ثالث أيام إبريل، الحادي عشر منه، يوم السبت. استيقظت على زقزقة العصافير في ما تبيّن لي أنه يومي الثالث فقط على أرض تالامح. لقد كان يومين زاخرين بالمشاعر والمهام، حتى بدا وكأنهما دهران. شعرت بحال جيدة على نحو غريب رغم أنني نمت على مقعد لليلة ثانية على التوالي. كان مقعداً وثيراً للغاية، لكني عادة ما أشعر بشيء من التيبّس متى أمضيت يوماً شاقاً طويلاً على الجرّار. لا بأس، لم أكن لأتذمر قط.
كانت هناك مهام تنتظرني. أولاً، توجّب عليّ تدبّر طريقة لتنظيف أسناني وثيابي. كنت أملك كيساً عامراً بخيوط تنظيف الأسنان، فكان ذلك حسناً. قصدت طبيب الأسنان قبل أعوام بسبب مشاكل في لثتي، فأخبرني أن السبب يعود إلى سوء استخدامي للخيط. خرجت واشتريت عدة أكياس ضخمة من تلك الخيوط وألقيت بها في شتى المعدات التي أقودها. منذ ذلك الحين، لم أواجه أي مشكلة مع لثتي أو أسناني. حين شممت إبطي، تفاجأت أن رائحتي لم تكن أسوأ من ذلك.
لم أكن في أرضنا، لكني كنت قرب النهر، فمشيت إليه وتجرّدت من ملابسي لأغسل قميصي وملابسي الداخلية على الأقل. كان الجو بارداً في الخارج، والماء يقترب من درجة التجمد، فلم أضيّع وقتاً في التنظيف. لم أملك أي صابون، فاستخدمت بعض الرمال الناعمة لأفرك جسدي. بدا لي أنني قرأت سابقاً بأن ذلك يجدي نفعاً في النظافة الشخصية. لم يكن الأمر ممتعاً للغاية، لكن رائحتي تحسنت بعده. أردت حقاً إيجاد طريقة للاستحمام بماء دافئ في مرحلة ما.
تركت قميصي وملابسي الداخلية تحت فتحات تهوية الأرضية في الجرّار لتجفّ، واكتفيت بارتداء بنطالي الجينز وسترتي ذات القلنسوة. لم يكن ذلك شعوري المفضل، لكن لم يكن بمقدوري الركض نحو وولمارت لتسوية الأمور. ربطت القرص الممشط وعدت أدراجي إلى المزرعة. حين وصلت، كان كولين يقف بالفعل خارج المقصورة، يرسم بقدمه خطاً على التراب. كانت حذاء ذلك الصبي آيلة للسقوط وشيكة التمزق. حقاً، كان عليه الإقلاع عن تلك العادة.
تهلل وجهه حين فتحت الباب وأخبرته أن يصعد. لقد أثبت بلا شك أنه أسهل مراساً في الانضمام إلى صفي مقارنة بوالدته. لم تكن عدائية، لذا ما كان لي أن أتذمر. فلم يمضِ سوى يومين بعد كل شيء. لحسن الحظ، وبغض النظر عن الكوكب الذي أتواجد فيه، فإن الآلات الرائعة تبهر الصبية، وما كولين باستثناء. طالما أحببت تمشيط الأرض بالقرص في بيتي. حين كنت في الثانية عشرة، أجلسني أبي على جرّارنا جون دير 4440 باورشيفت وتركني وشأني في حقل قمح حُصِد حديثاً مجهزاً بقرص تمشيط.
ما زلت أذكر نشوة الحصول على المسؤولية. طالما أكد أبي أن ذلك الجرّار هو أفضل جرّار صُنع قط، فشعرت بالتميّز لكوني قادراً على تشغيله. لم يكن عرض ذلك القرص يتجاوز اثنتي عشرة قدمأ. أما هذا فكان ثلاثين، وتوجّب طي أجنحته على الجانبين ليتسنى له السير على الطريق. بغض النظر عن تفاوت الحجم وطرازات الجرّارات، ظللت أستمتع بتمشيط الأرض حتى يومنا هذا. تطلب التمشيط طاقة أقل بكثير من المحراث، لذا وفي وقت قصير للغاية، انتهينا.
وفور الفراغ من تمشيط الحقول الثلاثة، وضعت القرص خلف المنزل برفقة المحراث، وانطلقنا معاً لجلب آلة التخطيط. كان التخطيط عملاً مختلفاً تماماً... تعود محاولتي الأولى والأخيرة في تخطيط الأرض بشبابي إلى سن الرابعة عشرة. كنت فاشلاً لدرجة أن أحد أشقائي أُسندت إليه مهمة التخطيط منذ ذلك الحين وحتى حصولنا على أول جرّارات مزودة بنظام تحديد المواقع العالمي التي تبقي الجرّار والمعدات مستقيمة وفي مكانها الصحيح.
بطبيعة الحال، صرنا نخطّط البطاطس غالباً في الوقت الحالي، وكانت الآلة تتكفل بذلك بنفسها بفضل أداة التلال المثبتة في مؤخرة الزارعة. معظم أراضينا غير المخصصة للبطاطس في البيت أصبحت تملك خطوط عجلات للري. كانت البطاطس تُخطط دائماً لضمان تصريف التربة السليم من حولها. سلالتنا الجديدة من البطاطس عُدلت لتكون مقاومة لمرض اللفحة، لكن المشاكل ظلت واردة. لو لم تكن آلة التخطيط رخيصة نسبياً، لما أدرجها أبي غالباً ضمن المعدات التي اشتراها لي.
من المؤكد أن التخطيط لم يتطلب جرّاراً بهذه القوة الهائلة، فضلاً عن أن الجنزير جعله سيئاً للغاية في السير إلى الخلف. بصراحة، العديد من المعدات التي اشتراها أبي لم تكن هنا إلا لأن الأمر اعتذار. كان هذا الجرّار مثالياً لتجهيز الحقول للزراعة، ثم لسحب الأشياء الضخمة كزارعة البطاطس التي يناهز وزنها ثمانين ألف رطل بكامل حمولتها. امتلكنا بعض الحقول التي ضمت سبعة أو ثمانية أبراج لتيسير حركة خطوط العجلات.
قبل نحو عشرين عاماً، شاع استخدام خطوط العجلات بشدة في بيتي. أقاموا برجاً مركزياً حيث يزود البئر المياه. ثم تجري المياه عبر الخطوط، مدعومة بأبراج ذات عجلات مزودة بمحركات تضمن حركة الخط. تعلقت خراطيم مطاطية برؤوس مرشات في نهاياتها من الإطار المعدني. وطالما سار كل شيء بسلاسة، ضمن ذلك ري كل شيء بالتساوي. أريت كولين كيفية ضبط الأسنان بناءً على المحاصيل المختلفة. كانت مهيأة للذرة، فخططنا البقعة الشمالية أولاً.
لم يسبق لكولين رؤية حقل مخطّط من قبل، وبدا مرتاباً بعض الشيء حيال مصدره. شرح كيف يصنعون التلال لزراعة الذرة. كانوا يرتبون التلال على هيئة شبكة ويضعون أربعة إلى ثمانية بذور في كل تلّة يدوياً. وبدا جلياً أنه لم يزرع البطاطس من قبل، أما القمح فكان يُبذر يدوياً. وبينما كنا نخطّط، رأيته يحاول تمديد جسده في مقعده.
سألت: "أتألم قليلاً اليوم؟"
أجاب كولين وهو يستعين الآن بالمقبض فوق الباب ليمنحه عزم الدفع: "أجل، لم أنم جيداً الليلة الماضية. تقلّبت كثيراً".
أطلق ضحكة قصيرة.
"على الأقل لم تنم في هذا المقعد، لكنني أشعر بحال ممتازة بشكل غريب حتى الآن. ظننت أن ظهري س يؤلمني جراء النوم في هذا الشيء".
قال: "أوه".
ورأيته في المرآة يرمقني بنظرة جانبية.
"قلت إنك لم ترتقِ في المستويات قط بمستوى عالٍ من قبل. لعلك نسيت أنه من المفترض أن تشعر بحال ممتازة طوال الوقت الآن وقد بلغت المستوى العشرين. المستوى العاشر هو الدفعة الحقيقية الأولى. وكل مستوى فوقه يضيف القسوة قليلاً".
وتابع حديثه: "أنت أشد قوة وأصح جسداً مقارنة بأمس أيضاً. ربما بنسبة تقارب عشرين بالمائة. تكسب نحو واحد بالمائة مع كل مستوى. في المستوى العاشر مع حرفي ريفي، لن تمرض كثيراً، ويمكنك العمل لفترة أطول. لا أعرف ما هي النسبة، لكن الارتقاء بالمستوى يساعد في أكثر من مجرد المهارات. جون، كيف تجهل كل هذا؟"
أضحكني الأمر.
"أظنني نشأت منعزلاً، نشأت في مكان لا نتحدث فيه عن النظام كثيراً".
رأيته يهز رأسه إزاء ذلك.
"يقولون إن كل مستوى فوق العشرين يصنع فرقاً أكبر فأكبر. هذا ما أسمعه بالطبع. لم أتحدث شخصياً قط مع أي شخص في المستوى العشرين فعلياً. وبدى وجهه حالماً وهو يردف: "بحق الجحيم، معظم من أعرفهم لا يبلغون العشرين حتى لو كان ذلك في مجال العمالة.
يمنحك ذلك قوة أكبر ويساعد جسدك على عدم الانهيار بهذه السرعة. بالطبع قد يكون ذلك معقداً أيضاً. عليك العمل بجد بالقدر الكافي لارتقاء المستوى، لا بالقدر الذي يجعل جسدك ينهار قبل بلوغ المستوى العشرين. لكن الناس يبلغون المستويات أسرع بكثير هنا.
في الوطن، معظم القطع الأرضية صغيرة جداً". قلت: "هذا منطقي". أردت الحصول على مزيد من المعلومات حول أرتوروس وميرلوتوس. لم أرد إظهار جهلي التام بالموضوع، لكني غطست في النوم قبل قراءة أي معلومات تاريخية أخرى عنهما. قدرت أن بإمكان دون عناء جعل كولين يتحدث عنهما دون أن أفتضح أمري. قلت ويدي على المقود، مسمراً نظري نحو النافذة الأمامية كي لا يتسنى له رؤية تعابير وجهي بوضوح: "إذن يا كولين، كم بلغت من التعليم في المدرسة؟
وما مقدار ما علموكم إياه عن تاريخكم؟"
نظر إلى الأسفل مجدداً. بدا الموضوع يزعجه قليلاً.
"حسناً، ذهبت إلى المدرسة خمس سنوات. كهنة النظام يجبرون الجميع على فعل ذلك. كانت تلك قاعدة سنّها ميرلوتوس حين وصل الناس إلى ألبيون لأول مرة".
"كانوا يطعموننا أثناء فترة الدراسة لتشجيع حتى أفقر العائلات على إرسال أطفالهم. كنت لأستمر حتى أبلغ الرابعة عشرة على الأقل، لكننا رحلنا إلى الإقليم حين كنت في الحادية عشرة. ثم استوطنا مزرعة لا تبعد كثيراً من هنا، فصارت بعيدة عن البلدة. واصلت أمي تعليمي بالتقويم الفلكي".
كانت هذه معلومات جيدة حقاً. تحدث كولين كطفل، لكنه لم يبدُ كشخص ريفي جاهل أو ما شابه. بدت والدته بالغة الأناقة، فربما لعب ذلك دوراً أيضاً.
"يتعلم الجميع عن أرتوروس وميرلوتوس في المدرسة. يُفترض أنهما جاءا من عالم آخر!"
كان وجهه مفعماً بالحيوية وهو يتحدث. وازداد حماساً كلما استرسل في الكلام.
"يقول الكنة إن جميع الأعراق ما عدا البشر جاؤوا من عوالم أخرى أيضاً. ويقولون إن الأقزام والجن ما زالوا يملكون سجلات من تلك الفترة. ظلوا أحراراً على الدوام، ليس كالبشر الذين كانوا عبيداً للأورك لأننا لم نكن أقوياء بالقدر الكافي قبل أن ينقذنا النظام. أُرسلت أعراق مختلفة إلى كل قارة من القارات".
لعل الناس لن يفكروا في حرقي على الخازوق لو علموا أنني قدمت من عالم آخر!
غامرت بالقول: "لم يتولَّ الكهنة تعليمي. أقالوا إن الكثير من الناس قدموا من عوالم أخرى؟"
كان قلبي يخفق بقوة الآن. وتذرعت بالعبث بحاسوبي ذي الشاشة اللمسية لأواري ارتباكي.
"ألا تعلم حتى بهذا؟ ماذا علمتك مدرستك إذن؟"
هز رأسه نفياً.
"ليس كثرة، لكن الكهنة يقولون إن أي شخص يففد الوافدين يجب تسليمهم إليهم لتعليمهم طرق النظام. هكذا سار الأمر منذ أن جاء أناس آخرون عبر بوابة منذ زمن بعيد وحاولوا الإطاحة بالإمبراطورية. هكذا أُحضِرت الأسلحة إلى هنا".
حدق بي بريبة، ومؤكداً أنه مراهق لا مسير صفقات ماكر، قال: "لقد عبرت من خلال بوابة. تقول أمي إنها كانت طقوساً عالية المستوى أجرها سحرة ما في مكان ما بالإمبراطورية. لكنك لست قادماً من عالم آخر... أليس كذلك؟"
كدت أضحك على محاولته الفجة في طرح مثل هذا السؤال عليّ. لحسن الحظ، بدا أن النظام يساعدني في الاندماج.
"لو كنت من عالم آخر، هل لكنت أتحدث مثلك؟ حتى أننا نملك لكنات متشابهة، ونتحدث باللغة ذاتها. أليس البشر من بقاع أخرى من هذا العالم لا يتكلمون اللغة ذاتها دائماً، أليس كذلك؟"
أملت أن يكون ذلك الجزء صحيحاً.
"لا، أظن أنك محق. فالجن والأقزام لا يتكلمون الألبيونية قطعاً. وأنت تبدو كواحد منا".
عظيم، عظيم حقاً. هكذا إذن، كان الناس يفدون أحياناً من عوالم أخرى حتى في الوقت الحالي، لكنهم كانوا يُعدّون خطيرين. توجّب عليّ أداء عمل أفضل بكثير في إخفاء أصولي العابرة للعوالم. المشكلة الحقيقية تمثلت في أن الأمر لم يكن نادراً لدرجة ألا تشكل غرائبي إشارات تحذيرية حمراء. كان جرّاري شعلة حمراء ساطعة من إشارات الخطر التي لم أدرِ كيف أتعامل معها. الشيء الوحيد الذي أيقنته هو أنه بمجرد أن أنتهي من عمل الجرّار، سيكون عليّ جلب كل معداتي إلى الغابة وإخفاها بطريقة ما.
في مرحلة ما، توجّب عليّ تبين ما إذا كنت أتحدث الإنجليزية فعلا، أم أن هناك شيطنة ما تخص النظام جارية. وحتى لو جلب أرتوروس وميرلوتوس لغتهم معهما، فكنت متأكداً تماماً أنها كانت اللغة الغيلية أو الويلزية. أذكر أن نظرية أخرى ذهبت إلى أن آرثر التاريخي كان أرستقراطياً رومانية متبقياً. أياً يكن، فقد مضى على ذلك نحو ألف ومئتي عام قبل الإنجليزية الحديثة.