كان رذاذٌ خفيفٌ يهطل عند الغسق، لكن المطرَ توقَّف مع حلول الليل. لهذا تشكَّلت بركٌ كثيرةٌ في شوارع مدينة داسكهافن وأزقّتها. وفي أحد تلك الأزقّة وقف نيريز، يراقب انعكاس القمر على صفحة الماء.
"تدرك أن ثمة نافورة في ساحة صغيرة ليست بعيدة من هنا، أليس كذلك؟"
جاء الصوت من البركة التي كفَّت عن عكس صورة القمر، وباتت تعكس وجه الملكة سيلين الجميل.
"أجل. في الواقع، مررتُ بها حين كنت أبحث عن زقاق فيه برك."
"ولاحظتَ خلوَّ المكان من الناس، أليس كذلك؟"
"بلى، لم أرَ أحداً في الجوار. مكانٌ مثاليٌّ للتواصل معك، تماماً كما تلمحين."
"ومع ذلك قررتَ السير مسافةً أطول بحثاً عن بركة؟"
"بالضبط. أشعر أن بركةً قذرةً تحت قدمي تليق بك أكثر من انعكاسٍ في تلك النافورة."
"..."
"علاوةً على ذلك، أحمل معي مرآةً أصلاً. كان بوسعي عكس القمر فيها دون أدنى مشكلة."
"..."
"..."
"حسناً، أعترف أن ترك أولئك الأطفال في عهدتك كان تصرّفاً قسرياً بعض الشيء. لكنه السبيل الوحيد لجعلك تتعلق بهم."
"أتعلق بهم... لولا حالتهم، لتركتهم في أقرب دار أيتام."
"حالتهم؟"
"من الأفضل أن نتناقش في الأمر وجهاً لوجه."
عند كلمات نيريز، بدا ضوء القمر أكثر سطوعاً. وفي اللحظة التالية، انحدر شعاعٌ من الضوء وتحوَّل إلى سيلين.
أجابت الملكة بابتسامة: "حسناً، قُد الطريق."
* * *
وقفت سيلين تكتّف ذراعيها تحت صدرها، تراقب الطفلين وهما نائمان على أحد الأسرة داخل غرفة النُّزل.
لاحظت سيلين أخيراً: "يبدوان متعبين فحسب. مما قلته لي في الطريق، كانا على حافة الموت..."
"الاستذكار."
"الاستذكار؟"
شرح نيريز: "إنها مهارةٌ صغيرةٌ استخدمتُها عليهما. في هذه اللحظة، تتذكر أرواحهما الوقت الذي كانت فيه أجسادهما معافاة. إنها مفيدةٌ للغاية. لا أقتصر بها على تجديد أطرافٍ مفقودة، بل يمكنني ببراعةٍ من المستوى (أ) خلق أجسادٍ من العدم. يتطلب الأمر قدراً هائلاً من الطاقة الروحية، لكن هذا لا شيء... حسناً، هذا يتطلب قدراً هائلاً من الطاقة الروحية."
تنهدت سيلين هذه المرة: "لا تبدو هذه مهارةً صغيرةً على الإطلاق... هذا ما يتوقعه المرء من أحد ملوك إيرينديا الثلاثة المطلقين."
"رغم أنها لم تزل أثر الدماء التي قلتِ إنهما شرباها. لقد أصبحت مرتبطةً بأرواحهما مباشرة."
"حسناً، كان ذلك متوقعاً. شرب الفانون دماءً طقسيةً مباشرةً من وعاءٍ مقدَّس. يبدو أن وجودهما سيظل مرتبطاً بالدماء من الآن فصاعداً... مم، هذا يمنحني فكرة."
"فكرة؟"
أجابت سيلين بابتسامة: "قبل أي شيء، ما رأيك في قبول عرضي نهائياً؟ إذا تركناهما على حالهما، سينتهي بهما الأمر بالموت يوماً ما، ثم يأتيان لإزعاجك مباشرةً في العالم السفلي."
أجاب نيريز: "لديَّ طرقي لمنع حدوث ذلك. لكن صحيحٌ أننا لا نستطيع تركهما في دار أيتامٍ بالنظر إلى وضعهما. وترك أطفالٍ يتامى يواجهون مصيرهم وحدهم سيترك طعماً سيئاً في فمي..."
*حالما أجد مكاناً يبيع أقراصاً منعشةً للأنفاس، سأوفر على نفسي الكثير من المتاعب.* "أرأيت؟ لا خيار سوى أن نساعد بعضنا، نحن والأطفال."
"أخذكِ لهما، أو تركهما مع الفيسيار، خيارٌ أيضاً..."
سألت سيلين: "تلك السلالة من العالم السفلي التي تفضلها كثيراً؟ ما لم يحفظا الأطفال داخل حاجز، أظن أن الدماء ستسبب لهما مشاكل هناك أيضاً. وكما قلتُ، القمر ليس مكاناً للفانين. فثمة مخلوقاتٌ هناك ليست تحت سيطرتي، في نهاية المطاف."
شبك نيريز ذراعيه وأغمض عينيه لثوانٍ ليفكر.
قال أخيراً: "حسناً. سنمنحهما الوسائل لحماية نفسيهما."
هتفت سيلين وهي تصفق بيديها: "رائع! أفكر في تسمية السلالة الجديدة بأطفال الليل. ما رأيك؟"
*مع كل قصة الدماء هذه، يبدوان أشبه بمصاصي الدماء، لكنني سألتزم الصمت.*
* * *
في اليوم التالي، أو بالأحرى في الليلة التالية، كان الطفلان مجدداً داخل معبد القمر. تبادل كورينيو ومونيا النظرات. كان كلاهما يرتدي ملابس وأحذيةً جديدة، وبعد الحمّام الذي منحتهما إياه كاهنات المعبد، باتا نظيفين من قمة الرأس إلى أخمص القدمين.
هتف كورينيو وهو يشدُّ قبضتيه الصغيرتين بحماس: "مونيا، الآن سنكفُّ حقاً عن كوننا فانين! هل أنتِ مستعدة؟!"
أجابت الطفلة: "أجل... لستُ واثقةً أن هذه أفضل فكرة، لكننا شربنا الدماء بالفعل، فلا خيار آخر."
"لا تقلقي، سأحرص على ألا يصيبكِ مكروه!"
"لكنك أنت من يوقعني في المتاعب في المقام الأول..."
في تلك اللحظة، انفتح البابان المزدوجان لغرفة الطقوس على مصراعيهما، ودخل نيريز وخلفه سيلين. كانت سيلين تحمل وعاءً يشبه كثيراً ذلك الذي في معبد إتريسا، إلا أن هذا كان يحتوي على ماءٍ صافٍ كالبلور. حين وصلا إلى وسط الغرفة، وضعت سيلين الوعاء على المذبح وأشارت للطفلين بالاقتراب.
تنهد نيريز وهو ينزع أحد قفازيه: "إذن هذه هي الفكرة التي خطرت لكِ بينما كنا نتحدث عن الدماء..."
"بالضبط. بالنظر إلى الوضع، ألا تظن أن هذه أنسب طريقةٍ لمنحهما بركاتنا؟"
بهذا، التقطت سيلين سكيناً صغيراً على المذبح وخزت إصبعها السبابة. وفوراً، ناولته لنيريز الذي فعل الشيء نفسه. ترك كلٌّ منهما قطرةً من دمه تسقط في الوعاء. تمددت القطرتان في الماء حين بدأ يتوهج. بدا الوعاء الآن يشعُّ بضوء القمر من تلقاء نفسه، بينما شكَّل الماء دواماتٍ سوداء تتلألأ بلمعاتٍ من ألوانٍ شتى، كأنها أكوانٌ صغيرة. ناولت سيلين الوعاء للطفلين، فأمسكاه معاً.
قالت لهما بابتسامة: "كورينيو، مونيا، هذه فرصتكم الأخيرة للتراجع."
تبادل الطفلان نظرةً أخيرة، ثم قرّبا الوعاء من شفتيهما وشربا في آنٍ واحد. أومأت سيلين برضا واتجهت نحو نيريز بينما بدأ الطفلان يتوهجان.
بدأت سيلين حديثها بابتسامةٍ ماكرةٍ تشبه كثيراً ابتسامة إيلي: "لقد تقاسمنا دماءنا معهما... باتا طفلينا عملياً، ألا تظن ذلك؟"
"..."