ملك الموت يريد الاستقالة حقاً؟! الفصل 62 — ثمن الجبل (2)

اقرأ ملك الموت يريد الاستقالة حقاً؟! الفصل 62 — ثمن الجبل (2) باللغة العربية على مانجا تايم.

بدأت الأرض ترتجف تحت قدمي إدريك في اللحظة التي تصدّع فيها تمثال سيّد الجبل، وانبعث ضوء أخضر ساطع من شقوقه حتى كاد يعمي الأبصار. قفز إدريك مبتعداً وهو لا يزال يحتضن أولينا، بينما تهشّم التمثال تماماً وانفجر الضوء ليغمر المذبح. اتسعت عيناه حين خبا الضوء، كاشفاً عن كيان عملاق بقرون مهيبة وأنياب بطول ذراع الإنسان.

قال: "بالطبع، لن أسمح بموتي بهذه السهولة. عليك أن تهزمني".

تصاعد بخار من فكي العملاق أثناء حديثه، فبدت حرارته تلطّف الهواء المتجمّد من حولهم. خفّض إدريك بصره نحو ابنته لثوانٍ، ثم رفعه ثانيةً ليحدّق مباشرة في عيني سيّد الجبل.

سأل: "كيف لإنسان أن يقتل ملكاً؟".

لم يبدُ في سؤاله إنكارٌ لكلام الكيان العملاق، بل كان سؤالاً صادقاً، كأنما أراد حقاً معرفة السبيل إلى ذلك، وكيف ينقذ أولينا.

ضحك سيّد الجبل طويلاً وقال: "ملك؟ ربما كنت شيئاً كهذا يوماً ما، لكن في هذه الأراضي فحسب. ملك محلي، إن صحّ التعبير... أما الآن، فأنا لست سوى بقية مما كنت عليه".

حدّق فيه إدريك بذهول. كان كل حرف يخرج من ذلك الصوت العميق مشحوناً بقوة غامضة. ما من عاقل يرى كياناً كهذا ويصفه بمجرد بقية.

تابع سيّد الجبل: "مع ذلك، قد يكون الأمر مستحيلاً على أي إنسان عادي. لكن، كما قلتُ، أنت إدريك، آخر أبطال البشر، أليس كذلك؟".

أجاب إدريك وهو يضم ابنته إلى صدره: "كان هناك زمن دُعيت فيه بهذا. زمن كان هدفي الوحيد فيه بقاء شعبي. كنت أعمى عن كل شيء لدرجة أنني لم أرَ ما يحلّ ببيتي. لكن هذا لم يعد أنا. البطل لا يتخلّى عن شعبه ليطارد غاياته. أنا الآن لست أكثر من أب يائس".

تشكّلت ابتسامة بين أنياب الكيان العملاق للحظة. وقبل أن ينطق، سحب سيّد الجبل قربة جلدية من بين ثيابه وقذفها إليه.

قال: "غلّف سلاحك بهذا. إنه ماء من نبع مقدّس في هذا الجبل. وبما أنه جزء من جوهري، سيجعل سلاحك قادراً على جرحي".

التفت إدريك وسار نحو جذع شجرة قريبة، وأزاح الثلج عن جذورها، ثم وضع أولينا هناك برفق ليحميها قليلاً من العاصفة. عاد ليلتقط القربة التي عُرضت عليه.

قال وهو يركّب نصفي رمحه الذي كان يحمله مفككاً ومربوطاً بجانبي خصره: "أعتذر عن التأخير، يا سيّد الجبل. لكن إن سمحت لي بسؤال واحد، أودّ أن أعرف لمَ ترغب في الموت؟".

أصدر سيّد الجبل صوتاً من أنفه وهو يرجع يديه إلى الخلف ليستلّ فأسين عملاقين.

قال: "دعني أسألك العكس. لمَ قد أرغب في الاستمرار بالوجود؟".

رفع العملاق بصره نحو السماء للحظات قبل أن يخفّضه نحو خصمه، والفأسان بجانبه: "رأيت كل ما يمكن رؤيته. لم تعد هناك حياة على جبلي. كل ما تبقّى لي هو أن أتلاشى ببطء... ورغم أن اسمي قد نُسي، ومن عرفوا صنيعي لم يعودوا موجودين، فأنا أفضل الموت وأنا أستحضر أيامي كفارس".

أنهى إدريك تغليف رمحه المجمّع ووجّهه نحو سيّد الجبل.

قال وهو يتخذ وضعيته استعداداً للقتال: "إن كانت أمنيتك الموت، سأبذل كل ما في وسعي لتحقيقها".

نظر للحظة إلى ابنته الصغيرة المستلقية بين جذور الشجرة، ثم ثبّت عينيه مجدداً على خصمه: "أنت لا تقرأ الأفكار، لكن هل يمكنك تخمين الهجوم الذي أخطط له؟".

ابتسم سيّد الجبل بأنيابه وهو يتخذ وضعيته أيضاً: "لا تقلق. أنت كتاب مفتوح أمامي، لكنني لا أرى المستقبل. هذا أمر لا يبلغه إلا ملوك أقوياء، كملوك الزمن أو القدر".

زفر العملاق بقوة، مادّاً فأسيه أمامه: "لكن هذه مجرد قصص روتها لي أمي. ملوك كهؤلاء لم يظهروا قط في هذا العالم".

تراقبا في صمت للحظات. في الأفق، تراكم الثلج على غصن شجرة حتى ثقل وزنه فسقط، جارّاً الغصن معه. في تلك اللحظة بالذات، اندفع إدريك نحو الكيان العملاق بسرعة تفوق البشر. ورغم ضخامة حجمه، تحرّك سيّد الجبل بخفّة مماثلة. تفادى إدريك ضربة فأس العملاق بشعرة، فشقّت الضربة الأرض نصفين. استغل إدريك الثغرة ووجّه رمحه نحو رأس خصمه. لكن سيّد الجبل انحنى وصدّ الهجوم بأحد قرونه القوية.

أو هكذا بدا الأمر. فما إن تباعدا، حتى ظهر جرح على القرن، ثم انكسر نصفين وسقط على الأرض. ابتسم سيّد الجبل، وبينما كان يمرّر كل فأس عبر جسده نحو الجهة المقابلة لليد التي تمسكه، بدأت شفراتهما تتوهّج بضوء أخضر. غيّر إدريك موقعه بسرعة. ليس هرباً، بل لأن أولينا كانت خلفه.

قال العملاق: "كما تعلم، الملكة تيريا، أمي، كانت ملكة الرياح. وبصفتها تلك، تركت لي حيلة أو اثنتين".

استدار الكيان العملاق ليتبع خصمه، وما إن سطع فأساه بضوء قوي، حتى أرجحهما من خصره بقوة وحشية.

"شفرة الريح".

شقّت ضربات قوية من الضوء الأخضر، تجرّ الريح معها، الغابة إلى نصفين وأطلقت دويّاً صاعقاً. بالكاد نجح إدريك في تفاديها، لكن الهجوم ترك جرحاً غائراً دامياً عبر كتفه. ومع ذلك، وبدون أن يتردّد، اندفع مجدداً نحو سيّد الجبل الشاهق. ابتسم الكيان العملاق مجدداً، مستمتعاً بالمعركة، وبدأ أحد فأسيه يتوهّج ثانية قبل أن يطير من يده، يدور في الهواء ويطلق عاصفة في أثره. ورغم أن الهجوم اقتلع جذوع الأشجار في طريقه، غرس إدريك رمحه في الأرض بطعنة قوية واستخدمه ليقذف نفسه في الهواء، متجاوزاً سيّد الجبل.

"مطر المذنب".

سطع رمح إدريك بضوء أزرق، وتضاعفت طعنته إلى مئات الومضات التي اخترقت دفاعات سيّد الجبل ومزّقت جسده في مواضع لا تُحصى. بحلول الوقت الذي توقّف فيه الرمح عن التوهّج، كان شريط من الدم يسيل من زاوية فم سيّد الجبل.

قال: "جيد جداً... لكنه لا يكفي!".

بحلول الوقت الذي أدرك فيه إدريك الأمر، كان قد فات الأوان. الفأس الذي تفاداه قبل لحظات كان عائداً من خلفه. حاول الدفاع عن نفسه، لكن سيّد الجبل، الذي كان لا يزال يمسك بأحد فأسيه، ضرب من الأمام ورفع رمح إدريك بقوة، مما أجبر دفاعه على الانفتاح وتركه مكشوفاً للسلاح العائد من الخلف.

"آه!".

في اللحظة التالية، اخترق الفأس جسد إدريك وحمله معه، تاركاً إياه مثبّتاً على جذع شجرة بعيدة.