أوشك الليل على الهطول فوق تيريليا، وقرّر نيريز العودة إلى النزل وتقديم تقريره لنقابة المغامرين بشأن مهمة المقبرة في صباح اليوم التالي. غير أنّ خطط أمسيته لم تتعدَّ تجربة حمامات النزل قبل النوم، بينما كان يوم إيلي بعيداً كل البعد عن النهاية. ركع اثنان من مرؤوسيها التابعين لمرآة أمام الفيزار في تلك اللحظة مع إتمامهما إيصال الأخبار المأساوية. اختفيا من الغرفة دون أثر فور فراغهما.
همست إيلي مستغرقة في التفكير: "لا يمكن للأمور أن تكون أسوأ من هذا... يجب أن أتحرّك في أسرع وقت، وإلا فات الأوان".
* * *
استمتع نيريز في ذلك الوقت بحمامات النزل المشتركة الواسعة. بلغت من السعة حدّ إشغالها مبنىً ملحقاً وإدارتها من قِبل زوج صاحب النزل. تجارة مستقلة بحد ذاتها، رغم إمكانية استخدامه الحمامات بتخفيض بصفته ضيفاً في النزل. مجاناً بالطبع لا أبداً. أخبره صاحب النزل ضاحكاً بعد أن سدد ضربة ودودة قوية على ظهره إنّ لا شيء مجانيّ في هذه الحياة. لم يسأله عما إذا كانت مجانية أصلاً.
اتسعت ثرثرة صاحب النزل وحسب، نقيض زوجه التامّ المصنوع من الحجر على ما يبدو والذي لم ينطق بأكثر من كلمة واحدة في المرة الواحدة. تساءل نيريز عما إذا كان الرجل يحتفظ بمذبح لأيون في غرفته محاولاً اقتفاء أثر مثاله. يثير العجب حقاً اختلاف الأمور في عالم يسكنه السحر. يبدو أمر كهذا غير مألوف البتة لنزل وسط مدينة قروسطية. تختلف القصة بالطبع بالنسبة للقرى المجاورة للينابيع الساخنة.
غاص نيريز قليلاً في الماء حتى غمر كتفيه، ثم زفر بارتياح. رائع بح حقاً. ما زلت أذكر، كأنما وقع بالأمس، الأيام في عوالم أخرى حيث لم أملك خياراً سوى الاستحمام في أنهار متجّمدة...
تمتم نيريز لنفسه: "مع كل هذه وسائل الراحة، يصعب عليهم إحراز تقدّم تقنيّ كبير"، ثم رفع صوتاً أعلى: "وحسناً... ماذا تفعلين هنا بالتحديد يا إيلي؟".
ظهرت إيلي حينئذ على حافة الحمام الضخم. انسدل شعرها الأزرق السماوي بحرية على ظهرها، ولم يغطِ جسدها العاري سوى منشفة.
قالت: "هذا هو المتوقع من سيدي، لا يفلت أي حضور عن انتباهك".
ردّ: "لديك أنتِ في المقابل عادة سيئة تتمثل في غض الطرف عن الحضور الأضعف".
"مم؟ ماذا تقصد بذلك يا سيدي؟".
"علاوة على ذلك، لماذا تحاولين النظر إليّ عبر الماء كأن الأمر عادي تماماً؟ وما زلتِ لم توضحي ما تفعلينه هنا".
"لم أكن أنظر إلى جسدك العاري المثالي! أبداً...! قليلاً فحسب!".
"…".
أجابت الفيزار عن سؤالها السابق محمرة الخدين: "جئت لأغسل ظهرك!"، قبل أن تهمس بصوت خافت: "وصدره أيضاً إن استطعت إقناعه، هي هي هي".
ردّ نيريز مبتسماً: "أهكذا، جئتِ لتغسلي الظهور إذن؟ أستغسلين ظهورنا جميعاً إذن؟".
"جميع... ظهوركم...؟".
انشق الضباب المخيم فوق الحمامات في تلك اللحظة عينه كإجابة عن سؤال إيلي، كاشفاً عن ثلاثة رجال طاعنين في السن يستحمون بالقرب.
قال أحدهم: "حمامات هذا النزل هي الأفضل بحق".
وأضاف ثاني: "أشعر بعظامي العجوز المتعبة تعود إلى الحياة...".
وهتف ثالث: "أهذه الفتاة الشايقة الجميلة؟ ظننت الحمام للرجال".
"لها أذنان بيضاوان مندليتان قليلاً. أترتدي زي أرنب؟ أجاءت لتلعب معنا؟".
"لا بد أنها هديّة من المالك شكراً لنا على كوننا زبائن أوفياء طوال هذه السنين!".
تجمدت إيلي المغطاة بمنشفة استحمام صغيرة فقط وسط حديث الرجال الثلاثة عنها. سرى الخفيف من الحمرة على وجنتيها بسرعة على وجهها بأكمله، محولاً إياه إلى أحمر كطماطم.
هتفت: "ل... ل... ل... لا...".
سأل نيريز محاولاً ألا يضحك: "لا؟".
"لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!".
انطلقت إيلي هاربة من الحمامات واختفت عن الأنظار في ومضة.
تنهد نيريز غاطساً في الماء حتى أنفه وقال: "نسيت حتى قدرتها على الاختفاء. أتمنى أن تتذكر ذلك قبل أن ينتهي بها المطاف جارية في النزل بأسره على هذه الهيئة...".
حقاً، ما عساي أفعل بها؟
* * *
وجد نيريز وإيلي أثناء نزولهما لتناول الإفطار صباح اليوم التالي صاحبة النزل تتبادل أطراف الحديث مع جين بجانب وليمة أعدتها لها على ما يبدو.
هتفت صاحبة النزل حين أبصرتهما: "أهلاً يا نيريز، ويا إيليرا! تعاليا لتُباركا لجين!".
قاطعت جين بسرعة ضاغطة بيدها على كتف صاحبة النزل: "أرجوكِ يا تيسا، لا داعي لذلك!".
سألت إيلي بفضول: "أحدث شيء ما؟".
"آه، إيليرا العزيزة، أأفلحتِ في إيجاد ملابسك؟ سمعتُ أنكِ كنتِ تجرين عارية في النزل".
أجابت الفيزار محمرة كطماطم مجدداً: "نعم، وجدتها! أرجوكِ، دعونا لا نأتي على ذكر ذلك!".
سأل نيريز بذات القدر من الفضول محاولاً تجنيب إيلي أي حرج إضافي: "ما الذي نحتفل به؟".
أجابت صاحبة النزل: "تنين!".
سأل نيريز وإيلي بصوت واحد: "تنين؟".
هتفت صاحبة النزل بافتخار: "هزمت جماعة جين تنيناً! هما أول جماعة تفعلها في تيريليا!".
صفق نيريز قائلًا: "يا له من أمر مبهر".
لم يكن متأكداً من ترتيب التنانين بين وحوش إيريندييا، لكنه بلا شك إنجاز ضخم للبشر.
وافقت إيلي مصفقة هي الأخرى: "ليس سيئاً بالنسبة لبشرية".
ضحكت جين مردفة: "أرجوكما، لا تجعلاني أحمر خجلاً"، ثم وضعت يداً على فمها.
"آه! غادرت المرة الماضية دون أن أعرّف بنفسي. اعذروا قلة أدبي. أخبركما تيسا بالفعل، لكني جين".
رفعت الفيزار يدها بمرح مردفة: "أنا إيلي. وهذا سييدي ومعلمي، نيريز".
سألته جين مائلة برأسها: "سيد ومعلم؟".
شرحت صاحبة النزل ضاحكة: "يبدو أنها نكتة داخلية بينهما".
اقتربت الشابة متسائلة: "عذراً لجهلي بالمناسبة. لا أقصد الإساءة، لكن من أي عرق تنتمين؟"، حتى اضطرت إيلي للتراجع اتقاءً لارتطام رأسها برأس المغامرة المتحمسة.
وضعت تيسا يداً على خدها مردفة: "تساءلت عن الأمر ذاته، إذ لم يسبق لي أن رأيت واحدة فعلاً. لكنكِ فيزارية، أليس كذلك عزيزتي؟".
ردت إيلي مبتسمة: "هذا صحيح، بشحمي ولحمي".
سألتي جين بالحيرة ذاتها: "فيزارية؟".
أوضحت تيسا: "إنه عرق يعيش حصرياً في العالم السفلي، لذا من النادر للغاية مصادفة أحدهم! نزلِي مبارك من الملوك حقاً! مع ضيوف مثلكم جميعا، يروج النزل لنفسه تلقائياً!".
ابتسمت إيلي قائلة: "قد يكون ملك واحد على الأقل قد باركه".
تأملت جين: "يا له من أمر ممتع... بصراحة، تخيلت سكان العالم السفلي بشكل مغاير تماماً".
أشار نيريز: "يوجد شياطين أيضاً...".
"آه! أجل! هذا أشبه بما دار في خلدي!".
احتجت إيلي: "يا له من تصرف فظ! قدّمنا ولاءنا لملكنا قبلهم بفترة طويلة...! بعدة أشهر على الأقل!".
بدت إيلي منزعجة قليلاً عندئذ فقط.
وضعت تيسا يدها على خدها مجدداً وبدأت: "على ذكر ملك الموت... وقع ضجيج هائل في الأحياء السفلى لتيريليا الليلة الماضية".
سأل نيريز مع تسلل شعور سيء إليه لدى ذكر ملك الموت: "ضجيج؟".
شرحت تيسا محركة يدها الطليقة: "يبدو أن حانة يرتادها المجرمون قد التهمتها النيران. بلا أسف. كانت وكراً للأوباش. لكن الغريب هو قول الناجين إن شخصاً واحداً فقط كان المسؤول: فتاة جميلة ذات ضفيرتين حمراوين".
سألت جين: "شخص واحد أحرق حانة ممتلئة بالمجرمين؟".
ضحكت صاحبة النزل: "طبعاً، هذا لا شيء مقارنة بهزيمة تنين يا عزيزتي".
"لم أكن أتسابُق يا تيسا!".
أردفت صاحبة النزل شاهرة ذراعيها: "ويُقال إن تلك الفتاة الجميلة كانت تبحث عمن يشبه نيريزيل".
كان نيريز يدلك جبهته برؤوس أصابعه بالفعل. بدا أن شعوره السيء كان في محله. أطلقت إيلي من جانبها تنهيدة استسلام ثقيلة. يبدو أن الخبر لم يفاجئها.
سألت جين وكأن الأمر أطبيعي ما يكون: "نيريزيل... نيريزيل... نيريزي... نيريز... أكانت تلك الفتاة تبحث عن نيريز؟ أتَعرفها يا نيريز؟".
أجابت صاحبة النزل عوضاً عنه: "لا يا عزيزتي. لولا إقامتكِ في نزلي لظننتكِ تعيشين تحت صخرة. نيريزيل هو اسم ملك الموت. لا توجد معابد كثيرة مكرسة له في فاتار، لكن تماثيله مبثوثة في المقابِر. لولا فعلنا ذلك ولو بالحد الأدنى، لقام الموتى الأحياء ضد المدينة. اختفت بلدات برمتها بهذه الطريقة".
حكت جين مؤخرة رأسها ضاحكة: "عذراً يا تيسا. لا أعرف شيئاً عن الدين... أو التاريخ... أو الجغرافيا... أنا آسفة حقاً. جاهلة تماماً أنا!".
حسنأ، جين ليست من هذا العالم حتى، لذا فالمتوقع ذلك. ومن ناحية أخرى، أنا جاهل تماماً بما يدور خارج العالم السفلي، رغم عيشي هنا لأكثر من ألف وخمسمائة عام... حسناً، تعلم القليل جزء من عطلتي. القليل فحسب، فالتعمق يزيد الحياة تعقيداً. أفضل العيش جاهلاً سعيداً.
نفشت تيسا صدرها قائلة: "لا تترددي في سؤالي متى ما واجهتك أي أسئلة يا عزيزتي. أي شيء من أجل فتاة ملصقاتي!".
ضحكت جين بخفة: "فتاة ملصقاتي... آه! تأخرت مجدداً! شكراً جزيلاً لكِ يا تيسا على الاحتفال. نيريز، إيليرا، أراكما لاحقاً، هنا أو في النقابة!".
رقب الثلاثة جين وهي تنطلق بسرعة تعادل ركضتها السابقة.
هتفت صاحبة النزل مصفقة بيديها: "حسناً! من يريد الإفطار؟".
بالكاد رفع نيريز وإيلي يداً واحدة، نقيضاً لحماس تيسا، وكل منهما غارق في أفكاره بشأن ما سمعاه للتو.
* * *
"سيدي نيريزيل، ما عسانا نفعل حيال تلك التي تعرفها؟"
"لا خيار لدينا. فلنبحث عنها فور الفراغ من أمرنا هنا قبل أن تتسبب في مزيد من المشاكل."
عاد الاثنان بعد الإفطار إلى نقابة المغامرين، إذ ما زال على نيريز تسليم مهمة المقبرة. استقبلتهم الموظفة رين بحماس فور دخولهما القاعة الرئيسية.
هتفت: "المغامر نيريز!".
سأل مقترباً من المرأة المتحمسة: "ألا يمكنك مناداتي بنيريز فحسب؟ يبدو لقب المغامر نيريز طويلاً للغاية...".
ردت الموظفة مبتسمة: "بالطبع! ويمكنك مناداتي برين، فهكذا يناديني الجميع. آه، والأهم من ذلك! وصلت عربة من عائلة أرتيوس حاملة مكافأة لك!".
سأل نيريز محتاراً: "مكافأة؟".
"هذا صحيح! ثروة صغيرة!".
"لا أظنني قدمت ما يستحق...".
هتفت إيلي في أذنه: "كيف تقول ذلك يا سيدي نيريزيل؟! لقد أنقذت المدينة! ربما العالم بأسره حتى!".
كل ما فعلته هو التجول قليلاً ومحادثة الناس. بدا الأمر محرجاً حقاً، لكنه ليس بالأمر الجلل... تنهد نيريز والتفت مجدداً نحو الموظفة.
"حسناً، رين إذاً. لست متأكداً إن كنت سأحتفظ بها، لكن بوسعنا تفقد المكافأة لاحقاً. أردت أولاً إبداء إنجازي لمهمة المقبرة".
"آه، بالطبع! شكراً جزيلاً لك! أعتقد أني ذكرت ذلك من قبل، لكن الموتى الأحياء تسببوا في مشاكل هنا دائماً. ينبغي لهم بناء معابد إضافية مكرسة لنيريزيل، ولكني لست ممن يتدخلن في شؤون هذه المملكة...".
تنهدت رين هذه المرة مسجلة اكتمال المهمة في سجلها.
"كل ما يمكنني فعله هو مطالبة مقر النقابة بإرسال عدد أكبر من الكهنة والمعالجين، لكننا بلغنا حصتنا بالفعل. لو أن المزيد من سحرة الموت يرغبون في المجيء إلى فاتار...".
أومأت إيلي بملامح راضية عن نفسها: "لا يمكن لتعداد المعابد المكرسة لنيريزيل أن يبلغ حداً فائضاً".
تابعت رين مناولة نيريز كيس نقود، وهو مكافأة مهمة المقبرة: "وعلاوة على ذلك، تفيد التقارير الأخيرة بأن الموتى الأحياء أبدوا تنظيماً أعلى من المعتاد خلال الأيام القليلة الماضية".
سأل نيريز مع بدء تسلل شعوره السيء الثاني لليوم: "أكثر تنظيماً؟".
ردت رين شاهرة ذراعيها: "هذا صحيح. يبدو وكأنهم يشكلون جيوشاً مصغرة من الموتى الأحياء... وردت التقارير الأولى من محيط ليندر، ومنذ ذلك الحين تترى تقارير مماثلة من مناطق أبعد فأبعد... كنت محظوظاً حقاً لنجاتك في الوقت المناسب تماماً".
"…".
سألت رين لدى رؤيته غامراً وجهه بكلتا يديه: "مم؟ نيريز؟".
راحت إيلي بجانبه تربت على ظهره قليلاً.