لم يكن مجرد تجويف أرضي هائل. امتد أمامهم ما يشبه وادياً مترامياً تحيط به جدران صخرية ضخمة. نموت الأعشاب والأشجار هناك وفي الأفق ظهرت حيوانات ومخلوقات غريبة وهي ترتوي من الأنهار المتعددة التي تقطع تلك الأرض. في الأعلى تألقت البلورات التي تبث ضوءاً عنبرياً في هذا المكان مثل سماء صناعية لتضيء كل شيء.
قالت: "هذا مذهل..."
شبكت ساي يدَيها أمام صدرها وعجزت عن تحويل نظريتها. وبجانبها كان جدها ثايلور كبير أساقفة الفيسيار يفرك عينيه غير مصدق لما يراه أمام عينيه.
قال سيريس: "حسنناً هذا أكبر وادي وجدناه."
تقدمت سيريس حتى حافة الحفرة عند فم الكهف ووضعت يدَيها على خاصرتها راضية عن استكشافها للعالم السفلي.
"لا أدري إن كانت كلمة وادي هي المناسبة لكن علي الاعتراف بأن العالم السفلي يعج بمساحات تحت الأرض ضخمة ومليئة بكل ما هو غريب..."
اقترب نيريز أيضاً من الحافة وأخذ نفساً عميقاً. لسبب ما كان الهواء نقياً للغاية رغم التواجد في أعماق الأرض.
قال: "يبدو هذا المكان الأكثر قابلية للعيش حقاً..."
هتف ثايلور وهو يهرع بدموع في عينيه: "سيدي نيريزيل! سيدي نيريزيل! أيمكننا العيش هنا حقاً؟"
"إن لم تعيشوا هنا فهذه مشكلة. لم يتبقَ لدي الكثير من جوز شجر السماء..."
حنى ثايلور رأسه باحترام ثم استدار نحو بقية الفيسيار لينظم النزول عبر الممر الضيق والانحدار الذي يوصل من الكهف إلى الوادي.
قال نيريز وهو يخاطب ساي التي اقتربت منه: "لا أريد الإساءة لكن كبير الأساقفة يبدو كجد قلق على عائلته أكثر من كونه سيّد مدينة عظيمة..."
أطلقت ساي ضحكة صغيرة رداً على ذلك.
"هذا ليس مسيئاً البداية يا سيدي نيريزيل. لقد كان جدي دوماً جداً أكثر من كونِه كبير أساقفة."
"كبير الأساقفة يعني سيّد مدينة أليس كذلك؟ لكن بالتحديد؟ أملك؟ أم بارون؟"
مالت ساي برأسها للتفكير بينما وضعت إصبعاً نحيلاً على ذقنها.
"في عالمنا الملك هو من يحكم أكثر من منطقة واحدة. أما كبير الأساقفة فهو لقب يصف السيطرة على مدينة ودولة واحدة والأراضي المحيطة بها. وفي حالتنا تلك كانت الجزيرة التي تقع فيها أتلينيا."
"مثير للاهتمام. لو استطاع كبير الأساقفة إدارة أكثر من مدينة لربما تُرجمت الكلمة في عقلي إلى بارون أو ما شابه."
راقبت ساي نيريز بفضول وهو يتمتم لنفسه بأمور لا يجدها مثيرة للاهتمام سواه إلى أن عجزت عن كتم سؤالها.
"تُرجمت؟ ظننت الملوك تعلم كل شيء. وفقاً للسيدة سيريس على الأقل..."
"ماذا؟ أنا؟"
التفتت سيريس برأسها للحظة لكنها عادت فوراً لتفقد الوادي بحثاً عن شيء تستحق مقاتلته.
أوضح نيريز: "حسنناً قدمت سيريس تفسيراً بسيطاً لكنه ليس خاطئاً تماماً. أساساً وبصفتنا ملوك نملك القدرة على فهم ما يُقال لنا والتعبير عن نوايانا حتى لو لم نكن نعرف الكلمات ذاتها."
حسناً في الواقع إنها كتابة الملوك التي تتولى الترجمة حسبما اكتشفت بعد لقائنا مع ميريا لكني لا رغبة لي في الخوض بشرح ما هي كتابة الملوك...
"أه فهمت! أعتذر عن إزعاجك بجهلي!"
لم يملك نيريز إلا أن يبتسم باحرج. ظل يحاول طوال يوم أمس لكنه استحال إقناع ساي بأنها لا تحتاج لمعاملته بمثل هذا الرسمية. كان الأمر أشبه بإخبار ميريا بأنها لا تحتاج للصلاة باسمه كل ليلة...
"كفى ثرثرة! لننزل إلى الوادي ونتخلص من الأمر!"
عجزت سيريس عن احتمال تأمل المنظر فاقتحمت المسافة بين نيريز وساي وحثتهما على اللحاق بصفوف الفيسيار المنحدرين عبر الجدار الصخري.
بدأت ساي تفرك أصابعها بتوتر وراحت تسأل: "إن كان بإمكاني طرح سؤال أخير..."
"ما طبيعة العلاقة بينكما بالتحديد؟"
نظرت إليها سيريس دون أن تفهم قصدها بينما لم يتأكد نيريز لثانية واحدة.
"الأمر أشبه بامتلاك حيوان أليف لكنه أكثر شراسة بكثير. ولا مشكلة لديها في عض اليد التي تطعمها. حرفياً."
في تلك اللحظة رفع نيريز يده في الوقت المناسب لاعتراض رأس سيريس بينما كانت تنقض عليه وفمها مفتوح. أطلقت ساي ضحكة أخرى قصيرة لكن بصرها تحول سريعاً نحو أصدقائها الذين كانوا يساعدون كبير الأساقفة في النزول. اكتست وجنتاها بحمرة خفيفة وفي الوقت نفسه علت وجهها نظرة قلق.
* * *
لحسن الحظ كان الوادي مليئاً بالفواكه والمكسرات المتنوعة لذا لم تتلقَّ حصص نيريز المتناقصة ضربة أخرى. مع ذلك كانت رحلة طويلة بحق. وحتى بعد الهبوط مرت عدة ساعات أخرى. غير أن الضوء لم يتغير مع مرور الوقت لأنه كان منبعثاً من البلورات المغروسة في سقف الحجر لا من شمس ما. حين وصلوا أخيراً إلى مفترق النهر الأكبر في الوادي كان نيريز قد قضى وقتاً طويلاً من الرحلة يضيع الوقت في التفكير في مدى سماكة الستائر التي سيتطلبها نومه في ذلك المكان.
أما بالنسبة للفيسيار الذين استطاعوا التحكم في الضوء الداخل عبر حواجزهم فلم يكن الأمر يهمهم.
هتف ثايلور وهو يخطو ذهاباً وإياباً بحماس: "هذا يبدو مكاناً مثالياً لبناء مستوطنة! الأرض منبسطة وتبدو خصبة وهذا النهر يكفي لاستدامة مدينة أكبر بكثير من أتلينيا الحبيبة."
"يجب أن نطلق عليه اسماً... سيدي نيريزيل! أتتولى الشرف؟"
"أنا؟"
"لا اسم تختاره قد يكون سيئاً بحال من الأحوال!"
تقول هذا بثقة بالغة تجعلني أكاد أميل لاتخاذ الأمر تحدياً لكنني سأتراجع...
تدخلت سيريس وقد أصابها الإحباط لعجزها عن إيجاد خصم جدير بالمقاتلة: "تباً هذا غالباً آخر وادي في إيرينديا قبل نهر الموت. لم لا نسميه الوادي الأخير وحسب؟"
"أه أيتها السيدة الحاصدة! يا له من اسم رائع!"
نجحت في إجبار الناس على مناداتها هكذا بالفعل...
"أظن ذلك أيضاً. الاسم يحمل طابعاً رومانسياً ويناسب توهج البلورات العمبرية الشبيه بغروب الشمس."
"حسناً إذن وبمباركة السيد نيريزيل... سيُدعى هذا الوادي رسمياً الوادي الأخير!"
قال نيريز وهو يصفق برفقة سيريس وساي وقد تركز انتباههما في مكان آخر: "كل هذا جميل يا ثايلور لكن..."
"ألا يجب أن تفعل شيئاً حيال الوحش الذي يأكل شعرك؟"
خلف كبير الأساقفة وقف حيوان ضخم ذو أربع قوائم وفراء بني ذهبي وذيلين كثيفين أبيضين ولبدة بيضاء وكل قائمة متينة كانت بحجم ثايلور نفسه تقريباً.
سأل العجوز بدموع في عينيه: "سأموت أليس كذلك؟"
سألت سيريس: "وما المشكلة في ذلك؟ أنت في العالم السفلي بالفعل."
احتج ثايلور: "الأمر ليس سيّان أيتها السيدة الحاصدة!"
"تباً حالما نسيطر على نهر الموت فسيان."
لكن نيريز الذي كان يراقب الوضع بهدوء ويده على ذقنه قاطع الحديث: "ممم لا أظن الأمر سيصل إلى هذا الحد... يبدو أنه يتغذى فقط على شعرك. أراهن أنه عاشب."
هتفت ساي وهي تشبك يديها بذهول: "يا له من مخلوق مهيب! لو كان وديعاً ولطيفاً كما يبدو فلربما استطعنا استئناسه. سيكون عوناً كبيراً في النقل وحراثة الأرض!"
علق ثايلور ونصف شعره معلق في فم الحيوان: "هذه حفيدتي تفكر دائماً ككبيرة أساقفة مستقبلية. جدك فخور بك يا غالية."
أعلنت سيريس وهي تعقد ذراعيها: "إنها وحوش العالم السفلي وهذا يعني أنها تتبع نيريز! الأفضل لك أن تحسن رعايتها!"
"بالتأكيد أيتها السيدة سيريس! لكِ مني عهد!"
لا أعرف شيئاً عن امتلاك هذه المخلوقات لكني أتفق مع جزء العناية بالحيوانات...
"ساي بما أن شعبك هو من سيعيش معها في هذا الوادي فلمَ لا تفكرين باسم لهذا الجنس؟"
"سيكون ذلك شرفاً يا سيدي نيريزيل!"
تأكد نيريز عبر كتابة الملوك أن هذا الجنس اللبوني ما زال بلا اسم. ورغم ذلك لم يكن يدري لمَ تحمل بعض الأشياء أسماءً وأخرى لا. أأنه لأنها موجودة في عوالم أخرى أيضاً؟ أم لأن أحداً أو شيئاً ما سماها مسبقاً؟
هتفت ساي أخيرًا: "ما رأيك ب... إيلوك! جنس الإيلوك! في لغتنا القديمة يعني نذير حظ سعيد. تكريماً للقائنا بالسيد نيريزيل وهذا الوادي الرائع!"
[---]
[حيوان عاشب متين من العالم السفلي. رغم حجمه المهيب فإنه يمتلك مزاجاً وديعاً وميلًا قوياً للعيش في قطيع]
لم تسجل كتابة الملوك التغيير بعد... غريب. يبدو اسماً جيداً في نظري. لكن بعد وقت قصير من موافقة نيريز ظهر التغيير مفاجئاً إياه.
[إيلوك]
[حيوان عاشب متين من العالم السفلي. رغم حجمه المهيب فإنه يمتلك مزاجاً وديعاً وميلًا قوياً للعيش في قطيع]
يا لها من غرابة...
علق العجوز وقد بدأ لعاب الإيلوك يسيل على رأسه: "أه يشبه صديقتك إيليرا!"
ضحكت ساي وهي تتابع الحيوان وهو يمرر لسانه على رأس ثايلور: "صحيح فكلمة إيل تعني الحظ أو السعادة... مع أني لا أستطيع تخيل رأي إيلي في مشاركة جزء من اسمها بعد رؤية الإيلوك وهو يمص رأسك يا جدي."
"كبير الأساقفة...! كبير الأساقفة...! ساي؟ أتنت هنا أيضاً...؟ آه! سيدي نيريزيل! أرجو المعذرة على اقتحامي!"
قاطع شاب الحديث واصلاً وهو يجري ويكافح لالتقاط أنفاسه. كان وسيماً وبارعاً في فن السيف وأحد أفضل صديقين لساي إلى جانب إيليرا.
"أوسيفيل؟! ما الأمر أيها الفتى؟! ألا ترى أننا في حضرة قداسة السيّد؟!"
آه... إذن لم ننتهِ بعد من قصة السيادة تلك...
"إنها إيلي يا كبير الأساقفة! لقد خُطفت إيلي!"
...أيكون وقاحة إن قلت إن هذا الوضع لا ينصف اسمها كثيراً؟