تدفق ضوء الصباح عبر النوافذ الكبيرة لغرفة الدراسة الواسعة الخاصة برئيس عائلة أرتيوس. سقط الضوء على وثيقة كان أليغور يقرؤها بتركيز وعلامات الجدية على محياه. قرأها للمرة الثالثة بالفعل. لكن ما جاء فيها كان خطيراً لدرجة تتطلب منه التفكير ملياً في كل خطوة تفرضها عليه. لم يخفض الورقة إلا حين طرَق طارئٌ الباب. سمح لابنته فالمي بالدخول. شبك يديه وغرق في تفكير عميق.
"أبعثت في طلبي يا أبي؟"
اقتربت فالمي من مكتب أبيها. ظل أليغور غارقاً في تفكيره ومغمض العينين. وحين توقف أمامها أطلق أخيرًا تنهيدة متعبة وتحدث.
"فالمي، يبدو أن الأمير فاليريوس فادار كان مخططاً لزيارة مقاطعتنا بينما كنت مجمداً في الزمن. أكنتِ على علم بهذا؟"
أومأت فالمي برأسها إيماءة خفيفة.
"نجل. كما ذكرت لك يا أبي، كان عليّ إدارة مراسلاتك وأنت في تلك الحالة. غير أنه كان مفترضاً أن يزور مدينة الكونت وحدها. لذا لا علاقة لذلك ببارونيتنا."
شبكت فالمي يديها وأخفضت رأسها.
"بالطبع، قد تكون رغبتك حضور الفعالية مع البارون. لكن نظراً لكل ما حدث، ظننت أن الأفضل لك أن ترتاح..."
"لا تقلقي يا عزيزتي. لا ألومك على شيء. أنا من يجب عليه الاعتذار عن كل ما جرى."
طمأنها أليغور بابتسامة دافئة. لكن ملامحه ما عادَت سريعة التحول إلى الجدية.
"المشكلة هي أن زيارة الأمير تبدو متورطة في بارونيتنا أكثر بكثير مما متوقع."
"ما تقصده بذلك يا أبي؟"
سألت فالمي وقد بدأت ملامح وجهها تظلم بدورها.
"يبدو أن الأمير قد اختُطف."
"اختُطف؟!"
"هذا صحيح،"
أكد أليغور وهو ينهض من مقعده ويتجه نحو النوافذ لينظر إلى الخارج.
"يبدو أن قافلته تعرضت لهجوم من مرتزقة. ضربوا بسرعة جعلت الحرس الملكي عاجزاً عن رد الفعل."
"هذا فظيع!"
هتفت فالمي وهي تغطي فمها بكليتي يديها. أومأ أليغور برأسه.
"لا يعني ذلك أن الحرس الملكي قد هُزم بطبيعة الحال. بل العكس تماماً. حين أعادوا تنظيم صفوفهم، نجحوا في تتبع أثر المرتزقة حتى داخل أراضينا."
"أيعني هذا أن المرتزقة في مكان ما بالقرب من تيريليا؟"
ابتعد رئيس عائلة أرتيوس عن النافذة واستدار ليواجه ابنته.
"طُلب من البارون المساعدة في البحث. وعلينا أداء دورنا في دعمه أيضاً. بصفتي أحد فرسان المدينة، سأقود قواتنا إلى جانب البارون. أما أنتِ يا ابنتي، فأريد منك نشر الخبر في أنحاء أراضينا ليبقى الجميع في تأهب لأي أثر لهم."
"سأرسل الرسائل فوراً،"
ردت فالمي من دون إهدار وقت قبل أن تهرع خارج الغرفة. استدار أليغور أرتيوس عائداً نحو النوافذ وأطلق تنهيدة أخرى.
"آمل ألا يتفاقم هذا أكثر..."
* * *
"مم... أوغ... ما... ماذا يحدث؟"
فتح نيريز عينيه بوهن. اعتاد أن يوقظه ضوء الصباح المتسلل عبر نافذة غرفته في نزل تيسا. لكن هذه المرة، كانت عقبة كعب حذاء مستقرة بقوة على خده. لم يكن ذلك فحسب. بل شعر بضغط على صدره، واستيقظ ضيق النفس تماماً بسبب ذلك. بعد أن أبعد القدم عن وجهه ورفع رأسه قليلاً، وجد امرأتين بملابسهما الداخلية تغطان في نوم عميق على سريره. كانت سيريس ممددة على وجهها، بينما رقدت إيلي على صدره.
"لماذا هاتان الاثنتان في غرفتي مرة أخرى؟ تصبح هذه عادة كلما خرجتا وحدهما ليلاً... وتنبعث منهما رائحة الكحول كالعادة..."
نهض نيريز من السرير. لكن غاصبتي خصوصيته لم تتحركا حتى وظلتا نائمتين كجذعين. لم توقظه وجودهما نظراً لعدم نية أي منهما إلحاق الأذى به. كان ذلك متعمداً. وإلا لكانت ذئبة تصطاد خارج أسوار المدينة قادرة على إيقاظه. فرك نيريز جبهته. وبعد أن ارتدى ملابسه، رمى نظرة أخيره على خادميه الممددين عبر سريره.
"في المرة القادمة التي تقرر فيها هاتان التخمر فوقي، سأفرغ عليهما سدلاً من الماء البارد... أحتاج إلى بعض الهواء النقي."
* * *
شق نيريز طريقه نحو نقابة المغامرين، حيث استقبله رين، موظف الاستقبال الذي أصبح أشبه بالوكيل الشخصي لفريقه. اعتبره نيريز بمثابة مصرفي شخصي، وهو دور يمكنه شغله بالفعل، نظراً لامتلاك النقابة مصرفها الخاص غير التابع لأي أمة.
"مهمة بعيدة عن المدينة؟"
سألت رين وهي تسند سبابتها إلى شفتيها وتميل برأسها.
"وتريد خوضها وحدك؟ ماذا حل بفريقك؟ وماذا عن إيليرا وتلك الفتاة الجديدة النشطة سيريس؟"
"أريد إجازة من إجازتي. لذا أحتاج إلى الابتعاد عن هاتين بأسرع ما يمكن. وأي عذر أفضل... أعني، سبب، من مهمة؟ إن لم تكونا هنا للمشاركة، فهذا خطؤهما لتناولهما النوم طوال الصباح."
"فهمت..."
أجابت رين دون أن تفهم الكثير في الواقع.
"مم، المهمة الوحيدة المتاحة الآن والبعيدة عن المدينة والتي يمكن خوضها بشكل فردي هي المساعدة في السيطرة على تعداد البيدير..."
"البيدير؟"
"البيدير مخلوقات بشرية صغيرة بحجم طفل تقريباً. جلدها أرجواني مجعد، وتتيح لها عيونها الحمراء المتوهجة الرؤية في الظلام،"
شرحت رين وهي تعرض عليه ورقة تحمل رسماً للمسخ.
"لا تستهن بها. مخالبها الحادة قادرة على تمزيق الدروع الجلدية بسهولة."
"فهمت. الآن وقد ذكرت ذلك، أعظنني أتذكر رؤية تلك المخلوقات الصغيرة في العتمة... عذراً، في الوطن. لم أعرها اهتماماً قط، بصراحة. مثل أشياء كثيرة أخرى..."
"لكن، نيريز،"
حذرت رين رافعة إصبعاً لتوضيح أهمية الأمر.
"لا يوجد حد أدنى لحجم الفريق لأن المهمة مصممة بحيث يمكن لعدة مغامرين المشاركة بشكل منفصل في الوقت نفسه. ليست مهمة سهلة أبداً. يصطاد البيدير غالباً بمفردهم، لكن إن صادفت مجموعة، فلا تواجههم وحدك أرجوك."
"بالطبع، لا تقلقي. لن أكون وحدي."
"استدعاءات مستحضر الأرواح لا تحتسب كأعضاء حقيقيين في الفريق. عليك معرفة ذلك يا نيريز،"
وبخت رين وكأنها تقرأ أفكاره.
"يستطيع البيدير تمزيق دفاعات هيكل عظمي بضربة واحدة بسهولة!"
"س-سأضع ذلك في الاعتبار. شكراً على التحذير..."
قال نيريز بضحكة محرجة وهو يتسلم ورقة الرسم التي كانت تمده بها رين.
* * *
كانت المهمة لا تزال داخل البارونية، لكنها بعيدة جداً عن عاصمتها تيريليا. قام حراس المدينة بعمل جيد في إبقاء المسوخ على مسافة.
"لولا درب المحجب، لاضطررت للتخييم هنا..."
ظهر نيريز بجانب جثة أرنب، مما فزع ثعلبًا كان قد قتله. بدا أن الجوع يفوق الخوف، فبقي بالقرب من الجثة منتظراً مغادرة نيريز.
"تعج العوالم حقاً بحيوانات متشابهة للغاية لبعضها. أيعود ذلك إلى البيئات التي تتطور فيها؟"
رفع نيريز الورقة التي تحمل رسم المخلوق الغريب المعروف بالبيدير.
"ومع ذلك، يظهر شيء كهذا بين الحين والآخر..."
لم يختار نيريز الموقع عشوائياً. فقد شعر بوجود عدة هالات في الأفق لا يمكن أن تكون سوى مسوخ. لم تلبث حدسه أن ثبت صحتها عندما قاده طريقه مباشرة إلى مدخل كهف تحرسه مجموعة من البيدير.
"للبيدير آذان صغيرة ومجعد، وقالت رين إن قطعها عسير بحق، لذا فإن تذكرت جيداً، اليد اليمنى هي ما يحتسب كدليل على القتل. التفكير في أن قطع اليد أسهل من الأذن... مع ذلك، أستتصدق أني قاتلتهم فرادى إن جلبْتُ مجموعة؟ ربما أكتفي بجلب اثنين فحسب."
استند نيريز بظهره إلى جذع شجرة قرب العرين وفرقع أصابعه. سرعان ما برز من الأرض كيان يرتدي درعاً أسود حالكاً: فارس موت، الشكل المتقدم الذي اتخذته هياكله العظمية بمجرد بلوغ المهارة رتبة إس.
"حسب الهالات التي استشعرها، لابد أن عددهم يناهز المئتين..."
أوقف نيريز تقييمه ليغطي تثاؤبا مفاجئاً.
"سيكفي فارس موت واحد وزيادة. وفي غضون ذلك، سأعوض النوم الذي تدينني به سيريس وإيلي."
وكأنما استجابة لتلك الكلمات، انحنى فارس الموت بعمق وانطلق صوب عش المخلوقات.
"كاء؟ كاكاء!"
"كاكاء!"
عند رؤية الكيان المدرع الضخم مقترباً، أطلقت المخلوقات الأرجوانية المجعدة سلسلة صيحات لتنبه رفاقها بينما اندفعت نحو فارس الموت بسرعة مذهلة. وما زاد إدهاشاً كان ضربة سيف فارس الموت التي شطرت عدداً من البيدير نصفين بحركة واحدة.
"كاكاك ككاك!"
"كاااء!"
غير أن المخلوقات لم ترتدع، بل القت بنفسها نحو الدخيل بغضب أشد.
* * *
بعد قيلولة منعشة دامت نحو ساعة، سمع نيريز صرير درع فارس الموت يقترب. وعندما فتح عينيه، رأى خادمه يحمل كيسًا بالياً نوعًا ما أخذه على الأرجح من المخلوقات نفسها. وكان محشوًا بالكامل بأيادٍ يمنى أرجوانية صغيرة ومجعد. وفي الوقت ذاته، أمسك فارس الموت بجثة بيدير أكبر بكثير من جمجمته بيده اليمنى. لم يكن نيريز يشك في أنه الزعيم.
"شكرًا على التذكار، لكننا لا نحتاج ليد الزعيم. سيثير ذلك جلبة مفرطة، وينطبق الأمر نفسه على هذا الكيس برمته... انتقِ خمسًا فحسب. سأخزنها في خاتمي."
بدأ فارس الموت آليًا في سحب الأيدي من الكيس وإلقائها أمام نيريز. لقد علم أن خادمه يطيع الأوامر فقط، ولكن أثناء مراقبته، لم يسع نيريز إلا تخيل أن فارس الموت يلقيها هكذا إحباطًا لاعتبار كل عمله الشاق بلا فائدة. ... ما إن خُزنت الأيدي في خاتمه وغاص فارس الموت مجددًا في الأرض، حتى استعد نيريز لأخذ قيلولة ثانية عندما لفت انتباهه صوت حوافر خيول متهادية.
"يبدو أنهم توقفوا في مكان قريب... أجاؤوا لصيد البيدير هم أيضًا؟ لسوء الحظ، لم يتب