الفصل 22: أهذا من فعلِك؟
أخذ نيل'فيس نفسا عميقا ليهدئ من اضطرابه ثم ابتعد، وهو يعلم أن سلطته على العناكب قد انتهت.
بعبارة أخرى... حفيف! حفيف!
اندفعت العناكب مرة أخرى نحو المجموعة، ولم تكن ترى سوى اللون الأحمر. كان سيرجو وجمال قد أغمضا عينيهما بالفعل، مستسلامين لمصيرهما، بينما ترك آرثر يحاول بذل قصارى جهده لوقف نزيف أخيه الذي لا يتوقف، ولكن للأسف... كانت يداه العملاقتان كبيرتين بما يكفي لتغطية الثقب، لكن ذلك كان الشيء الوحيد الذي يمكنهما فعله.
تدفقت الدموع بغزارة من عيني آرثر وهو يملي ناظريه على العلامات المحترقة مكان عيني أخيه.
كان الأمر أشبه بعيش حالة من الديجا ڤو، إذ تذكر اليوم الذي اصطحبه فيه عمه إلى المستشفى ورؤية أخيه الأكبر ملقى على السرير ووجهه وتورسه ملفوفان بالضمائر.
كل ما كان بإمكانه فعله في ذلك الوقت هو البكاء والبكاء بينما كان يمسك بيد أخيه، شاعرا بالعجز التام.
لقد ظن أنه لو وقع في نفس الموقف، لكان الأمر مختلفا، لكنه ها هو ذا، يشارك نفس العجز الذي شعر به عندما كان طفلاً.
ووش! ووش!
بينما قفزت العناكب فوقهم وغرست أنيابها في أجسادهم، استخدم آرثر ظهره العريض لحماية ليفي، ولم يسمح لعنكبوت واحد بلمسه. حتى إن جمال وسيرجو عانيا من عضمات بالغة للحفاظ على سلامة شيا حتى اللحظة الأخيرة.
كان الأمر وكأن لديهما بصيصا من الأمل فيها...
"طوطم... الحماية، أشرق... بنورك."
لقد اتخذا أفضل قرار ممكن، ففي اللحظة التي دُفنا فيها تحت جبل العناكب، انبثقت ومضة ضوء مفاجئة من الشقوق، مطلقَةً ضوء شمس مركز ومنقى في كل مكان!
أُصيب نيل'فيس أحد الأشعة وشعر وكأن رصاصة قد اخترقته، مما أجبره على القفز بعيداً على الفور. وفي اللحظة التي هبط فيها على شجرة، لمس الثقب الذي في صدره بتعبير عابس، شاعرا بالألم الحارق يجتاح كيانه.
لكن، لم يعر الأمر اهتماماً كبيراً حيث كانت عيناه مثبتتين على ظهور مفاجئ لقبة ذهبية متلألئة، كافية لاحتواء جماعة شيا!
أما عن جبال العناكب؟ فقد تم القضاء عليها بالفعل، مما جعل ما تبقى من العناكب يهرب مذعوراً بعيداً عن القبة الساطعة.
"هاه... ألم نمت؟"
رفعا سيرجو وجمال رؤوسهما بعد أن شعرا بالدفء يسري في أجسادهما. كان الأمر وكأنهما يستحمان تحت عمودهما المقدس. حتى جروحهما كانت تلتئم بوتيرة مريحة بينما خدر الألم.
"تباً لك يا أبي... أكان عليك حقاً أن تجعل التعويذة المخصصة طويلة ومعقدة إلى هذا الحد؟" تحدثت شيا أخيرا وهي تمسك بقلادة متلألئة تشبه الشمس.
"شيا، أهذا ما أظنه..." اتسعت عيناها جمال عدم تصديق وهو يحدق في القلادة المتلألئة.
قبل أن تتمكن من الرد، هتف سيرجو بصدمة: "إنها هي! طوطم حماية من الفئة 'أ'... القبة الشمسية!"
كان رد فعله مفهوما، فهذا الطوطم لم يكن يُباع للعامة، بل كان يُستخدم كهدية من ملاذ الإيجيس الشمسي لمكافأة أعلى خمسة متجولين نهاراً تصنيفاً في لوحة صدارة منطقة هيليودور المقدسة!
لقد كان كنزاً لا يُقدر بثمن حتى بالنسبة للمتجولين نهاراً ذوي الرتب العالية، ومع ذلك كان بين يدي شيا.
"ليس هذا وقت مناقشة كنز أبي." أمرت شيا بنبرة مستعجلة، "ما زلتا ذراعاي مكسورتين، ساعدا الأخوين لارسون على التعافي بشكل أسرع! لدي زوج من طواتم التعافي في حقيبتي."
مدّ سيرجو وجمال يديهما بسرعة إلى حقيبة شيا وأفرغا كل شيء على الأرض. إلى جانب بعض أدوات التجميل والشعر، وجدا طوطم هجوم، وطوطمي دفاع، وطوطمي شفاء.
عندما رأوها، لاموا أنفسهم لعدم تفكيرهم في النبش في أغراضها مسبقاً دون إذنها. لكن الأمر أصبح من الماضي.
أخذا طواتمي التعافي، وركز كل منهما على أحد الأخوين لارسون. قلب سيرجو آرثر فاقد الوعي بعيداً عن ليفي وسكب السائل الوردي على شفتيه فوراً.
على الرغم من أن جسده كان مليئاً بعقضات العناكب الصغيرة، إلا أنها كانت كثيرة جدا، مما جعله يفقد كمية كبيرة من الدم. ومع ذلك، لم تكن حالته قاسية بأي حال من الأحوال مثل حالة ليفي.
"تباً... هذا، هذا كثير جدا."
ساءت تعابير وجه الجميع بعد انكشاف جرح بطن ليفي الهائل... فقد كانت أحشاؤه مكشوفة ليراها العالم.
"أطعموه!" صرخت شيا بغضب في وجه جمال المصدوم، "القبة الحماية تبقيه على قيد الحياة."
وكما قالت، قد يكون ليفي فاقدا للوعي تماما، لكنه كان لا يزال يتنفس بضعف. ولولا مهارة الشفاء التي تتمتع بها قبة الحماية، لكان في عداد الأموات بالفعل.
هذا ما ظنوه، ولكن في الواقع، كان ليفي لا يزال على قيد الحياة بسبب كيان واحد... ودون علم أحد، كان ليفي يلتقي به الآن في حلمه.
شوهد ليفي وأش'كرال يقفان فوق حقل فارغ وميت بسماء قنّيّة، وغيوم، وقمر متصدع يتلألأ من الأعلى.
تحولت ملابس ليفي وشعره إلى اللون الأسود الحالك بينما ظل أش'كرال كما هو، محتفظا بمظهره المرعب الشبيه بالخفافيش.
أدرك ليفي على الفور أنه داخل حلم وأن أش'كرال قد اقتحمه، محولا إياه إلى البيئة التي يريدها.
حقيقة وجوده هنا جعلته يفترض أنه لا يزال على قيد الحياة في الخارج، مما يعني أن شيا قد نجحت في تفعيل طوطم الحماية الخاص بها.
وفي حين أن ليفي لم يكن يعلم أي نوع من طواتم الحماية كان بحوزتها، إلا أنه كان الوحيد القادر على سماع همساتها الخافتة بالتعويذة، مما مكنه من تخمين نوع الطوطم.
لهذا السبب بذل قصارى جهده لكسب الوقت من أجلها، حتى أنه عرض حياته للخطر في هذه العملية. إنه فقط لم يكن يعتنق فكرة أن نيل'فيس لن يهتم بحديثه الدبلوماسي وسيواجهه في أي وقت من الأوقات.
"أش'كرال، أهذا من فعلِك؟ كن صريحا، أعتقد أننا تجاوزنا مرحلة السخافة منذ زمن طويل." سأل ليفي.
"إذا كنت تتحدث عن فخ ملكة عناكب المتلصصة، فلا علاقة لي به."
طفى أش'كرال نحو ليفي وهو منحني الظهر ومخالبه طويلة لدرجة أنها كانت تحتك بالأرض. وعندما أصبح على بعد متر واحد منه، أظهر ابتسامة شريرة واعترف قائلا: "لكن، كنت أعلم بشأنه."
"..." صمت ليفي.
لقد أثار صمت أش'كرال واختفاؤه منذ مناقشتهما الأخيرة حول العقد بعض المخاوف في عقده.
كان يعلم أن أش'كرال لن يتخلى عنه بهذه السهولة، وليس بعد أن قضى عقدا في مراقبته وإنقاذه لنفسه.
"ماذا الآن؟ أعتقد أن الغلبة لك." رفع ليفي ذراعيه بابتسامة مريرة، "افعل ما بوسعك، فليس لدي خيار كبير على أي حال."
لم يكن ليفي واهما ليعتقد أن أش'كرال لم يجلب إلى هنا إلا إذا كان متأكدا من أن الغلبة له في مفاوضاتهما.
"يعجبني عندما تكون عاقلاً." ضحك أش'كرال، "مع ذلك، من العدل فقط أن أُريك مدى سوء وضعك. لا أريد أن أسمعك تشكو من أنني خدعتك."
أفرقع أش'كرال بإصبعه، وتموج القمر المتصدع وكأنه بحيرة هادئة. ثم انعكست صور العالم الخارجي عليه، مما أذهل ليفي.
"أستطيع أن أرى... كيف؟" تمتم ليفي وهو يلمس علاماته المحترقة.
لسوء الحظ، لم تكن عيناه موجودتين حتى في عالم الأحلام. ومع ذلك، ظهرت مشاهد شيا والآخرين وهم يبذلون قصارى جهدهم لإيقاظه حية مثل صوت في غرفة صامتة.
"أنا أشارك رؤيتي معك، استمتع بها طالما أنها تدوم." أجاب أش'كرال.
ولكن، عندما رأى حالة أخيه الأصغر، انطفأت فرحة رؤية العالم الحقيقي بعد عقد من الزمان... ومع ذلك، لم يكن هذا أسوأ ما في الأمر.
تحول المشهد إلى نيل'فيس وهو يلقي بأشجار عملاقة وصخور ضخمة على القبة الشمسية. ولقد بدا غاضبا للغاية وهو يلعن شيا والآخرين.
"أهذا ما أجنيه لمجرد محاولتي أن أكون لطيفا؟ أهدر طاقتي ووقتي من أجل نتيجة محسومة؟!"
تصدع! تصدع!
في كل مرة كانت تحطم شجرة أو صخرة القبة الشمسية، كانت تطلق موجة من ضوء الشمس المنقى، مما يضعفها شيئاً فشيئاً.
'القبة الشمسية رائعة ضد المتسللين الليليين وقدراتهم، لكنها لا تعمل بالقدر نفسه ضد أشياء الحياة الحقيقية.'
أظلم وجه ليفي، مدركا أنه إذا وااستمر نيل'فيس في قصفه، فسوف يدمر القبة في أقل من نصف ساعة.
كان من المفترض أن تكون نصف ساعة كافية لكسب بعض الوقت حتى وصول التعزيزات، لكن الشبكة كانت معطلة، ولم يكن أحد يعلم ما إذا كانت شعلات الطوارئ الخاصة بهم قد لوحظت أم لا.
حتى لو لوحظت في الوقت المناسب، فإن الأمر يستغرق ساعة تقريباً، إقلاعاً وهبوطاً، من الموقع المتقدم إلى الغابة باستخدام الدواب.
بكلمات أبسط، كانت هناك فرصة كبيرة لأن يصل إليهم نيل'فيس قبل وصول التعزيزات... هذه المرة، لن يهدر لحظة واحدة في تحطيم رؤوسهم.
"لقد أثبتّ نقطتك، أنا مستعد لتوقيع العقد الذي تريده." طلب ليفي بنظرة قبول لا تكل، "شرطي الوحيد هو إنقاذ أخي والآخرين."
في نظره، لن يرفض حتى لو كان العقد مجرد هراء محض. فهو المسؤول عن جلب أخيه إلى هذه الورطة، وهي ورطة فاقت قدراتهم.
كان يفضل أن يفقد بصره عشر مرات على أن يدع أخيه يموت.
"بالطبع سأفعل ذلك، أنا لست وحشاً." ابتسامة أش'كرال الشيطانية كانت تقول غير ذلك.
دون جدال، لوح بيده، واستدعي عقد ليلي ضخم أمامهما.
لقد كان مكتوباً ومجهزاً بالفعل، حتى أنه كان موقعاً باسم أش'كرال في الأسفل. الشيء الوحيد المفقود كان توقيع ليفي.
قبل أن يقرأ ليفي الشروط، شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري عند فكرة أن أش'كرال قد صاغ هذا العقد لأكثر من عقد من الزمان، بانتظار هذه اللحظة بالذات.
ولكن بعد ذلك، نظر فوقه ورأى الرعب الذي كانت تعانيه مجموعته. أخذ نفسا عميقا ونظر مرة أخرى إلى أش'كرال.
"هناك مثل قديم قرأته في كتاب." ابتسم ليفي، "يقول، إذا أرادت شركة نفط شراء أرضك، فربما يوجد نفط تحتها."
"ما الذي من المفترض أن يعنيه ذلك؟" رفع أش'كرال حاجبه باهتمام.
أجاب ليفي بهدوء وهو يبدأ في قراءة شروط العقد: "أليس واضحاً؟ لا أعرف سبب سعيك وراء جسدي، لكني أعلم أن هناك شيئاً هناك. أنا فقط حزين لأنني لا أعرف ما هو قبل بيعه..."
"وقّع العقد وستكتشف ذلك." ابتسم أش'كرال عريضا.