كان الوقت قد تجاوز الظهيرة، مع أن التوهج العنبري لبلورات العالم السفلي لم يكاد يتغير. التغييرات الوحيدة الملحوظة كانت تأتي من التعديلات الطفيفة التي تُجري على الحاجز المكاني المحيط بالمعسكر. لم تكن ساي متعبة، لكن شعوراً غريباً تملكها ودفعها للاستلقاء تحت ظل شجرة على أطراف المعسكر. كان هذا عالماً آخر. كل شيء كان جديداً ومختلفاً. ومع ذلك، بقيت بعض الأمور على حالها دائماً.
كانت لا تزال تعيش بمعزل عن البقية، تماماً في وسط حضارتها. وفي هذه الأثناء، ظل أوسيفيل وإيلي متلازمين كعادتهما دائماً.
"في الواقع، يبدو أنهما أقرب من أي وقت مضى الآن..."
غطت ساي وجهها بكلتا يديها.
"هل أنا شخص سيء لأنني أشعر بهذا؟"
لم تجد إجابة، بل شعرت بالإحباط يتصاعد داخلها، فركلت بقدميها في الهواء محاولة التخلص من ذلك الشعور.
"...هل كل شيء على ما يرام؟"
سحبت ساي يديها عن وجهها بخشية الأسوأ، واجتاح الاحمرار وجنتيها عندما رأت أن مخاوفها كانت في محلها.
"السيّد نيريزيل...!"
لو وجت حفرة قريبة، لتمنّت لو تختبئ فيها. أهم كائن عرفه أي فيسيار للتو رأى تصرفاتها كفتاة صغرى.
"ل-ليس الأمر كما تبدو عليه، السيّد نيريزيل! كنت فقط...! كنت أتمدد فحسب!"
"حقاً؟ لأنني إن كنتِ تواجهين مشكلة، فلن مانع عندي في الاستماع."
جلس نيريز بجانب ساي تحت ظل الشجرة. لم يكن الوقت متأخراً بعد، ولكن كما هي الحال طوال اليوم، جعل الضوء العنبري الأمر يبدو وكأن المساء قد حلّ بالفعل.
"لا أعتقد أنه يجب أن أخبرك بأمور كهذه، السيّد نيريزيل... إنها مجرد مشكلات سخيفة."
تمدد نيريز على العشب وعيناه مغمضتان، ومنحها ابتسامة مطمئنة.
"هذا هو نوع المشكلات التي لا أمانع التورط فيها تماماً: السخيفة منها. لو كنا نتحدث عن حرب مقدسة، لكنت اختبأت في مكان بعيد جداً بحلول هذا الوقت..."
ومع ذلك، إن كنت صادقاً مع نفسي، فإن الاستعداد لشيء كهذا هو السبب تماماً في مجيئي للاختباء في العالم السفلي منذ البداية.
"أعتقد أن أي شخص سيختبئ في منتصف حرب مقدسة، السيّد نيريزيل..."
"حسناً؟ لن أكون مستعداً دائماً للاستماع إلى مشكلات الآخرين. هذه فرصتك."
ضمت ساي ركبتيها إلى صدرها ودفنت وجهها بينهما لبضع لحظات. لكنها عندما رفعت رأسها أخيرًا، كسرت الصمت بينما انحرفت نظراتها نحو الأفق.
"أنا خائفة، السيّد نيريزيل."
فتح نيريز عينيه ببطء. كان بإمكانه رؤية سقف الكهف الهائل، المرصع بآلاف البلورات، بينما تحمل النسائم الجوفية الغامضة روائح الوادي معها.
"هذا مفهوم. أنتِ في عالم جديد، وكل ما عرفته لم يعد موجوداً... لكن... حتى لو زال عالمك السابق، فلحسن الحظ أنكم جميعا بأمان. هذا هو الأهم. ولا داعي للقلق. أفيلي ستضمن بقاء الأمور على هذا النحو."
"ليس هذا قصدي، السيّد نيريزيل... أنا خائفة مما سيحدث لصداقتنا إن أفصحت عن مشاعري لأوسيفيل... إن رفضني أوسيفيل، فهل سنظل نحن الثلاثة قادرين على البقاء أصدقاء؟ وإن قبل أوسيفيل اعترافي، فماذا ستتقول إيلي؟ وما الذي تشعر به إيلي تجاه أوسيفيل؟"
كلما تحدثت ساي، شحب وجه نيريز أكثر.
"أرى... أمور القلب... ممم، تلك ليست نقطة قوتي تماماً، بصراحة..."
"إنني أبدو سخيفة، أليس كذلك؟"
بلع نيريز ريقه، نادماً على الفوضى التي أقحم نفسه فيها للتو. مقارنة بمشكلات الرومانسية لدى الشباب، ربما لم تبدو الحرب المقدسة سيئة إلى هذا الحد بعد كل شيء.
"لا، لا، أبداً... لو كنت مكانك، لما تمكنت من النوم ليلاً."
"هاها، لا أستطيع تخيل السيّد نيريزيل يمر بمثل هذه المشكلة. لا بد أن لديك زوجات عديدات وفيلقاً من الأصدقاء..."
نظر إليها نيريز وكأنه لم يفهم كلمة واحدة مما سمع للتو.
"الشيء الوحيد الذي أملكه هو شبه أليف تعض اليد التي تغذيها... علاوة على ذلك، لم أخض سوى موعد غرامي واحد في حياتي (أو حياتيَّ؟)، ودعونا نقول فقط إنه لم يسِر بشكل جيد للغاية."
هذه المرة نظرت إليه ساي وكأنها لم تفهم كلمة واحدة مما سمعت للتو.
"كيف يكون ذلك ممكناً؟ ماذا حدث في هذا الموعد؟"
"لا أتذكره جيداً. مضت سنوات عديدة جداً، بصراحة... رغم أنه يمكنني القول، من بين أمور أخرى، إنني متُّ."
"أنت... متُّ؟"
"رغم أن ذلك كان أقل مشاكلي أهمية..."
حان دور ساي ليشحب وجهها. للحظة، نسيت أنها كانت جالسة بجانب ملك. كانت حفيدة الأركون على دراية تامة بميثولوجيا أتلينيا. وكانت تعلم أن الملوك تختبر أموراً كثيرة لا يستطيع البشر العاديون تحملها أبداً.
"أنا آسفة، السيّد نيريزيل... لقد سألت عما لم يكن ينبغي لي سؤاله."
اعتتدل نيريز في ججلسته، وهو يحك رأسه، ويبدو عليه الإحراج بوضوح.
"آه، لا، لا تقلقي. لقد حدث ذلك منذ زمن بعيد جداً. الآن لا أُريد سوى السلام والهدوء... وهو ما يبدو، ويا للغرابة، صعب المنال إلى حد ما. لكن دعونا نترك هذا جانباً. كنا نتحدث عما يُقلقك."
"ما كان يقلقني؟ مقارنة بالموت... تبدو الأمور تافهة لدرجة أنني أشعر بالحرج من الاستمرار في الحديث عنها..."
"أبدأ! قد لا أعرف الكثير عن الموضوع، لكنني متأكد من أن الحب بالنسبة للشابات هو حقاً مسألة حياة أو موت! (أو هكذا قالت روايات الرومانسية على الأقل...)"
أطلقت ساي ضحكة خفيفة، وكانت قد أصبحت أكثر استرخاء بكثير من ذي قبل. كانت قد سمعت أن النظر إلى مدينة أتلينيا من قمة منارتها العملاقة يجعل مشكلات المرء تبدو أصغر. وقد تجاوز هذا الأمر ذلك بكثير.
"لكن السيّد نيريزيل، هل هذا يعني أن لديك بعض النصائح لتقدمها لي؟"
شبك نيريز ذراعيه وهو يفكر في الأمر.
"صحيح أنه عندما يتعلق الأمر بالحب، فأنا مبتدئ... لكن هناك شيء واحد يمكنني قوله. الحياة قصيرة."
"الحياة قصيرة؟"
"بالضبط. حتى بالنسبة لك، ممن يمكنهم العيش لألاف السنين، فالحياة قصيرة. وكلما طال عمرك، أصبحت أقصر."
"جدي يقول شيئاً مشابهاً..."
"في الواقع، إنه لأمر مثير للاهتمام. إذا كان عمرك عشر سنوات، فالعشر سنوات تبدو وكأنها أبدية. إنها كل ما عشته على الإطلاق. لكن إن كان عمرك ثمانين عاماً، فهي مجرد ثمن حياتك، والسنوات التي بدا ذات يوم أنها ستستغرق وقتاً طويلاً تمر قبل أن تلاحظيها حتى."
"أرى..."
"أحم! عذراً، لقد حِدت عن الموضوع. ما أعنيه هو أنه إن كان لديك ما تقولينه، فلا تحتفظي به لنفسك. لا أحد يعرف ما قد يحدث غداً. يمكنني أن أضمن أن أحداً لن يخطف أياً منكم مرة أخرى، لكن إيلي أو شخصاً آخر قد يعترف لأوسيفيل أولاً. ألن تندمي على عدم المحاولة حتى قبل حدوث ذلك؟"
"السيّد نيريزيل... أنت محق! الندم على الفشل بعد محاولة أفضل من الفشل لعدم المحاولة على الإطلاق."
أومأ نيريز برأسه، وهو راضٍ عن نفسه. لقد نجا من مهمته كمستشار عومانسية دون وقوع حوادث كبرى.
"لكنني لا أعرف كيف أحصل على لحظة بمفردي معه... إن أخبرته أنني أُريد التحدث معه على انفراد، فسيكون الأمر واضحاً جداً للجميع."
"هذا صحيح. هناك أيضاً الآثار السياسية لاعتراف أميرة الفيسيار بمشاعريها. سنحتاج إلى تجنب تحويل الأمر إلى استعراض"، أجاب نيريز وهو يدلك ذقنه مفكراً.
"يذهب أوسيفيل وإيلي للصيد في الصباح، ولكن حتى لو أردت الانضمام إليهما، فسيكون ثلاثتنا معاً، ولن تكون هناك لحظة منفردة للتحدث معه..."
بدت ساي محبطة. لقد حشدت شجاعتها، لكن تنفيذ الخطة كان أكثر تعقيداً مما بدا.
"ربما... يمكنني... الذهاب معكم أنتم الثلاثة... سننقسم إلى أزواج... يمكنني أن أطلب من إيلي أن تريني المنطقة..."
قال نيريز هذا بينما كان يندم على كل كلمة غادرت فمه.
"السيّد نيريزيل! لا أعرف كيف أشكرك!"
*** بقيت سيريس، وإن كان ذلك على مضض، لحراسة المعسكر. ساد كل شيء وفقاً للخطة. وبمجرد دخولهم الغابة، انقسمت مجموعة الأربعة. وافقت إيلي بسعادة على أن تكون مرشدة نيريز، رغم أنه كان عليها التنافس مع أوسيفيل على هذا الدور، إذ كان قد عرض ذلك أيضاً. ولكن على الرغم من أن نيريز لم يكن لديه خبرة كبيرة في الحب، إلا أن خبرته في مراقبته من بعيد عبر آلاف الحياة أخبرته بأن كل شيء قد سار بسلاسة شديدة.
وقد أثبتت حدسه صحتها بعد وقت قصير من انفصال المجموعة.
"هل كنت أقف في الطريق، السيّد نيريزيل؟"
سألت إيلي وهي تعبث بغصن وجدته على طول المسار، تثنيه ذهاباً وإياباً.
"أتقفين في الطريق؟"
سألت نيريز، تاركاً نظراته تحوم بعيداً.
"أنت تعرف ما أعنيه"، أجابت إيلي، وهي تلتف برأسها وتبتسم بمشاكسة.
"ماذا يحدث إن كنت معجبة بأوسيفيل أيضاً؟ ألن تساعدني أنا أيضاً، السيّد نيريزيل؟"...
سماوي، لما تفعل بي هذا؟ أود حقاً التذمر هكذا، لكنني الملك الوحيد هنا...