لم يتحرك أحد في حجرة الدفن. أو بتعبير أدق، وقف نيريز وإيلي بلا حركة يراقبون كايروس الذي كان فكه العظمي يصطك بلا هوادة عاجزاً عن كبح حماسته.
قال: "آه... آه! أووووه! كيف يمكن لأي شخص أن يشعر بهذا القدر من السعادة؟! لقد باركت هيئة ملكي السماوية محجري عيني!"
انطرح كايروس على الأرض ورفع ذراعيه نحو السماء.
"كنت لأبكي من الفرح لو امتلكت دموعاً، لكنّ النيران في عينيَّ كانت لتنطفئ حينها! يا لها من مفارقة قاسية!"
اقترب نيريز من الهيكل العظمي وجثا أمامه.
"لقد استخدمت الطاقة الروحية لإحيائك فقط. بعد ذلك، صرتَ مستقلّاً عني تماماً. لا أكاد أصدق أن النظام السماوي يسمح بمثل هذا. يجب بالتأكيد أن يظل الأمر سراً عن الملوك الآخرين، وإلا فلن أنتهي قط من شكاواهم."
أردفت إيلي من جانبه: "أظن أن هذا شيء لا يستطيع فعله سوى السيد نيريزيل وحده..."
أيمكن أن يكون للأمر صلة بكثافة طاقتي الروحية؟ لابد أن الكمية مهمة أيضاً بالنظر إلى أنني استخدمت حوالي مليون وحدة. أو ربما يتعلق الأمر ببساطة بالمدة التي قضيتها بنفسي كروح في بحر الفضة... لم يستطع نيريز رؤيتها، لكن الرموز الغامضة المنقوشة في عينيه تحركت حول حدقتيه اللتين شابه توهجهما الذهبي الضوء البادي على أفق بحر الفضة.
هتف كايروس من على الأرض: "شكراً لك على إطرائك يا ملكي! إن لطفك يمسني بعمق... حتى العظم! مع أنه ليس عميقاً جداً في حالتي!"
أعلن نيريز وهو يمد يده لمساعدة الهيكل العظمي على النهوض: "حسناً، الآن وقد اتضح أننا لسنا أعداء، يمكننا أخيراً إجراء محادثة متحاضرة."
(مع ذلك، ارتعشت عينه اليمنى قليلاً عندما أمسك كايروس قفازه بيديه العظميتين كلتيهما).
"لسنا أعداء؟ يتجاوز هذا بكثير مجرد غياب العداوة يا ملكي! أنا خادمك الأكثر تواضعاً! حملك الأكثر وفاءً! كومة عظام حقيرة مستعدة لتبعك إلى أبعد أصقاع الموت!"
"مم... أظن أنني أفضّل ترك مسافة أكبر قليلاً بيننا، لكن شكراً لك. النية هي ما يهم... وأيضاً، أيمكنك أن تهدأ قليلاً من فضلك؟"
أجاب الساحر المظلم وقد صار أهدأ الآن وهو ينحني مرة أخرى: "اغفر لي قلة لياقتي يا ملكي. أنت على حق. لقد سمحت لحماستي بأن تغلبني... ولكن أرجوك، أخبرني بما يمكنني فعله من أجلك. بالنظر إلى أنك من أعادني إلى هذا العالم، أنا مائل لتصديق أن لديك طلباً ما مني."
"في الواقع، لديك بالفعل... لن أسهب في التفاصيل، لكن كان هناك شيء أردت اختباره، وكانت النتيجة مثيرة للاهتمام للغاية. ما لم أكن أتوقعه هو ألا يكون هناك أي صلة بيننا على الإطلاق. والآن يحتم عليّ أن أكتشف ما سنفعله بك، لأنني أضطر للاعتراف أنك تجتذب قدراً لا بأس به من الانتباه..."
"لا توجد سعادة أعظم من إرضاء ملكي دون حتى أن أدرك ذلك! آه! أحم... أرجوك، لا تشغل بالك بي. في الواقع، كان هناك شيء خططت لفعله لو قُدر لي العودة إلى الحياة يوماً. لذا، إن لم تكن بحاجة لاستدعاء خدماتي مباشرة، فيمكنك أن تطمئن. أنا أعرف تماماً كيف أخدمك على أفضل وجه بنفسي."
تباً... كنت أنا من أحياءه بعد أبد الدهر... لا يمكنني تماماً إخباره بأنه لا حاجة لي بأياً ما كان ما ينوء بفعله... رغم أن لدي شعوراً رهيباً حيال هذا...
سأل نيريز: "مم، فقط للتأكد، أتحب ذلك الجسد حقاً؟ إن كنت تفضل ذلك، فيمكنني إعادتك إلى هيئتك السابقة (باستخدام الاستذكار)..."
"أه، أرجوك لا تقلق يا ملكي! هذه الهيئة التي منحتني إياه طاهرة بشكل مذهل! ناهيك عن الهدية الجديدة التي منحتني إياه! لقد وجدت قوتي الجديدة غريبة نوعاً ما عندما استيقظت من سباتي الطويل، لكن كل شيء بات منطقياً الآن."
قوة جديدة...
ذكرته إيلي: "السيد نيريزيل، أظن أن إيدران والآخرين لابد أنهم ينتظروننا بحلول الآن. علاوة على ذلك، لابد أن الهزات التي هزت القريب قد أصابتهم بتوتر شديد."
"أنت على حق. الأفضل أن نعود... يا كايروس، أيمكنك التدبّر بمفردك إذن؟"
"لا تقلق يا ملكي. أعدك بأن أخدمك على طريقتي الخاصة وأن أُجلّ كل ما منحتني إياه."
هذا تحديداً ما يقلقني...
"آه، لكن يا ملكي! قبل أن ترحل، اسمح لي أن أقدم لك قرباناً متواضعاً. فحسبك، لا يمكن لأي ساحر مظلم يحترم نفسه أن يكتفي بالتلقي فحسب!"
استدار كايروس وشق طريقه نحو تابوته، حيث ضغط على عدة نقوش بارزة تزينه بترتيب لا يعرفه سواه. اهتز القبر مرة أخرى، وإن لم يكن بالعنف نفسه الذي سبق. في الوقت ذاته، بدأ أحد الجدران ينغرس في الأرض، كاشفاً عن حجرة الكنز.
هتف كايروس ماداً ذراعيه على وسعهما: "تفضلوا! خذوا ما تحبون من أي شيء ترغبون به. ليس الأمر كأنني استطيع استخدام أي منها للاستمتاع بالكحول أو رفقة امرأة. فجسدي الطاهر يمنعني من الانغماس في مثل هذه النجاسات!"
قال نيريز وهو يختلس نظرة إلى إيلي بطرف عينه: "أرى ذلك..."
اكتفت بكتفيها مبالية.
"حسناً، شكراً جزيلاً لك يا كايروس..."
* * *
ركض إيدران نحوهما بمجرد أن برزا من الممر، لكنه توقف مكانه تماماً عند رؤية الكنز المكوم بين ذراعيهما: "أوجـدتما حجرة الكنز؟!"
أجاب نيريز: "شيء من هذا القبيل... لكن الهزات جعلت السقف يبدأ بالانهيار، لذا التقطنا ما استطعنا حمله وخرجنا تماماً بينما انهار المدخل خلفنا. خسارة حقيقية حقاً."
يجب أن أمضِ قدماً لمنعهم من لقاء كايروس بعد كل شيء. ليست لدي أي فكرة عن نوع المتاعب التي سيجلبها لي ذلك...
هتف إيدران: "على الإطلاق! ما تحملانه بالفعل ذو قيمة لا تصدق. كانت هذه الرحلة مربحة أكثر من قيمتها."
في الحقيقة، كان بإمكان نيريز تخزين الكنز بأسره في خاتم تخزينه. ومع ذلك، كان كايروس يحدق في ظهره باهتمام بالغ لدرجة جعلت نيريز يقرر أخذ ما يمكنه حمله بين ذراعيه فقط. بالطبع، كان كايروس مسروراً ببساطة بفرصة أن يكون مفيداً لمحل تبجيله.
أشار باستور وهو يقترب منهما: "بالحديث عن الهزات، لا نعرف متى قد تبدأ مرة أخرى. يجب أن نغادر هذا القبر في أسرع وقت ممكن."
صرخت يڤين وهي ترتجف متشبثة بالجدار: "ماذا تنتظرون؟! أسرعوا، أسرعوا!"
على ما يبدو، كانت فكرة الوقوع في الداخل ترعبها. التفت نيريز إلى الوراء للمرة الأخيرة نحو الممر الذي يتلاشى في الظلام. كلما غادرنا هذا القبر مبكراً، كان ذلك أفضل. أنا متأكد من أن ذلك اللقب في صفحة النص السماوي الخاصة بكايروس أودينتيس سيسبب لي الكثير من المتاعب...
[ملك الليتش]
* * *
في الوقت ذاته، وعودة إلى حجرة الدفن المظلمة في القبر، جلس هيكل عظمي يرتدي أثواباً احتفالية فخمة على حافة تابوت، واضعاً ساقاً فوق الأخرى.
"لنرَ... هناك طائفة نور معينة لدي حساب عظيم لأصفيه معها... هاها! الآن وقد عدت، يمكنني تسوية حسابنا مرة واحدة وإبدأ الأبد. لن يعرف نطاق السيد نيريزيل حدوداً!"