا فإن درجات منتصف السبعينات التي عهدتها طوال الأسبوع الماضي كانت أعلى من المتوسط بقليل. مع هذه الغيوم، بدا لي أنه سيشقى حتى يبلغ السبعين اليوم.
كانت الحرارة في هذه اللحظة خمس وأربعين درجة فحسب، وهي برودة تقرص بلاشك. أدرت الجرّار ثم ذهبت وقضيت حاجتي مستظلاً بالجانب المحجوب منه عن الريح. ألقيت عليّ سترتي من كارهارت وغطّيت نفسي مجدداً ببطانيّة صوفيّة ريثما يحمى الجرّار. كنت ممتناً حقّاً لأنني احتجتها اليوم. حين بلغت كلّ قطعة حرارتها المطلوبة، ضبطت السرعة على خمسة عشر ميلاً في الساعة عبر العجلة الإبهاميّة المثبتة بمقبض القيادة.
دفعت المققبض إلى الأمام، فتحرك جرّاري صوب المزرعة. كان أبي يرتاب قليلاً من نواقل الحركة الـسي في تي حين ظهرت للمرة الأولى. كان من عشّاق نواقل جون دير التي لا تضطرك لاستخدام القابض للتعشيق. كانت طرازاته المحبوبة 4440 تضمّها. تلك التي ترعرعت وأنا أستخدمها يافعاً، لذا أحببتها بما يكفي. كان طراز السرعات الثامن ناقلاً كامل القوة ولا يتطلب القابض أبداً. كان لدينا طراز بست عشرة سرعة يحبّ استخدامه للحراثة، وهو يتطلب قابضاً لتجاوز تروس معينة.
لم أكن أستعمله كثيراً غير أن أبي كان يفضل حراثة الأرض بنفسه حين كنا لا نزال نستعمل تلك الجرّار. كنت أستخدم غالباً طراز السرعات الثامن وأقوم بالتجريف. مع أن مكيفات الهواء كانت تعمل بكفاءة حين أخذ أبي يحرت بانتظام، إلا أنه ظلّ يفضّل دائماً الحراثة ليلاً. كان ذلك إرثاً من عهد جدي، حيث اعتاد الناس إنجاز الكثير من أعمال الجرّارات ليلاً إن أمكن. حتى الجرّارات القديمة بلا مقصورة والتي اقتصرت على مظلة كانت تصبح بالغة الحرارة، إذ كنت تجلس أساساً فوق ناقل الحركة وأمامك مباشرة محرك ضخم.
كانت المرة الأولى التي حرثت فيها حقلاً وحدي ليلاً ذكرى بالغة الروعة. ظللت أتذكر ذلك الدفء الذي كان يسري في الجرّار من الأسفل. لم يكن بوسعك أن ترى سوى ما تنيره أضواء الجرّار. شعرت وكأنني في عالمي الخاص الدافئ والمريح. كان جرّاري الحالي يضم نحو اثنين وعشرين ضوءاً، وبدا وكأنه ينير كل ما في دائرة نصف قطرها ربع ميل. كان أمراً رائعاً حقّاً، لكنه لم يمنح ذلك الدفء الحميمي.
كنت أرفع صوت الراديو أو مشغل الإم بي 3 المبكر لأستمع إلى الموسيقى عسى أن تساعدني على اليقظة. لحسن الحظ، لم أنم قط أثناء الحراثة، فقد كان ذلك كارثياً. حين كنت في السابعة عشرة تقريباً، غلبني النوم ذات مرة بينما كنت أجرف حقلاً. حسناً، ما فعلته حقّاً هو أنني غِبت عن الوعي. كنت قد خرجت للشرب مع رفاقي قبل أن أمتطي الجرّار. لم أظن الأمر جللاً بما أنني مشيت من البيت إلى الجرّار.
قدرت أنني ما دمت لا أود القيادة على الطريق فسأكون بخير. لكن حين استيقظت، كان السبب هو اصطدام الإطارات الأماميّة لجرّاري بخندق خرسانيّ عند الطرف العلوي للحقل. لقد دفعني ذلك إلى الأمام نحو عجلة القيادة فرَضوض عظم قصّي. لحسن الحظ، لم ألحق أيّ ضرر بالجرّار. لم أكن متأكّداً بعد إن كان أبي وجدي يعلمان أنني كنت أشرب؛ وممّا لا شك فيه أنهما كانا يعلمان أنني أحبّ اللهو في ذلك الوقت.
بحق الجحيم، لقد شجّعاني عملياً على ذلك. خلف أحد أسراب البطاطس، أعدّا مكاناً فيه حفرة للنار مستورة عن الطريق. كانا قد أخذا نصيبهما الوافر من الشرب في شبابهما. لذا كان توجههما أنهما يفضلان أن أشرب أنا وإخوتي، برفقة أصدقائنا، في مكان بوسعهما مراقبتنا فيه شبه مراقبة، عوضاً عن أيّ إغواء لشرب الخمر أثناء القيادة. كانت تلك هي القاعدة الصارمة الوحيدة التي فرضها والداي؛ لا شرب مع القيادة.
كانت لدينا ورشة مدفأة على خطوة قصيرة من حفرة النار وتضمّ مجموعة من الأريائك. لقد توقعا منا، ومن أيّ شخص يرافقنا، المبيت في الورشة إن كنّا نشرب. لقد عشت طفولة ممتعة حقّاً. كانت السنوات القليلة الماضية شاقة على الصعيد العاطفي، ولم يكن أحد في العائلة من النوع العاطفي الفياض الحنون. معاذ السيّد أن تحاول الحديث عن المشاعر… لكنهما حرصا دائماً على توفير ما نحتاج إليه. كان والداي وجداي يحضران كل فعالية رياضيّة أو نشاط لأربعة إتش شارك فيه أيّ منا.
كنا نرحل في عطلات نحو المقصورة كعائلة واحدة، وقضى الجميع وقتاً طويلًا معاً. بسبب ترابطنا الوثيق، صُعِقت تماماً بخبر استبعادي من مستقبل مزرعة العائلة. انتهت أفكاري تماماً حين توقفت عند السياج المحيط بالمزرعة. كان غطاء السحب كثيفاً لدرجة أنه بدا مظلماً عملياً. رأيت كولين وإميلي قبل أن تنير أضواء المنطقة بفضل المصابيح التي كانا يحملانها. وما إن توقفت بجرّاري، حتى أخمدا فتيل مصباحيهما معاً.
أبدت إميلي بعض الدهشة لفاعلية أضواءي، لكن كولين كان قد رآها مرة من قبل. ظلّ منبهراً، لكنه لم يعلق عليها. أطفأت الجرّار في الوقت الراهن، ثم ارتديت سترتي من كارهارت وقفازاتي قبل أن أنزل إلى الصباح البارد والعليل.
حين مشيت نحوهما، أطلقت قشعريرة لا إرادية وهتفت: "بررر!"
بنبرة مبالغ فيها وأنا أتناول دلو الماء من يدي إميلي المرتديتين القفازين.
ابتسمت لي وقالت: "الجو بارد بعض الشيء هذا المطر. أعتقد أن المطر سيؤجل حتى بعد الظهر، وربما حتى المساء، لكنه سيهطل بغزارة بحلول حلول الظلام".
قلت بتشكك وأنا أرفع نظري إلى السماء: "حقّاً؟ يبدو وكأنه قد يهمر في أيّة لحظة الآن".
هزّت رأسها والتقطت مصباحيهما معاً؛ مصباحها ومصباح كولين.
"لا، فالغيوم ليست داكنة بما يكفي بعد. تحبس جبال الحاجز العواصف الصغيرة. ولهذا تكون العواصف التي تصيبنا شديدة غالباً".
تابعت شرحها ونحن نمشي.
"لست خبيرة، لكن ساحراً مائيّاً أخبرني أنه يعتقد بأن الجانب الآخر من الجبال أكثر مطراً بكثير من هذا الجانب. تمتص الجبال قدراً كبيرًا من المطر. وقال إن هذا هو السبب أيضاً في كثرة أراضي المروج هنا، وقلة الأشجار. وقال أيضاً إنه لولا مساعدة النظام في موازنة الطقس بطريقة ما، لكانت هذه المنطقة أكثر جفافاً بكثير مما هي عليه الآن".
كنت منبهراً. لم أكن خبيراً بالطقس، لكنني عرفت طقس جنوب غرب أيداهو جيداً لأنني احتجت إلى معرفته من أجل الزراعة. لم تكن جبال أويهي نحو الغرب بحجم جبال الحاجز هذه على ما يبدو، لكنها مع ذلك تركت جنوب غرب أيداهو أكثر جفافاً بكثير مقارنة بجانب أوريغون. أما جبال كاسكيد الأبعد غرباً، فقد فعلت فعلتها وجعلت ساحل أوريغون غابة مطيرة أساساً، بينما كان جانب أوريغون الغربي أكثر جفافاً، وأقرب إلى مناخ أيداهو.
كل ما قلته في هذا الشأن هو: "فهمت"، ولا زلت أتساءل عن كيفية تأثير الجبال في وطني وهنا الآن.
قالت إميلي بنبرة دفاعية: "كما قلت، هذا ما أخبرني به ساحر".
لا بد أنها فسّرت إجابتي وكأنني أتجاهلها. اعتذرت بسرعة.
"آسف! لم أكن أتجاهل ما قلتيه، كنت أفكر فقط".
في مدى جنون قدرة النظام على المساعدة في تنظيم الطقس! أتساءل إن كان يعادل الطقس القاسي في العالم أجمع؟
"هل تأتيكم عواصف عارمة كثيرة من الشرق، أم أن النظام يتحكم في ذلك أيضاً؟"
كنت أفكر أيضاً في كيف أن البحيرات العظمى وجبال الأبالاش المتآكلة في عالمي تعني أن الساحل الشرقي يتعرض لعواصف شتوية عارمة.
تابعت حديثي: "وماذا عن العواصف الشتوية؟ أنا متأكد أن التقويم يمكنه إخباري بهذه الأمور، لكن يبدو أن لديك معرفة جيدة".
بدت إميلي مسترضاة بكلامي وأسئلتي اللاحقة. ربما كان يصعب عليها ألا تلاحظ أن تشتت انتباهي أمر سهل.
قالت: "حسناً، لم نشهد سوى عاصفتين خريفيتين رئيسيتين. كانتا كلتاهما في السنة الثانية. أُخبرت، على يد الساحر ذاته، بأنهما كانتا ارتداداً لسحرهم الذي جلب لنا مزيداً من الرطوبة في السنة الأولى".
"شتاؤنا معتدل تماماً. متوسط الحرارة في يناير أعلى من الصفر خلال النهار، وفي أواخر العشرينات ليلاً. كان طقس الشتاء الماضي طبيعياً أيضاً، وفقاً لذلك الساحر ذاته. أطول مدة استمر فيها الثلج على الأرض كانت عشرة أيام في نهاية يناير وبداية فبراير".
قلت بحماس: "شكراً!"
كان يناير وفبراير هما كانون الثاني ووفق حسابي.
"لا يبدو ذلك سيئاً للغاية".
مع ذلك، كنت لا أزال مرتبكاً بعض الشيء بشأن الطقس، ولم يبدو السؤال عنه خطيراً، لذا مضيت فيه.
"يبدو أن النظام يمنع معظم الناس من بلوغ كامل قوتهم. كيف سنّ الساحر مثل هذا الطقس القوي؟"
حدقت إليّ بشفتين مطبقتين، وهو أمر قلّما رأيته في الأيام القليلة الماضية. شرعت في الكلام، ثم توقفت حين رأت كولين يقترب منا. كان كولين قد فرغ من ملء حوض ماء الخنازير، بينما كنت واقفاً حاملاً الدلو الذي يحوي الماء الخاص بالمعز. تناول مني الدلو بما أنه فتىً طيب. ساعدت في التغطية على إميلي، فسألت كولين عن رأيه في الشتاء.
"كولين، الشتاء أسوأ من الصيف، أليس كذلك؟"
"ليس طالما امتلكنا ما يكفي من الحطب للشتاء! أو الفحم، على ما أظن".
قال الأخيرة بابتسامة وهو يتطلع صوب كومة الفحم.
"لكن الصيف قد يصبح حاراً للغاية. في الصيف الماضي بلغت الحرارة نحو مئة درجة تماماً لبضعة أستابيع في أغسطس. كان ذلك قاسياً".
بعد أن أبدى رأيه، أخذ الدلو وحمله نحو المعز. ابتسمت في إثره.
"شكراً لك، كولين".
اكتفى بالنظر إلى الأرض وواصل مسيره. ابتسمت إميلي ووافقته على تقييمه.
"نعم، قد يكون الحر أسوأ بكثير من البرد في التعامل معه، سيما القادمين من ألبيون. الجو هنا أدفأ بكثير خلال الصيف".
لم أستطع سوى التخيل. لم أضطر قط للعيش في عالم بلا تكييف هواء. أظنني نظرياً ما زلت بلا تكييف. كان جرّاري يملك مكيفاً، ويزعمون أن ثمة سحراً يمكنه إنجاز المهمة أيضاً. ستساعد صناديق الثلج السحرية والمروحة على تبريد الأمور كثيراً، لكنني سأختبر ذلك بالتأكيد هذا الصيف. صُممت المقاصير الصغيرة التي عاشت فيها إميلي وكولين، والتي سأقوم ببنائها، لإبقاء الناس أحياء خلال أسوأ فترات الشتاء.
لقد حبست سقوفها المنخفضة، وصغر حجمها، وعزلها الجيد للحرارة بشكل مدهش، الدفء. وربما يحبس التصميم ذاته حرارة الطهي والبيئة خلال الصيف. لقد وصف أكثر من شخص، سياسيّ وعالم على حد سواء، تكييف الهواء بأنه الاختراع الأهم في القرن العشرين. لقد سمح للناس بالقيام بالأعمال الإدارية نهاراً على الأقل. وما إن جرى وضعه في معدات الزراعة، حتى غيّر حياة عائلتي بكل تأكيد. حتى وإن كان أبي لا يزال يستمتع بالحراثة ليلاً، فلم يعد ذلك ضرورياً.
تنهدت إميلي وقالت: "حسناً، يجدر بي الكفّ عن الثرثرة وإعداد الإفطار. سيكون الوجبة مزيداً من السكراپل اليوم، مع السمك".
اكتشفت أن السكراپل عبارة عن كرة مختلطة من الدقيق واللحم المتبقي. وعادة ما يكون لحم خنزير أو ما شابه، لكن كولين ظلّ يصطاد السمك، لذا احتوى سكراپلنا على السمك. كنت لأكذب لو قلت إنني أعشقه، لكنه أبقى بطني مملوءاً، ولم يتطلب مني الطهي لنفسي، لذا كنت لألتهم حصتي دون تذمر. قبل أن تستدير للذهاب، أجابت إميلي عن سؤالي بشأن الطقس.
"جون. لا يزال هناك أشخاص بالغوا القوة. بعيداً جداً عن المستوى العشرين، وربما أبعد بكثير عن تلك النقطة. لكن عادة ما يقتصر الأمر على أولئك القادمين من عائلات نافذة. وغالباً ما يقول أصحاب النفوذ إن السبب يعود إلى كونهم أكثر موهبة بطبيعتهم، أو أن النظام قد باركهم. لكن هناك من يقول إن السبب هو أن أصحاب النفوذ يملكون طرقهم في الارتقاء بمستواهم والتي لا يطلعوننا عليها نحن البقية".
عبست وتابعت: "بعض أولئك الناس قادرون على فعل أمور استثنائية بحق. لكن يا جون، أرجوك لا تتحدث عن ذلك مع أحد. من الأجدر تماماً ألا تلفت الانتباه إلى نفسك بهذه الطريقة. أنت تعلم أنك ستلفت بالفعل انتباه بعض ذوي النفوذ نهاية موسم الزراعة. سيكون ذلك عسيراً بما يكفي لتبيّنه، ولست بحاجة لإضافة المزيد إلى ذلك الانتباه مبكراً".
أومأت برأسي فهماً.
"يبدو حسناً. سأساعد كولين في الأعمال الروتينية في الواقع. أفترض أنه يجب علينا إخراج الحيوانات مرة أخرى؟"
أومأت تأكيداً، ثم استدارت وتوجهت نحو المقصورة حاملة المصباحين. شعرت بقشعريرة، ثم استدرت نحو كولين وبدأت بمساعدته في أعمال الصباح الروتينية. لم يكن الجو ليحتر، ولم يساعد الحديث بالتأكيد على إبقائي دافئاً. لحسن الحظ أن الأعمال المنزلية ستساعد في حل تلك المشكلة. استمتعت حقّاً بصباحاتي في المزرعة، حتى مع سكراپل السمك. كانت حياة بسيطة، حيث تخلو أفعالي اليومية من التعقيد.
وفي معظم الأوقات استطعت حقّاً أخذ الأمور يوماً بيوم. امتلكت الكثير من الهموم خارج المزرعة، لكن أداء أعمالي الروتينية ركّزني وأتاح لي الشعور بإنجاز حقيقي كل يوم.